المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصوص شاركوني الإعجاب بها ...


ابراهيم عبد المعطى داود
12/08/2008, 09:51 PM
أحاسيس موجه
البحر يمتد حتى يذوب فى الأفق ..
الشاطىء رملي فى معظم أحواله وصخري فى بقية الأجزاء ..
ثمة موجة صغيرة قادمة من أعماق البحر وتتجه نحو الشاطىء ..
الموجة تحس بالقلق وشىء من الخوف .. فتحت الموجة فمها المائي وأرادت أن تتنهد أو تتأوه أو يشاركها أحد فى مشاعرها لعلها تزيح عنها هذا الهم الجاثم على صدرها ..
ولكن كل الأمواج كانت مشغولة بنفسها وليس لديها وقت تضيعه ..
وذاد قلق الموجة الصغيرة .. كانت تقترب من الشاطىء فتزيد مخاوفها ..
أن الشاطىء يعنى الموت بالنسبة لها .. سوف تصل اليه فتتكسر وتتبدد على رمال الشاطىء وتتحول الى ذبد أبيض وتفقد لونها الأزرق الصافى ..وبهذا يسدل الستار
على حياة الموجة ..
تباطأت الموجة وهى تقترب من الشاطىء , ولاحظت موجة ضخمة هذا الموقف فقالت للموجة الصغيرة :
-هل تعبت ..؟هل ترغبين فى المساعدة ..؟هل تحسين بدوار البحر ..؟
قالت الموجة الصغيرة :
-لست متعبة
-ماذا اعتراك إذن ..؟
قالت الموجة الصغيرة :
-إننى قلقة لإقتراب الشاطىء ..الآ يعنى هذا النهاية ؟
ابتسمت الموجة الكبيرة ثم عادت الى العبوس ,وارتفعت مياه البحر ثم عادت تنخفض ..
وأخيرا تكلمت الموجة الكبيرة وقالت للموجة الصغيرة :
-لست وحدك ..أنت جزء من البحر والبحر جزء من المحيط .. ستعودين الى البحر الذى تبددت عند شاطئه ..أنت خائفة من الموت ..ليس هناك موت يعنى النهاية ..هناك ميلاد جديد فى صورة جديدة ..أنت اليوم جزء من المحيط وغدا تصبحين جزء من السحاب وربما تسقطين على جبل مرتفع وتتحولين الى ندف من الثلج ..وربما تحولت فى الربيع الى مياه تسقى زهرة وحيدة فى الجبل ..
لاتفكرى فى الموت كنهاية كما يظن بعض البشر ..انما هو بدءجديد فى صورة لايعرفها المبتدأ ولا يحيط بها الخبر .
النص للكاتب الصحفى / أحمد بهجت نشر فى الأهرام "صندوق الدنيا "
بتاريخ 24/5/2007 -

ناهدة حجازي
12/09/2008, 01:27 AM
حقا إن الموت بدء جديد

ابراهيم داوود


اختيار موفق وجميل


تحيتي ،،

ريمه الخاني
12/09/2008, 01:32 AM
القصه جميله جدا استاذنا الكبير وتستحق النشر, وربما تصلح للكبار والصغار:
لرهافة فكرتها
وبراءة طرحها
ورقة حاشيتها
ولكن لفت نظري نحوي!!!
وتتحول الى ذبد أبيض=وتتحول الى زبد أبيض
كل التقدير

ابراهيم عبد المعطى داود
07/23/2010, 09:18 PM
يُحكى أنه فى زمن بعيد جدا، فى تلك الحقبة التى أعقبت سجود الملائكة لآدم، وسكنه فى جنة عدن، وقبيل هبوطه إلى الأرض، كان هناك حرف لا نعرفه من حروف الأبجدية، يقع بين «الميم» و«النون».



فى البدء لم يكن هذا الحرف موجودا، كانت الأبجدية بنفس الحروف التى نستخدمها الآن، وكان آدم يكلم بها الملائكة والطيور والأشجار. يرمق ما حوله بالبراءة الأولى وفرحة البدايات. نام على الرضا واستيقظ على الفرحة حين شاهد امرأة خُلقت من ضلعه الذى يجاور قلبه، ولذلك أحبها على الفور. وقر فى قلبه أنها زوجته وأن اسمها «حواء».



كانت بديعة الحسن، صافية اللون، لها عينان أخاذتان. راح يرنو إليها فى وله، سعيدا من رأسه إلى قدميه. حينما أراد أن يعبر عن فرحته بها وٌلد هذا الحرف لأول مرة من قلبه إلى شفتيه. ويُحكى أن هذا الحرف - الذى هو ابن شرعى للحب - لم يكن حرفا عاديا مثل باقى الحروف، بل كانت له خواص سحرية. كثيرا ما كان يغادر الأبجدية، ويطير فى الهواء مثل عصفورة ملونة، مثل فراشة ذهبية، ليبحث عن المعانى الجميلة والصفاء الكونى الغالب.



يطوف مع الإلكترونات حول نواة الذرة، يصغى إلى تسبيح العصارة الخضراء وهى تصعد إلى أعلى ورقة، ومثل النحلة يمتص رحيق الزهور ليصنع شهد الحب. وبعد أن يكتسى بالمعانى الجميلة يشتبك مع حروف أى كلمة فتكتسب خواصا سحرية، وتتحول إلى كلمة: «أحبك».



ويٌحكى أن آدم وحواء كانا سعيدين بحرفهما السحرى. يستيقظان من الصباح الباكر، يتنزهان بين الخمائل والغصون، يسيران الهوينى بجوار الجداول، يكتشفان منابع الأنهار، يشاهدان الأسماك الفضية وهى تثب فى الماء، يحاولان فى جذل أن يقبضا على قروش الشمس الفضية المتسللة بين أوراق الشجر.



ويحكى أن فى هذا الزمن بالذات، وآدم يبوح بحبه لحواء، ويدشنان ميلاد البشرية، ويستمعان لخرير الماء الجارى بأوراق الزهور، ويفهمان لغة الطير والحيوان، وتسبيح الأكوان لخالق الأكوان، وسرور الطيور التى لا هم لها إلا الغناء، والسمر مع الملائكة، وفرحة الطين بتجليات الروح.



ويحكى أن آدم حينما ارتكب المعصية، وتعكر صفاؤه الداخلى، وصمتت موسيقاه الخفية، وهبط مع حواء إلى الأرض، شاهد الحرف السحرى يغادر الأبجدية ويرفض أن يغادر جنة عدن. لأحقاب طويلة ظل آدم يذرف دموع الندم، يحترق بالحنين إلى أيام الصفاء الأول، وإلى ذلك الحرف السحرى الذى كلما اشتبك بكلمة تحول إلى كلمة «أحبك». ومنذ ذلك الحين تحاول البشرية، عبثا، أن تسترجع الحرف المفقود، تؤلف قصيدة، تنشد أغنية، تقع فى الحب، تداوى جريحا، تصنع معروفا، تديم التحديق إلى السماء، تطيل السجود.



وكلما نقص رصيدنا من السكينة رفعنا عيوننا إلى السماء، حيث تقع جنتنا القديمة، نحترق بالحنين إليها وإلى الحرف المسحور.للكاتب والأديب د/ أيمن الجندى

ابراهيم عبد المعطى داود
07/25/2010, 07:26 PM
فى ليل القاهرة

بقلم د. سحر الموجى ٢٥/ ٧/ ٢٠١٠
■ الجو حار والرطوبة خانقة كأن السماء انغلقت على نفسها فحولت المدينة إلى فقاعة، هواؤها قليل وراكد. صفوف السيارات تتلوى كالثعابين التى تحاول الهروب من حريق هائل. وجوه السائقين مقطبة تترصد سنتيمترات خالية كى تسبق السيارات الأخرى إلى احتلالها.

أشعر بالاختناق. يظهر بقامته الطويلة بانحناءة خفيفة فى ظهره، قميص مكوى وبنطلون أسود، شعر رمادى لرجل فى الخمسين أو يزيد قليلا. أوقف سيارتى فى زحفها البطىء حتى يعبر فى سلام. تلتقى أعيننا فيبتسم لى رافعا يده اليمنى نحو قلبه شاكرا. تضىء الابتسامة سماء القاهرة. أشعر بنسمة خفيفة تخترق الفقاعة وتلمس وجهى على استحياء.

■ تفترش مساحة صغيرة من رصيف الكوبرى الذى يعج بالباحثين عن نسمة هواء. تتربع أمام قفص من الجريد تتراص فيه الذرة الطازجة وفوقه ما يشبه الشواية الصغيرة حيث تقبع بعض أكواز من الذرة يقترب لونها الآن من الذهبى. المروحة تتحرك فى يدها فيتوهج قلب كرات الفحم بالأحمر. وجهها الأسمر ينز عرقا ساخنا تتركه يتساقط فوق جلبابها. تطير نقطتان من العرق نحو الشواية فيطقطق الفحم الساخن إثر التقائه بنقاط الماء. يقف أمامها طفلان يحملان ملامح متشابهة. أعينهما لا تتحول عن الذرة الذهبية.

■ يرتج الكوبرى العريض تحت إطارات السيارات المسرعة فى ماراثون بلا نقطة نهاية. سيارات تتبارى فى إثبات أنها الأقوى (تريلات وسيارات (٤x٤)، وأخرى تختال بأنها الأجمل والأحدث موديلا بألوانها الفضية والحمراء والذهبية. وسيارات أخرى تسير على قشر بيض تدعو الله بسلامة الوصول إلى الهدف دون خسارة. على اليمين تفترش الأسرة الكبيرة رصيف الكوبرى بحصير تتراص فوقه أكواب الشاى وأطباق الترمس وزجاجات المياه. يجلس الجد بجلبابه الأبيض على كرسيه البلاستيك وبجانبه ابنه الأربعينى الذى يحتجز بين ساقيه طفلا يحبو. تدور الضحكات بين الجميع. شباب العائلة يستندون إلى السور الحديدى للكوبرى الذى يكشف النيل العريض من تحته وبعض الجزر الخضراء، والذى يسمح بالتأكيد لدفقات الهواء الليلى بأن تمسح بنعومة على وجوه الجميع.

■ تحمل على ذراعها اليمنى طفلا لا يتعدى العام وتجر بالذراع الأخرى طفلة تبدو فى الرابعة من العمر وفوق نفس الذراع تتأرجح حقيبة ثقيلة. يسيرون ككتلة واحدة على رصيف الكوبرى المزدحم بالكراسى والبشر، كتلة تعانى صهد الليلة وأبواق السيارات الغاضبة. يزيد رداؤها الأسود من حرارة الجو فتلمع ملامحها السمراء التى تشبه ملامح الطفلين بقطرات عرق بارد. تقف الكتلة السمراء أمام بائعة الذرة. تفلت البنت من يدها كى تدفع ثمن الذرة. عندما تقضم البنت الذرة تتسع ابتسامتها وتسرح الابتسامة إلى وجه الأم.

■ يسيران على رصيف الكوبرى ببطء كأنهما لا يهدفان إلى الوصول إلى مكان بعينه. تدل ملابسها على اهتمام يزيد قليلا على العادى. لقد بذلت جهدا فى اختيار الألوان وتنسيقها فبدت كأنها لوحة مرسومة بعناية. تنظر إلى الإمام محاولة طمس ظلال ابتسامة تحاول أن تطفو فوق شفتيها. وينظر هو إليها بطرف عينه محاولا رسم ملامح الجدية وهو يتحدث محركا يديه يمينا ويسارا فى محاولة للإمساك بالمعنى. يهمس هواء الليل حولهما ببعض أسرار الغرام.

ابراهيم عبد المعطى داود
08/02/2010, 03:03 PM
من مواعظ الامامي الشافعي رحمه الله
أنطقتهم الدراهم

قال الشافعي رحمه الله:
وأنطقت الدراهم بعد صمت
أناسا بعدما كانوا سكوتا
فما عطفوا على أحد بفضل
ولا عرفوا لمكرمة ثبوتا


مروءة العلم:
قال الشافعي رحمه الله:
على قدر علم المرء يعظم خوفه
فلا عالم الا من الله خالف
وآمن مكر الله بالله جاهل
وخائف مكر الله بالله عارف


التغلب بالصبر على الفاقة:
قال الشافعي رحمه الله:
أمطري لؤلؤا سماء سرنديـ
ـب وفيضي آبار تكرور تبرا
أنا ان عشت لست أعدم قوتا
واذا متّ لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي
نفس حر ترى المذلة كفرا
واذا ما قنعت بالقوت عمري
فلما أزور زيدا وعمرا


الرضا بالقدر
قال الشافعي رحمه الله:
دع الأيام تفعل كما تشاء
وطب نفسا اذا حكم القضاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء
وكن رجلا على الأهوال جلدا
وشيمتك السماحة والوفاء
ورزقك ليس ينقصه التأني
وليس يزيد في الرزق العناء
ومن نزلت بساحته المنايا
فلا أرض تقيه ولا سماء
وأرض الله واسعة ولكن
اذا نزل القضاء ضاق الفضاء
دع الايام تغدر كل حين
فما يغني عن الموت الدواء


السخاء
قال الشافعي رحمه الله:
وان كثرت عيوبك في البرايا
وسرّك أن يكون لها غطاء
تستّر بالسخاء فكل عيب
يغطّيه , كما قيل, السخاء
ولا ترج السماحة من بخيل
فما في النار للظمآن ماء


سهام الليل
قال الشافعي رحمه الله:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه
وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطي ولكن
لها أمد وللأمد انقضاء


تأمّل
قال لشافعي رحمه الله:
تموت الأسد في الغابات جوعا
ولحم الضأن تأكله الكلاب
وعبد قد ينام على حرير
وذو نسب مفارشه التراب


الدنيا سراب
ومن يذق الدنيا فاني طعمتها
وسيق الينا عذبها وعذابها
فلم أرها الا غرورا وباطلا
كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي الا جيفة مستحيلة
عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فان تجنّبتها كنت سلما لأهلها
وان تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفس أولعت قعر دارها
مغلّقة الأبواب مرخيّ حجابها

السفيه
اذا نطق السفيه فلا تجبه
فخير من اجابته السكوت
فان كلمته فرّجت عنه
وان خليّته كمدا يموت

وقال أيضا:
يخاطبني السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما
كعود زاده الاحراق طيبا



العفو والمداراة
قال الشافعي رحمه الله:
لما عفوت ولم أحقد على أحد
أرحت نفسي من همّ العداوات
اني أحييّ عدوي عند رؤيته
لأدفع الشرّ عني بالتحيّات


الشدائد
قال الشافعي رحمه الله:
ولربّ نازلة يضيق لها الفتى
ذرعا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج



لو كان حبّك صادقا
قال الشافعي رحمه الله:

تعصي الاله وأنت تظهر حبه
هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته
ان المحب لمن يحب مطيع



يا واعظ الناس

قال الشافعي رحمه الله:
يا واعظ الناس عمّا أنت فاعله
يا من يعدّ عليه العمر بالنفس
احفظ لشيبك من عيب يدنّسه
ان البياض قليل الحمل للدنس
كحامل لثياب الناس يغسلها
وثوبه غارق في الرجس والنجس
تبغي النجاة ولم تسلك طريقتها
ان السفينة لا تجري على اليبس



شكوى

شكوت الى وكيع سوء حفظي
فأرشدني الى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور
ونور الله لا يهدى لعاصي

حب الصالحين

قال الشافعي رحمه الله:
أحبّ الصالحين ولست منهم
لعلي أن أنال بهم شفاعة
وأكره من تجارته المعاصي
ولو كنا سواء في البضاعة



اعمل بنفسك

قال الشافعي رحمه الله:
ما حكّ جلدك مثل ظفرك
فتولّ أنت جميع أمرك


صيانة النفس
قال الشافعي رحمه الله:
صن النفس واحملها على ما يزينها
تعش سالما والقول فيك جميل
ولا تولّين الناس الا تجمّلا
نبا بك دهر أو جفاك خليل
وان ضاق رزق اليوم فاصبر الى غد
عسى نكبات الدهر عنك تزول


قلة الاخوان
قال الشافعي رحمه الله:
ولا خير في ودّ امرىء متلوّن
اذا الريح مالت, مال حيث تميل
وما أكثر الاخوان حين تعدّهم
ولكنهم في النائبات قليل


المرء بعلمه
قال الشافعي رحمه الله:
تعلّم فليس المرء يولد عالما
وليس أخو علم كمن هو جاهل
وان كبير القوم لا علم عنده
صغير اذا التفّت عليه الجحافل
وانّ صغير القوم وان كان عالما
كبير اذا ردّت اليه المحافل

حب آل البيت
قال الشافعي رحمه الله:

يا آل بيت الرسول حبّكم
فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظم الفخر أنكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له

وقال:
يا راكبا قف بالمحصّب من منى
واهتف بقاعد خيفها والناهض
سحرا اذا فاض الحجيج اذا منى
فيضا كمتلطم الفرات الفائض
ان كان رفضا حب آل محمد
فليشهد الثقلان اني رافضي


حفظ اللسان
قال الشافعي رحمه الله:

احفظ لسانك أيها الانسان
لا يلدغنّك انه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الأقران

نعيب زماننا

نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزمانا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب
ولو نطق الزمان لكان هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكل بعضنا بعض عيانا

وللناس أعين
قال الشافعي رحمه الله:

اذا رمت أن تحيا سليما من الرّدى
ودينك موفور وعرضك صين
فلا ينطقن منك اللسان بسوأة
فكلك سوءات وللناس أعين
وعيناك ان أبدت اليك معائبا
فدعها, وقل: يا عين للناس أعين


ترك الهموم
قال الشافعي رحمه الله:
سهرت أعين ونامت عيون
في أمور تكون أو لا تكون
فادرﺇ الهمّ ما استطعت عن النف
س فحملانك الهموم جنون
ان ربا كفاك بالأمس ما كا
ن سيكفيك في غد ما يكون


عين الرضا
قال الشافعي رحمه الله:
عين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكنّ عين السخط تبدي المساويا
ولست بهيّاب من لا يهابني
ولست أرى للمرء ما لا يرى ليا
فان تدن مني تدن منك مودتي
وان تنأ عني, تلقني عنك نائيا
كلانا غنيّ عن أخيه حياته
ونحن اذا متنا أشد تغانينا

العلم الحق
قال الشافعي رحمه الله:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة
الا الحديث والا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه: قال, حدثنا
وما سوى ذاك وسواس الشياطين

ابراهيم عبد المعطى داود
08/09/2010, 07:53 PM
من أجمل قصائد نزار قبانى

قالت لهُ...
أتحبني وأنا ضريرة...
وفي الدُّنيا بناتُ كثيرة...
الحلوةُ و الجميلةُ و المثيرة...
ما أنت إلا بمجنون...
أو مشفقٌ على عمياء العيون...

قالَ...
بل أنا عاشقٌ يا حلوتي...
ولا أتمنى من دنيتي...
إلا أن تصيري زوجتي...
وقد رزقني الله المال...
وما أظنُّ الشفاء مٌحال...

قالت...
إن أعدتّ إليّ بصري...
سأرضى بكَ يا قدري...
وسأقضي معك عمري...
لكن..
من يعطيني عينيه...
وأيُّ ليلِ يبقى لديه...

وفي يومٍ جاءها مُسرِعا...
أبشري قد وجدّتُ المُتبرِّعا...
وستبصرين ما خلق اللهُ وأبدعا...
وستوفين بوعدكِ لي...
وتكونين زوجةً لي...
ويوم فتحت أعيُنها...
كان واقفاَ يمسُك يدها...
رأتهُ...
فدوت صرختُها...
أأنت أيضاً أعمى؟!!...
وبكت حظها الشُؤمَ...

لا تحزني يا حبيبتي...
ستكونين عيوني ودليلتي...
فمتى تصيرين زوجتي...
قالت...
أأنا أتزوّجُ ضريرا...
وقد أصبحتُ اليومَ بصيرا...

فبكى...
وقال سامحيني...
من أنا لتتزوّجيني...
ولكن...
قبل أن تترُكيني...
أريدُ منكِ أن تعديني...
أن تعتني جيداً بعيوني

ابراهيم عبد المعطى داود
08/13/2010, 11:05 AM
أيام فى الجنة

بقلم د. أيمن الجندى ١٣/ ٨/ ٢٠١٠
ربما أديت العمرة مرارا، ولكن يبقى للعمرة الأولى مذاقها الفريد التى ربما لا يتكرر فى المرات التالية. مازلت تذكر رهبة السفر والاستعدادات المحمومة قبل الرحيل، وشحوبك وأنت ترتدى ملابس الإحرام البيضاء. والطائرة مكتظة من حولك، والوجوه منهكة وسعيدة. بمجرد أن تقلع الطائرة ترتفع تكبيرة الإحرام فى صوت جماعى مزلزل يبعث على القشعريرة مختلطة بفرقعة زغاريد تخرج من القلب. تنهمر دموع وتنسكب عبرات فيما الطائرة ترتفع إلى السحاب تحملها قلوب العاشقين.

................

تصل إلى مطار جدة. تنطلق الحافلة على جناح الشوق إلى مكة، قدس الأقداس. الأجساد متعبة والقلوب مستيقظة. وهواء الصحراء جاف ومنعش. والأضواء البعيدة الغامضة على مدى البصر. صحراء الرمال الصفراء والجبال الشامخة. ومن زجاج الحافلة تلوح بيوت مكة مغروسة فى التلال، ممعنة فى الجلال، غارقة فى الصمت والتأمل.

داخلك شىء لا يصدق أنك فى مكة. هناك حيث وُلد الرسول وصُنع التاريخ واتصلت السماء بالأرض. شىء خيالى وحزين لا يُصدق فى الليل المكى، وجلال يبعث الرهبة والقشعريرة.

..................

تتوقف الحافلة، تخرج منها شاحبا مرتعدا. أمامك أسوار الرخام العالية. وساحة بيضاء على مدى البصر، وحمام أبيض يطير فوق رأسك بالضبط ويحط عند موضع قدميك، ويمشى معك دون خوف. تدلف من الباب المتسع، تهبط الدرجات الرخامية. وعلى الجانبين تصطف براميل حمراء تمتلئ بماء زمزم. وعن بعيد يبدو لك شىء أسود اللون مكعب الشكل متوسط الحجم. شىء يشبه الكعبة المشرفة!

ينخلع قلبك ولا تكاد تصدق عينيك. لقد اعتدت رؤيتها فى صورة كارت أو مشهد فى التليفزيون. تقترب فى فضول شاخص العينين غير مصدق نفسك، وكلما اقتربت يكبر المشهد رويدا حتى تجد نفسك واقفا أمام الساحة لا يحجبك عن بيت الله شىء. وتقع فى عشق الكعبة. كل هذا الجلال، كل هذا الجمال، الرحمة، الود، العظمة، الحب، الحنان.

تفيض عيناك من البكاء وتنسى كل الدعوات التى أجهدت نفسك فى حفظها، حتى وصايا الجيران والأحباب نسيتها. لقد نسيت حتى نفسك ولم تعد تذكر إلا خالقك. يخالطك اليقين أن الله لن يعذبك أبدا. وتستصغر ذنوبك العظيمة أمام عفوه الأعظم، إذ ما يكون من الكريم إلا الكرم؟

................................

تبدأ العمرة بدعاء خالص من القلب وتنوى طواف العمرة، وتشير إلى الحجر الأسود وقد أصابك اليأس من إمكانية تقبيله من فرط الزحام. تدور حول الكعبة طائرا فى الهواء. لا تشعر بقدميك ولا بجسدك نفسه. تفيض عيناك بالدموع وأنت تدعو الله. وتود لو امتلكت البلاغة التى تمكنك من الثناء على خالقك كما لم يفعل أحد من قبل. كلام فى الحب لم يقله سواك، ثم تخرج منك حارة تلقائية: «يا رب» فتشعر أنها أبلغ الثناء.

وتدعو لنفسك ثم تخجل من أنانيتك حينما تتذكر أمك بوجهها الطيب وملامحها الحنون، وصلعة أبيك وتعب الأيام البادى على ملامحه. تدعو لهما طويلا بالرحمة. ثم تبدأ بالدعاء لنفسك فتتذكر أخوتك وأصدقاءك وزملاءك وجيرانك وحتى أعدائك، تشعر أنك تصالحت مع الجميع.

وفجأة تحدث المعجزة. ثمة فرجة بين الصفوف تتسع فجأة. تجد الطريق مفتوحا إلى الحجر الأسود. يوشك قلبك أن يتوقف بسبب هذه المعجزة المدهشة. تستميت فى انتهاز الفرصة ثم تجد وجهك فى قلب الحجر الأسود. تلثمه ويكاد عقلك يطير حينما تتذكر أنك تلثم موضعا لثمه الرسول ولمسته شفتاه.

ينتهى الطواف فتصلى ركعتين عند مقام إبراهيم. يلتصق جبينك بالرخام البارد وتدعو طويلا. تشعر بأنك وسط التاريخ المهيمن. توشك أن تشاهد أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام وهو يرفع الحجر ويدعو الله: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ». صدق الله العظيم.

......................

تشرب زمزم، ثم تصعد حجارة الجبل الصغيرة لتبدأ السعى بين الصفا والمروة. قدماك الحافيتان تتماس مع أقدام الصالحين التى توالت عبر القرون على الحجر المبارك.

سبعة أشواط طويلة تنتهى عند جبل المروة. تبحث بعينيك عن مقص صغير تقص به خصلات شعرك لتتحلل من إحرامك. يخرج لك فتى أسمر اللون كالأبنوس حاملا مقصا. تحنى رأسك فى خشوع وحينما يقص شعرك لا تدرى ماذا دهاك! لماذا يقشعر جسدك كله؟ لماذا انتصب شعر ساعدك؟ لماذا خطر على بالك أن ذنوبك تتساقط مع شعرك!

بعدها تتوالى المسرات: انتظار الإفطار فى صحن الكعبة. يرتفع أذان المغرب بصوت ملائكى حنون وتبدأ فى تناول ألذ طعام أكلته فى حياتك: سميط بالدقّة، وتمر بالحب. مذاق فيه البكارة والبساطة والطزاجة. ثم القهوة العربية ذات الرائحة الزكية، رائحة الهيل والقرنفل والبن الأخضر. سحابة عطرة تتكثف على أنفك فتخف روحك ويدق قلبك. لوحة رائعة من تكافل المسلمين فى طعام الإفطار. مائدة عملاقة تختفى مع إقامة الصلاة. بعدها تذهب للفندق لتكمل الفطور فتجد نفسك عازفا عن الطعام.

صلاة التراويح والأصوات العذبة تتبارى فى قراءة القرآن. ثم دعاء مبتهل خاشع طويل. ثم البكاء الذى يريح القلب. أيام كأنها الجنة. تخف روحك حتى تكاد تصافحك الملائكة.

....................

ولم يكن هذا هو كل شىء، فأنت على حافة النهر لا أكثر، والعذوبة الكاملة قادمة فى الطريق. حينما تنطلق بك الحافلة فى طريقها إلى المدينة المنورة ستعرف أن حياتك السابقة ما هى إلا حلم طويل استيقظت منه الآن. حينما تشاهد المآذن البيضاء، والمسجد النبوى كتلة من نور، وكأنه مضاء بنور ذاتى من أعماق الأعماق، نور لا يستمد من المصابيح الكهربائية ولكن من نور الله، وبقية من نور النبوة وأرواح الصالحين. طاقة روحية هائلة تأبى أن تغادر المكان.

تتحرك فى المسجد والحقيقة أنك تسير وسط حجرات الأنصار. المسجد مبنى فوق الطرق القديمة وبيوت الصحابة. هناك حيث وضعت الملائكة أجنحتها واتصلت السماء بالأرض ونزل جبريل الأمين بالوحى على قلب رسول الله.

ثم تأتى فاكهة المأدبة، المكافأة النهائية، هذه اللحظة التى تقف فيها أمام قبر الرسول خاشعا باكيا. تحاول أن تقنع نفسك بأن هذا الموقف حقيقى، وأنك على بعد خطوات من النبى، من سيد المرسلين.

تبدأ بالسلام والثناء والدعاء، بعدها تُفضى له – صلى الله عليه وسلم - بما لا يجوز لك أن تكتبه وتفشيه.

زينة عادل
08/13/2010, 11:28 AM
اديبنا ابراهبم عبد المعطي

وما اجمل هذه النصوص التي راقت لي

بوركت جهودك يا غالي وننتظر المزيد

لقلبك الجوري

همسة
تم النقل من قبلي لمكانه الأنسب

هزار طباخ
08/15/2010, 07:49 PM
أديبنا القدير إبراهيم عبد المعطي

شكراً لمتعة السياحة في هذه النصوص المميزة

رشا الصيدلي
08/17/2010, 01:19 PM
ألاديب الرائع أبراهيم عبد المعطي
تحية طيبة
موضوع حمل من كل بستان زهرة ونسقها بشكل يحمل معاني راقية .
رائع جدا ما قرأت
تحياتي وتقديري على الجهد الرائع

ابراهيم عبد المعطى داود
08/27/2010, 11:43 AM
من جبران إلى مي
نيويورك 26 شباط 1924

نحن اليوم رهن عاصفة ثلجية جليلة مهيبة، وأنت تعلمين يا ماري أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية، أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكوته العميق. وأحب الثلج في الأودية البعيدة المجهول حتى يتساقط مرفرفاً، ثم يتلألأ بنور الشمس، ثم يذوب ويسير أغنيته المنخفضة.
أحب الثلج وأحب النار، وهما من مصدر واحد، ولكن لم يكن حبي لهما قط سوى شكل من الاستعداد لحب أقوى وأعلى وأوسع. ما ألطف من قال:

يا مي عيدك يوم
وأنت عيد الزمان

انظري يا محبوبتي العذبة إلى قدس أقداس الحياة، عندما بلغت هذه الكلمة ((رفيقة)) ارتعش قلبي في صدري، فقمت ومشيت ذهاباً في هذه الغرفة كمن يبحث عن رفيقه. ما أغرب ما تفعله بنا كلمة واحدة في بعض الأحايين! وما أشبه تلك الكلمة الواحدة برنين جرس الكنيسة عند الغروب! إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، ومن العمل إلى الصلاة.

تقولين لي أنك تخافين الحب.
لماذا تخفين يا صغيرتي؟
أتخافين نور الشمس؟
أتخافين مد البحر؟
أتخافين مجيء الربيع؟
لماذا يا ترى تخافين الحب؟

أنا أعلم أن القليل من الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل. نحن نريد الكثير. نحن نريد كل شيء. نحن نريد الكمال. أقول يا ماري إن في الإرادة الحصول، فإذا كانت إرادتنا ظلاً من أظلال الله، فسوف نحصل بدون شك على نور من أنوار الله.

لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
اسمعي يا ماري: أنا اليوم في سجن من الرغائب، ولقد ولدت هذه الرغائب عندما ولدت. وأنا اليوم مقيد بقيود فكرة قديمة، قديمة كفصول السنة، فهل تستطيعين الوقوف معي في سجني حتى نخرج إلى نور النهار وهل تقفين إلى جانبي حتى تنكسر هذه القيود فنسير حرين طليقين نحو قمة جبالنا؟

والآن قربي جبهتك. قربي جبهتك الحلوة – ………………والله يباركك ويحرسك يا رفيقة قلبي الحبيبة.

جبران

لا بأس – على أنني أخشى بلوغ النهاية قبل الحصول على هذا الشرف وهذا الثواب.

لنعد هنيهة إلى ((عيدك)) أريد أن أعرف في أي يوم من أيام السنة قد ولدت صغيرتي المحبوبة. أريد أن أعرف لأني أميل إلى الأعياد وإلى التعييد.
وسيكون لعيد ماري الأهمية الكبرى عندي. ستقولين لي ((كل يوم يوم مولدي يا جبران))
وسأجيبك قائلاً: ((نعم، وأنا أعيّد لك كل يوم، وكان لا بد من عيد خصوصي مرة كل سنة)).



من مي إلى جبران ...


صديقي جبران
لقد توزع في المساء بريد أوروبة وأمريكة , وهو الثاني من نوعه في هذا الأسبوع , وقد فشل أملي بأن تصلني فيه كلمة منك . نعم إني تلقيت منك في الأسبوع الماضي بطاقة عليها وجه القديسة حنة الجميل , ولكن هل تكفي الكلمة الواحدة على صورة تقوم مقام سكوت شهر كامل .

... لا أريد أن تكتب إلي إلا عندما تشعر بحاجة إلى ذلك أو عندما تنيلك الكتابة سرورا , ولكن أليس من الطبيعي أن أشرئب إلى أخبارك كلما دار موزع البريد على الصناديق يفرغ فيها جعبته ! .. أيمكن أن أرى الطوابع البريدية من مختلف البلدان على الرسائل , حتى طوابع الولايات المتحدة وعلى بعضها اسم نيويورك واضح , فلا أذكر صديقي ولا أصبو إلى مشاهدة خط يده ولمس قرطاسه .

... ولتحمل إليك رقعتي هذه عواطفي فتخفف من كآبتك إن كنت كئيبا , وتواسيك إن كنت في حاجة إلى المواساة , ولتقوك إذا كنت عاكفا على عمل ولتزد في رغدك وانشراحك إذا كنت منشرحا سعيدا .

مي زيادة
11 آذار 1925


.
.
.
من جبران إلى مي ..!!

لقد أعادت رسائلك إلى نفسي ذكرى ألف ربيع وألف خريف وأوقفتني ثانية أمام تلك الأشباح التي كنا نبتدعها ونسيرها مركبا إثر مركب .. تلك الأشباح التي ما ثار البركان في أوروبا حتى انزوت محتجة بالسكوت , وما أعمق ذلك السكوت وما أطوله ! .

هل تعلمين يا صديقتي بأني كنت أجد في حديثنا المتقطع التعزية والأنس والطمأنينة , وهل تعلمين بأني كنت أقول لذاتي , هناك في مشارق الأرض صبية ليست كالصبايا , قد دخلت الهيكل قبل ولادتها ووقفت في قدس الأقداس فعرفت السر العلوي الذي اتخذه جبابرة الصباح ثم اتخذت بلادي بلادا لها وقومي قوما لها .

هل تعلمين بأني كنت أهمس هذه الأنشودة في أذن خيالي كما وردت على رسالة منك ولو علمت لما انقطعت عن الكتابة إلي , وربما علمت فانقطعت وهذا لا يخلو من أصالة الرأي والحكمة .

جبران خليل جبران
9 شباط 1919
.
.
.


يكتب لها جبران:

حضرة الأديبة والفاضلة الآنسة ماري زيادة المحترمة..

سلام على روحك الطيبة.. لقد استلمت أعداد من مجلات المقتطف التي تفضلّت بإرسالها.. فقرأتها وأنا بين السرور والإعجاب الشديد، ولقد وجدت في مقالاتك؛ سربًا من تلك الميول، والمنازع، التي طالما حامت حول فكرتي وتتبعت أحلامي، ولكن هناك مبادئ ونظريات أخرى وددت لو كان البحث فيها شفهيًا، ولكن بما أن القاهرة في مشارق الأرض ونيويورك في مغاربها ليس من سبيل إلى الحديث الذي أوده وأتمناه.


إن مقالاتك تبيّن سحر مواهبك، وغزارة إطلاعك وملاحة ذوقك في الانتقاء، والانتخاب، والترتيب. وتبيّن اختباراتك النفسية الخاصة، فالاختبار، أو الاقتناع النفسي يفوق كل علم وكل عمل، وهذا ما يجعل بحوثك أفضل ما جاء في اللغة العربية.

ولكن لي سؤال أستأذنك بطرحه لديك وهو هذا: ألا يجيء يوم ياتُرى تنصرف فيه مواهبك السامية من البحث في مآتي الأيام إلى إظهار أسرار نفسك واختباراتها ومخآبها النبيلة؟ أفليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيده أو نثرها أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟ إني كواحد من المعجبين بك أفضل أن أقرأ لك قصيده في ابتسامة، من أقرأ لكِ رسالة في تاريخ الفنون المصرية، وكيف تدرجها من عهد إلى عهد ومن دوله إلى دوله، لأن بنظمك قصيده تهبينني شيئًا نفسيًا ذاتيًا، أما بكتابتك في تاريخ الفنون المصرية تدلينني على شيء عمومي عقلي؟ والفن هو إظهار ما يطوف ويتمايل ويتجوهر في داخل الروح.
مي..
ليس ماتقدم سوى شكل من الاستعطاف باسم الفن، فأنا أستعطفك لأني أريد أن أستميلك إلى تلك الحقول السحرية حيث سافو (1) وايليزابيت براوننغ (2) وغيرهن من أخواتك اللواتي بنين سُلّمًا من الذهب والعاج بين الأرض والسماء.

والله يحفظك للمخلص
جبران خليل جبران

ــــــــــــــــــ
(1) سافو شاعره اغريقيه لها تسع داووين من الشعر الغنائي والأناشيد
(2) ايليزابيت براوننغ شاعره بريطانية مبدعه تمتاز قصائدها بالعمق والرقة والنزعة الصوفية، وهي زوجة الشاعر الإنجليزي روبيرت براوننغ الذي أحبها من خلال قصائدها قبل أن يتعرف إليها وعندما زارها أحبته حبًا عارمًا جعلها تتغلب على مرض عضال كان قد أقعدها.رسائل متبادلة بين مى وجبران .

ابراهيم عبد المعطى داود
09/03/2010, 06:17 PM
أمى علمتنى الفاتحة

بقلم د. أيمن الجندى ٣/ ٩/ ٢٠١٠
لا أذكر متى سمعت «الفاتحة» لأول مرة، ولكنى بالتأكيد سمعتها من أمى منذ عهد سحيق. فى صالة البيت المتسعة، فى ركن مجاور للحائط، هناك حيث مكان أمى المفضل للصلاة.

بعيون متسعة كنت أرقبها، متسمرا فى مكانى، وخصلات شعرى تنحدر على عينى فأرفعها فى شرود. أتأمل وجهها الشاحب المؤطر بطرحة الصلاة البيضاء فى الإضاءة الخافتة. لسبب ما كانت أمى تفضل الصلاة فى عتمة لا يبددها سوى بصيص ضوء متسرب من شباك موصد نهارا أو لمبة سهارى ليلا فى آخر الردهة.

إحساس غامض كان يداهمنى أنها ليست معى، فى عالم آخر ومدى مختلف، هناك حيث لا أعرف. أسمعها تقرأ فاتحة الكتاب بصوت مختلف عما أعرفه، حافية القدمين فوق سجادة خضراء، مبتهلة، متبتلة، تقرأ الآيات فى لهفة وشبه استماتة، بصوت يخرج من القلب فيدخل فى القلب مباشرة.

أسمعها تقول «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». تنطقها أمى فى قوة واستماتة. شيطان ورجيم فى الوقت نفسه. يسكنك وتلك خطورته. رمز الشر ودبيب الغرائز الغامضة. وحتى فى سنى المبكرة كنت أعرفه. براءة الأطفال وهم يصنعه الكبار. كنت أصغر أخوتى وأضعفهم ولذلك كنت مسالما. وبرغم ذلك لم أسلم من نزعات الشر أحيانا، من كائن أسود يختبئ تحت جلدى.

تخبطت البشرية طويلا فى تفسير معضلة الشر. فى طفولة العقل البشرى حلوا الإشكالية بوجود إلهين: واحد للنور والآخر للظلام. إله للخير وآخر للشر، كمحاولة بدائية لتفسير المعضلة قبل أن ينزل الوحى القرآنى مُقررا أنه - الشيطان - لا سلطان له على البشر إلا بالغواية.

بعدها تتغير نبرات صوت أمى إلى اطمئنان غامر وسكينة حقيقية وهى تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم». صوت يخالطه الارتياح وإن لم يفارقه تهدج التوسل.

«بسم الله». كنت صغيرا جدا وبرغم ذلك كنت أعرف خالقى. معرفة تُلقى فى قلوبنا دفعة واحدة ثم ننساها بالتدريج. كنت خلية لا تُرى تنساب فى رحم أمى. تسبح بالهداية الإلهية نحو مكمن الأمومة فى جوفها. تتكاثر وتنقسم إلى عظام وعروق وأعضاء. من أضاء بصيرتى وألهمنى أن أنصت إلى دقات قلب أمى وأعرف أسرارها؟.

«بسم الله» الذى أخرجنى من رحم أمى باكيا. لم أستعد أمانى المفقود إلا حينما ضمتنى أمى وسمعت من جديد دقات قلبها. من آنس وحشتى وآمن روعتى؟

الله...

ثم يكتسب صوت أمى رقة وهى تقول «الحمد لله رب العالمين». ما الذى كانت تشاهده وهى ترمق موضع سجودها فى السجادة الخضراء؟ هل شاهدت يد الرحمة الإلهية تسوق السحب وتأمرها أن تصطدم بقمم الجبال الإثيوبية. تترقرق قطرات الماء على الصخور قبل أن تنحدر فى مجرى النيل الطويل فى طريقها أن تملأ الكوب الذى تشربه!؟

هل شاهدت أمى البذرة الصغيرة تحت الأرض الرطبة الطينية تتشقق بمعجزة البعث ورجفة الحياة، والبرعم يكافح حتى يصل إلى ضوء الشمس المُطمئن حتى ينضج ويصبح - فى ليلة صيف باسمة - حبة قمح تتحول إلى الرغيف الذى تأكله؟

هل أصغت أمى لموسيقى النجوم وهى فى صلاتها؟ هل شاهدت الأقمار تُولد والكواكب تُسبّح والشهب تشتعل عشقا؟. من أبدع كل هذا؟

الله.

وإذا كان حمدك يا ربى نعمة تستحق الحمد فكيف السبيل لكى نثنى عليك!؟.

هذه المرة كان صوت أمى ينطق بالبهجة وهى تردد «الرحمن الرحيم». للمرة الثانية يتكرر وصفه بالرحمة. أعبدك يا ربى بحب مخلوقاتك وأراك فى كل مكان. أراك فى العصارة الخضراء تسرى فى عروق الشجر. أراك فى التمثيل الضوئى وذرات الأوكسجين تمنح الحياة لمخلوقات أخرى. أراك فى غابات اللون الأخضر وبحيرات الورد، والأشجار العريقة المتطاولة تسبّح بحمدك وتشكر لك، والعصافير فى نعمتك. وقتها أعرف أنك بحق «الرحمن الرحيم».

وما هى إلا لحظة حتى يتلون صوت أمى بقلق واضح «مالك يوم الدين».

يوم الدين الذى نسيناه ونحن فى أشد الحاجة لكى نتذكره. ليس فقط لأنه قادم شئنا أم أبينا، بل لأنه ضرورة أخلاقية. لا يمكن أن يهرب المجرمون بجرائمهم وينتهى الأمر إلى ذرة كربون بلهاء، لذلك تُوجد حتما آخرة، وإلا لكانت الدنيا عبثا كلها.

البعض يتمنونه سريعا لينال الظالمون جزاءهم، ولكن هل من ضمان ألا نكون منهم؟. كانت أمى خائفة والحق معها. تصور أن ينقطع عملك وتسلم ورقة إجابتك دون أى فرصة لتصحيح الأخطاء!.

ولكن أبشرى يا أماه فالله وحده» مالك يوم الدين «وتلك فرصتنا الوحيدة للنجاة. لا يرحم ضعفنا إلا من خلقنا. لماذا كرر «الرحمن الرحيم» فى هذه السورة القصيرة مرتين سوى أنه يريد أن يطمئننا أن رحمته غالبة؟ بل لماذا خلق الفاكهة سوى أنه يريد أن يدللنا؟. هل تتصورين إلها يخلق الفاكهة لمخلوقاته ثم لا يكون رحيما بهم؟

«إياك نعبد، وإياك نستعين» حينما تشاهد الإلكترونات تسبح فى المدارات فأنت تعبده. حينما تحب ظاهرة التوتر السطحى وتقع فى غرام الفوتونات فأنت تعبده. حينما يفرح قلبك بمشهد عصفور صغير يجرب المشى على الأرض فأنت تعبده. حينما تشاهد أسراب العصافير فى مساراتها المحددة ثم تعلو أناشيدها فى صلاة جماعية قبل الغروب فأنت تعبده. حينما تمسح على رأس يتيم، أو تخفف جزءا من بؤس الحياة، أو تدرك عثرة إنسان بائس فيلهج لسانه بحمد الله، فأنت تعبده.

«وإياك نستعين». الفاعل الحقيقى خلف الأقنعة. وما البشر إلا (سعاة بريد) يحملون خطابات الرحمة الإلهية إلى من نزلت بهم رحمته.

«اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين». بعد التسبيحة الطويلة يأتى طلب الهداية. الحق والنور والجمال. حتى لو التوت أقدامنا وامتلأت نفوسنا بغبار الطريق. يبقى طريق الله مستقيما لا يستحقه سوى من أنعم عليه بالمعرفة.

وتنتهى الفاتحة. وتنتهى الصلاة. تنظر أمى إلى كتفها الأيمن وتقول فى تهدج» السلام عليكم ورحمة الله» ثم تنظر إلى كتفها الأيسر وتقول «السلام عليكم ورحمة الله». لا أعرف من كانت أمى تخاطبه، ولكنها تلمحنى - بوجهها المستدير وطرحتها البيضاء - فتبتسم، فأهجم عليها مثل قرد صغير لأنعم بالضم والتقبيل.

أواه يا أمى. أين منى الآن وجهك المستدير؟ ومن يأخذ كنوز الأرض ويعيد لى طرحتك البيضاء وقبلة ناعمة على خد الطفل الصغير الذى كنته.

ابراهيم عبد المعطى داود
09/10/2010, 09:47 AM
فوضي المسلسلات
بقلم: فاروق جويدة

لا أدري هل تغفر أيام الصوم في شهر رمضان المبارك ما لحق بنا من الذنوب بمشاهده المسلسلات والبرامج طوال الشهر الكريم‏..

‏ وإذا وضعنا الصوم في ميزان الحسنات ووضعنا المسلسلات في ميزان السيئات هل يبقي للصائمين بعد ذلك شيء يلقون به وجه الخالق سبحانه وتعالي‏..‏ سامح الله التليفزيون بكل شاشاته وما فعله بالناس‏,‏ حيث لا ينفع صوم ولا عبادة أمام هذا البركان الهادر من البرامج والمسلسلات بكل ما حملت من مظاهر العري والمخدرات والقيم المختلة‏..‏
لن أتحدث عن النواحي الفنية سواء كانت اكتمالا أم قصورا‏..‏ ولن أتحدث عن الأحداث والمط والمشاهد المملة والتكرار والديكورات الفجة والأداء السقيم والعقيم‏..‏ لن أتحدث عن مئات الملايين من الجنيهات التي تلاشت أمام أعمال رخيصة وهابطة‏..‏ ولن أتحدث عن وجوه تكررت في أكثر من مسلسل‏..‏ ولا أريد أن أتوقف أمام برامج شاهدناها من قبل عشرات المرات بنفس الأسلوب ونفس الوجوه ونفس الأسئلة ونفس الصفقات بيعا وشراء‏..‏ ولكنني أريد فقط أن أطرح هذا السؤال أين منظومة الأخلاق والقيم فيما شاهدنا من البرامج والمسلسلات التي أنفقت عليها الدولة إنتاجا أو شراء ملايين الجنيهات‏..‏ وهل هذه الصورة التي قدمها التليفزيون تمثل الصورة الحقيقية للمصريين بشرا وأخلاقا وحياة وسلوكا‏..‏ ولنتوقف عند بعض المشاهد من هذه الصور الكئيبة والمخجلة‏..‏
‏*‏ صورة المرأة المصرية في هذه المسلسلات‏..‏ أين المجلس القومي للمرأة الذي يطالب بحقوق المرأة ويحتج لأنها لم تعمل قاضية في مجلس الدولة حتي الآن‏..‏ ماذا يقول المجلس الموقر عن امرأة تجمع خمسة أزواج في وقت واحد وتتنقل بينهم مثل قطط الشوارع لتقدم أحط صور المرأة سلوكا وأخلاقـا وبيعا وشراء‏..‏ منذ أعوام ثارت الدنيا ضد مسلسل سمح بتعدد الزوجات وكان الرد عليه هذا العام مسلسل آخر يحمل دعوة صريحة لتعدد الأزواج بالنصب والتحايل والتدليس‏..‏ هل هذه هي المرأة المصرية المكافحة التي تقف بالساعات أمام طابور العيش والمياه وبقايا أجنحة الدجاج التي تشتريها للأبناء والأطعمة الملوثة التي تحمل كل أمراض الدنيا‏..‏ هل هذه هي المرأة المصرية التي تسكن العشوائيات ومنتجعات الخنازير‏..‏ هل هذه هي الممرضة المسكينة التي تسهر الليالي في مستشفيات الحكومة ببضعة جنيهات لترعي المرضي الفقراء‏..‏ ولماذا نسخر من بناتنا اللاتي ينتظرون أبن الحلال وأين هذه الفتاة التي تفرط في كرامتها وصورتها وحيائها بحثا عن عريس بهذه الصورة المخجلة والمضللة‏..‏ وإذا كانت الطبيبة الجامعية أبنه الحسب والنسب والأسرة المحترمة تجري وراء العرسان بهذه الصورة الرخيصة فماذا تفعل الأخريات‏..‏ إنها مشاهد تثير السخرية والضحك والاشمئزاز ولكنها للأسف الشديد تشكل أجيالا‏..‏ هل هذه هي المرأة المصرية الحائرة ما بين خمسة أزواج وأخري لا تجد زوجا واحدا والأكثر من ذلك هو مشاهد الضرب والإهانات التي تعرضت لها المرأة في أكثر من مسلسل لقد وصل الأمر إلي احتجاجات واعتراضات من بعض الدول الشقيقة حول نماذج منحرفة في بعض المسلسلات‏..‏
‏*‏ مشهد آخر من هذه الصورة الكئيبة‏..‏ هذا الكم الهائل من الأخوة الصعايدة علي شاشات التليفزيون وكأن مصر لم يعد فيها غير مشاكل الثأر والقتل في جنوب الوادي‏..‏ ما هذه القسوة والعنف التي يقدم بها التلفزيون أهالي الصعيد ما هذه السطحية والبلاهة التي نقدم بها المواطن الصعيدي في مسلسلاتنا‏..‏ وما هذا السيل المنهمر من الكتابات الفجة حول الصعيد وهل أصبحت الأزمات والمشاكل والمآسي مقصورة علي الصعيد‏..‏ لقد تداخلت أحداث المسلسلات وتاهت الوجوه في بعضها في مبالغات فجة لا تتناسب أطلاقا مع الصورة الحقيقية لأهل الصعيد ألا يكفي المواطن الصعيدي مشاكله مع الحياة والمياه ورغيف الخبز والمدرسة والمستشفي وأمراض الكبد والأنيميا ونقص التغذية ألا تكفي هؤلاء المواطنين الغلابة قسوة الحياة حتي يواجهوا قسوة المسلسلات التي لم ترحم أحدا‏..‏ من أين جاء هذا الكم من مؤلفي الغفلة الذين سطوا علي كل هذه المسلسلات بالباطل‏..‏
‏*‏ مشهد آخر‏..‏ لماذا كل هذا العري والخمور والمخدرات في رمضان‏..‏ في أكثر من مسلسل حفلات ماجنة ورقص خليع ونساء عاريات ومشاهد جنسية في غاية الفجاجة وإذا حاولت أن تبحث عن أسباب موضوعية أو ضرورة درامية لهذه المشاهد لن تجد شيئـا حيث لا أخلاق ولا دراما‏..‏ لماذا كل هذا الإسراف في مشاهد العري بين نساء عاريات اقتحمن صيام المشاهدين وشوهن حرمة الشهر المبارك‏..‏ ومع العري سجائر المخدرات والشيشة وزجاجات الخمور بكل أنواعها‏..‏ علي شاشات التليفزيون كان هناك أكثر من بار وأكثر من غرزة‏..‏ وأكثر من مشهد فج وقبيح‏..‏
‏*‏ مشهد آخر‏..‏ ما هذه اللغة الهابطة والسوقية التي استباحت قدسية الحوار‏..‏ لقد سمعت كلمات وشتائم بالأب والأم في غاية البذاءة علي لسان فنانات وفنانين وتعجبت كيف تقال علي شاشات التليفزيون ومن الذي سمح بذلك والغريب أنها ليست مرة واحدة أو مرتين ولكنها شتائم تحتل مشاهد كاملة‏..‏ ماذا نقول أمام أبنائنا وهم يرددون نفس الكلمات البذيئة في مدارسهم وبين زملائهم‏..‏ وهل هذه هي لغة الحوار التي نريدها لرجال المستقبل وما هو الهدف من هذا الحوار الرخيص ألا تكفينا بذاءات الشوارع ولغة الحوار الهابط في كل شيء في العمل والشارع والبيوت والمقاهي‏..‏
‏*‏ مشهد آخر‏..‏ لقد أفسدت المسلسلات بعضها البعض أمام تشابة الأحداث مع تكرار الممثلين الذين يؤدون أكثر من دور في أكثر من مسلسل‏..‏ وللأسف الشديد أن هذا التداخل أساء للكثير من الأعمال التي تاهت في بعضها البعض وتداخلت الأحداث والوجوه والصور بحيث أصبح من الصعب أن نتابع مسلسلا دون أن تشعر بأنه يشبه الآخر ومع تفكك النصوص وسطحيتها تداخلت الشخصيات في أكثر من عمل‏..‏
ومن أين جاءت كل هذه الوجوه التي تكدست علي الشاشات فيما يشبه الأوكازيون السنوي‏..‏ يبدو أن كل من كان يمر أمام مبني التليفزيون يجد لنفسه دورا في أحد المشاهد‏..‏
لا أعرف كم أنفقت الدولة علي هذه المسلسلات هناك من يقول إن عددها تجاوز الخمسين مسلسلا وأن ميزانيات الإنتاج اقتربت من مليار جنيه فلماذا كل هذا العدد ولماذا كل هذا الإنفاق وهل استطاعت الدولة تسويق هذا العدد الضخم واستردت أموالها‏..‏ أم أنها كانت خسارة في كل الحالات ماليا وأخلاقيا وإعلاميا‏..‏
‏*‏ نأتي إلي كارثة أخري هي البرامج الحوارية‏..‏ لا اعتقد أن الشاشة شهدت فكرة جديدة لبرنامج جديد هذا العام‏..‏ أنها نفس المساجلات ونفس الوجوه ونفس الأسئلة‏..‏ وقبل هذا نفس المذيعين والمذيعات يتجولون بين عدد محدد من الضيوف تراهم علي كل الشاشات وفي كل البرامج‏..‏
ولكن الجديد هذا العام هذا الكم الرهيب من الفضائح التي انتشرت مثل تلال القمامة علي المشاهدين‏..‏ الخيانات والعلاقات والفضائح من كل لون‏..‏ لقد سمعت ألفاظا كثيرة يعاقب عليها القانون وتخدش الحياء العام وظهرت صورة الفنانين المصريين وكل واحد يتاجر في جزء من فضائحه ونزواته وتجاوزاته‏..‏ واختلطت صورة الفضائح بين الفنانين المصريين وأضيفت إليها صور أخري من الفنانين اللبنانيين واستطاعت فضائية مصرية موسمية أن تفسد علي الناس شهر الصوم وأن تشوه تاريخ أسماء فنية لها تقديرها بين الناس‏..‏ وبعد ذلك كله كانت هناك روائح كريهة علي الشاشة في كل البرامج المباعة‏..‏ كانت الصفقات واضحة تماما‏..‏
هل هي لعنة المال التي اجتاحت كل شيء وجعلت الفنان يبيع كل تاريخه من أجل حفنة دولارات يحصل عليها في مسلسل من التجاوزات والفضائح‏..‏ إن أصغر فنان مصري في العمر أو القيمة يمثل جزءا من تاريخ عريق من الفن صنعه نجوم كبار علي أعينهم بالجهد والصبر والمعاناة‏..‏ومن الخطأ الجسيم أن يجري البعض وراء حفنة دولارات ويقبل أن يتعرض لأسئلة لا ينبغي أن يسمعها أحد‏..‏ إذا لم تكن المسلسلات والبرامج إضافة لتاريخ الفن المصري فلا ينبغي أن تسحب من رصيده وإذا لم يكن الفنان قادرا علي أن يضيف لنفسه شيئـا فليحافظ علي ما وصل إليه‏..‏
‏*‏ وبعد ذلك كله يأتي مشهد آخر يضاف إلي هذه السلسلة من المشاهد المخجلة وهي الإعلانات التي شوهت أشياء كثيرة ابتداء بالأغاني الوطنية وهي آخر ما بقي من الزمن الجميل وانتهاء بهذا السعار الذي أصاب الشاشات كل الشاشات بحالة من الجنون‏..‏
من الظلم أن ندمر ونتجاهل كل عمل جاد لأنه لا يجلب الإعلانات‏,‏ ومن الخطأ أن نجعل الإعلان مقياسا لنجاح مسلسل أو برنامج أو نجم أو مذيع‏..‏ يجب أن تبقي القيمة فيما يقدم من فكر ومواقف وسلوكيات ولاشك أن لعنة الإعلانات قد أفسدت الكثير من البرامج والمسلسلات وفرضت علي المشاهد أن يقبل كل هذه الوجبات المسمومة في السلوك والحوار والضيوف‏..‏
في مسلسلات هذا العام وأمام التكدس وكميات الإنتاج ضاع الحابل في النابل واختفي النجوم أمام الكومبارس وضاع الجد في الهزل وكان الضحايا هم المشاهدين الغلابة وبعض الأعمال الفنية التي حافظت علي شيء جميل أسمه الفن ولكنها ضاعت وسط هذا الزحام‏..‏
سوف نحتاج عاما كاملا من الاستغفار عسي الله أن يغفر لنا ما ارتكبنا من خطايا في الشهر المبارك بسبب مشاهدة هذه المسلسلات كل سنة وأنتم طيبون ولكن بدون مسلسلات‏..‏
‏..‏ ويبقي الشعر
آمنت بالإنسان عمري كلــــه
ورسمته تاجا علي أبيــــــاتي
هو سيد الدنيا‏..‏ وفجر زمانها
سر الإله وأقدس الغايــــــات
هو إن سما يغدو كنجم مبــهر
وإذا هوي ينحط كالحشرات
هل يستوي يوم بكيت لفقـــــــــده
وعذاب يوم جاء بالحسرات ؟‏!‏
هل يستـوي صبح أضاء طريقنـا
وظلام ليـل مر باللعنـــــــات ؟‏!‏
هل يستوي نهر بخيل جاحـــــــــد
وعطاء نهر فاض بالخيرات ؟‏!‏
أيقنت أن الشـعر شاطئ رحـلتــــي
وبأنه عند الهلاك نجاتــــــــــي
فزهدت في ذهب المعز وسيفــــــه
وكرهت بطش المستبد الـعاتـــي
وكرهت في ذهب المعز ضـــــلاله
وخشيت من سيف المعــز مماتي
ورفضت أن أحيا خيالا صــــــامتـا
أو صفحة تطوي مع الصفحــات
واخترت من صخب المزاد قصائدي
ورفضت سوق البيع والصفقـات
قد لا يكون الشعر حصنـــــا آمنـــــا
لكنه مجد‏..‏ بلا شـبهـــــــــــــات
والآن أشعر أن آخر رحـلتــــــــــــي
ستكون في شعري وفي صرخاتي
تحت التراب ستختفي ألقابنــــــــــــا
لا شئ يبــقي غير طيف رفـــــات
تتشابك الأيدي‏..‏ وتنسحب الــــروي
ويتوه ضوء الفجر في الظلـمـــات
وتري الوجوه علي التـراب كأنــــــها
وشم يصافح كل وشـــــــــــــم آت
ماذا سيبقي من بريق عيوننـــــــــــا ؟
لا شئ غير الصمت والعبــــــرات
ماذا سيبقي من جواد جـــــــــــــامح
غير البكاء المر‏.._‏ والضحكـــــات؟
أنا زاهد في كل شيء بعدمــــــــــــا‏..‏
اخترت شعري واحتميت بذاتـــــي
زينت أيامي بغنوة عاشــــــــــق
وأضعت في عشـق الجمال حياتي
وحلمت يوما أن أراك مدينتـــي
فوق السحاب عزيزة الرايــــــــات
ورسمت أسراب الجمال كأنـها
بين القلوب مواكب الصــــــــلوات
قد قلت ما عندي ويكفي أنني
واجهت عصر الزيف بالكلمــــات

ابراهيم عبد المعطى داود
09/11/2010, 08:04 AM
وهكذا أخطأت في أربعة أشياء‏,‏ حين توهمت أني أذكره وأعرفه وأحبه وأطلبه ـ سبحانه ـ وأصابتني الدهشة حين أيقنت أن ذكره ومعرفته وحبه وطلبه سبق ذكري ومعرفتي وحبي وطلبي‏.‏

وحين عرفت ذلك كله أصابني ما يصيب إنسانا يتصور أنه يحب‏,‏ أن له فضل الحب‏,‏ فإذا هو يكتشف أن هناك من سبقه بالفضل وأحبه ابتداء وأوجده ابتداء وخلقه ابتداء من العدم‏,‏ وأخرسني العجز عن شكر الله‏,‏ وأيأستني النعمة من الثناء عليه‏,‏ عجزت عن شكره والثناء عليه‏.‏ أردت أن أقبل توهج النجوم نجمة نجمة‏,‏ وأربت علي جبال القمر جبلا جبلا‏,‏ وأغسل الشمس بدموعي دمعة دمعة‏,‏ وأحتضن تسبيح المجرة كلها في قلبي‏,‏ محاولا أن أقبل أثرا ليد ذي الجلال التي مرت عليها بالصنع‏..‏ حاولت هذا كله ولم أعرف‏..‏
حاولت أن أجد كلمات تعبر عن شكر الله أو الثناء عليه فلم أجد‏.‏ ولولا دعوة إبراهيم وإسماعيل التي تجسدت في سيد ابناء آدم‏,‏ محمد بن عبدالله ـ الذي صلي عليه الله وصلت عليه الملائكة ويصلي عليه المؤمنون ـ لولاه ما عرفت كيف أثني علي الله أو أشكره‏..‏
قال صلي الله عليه وسلم وهو يثني علي ربه‏:‏ ربنا لا نحصي ثناء عليك‏,‏ أنت سبحانك كما أثنيت علي نفسك‏.‏ الكاتب /أحمد بهجت ,,,جريدة الاهرام 11/9/2010

ابراهيم عبد المعطى داود
09/12/2010, 10:11 AM
قصة إنسان يعشق الكتابة

بقلم د. أيمن الجندى ١٢/ ٩/ ٢٠١٠
يُحكى أن رجلا أدهشه غموض الكون، وصمم على الحصول على إجابات. سأل الصباح فابتسم الصباح وقال: لا وقت عندى للأسئلة، أنا مشغول بالحياة. سأل المساء فبكى المساء وقال: لا وقت عندى للأسئلة، أنا مشغول بالحزن. سأل الزهور والطيور والحدائق والفراش. قالت الزهور: الألوان، وقالت الطيور: السحب، وقالت الحدائق: العشاق، وقال الفراش: الضياء. قال للجبل: أنت كبير جدا ولا شك أنك تعرف الإجابات، وقال للنمل: أنت صغير جدا وتعرف مخابئ الأشياء. قاده الصمت إلى الدهشة، وقادته الدهشة إلى التأمل، وعند شاطئ البحر شاهد الموج يدوّن الإجابات.

ويحكى أنه وقف مأخوذا يرمق البحر الواسع والأمواج المتتابعة، وراح يقرأ الإجابات تحت ضوء القمر. استدرجه الموج، فراح يخوض فى البحر، ممعنا فى المكاشفات الروحية والمعارف القلبية، لا يشعر بجوع ولا ظمأ، ولا ملل ولا نصب، ولا برد ولا حر.

ويحكى أنه شاهد على مرمى البصر جزيرة خضراء تشهق بالهدوء والسلام. صغيرة لا يسكنها بشر، ويحوطها الأزرق من جميع الجهات. راح يسبح مسرعا حتى يصل إلى شاطئ النجاة.

................

ويحكى أنه منذ ذلك الحين يعيش فى عزلة اختيارية، لا تؤنسه إلا أشباحه القديمة وذكرياته الماضية، منشغلا بالذكريات عن ممارسة الحياة.

فى العام الأول اعتاد التحديق فى السفن العابرة، فى العام الخامس أوغل فى البكاء. فى العام العاشر دوّن أحزانه على رمال الجزيرة فبددتها الرياح العاصفة. فى العام العشرين، مع انتشار الشعر الأبيض، بدأ يكتب رسائله ويُودعها الزجاجات القديمة ويعهد بها إلى الأمواج.

........................

ماذا كتب العاشق للبحر، لا أحد يدرى إلا البحر والزجاجات.

......................

ويحكى أن البحر- أخيرا- اعتنى بالزجاجات، يحملها موج إلى موج فى طريقها إلى الشطآن. تطبع المطبعة آلاف النسخ، تأخذ طريقها إلى باعة الصحف، تتقاذفها الأيدى العجولة، أمواج تسلمها إلى أمواج، لمن تصادف وجودهم على شاطئ الحياة: رجال لا أعرف سنهم، نساء لا أدرى شكلهن. عجوز له صلعة أبى، امرأة تشبه أمى، رجل فى سنى، بنت تضحك للصباح وتغنى، فتاة تتساءل عن حظها فى الحياة. طفل يتعثر فى دهشته، عابد، عاشق، ساخط، ملول، غضبان، فرحان. أنت وحظك أيها الكاتب، يقرؤك، يُهملك، يلقيك، يمزقك، يمسح بكتاباتك زجاج النافذة، يلف بك رغيف خبز مغموس فى حنان الأمهات.

.............

الكتابة أن تعيش فى قصص الحب، وتنساب فى دموع المحزونين، وتقبل جبين كل عاشق، وتعانق كل قلب، وتشاهد أحلام العذارى فى غفلة من الحنين. الكتابة أن تجوب العالم وتركض خلف فراشة السنين، وتغير الواقع إلى الأحسن، تعيش حياة أعرض، وتستعصى على الموت.

الكتابة أن تراقص الحروف، وتذوب فى المعانى، وترقد فوق السطور، وتُفرخ القصائد، وتستعيض عن حياتك التى لم تعشها بكلمات تعانق كلمات.

وقتها فقط ربما تدرك سرك. تفهم أن حياتك هى الكتابة، والكتابة هى الحياة.

ابراهيم عبد المعطى داود
09/12/2010, 01:05 PM
بطعم السكر

بقلم د. سحر الموجى ١٢/ ٩/ ٢٠١٠
- نساء العائلة يتجمعن فجر العيد، يحملن سلال المخبوزات (الشُريك والمنين) وحبات التمر، جدتى الحاجة نفيسة تقود القبيلة نحو المقابر. وأنا، طفلة الأعوام الستة، يصعب علىّ أن أصدق أن تلك الزيارة تحمل طعم الموت.

كيف يجتمع الموت والموتى مع هذا الجو الاحتفالى، الذى بدأ منذ أيام بالخبيز وتحضير المؤن المطلوبة للرحلة. ثرثرة نساء العائلة حول الفرن، أقراص العجين تتشكل وتتلون، وهذا «الشُريك»، الذى كنت أحرص على التهام بعض منه قبل توزيعه، ثلاثة أصابع طويلة رشيقة من العجين ملتصقة ببعضها البعض، وفوق ملمسها الوردى الناعم تتناثر حبات من السكر الخشن.

تعلقت بذيل جدتى وذهبت مع القبيلة إلى مقصدها. وهناك رأيت الصغار والنساء يتلقون التمر والشُريك بابتسامات تتسع فى كل عيد. رأيت الجميع يلتف حول مدفن جدودى وعمتى، التى ماتت صغيرة، يتحدثون ويأكلون ويتلون آيات من القرآن فى طقس واحد متداخل، وتوصلت لقناعة طفولية بأن الموتى يحبون ذرات السكر الخشن وينتظرون الونس فى ضجيج العيد.

- أحشر نفسى حول الطبلية الخشبية، التى التفت حولها نساء الجيران والقريبات. تقطع كل منهن قطعة صغيرة من العجين، تدس فى قلبها هذا الخليط السحرى من العسل والمكسرات، تكورها وتفردها قليلا، ثم تغرس على سطحها بخفة المناقيش المعدنية فتظهر زركشات على السطح. تسمح لى جدتى بأن أمسك بمنقاش وأشكل وجه الكعك كما أريد. أتشبث فى ذيل قريبتى الشابة وقد وضعت فوق رأسها عددا من الصاجات. أقف فى الفرن وسط النساء والأطفال أنتظر خروج الكعك، ساخنا وجميلا وعودته سالما إلى البيت.

هناك تمسك جدتى بكل قطعة، تدس وجهها المنقوش فى السكر الأبيض الناعم، وترصها فى أوان كبيرة عميقة. للكعك أوانيه وللبسكويت والغريبة أوان منفصلة. أقضم كعكة فيختلط السكر مع جسد الكعكة فى فمى، وأمضى وقتا سحريا فى مضغ «العجمية» فى القلب.

- العيد حرية. أطفال العائلة فى إجازة من المدرسة. نقضى العيد دوما فى «بيت الغورية»، بيت جدتى. نطمئن أن الكبار لن يتابعوا شقاوتنا ولن يمانعوا أن ندخل بيوت الجيران مفتوحة الأبواب للعب مع باقى الأطفال، كما أنهم لن يحاسبونا على صرف العيدية على أشياء صغيرة، لعب بلاستيك ومراجيح وتوك شعر ستتكسر بعد يومين فقط.

أنتظر فى منتصف النهار عودة أمى من الإذاعة بعد قراءة نشرة الثانية والنصف، ودخول أبى بابتسامة واسعة وبعض الأصدقاء إلى المائدة الكبيرة. تكتشف جدتى أن أخى الأصغر «إسلام» قد اختفى بلا أثر. يبحث عنه الجميع، يتردد اسمه فى أرجاء البيت وفى بيوت الجيران وفى الشارع. يبلغ خالى البوليس وقد توتر الجو تماما وعينا أمى تنطقان بالفزع. بعد مرور ساعات عصيبة، نسمع خالتى تصرخ كما أرشميدس: «وجدته» فى نفس اللحظة، التى تهبط بكفها على وجهه الصغير.

كنا نلعب الاستغماية ولم نلحظ أن إسلام قرر الاختباء فى دولاب غرفة النوم، وهناك قرر أن يأخذ تعسيلة صغيرة. بكت أمى فرحا وجريت أنا كى أحضر له كعكة تداوى اللطمة التى تلقاها. رفض أن يأكلها وهو محاط بكل هذا القدر من الفزع وعبارات اللوم والتقريع. أكلتها أنا بضمير مرتاح، بينما ذرات السكر الناعم تغطى نصف وجهى وتهبط على صدر فستان العيد الجديد.

ابراهيم عبد المعطى داود
09/17/2010, 11:57 AM
الإسلام بين جحود الأبناء وكراهية الأعداء
بقلم: فاروق جويدة

هان المسلمون علي أنفسهم فكانوا علي الغرب أهونا‏..‏ ثارت الدنيا في الأسبوع الماضي

تطالب قسا مجنونا في أحدي الكنائس الصغيرة في ولاية فلوريد بأن يكف عن قراره بإحراق القرآن الكريم أمام الكنيسة وقف العالم كله يشهد هذه المسرحية الهزلية وكأنها أحد أفلام الكاو بوي الأمريكية أو أن القس تيري جونز هو الرجل الأخضر أو سلفتر ستالوني للنموذج الأمريكي الفذ‏..‏ قامت المظاهرات في العالم الإسلامي ابتداء بأفغانستان ومستقبلها الضائع علي يد المارينز وانتهاء بالجاليات المسلمة المغلوبة علي أمرها في الغرب وان لم تخرج مظاهرة احتجاج واحدة في عاصمة عربية‏..‏
وبرغم إسدال الستار علي المسرحية فإن بيان منظمة العفو الدولية قد أدان بشدة أجواء الخوف والاضطهاد التي يتعرض لها المسلمون في الغرب خاصة أمريكا‏..‏
لم تكن قصة إحراق القرآن الكريم جديدة في الغرب فهناك دعوات سبقت كانت أخطر وأعنف وتعكس تلال الكراهية تجاه الإسلام‏,‏ الدين والعقيدة‏,‏ وتجاه المسلمين الأجناس والبشر‏..‏
الجديد في هذه الدعوة الشاذة أنها جاءت علي لسان قس المفروض أن يحترم قدسية الأديان كل الأديان‏..‏ الا أن الفرق يبدو شاسعا بين شعوب تكره الإسلام وشعوب يفرض عليها دينها أن تقدس وتحترم الأديان الأخري‏..‏ إن القرآن الكريم الذي أراد هذا القس إحراقه يتحدث عن الأديان الأخري بكل التقديس والاحترام‏..‏
إن القرآن الكريم لم يترك نبيا أو رسولا ألا ووضعه في سياق كامل من الإجلال والتقديس‏..‏ في قصص القرآن تاريخ حافل لكل أنبياء الله ورسله‏..‏ سيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب وهارون وموسي عليهم السلام‏..‏ وفي القرآن الكريم كان حديث الخالق سبحانه وتعالي عن السيدة العذراء وسيدنا عيسي وآل عمران عليهم السلام وبكل هذا الإجلال في النص القرآني‏..‏ من شروط إيمان المسلم أن يقدس هؤلاء جميعا مع خاتم الأنبياء والرسل نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام‏,‏ الفرق هنا بين موقف الإسلام الدين والكتاب والنبي والبشر أن تقديس بقية الأديان جزء لا يتجرأ من الإيمان عند المسلم‏..‏
ولو أن هذا القس قرأ ما جاء في النص القرآني حول السيدة العذراء سيدة نساء العالمين وسيدنا عيسي عليهما السلام لكان له موقف آخر‏..‏ ولكنه الجهل والإعلام الكاذب والدعاية المغرضة‏..‏ أن الصورة التي يتداولها الإعلام الغربي عن الإسلام والمسلمين الآن هي صورة بن لادن والإرهاب الإسلامي وأحداث‏11‏ سبتمبر التي مازلت ملفاتها غامضة ولم تحاول الإدارة الأمريكية التحقيق في صحة الادعاء فيها حتي الآن‏..‏ وستبقي أحداث‏11‏ سبتمبر من أسرار هذا العصر مثل اغتيال كيندي وأسباب احتلال العراق وقرار غزو أفغانستان‏..‏
إن الإدانة ينبغي ألا توجه فقط إلي هذا القس المتهور المجنون ولكن يجب أن توجه إلي حكومات غربية وقفت وراء هذه الحملة الشرسة ضد الإسلام‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن تجتاح تلال الكراهية شعوب أوروبا وأمريكا‏..‏ رسوم تسيء إلي رسول المسلمين عليه الصلاة والسلام‏,‏ في الدانمرك‏..‏ استفتاءات تمنع بناء المآذن في سويسرا وقوانين ضد المرأة المسلمة في فرنسا بلد الحريات واعتراضات لمنع بناء مسجد قرطبة في نيويورك‏,‏ ومحاكم تدين فتيات مسلمات بسبب الحجاب واغتيال طبيبة مصرية شابة في قلب المحكمة في ألمانيا‏..‏
هذا المد الشيطاني المشحون بالكراهية حمل تاريخا استعماريا قبيحا مع الغرب في العالم الإسلامي‏..‏ إن الغرب الذي يتهم الآن الشعوب الإسلامية بأنها تخلفت عن ركب الحضارة والمعاصرة لم يسأل يوما عن أسباب هذا التخلف‏..‏ هذا التخلف كان من ثمار سنوات الاستعمار البغيض التي نهبت ثروات المسلمين في كل بقاع الدنيا ومازالت حتي الآن ترتكب نفس الكوارث‏..‏ إن تاريخ فرنسا في الجزائر لا يختلف عما فعلته القوات الأمريكية في احتلال العراق بل أن ما حدث في سجن أبو غريب لا يختلف عن مذابح النازي في ألمانيا‏..‏ إن الغرب هو الذي يتحمل مسئولية تراجع العالم الإسلامي علي كل المستويات‏..‏ لقد ترك لهذه الشعوب الفقر والجهل والمرض ومازالت دول العالم الفقير تدفع ثمن الاستعمار البغيض من مستقبلها وأحلام شعوبها‏..‏
إن الغرب هو الذي جند في هذه الدول أنظمة قمعية مستبدة استباحت حرية هذه الشعوب وأضاعت دورها وتاريخها وحضارتها‏..‏ كان الغرب ينهب موارد هذه الشعوب ويقيم لها السجون والمعتقلات ويمدها بأحدث وسائل التخابر والتجسس والأعمال الكريهة‏..‏ إن الغرب يحترم كثيرا حقوق شعوبه في الوقت الذي ينتهك فيه حقوق الآخرين‏..‏ كان ينبغي أن يقرأ هذا القس الشارد ما جاء في القرآن الكريم عن السيدة مريم العذراء وسيدنا عيسي عليهما السلام‏..‏
كان ينبغي أن يقرأ تاريخ الاستعمار الذي استباح ثروات الشعوب الإسلامية وأن يعرف شيئـا عن الحروب الصليبية وأسبابها وهي نفس الغزوات التي قامت بها القوات الأمريكية لاحتلال العراق وأفغانستان كما قال يوما الرئيس بوش وهو يبرر أسباب احتلال الدولتين‏..‏
إذا كان الغرب مسئولا عن كل ما لحق بالعالم الإسلامي من مظاهر التخلف فإن الشعوب الإسلامية بحكامها الفاسدين ومؤسساتها المتخلفة وفكر النخبة المضللة والمضللة فيها يتحملون مسئولية هذا الإحساس بالهوان أمام الغرب‏..‏
نحن الذين فرطنا في تاريخنا ولغتنا وثقافتنا واندفعنا بجنون نحو التقليد الأعمي لكل شيء في الغرب حتي ولو كان فكرا شاردا أو سلوكـا شاذا وغريبا‏..‏ هناك أشياء وأفكار عظيمة في تاريخ الحضارات الإنسانية ينبغي أن نبحث عنها ونسترشد بها ولكن هناك أيضا نماذج رديئة وقبيحة يجب أن نبتعد عنها‏..‏
في العالم الإسلامي الآن كتاب ومفكرون يهاجمون دينهم في ثوابته تحت دعوي التحرر والاستنارة والحداثة‏..‏ أفكار مريضة ومواقف مشبوهة يتبناها البعض دفاعا عن مصالحه‏..‏ في العالم العربي الآن أبواق كثيرة تهاجم الإسلام بأوامر غربية‏..‏ وترتيبات تحكمها المصالح وليس الأفكار‏..‏
هؤلاء أصبحوا عبئـا علي أوطانهم ودينهم وثقافتهم ولا أتصور أن هناك مثقفا حقيقيا يتخذ موقفـا ضد دينه ولغته وثقافته بدافع الكراهية وتحت ستار الاستنارة والمعاصرة‏..‏ هناك فريق من المغرضين الذين يبيعون أنفسهم للشيطان‏..‏
علي جانب آخر فإن الفضائيات العربية وقد اقتربت الآن من‏500‏ فضائية قد أساءت إلي الإسلام الفكر والسلوك والعقيدة‏..‏ إن هذا الصخب والصراخ الذي تطاردنا به هذه الفضائيات لن يكون طريقنا الصحيح إلي الإسلام لأنه دين يحترم العقل ويؤمن بالحوار ويفتح كل أبواب المعرفة‏..‏
هناك أيضا حكومات إسلامية تآمرت علي دينها وتصورت أن ارضاء الغرب بحكوماته ومؤسساته وشعوبه لابد وأن يقوم علي التفريط في الإسلام العقيدة‏..‏ لقد حاولت هذه الحكومات أن تبريء نفسها من كارثة‏11‏ سبتمبر رغم أن الكارثة نفسها مازالت مجهولة الأسباب‏..‏ وتحت شعار الحرب علي الإرهاب غيرت مناهج التعليم ومنعت دراسة المناهج الدينية في مدارسها وحذفت آيات من القرآن الكريم ومنعت أحاديث الشيخ الشعراوي وغيرت ملامح التاريخ الإسلامي وأهملت اللغة العربية وطاردت كل من يدعو إلي الإسلام دينا أو سلوكا‏..‏
ولنا أن نتصور دينا يتعرض لكل هذه المطاردات‏..‏
مؤسسات وحكومات غربية تطارد الإسلام الفكر وتقمع المسلمين البشر‏..‏
حكومات إسلامية ونخب فكرية هانت عليها عقيدتها وفرطت فيها‏..‏
فضائيات استخدمت الإسلام وسيلة للربح والتجارة‏..‏
وبعد ذلك كله لم يكن غريبا أن يقف قس أحمق يعلن نيته لاحراق القرآن الكريم‏..‏ وبعد ذلك يقولون إن القانون الأمريكي لا يمنع ذلك‏..‏ هل يستطيع هذا القس أن يعلن رغبته في إحراق التوراة وهل يمكنه أن يفعل ذلك لو أن هذا المجنون فكر في ذلك مجرد تفكير لطاردته عصابات المافيا الصهيونية وقطعت رأسه أمام الشعب الأمريكي‏..‏
إن عدد المسلمين في أمريكا اقترب حسب بعض التقديرات من‏7‏ ملايين مسلم وهم الجالية الثانية في أمريكا من حيث العدد ولكن دورهم وتأثيرهم محدود للغاية‏..‏ إنهم مهددون الآن أمام هذا الشحن الإعلامي الرهيب الذي يدعو لكراهية المسلمين‏..‏ وإذا استمر هذا المسلسل البغيض في سياسة أمريكا وحلفائها فسوف يفرض علي العالم كله حربا دينية لا أحد يعرف مداها‏..‏
إن أمريكا هي التي بدأت هذه الحرب منذ احتلت العراق وأفغانستان‏,‏ وإذا كانت مصالحها الاقتصادية وجريها وراء البترول كان سببا لاحتلال العراق فإن خطاياها في أفغانستان تحمل وجها صليبيا قبيحا يؤكد العداء للإسلام والمسلمين‏..‏
خرجت مظاهرات بالملايين في أفغانستان واندونيسيا وعواصم إسلامية أخري وغاب صوت المسلمين العرب الغارقين في المال والقمع والمسلسلات
إذا كان الإسلام مطاردا بين أهله وفي أوطانه فكيف نطلب من الغرب أن يحترم مقدساتنا‏..‏ حين يهون الإنسان علي نفسه يكون علي الناس أهون‏..‏ ونحن هنا في فكرنا وتاريخنا وعقيدتنا أمام مؤسسات مشبوهة ونخبة باعت نفسها للشيطان وأنظمة فرطت في كل شيء الوطن والأرض والعقيدة‏..‏
‏..‏ ويبقي الشعر
وحدي أنتظرك خلف الباب
يعانقـني شوق‏..‏ وحنين‏..‏
والنـاس أمامي أسراب
ألوان ترحل في عيني
ووجوه تخبو‏..‏ ثـم تـبين
والحلم الصامت في قلبي
يبدو مهموما كالأيام
يطارده يأس‏..‏ وأنين
حلمي يترنـح في الأعماق
بلا هدف‏..‏ واللحن حزين
أقدام النـاس علي رأسي
فوق الطرقات‏..‏ علي وجهي
والضوء ضنين‏..‏
تبدو عيناك علي الجدران
شعاعا يهرب من عيني
ويعود ويسكن في قلبي مثـل السـكـين
أنتظر مجيئك‏..‏ لا تأتين‏..‏
عيني تتأرجح خـلـف الباب
فلم تسمع ما كنت أقول‏..‏
أصوات الناس علي رأسي
أقدام خيول‏..‏
ورنين الضحكات السكري
أصداء طبول‏..‏
وسواد الليل علي وجهي
صمت وذهول‏..‏
وأقول لنفسي لو جاءت‏..!‏
فيطل اليأس ويصفعني
تنزف من قلبي أشياء
دمع‏..‏ ودماء‏..‏ وحنين
وبقايا حلم‏..‏ مقتول
ما كنت أظن بأن العهد
سراب يضحك في قلبين
ما كنت أظن بأن الفرحة
كالأيام إذا خانت‏..‏
ينطفيء الضوء علي العينين‏..‏
أنتظر مجيئك يشطرني قلبي نصفين‏..‏
نصف ينتظرك خلف الباب
وآخر يدمي في الجفنين‏..‏
حاولت كثيرا أن أجري‏..‏
أن أهرب منك‏..‏ فألقاني
قلبا يتشظـي في جسدين‏..‏

ابراهيم عبد المعطى داود
09/17/2010, 12:05 PM
من قصائد نزار : تقرير سرى جدا من بلاد قمعستان
لم يبق فيهم لا أبو بكر.. ولا عثمان..

جميعهم هياكل عظمية في متحف الزمان..

تساقط الفرسان عن سروجهم..

وأعلنت دويلة الخصيان..

واعتقل المؤذنون في بيوتهم ..

و ألغى الأذان..

جميعهم تضخمت أثداؤهم..

وأصبحوا نسوان..

جميعهم يأتيهم الحيض، ومشغولون بالحمل

وبالرضاعة..

جميعهم قد ذبحوا خيولهم..

وارتهنوا سيوفهم..

وقدموا نساءهم هدية لقائد الرومان..

ما كان يدعى ببلاد الشام يوما..

صار في الجغرافيا..

يدعى (يهودستان)..

الله .. يا زمان..

2

لم يبق في دفاتر التاريخ

لا سيف ولا حصان

جميعهم قد تركوا نعالهم

وهربوا اموالهم

وخلفوا وراءهم اطفالهم

وانسحبوا الى مقاهي الموت والنسيان

جميعهم تخنثوا...

تكحلوا...

تعطروا...

تمايلوا اغصان خيزران

حتى تظن خالدا ... سوزان

ومريما .. مروان

الله ... يا زمان...

3

جميعهم موتى ... ولم يبق سوى لبنان

يلبس في كل صباح كفنا

ويشعل الجنوب اصرارا وعنفوان

جميعهم قد دخلوا جحورهم

واستمتعوا بالمسك, والنساء, والريحان

جميعهم مدجن, مروض, منافق, مزدوج .. جبان

ووحده لبنان

يصفع امريكا بلا هوادة

ويشعل المياه والشطان

في حين الف حاكم مؤمرك

يأخذها بالصدر والاحضان

هل ممكن ان يعقد الانسان صلحا دائما مع الهوان؟

الله ... يا زمان ..

4

هل تعرفون من انا

مواطن يسكن في دولة (قمعستان)

وهذه الدولة ليست نكتة مصرية

او صورة منقولة عن كتب البديع والبيان

فأرض (قمعستان) جاء ذكرها

في معجم البلدان ...

وان من اهم صادراتها

حقائبا جلدية

مصنوعة من جسد الانسان

الله ... يا زمان ...

5

هل تطلبون نبذة صغيرة عن ارض (قمعستان)

تلك التي تمتد من شمال افريقيا

الى بلاد نفطستان

تلك التي تمتد من شواطئ القهر الى شواطئ

القتل

الى شواطئ السحل, الى شواطئ الاحزان ..

وسيفها يمتد بين مدخل الشريان والشريان

ملوكها يقرفصون فوق رقبة الشعوب بالوراثة

ويفقأون أعين الأطفال بالوراثه

ويكرهون الورق الابيض, والمداد, والاقلام بالوراثة

واول البنود في دستورها:

يقضي بأن تلغى غريزة الكلام في الانسان

الله ... يا زمان ...

6

هل تعرفون من انا؟

مواطن يسكن في دولة (قمعستان)

مواطن...

يحلم في يوم من الايام ان يصبح في مرتبة الحيوان

مواطن يخاف ان يجلس في المقهى .. لكي

لا تطلع الدولة من غياهب الفنجان

مواطن ان يخاف ان يقرب زوجته

قبيل ان تراقب المباحث المكان

مواطن انا من شعب قمعستان

اخاف ان ادخل اي مسجد

كي لا يقال اني رجل يمارس الايمان

كي لا يقول المخبر السري:

اني كنت اتلو سورة الرحمن

الله ... يا زمان ...

7

هل تعرفون الآن ما دولة ( قمعستان)؟

تلك التي ألّفَهَا.. لحَّنها..

أخرجها الشيطان...

هل تعرفون هذه الدويلة العجيبة؟

حيث دخول المرء للمرحاض يحتاج إلى قرار

والشمس كي تطلع تحتاج إلى قرار

والديك كي يصيح يحتاج إلى قرار

ورغبة الزوجين في الإنجاب

تحتاج إلى قرار

وشعر من احبها

يمنعه الشرطي أن يطير في الريح

بلا قرار..

8

ما أردأ الأحوال في دولة (قمعستان)

حيث الذكور نسخة عن النساء

حيث النساء نسخة من الذكور

حيث التراب يكره البذور

وحيث كل طائر يخاف بقية الطيور

وصاحب القرار يحتاج الى قرار

تلك هي الاحوال في دولة (قمعستان)

الله ... يا زمان ...

9

يا أصدقائي:

إنني مواطن يسكن في مدينة ليس بها سكان

ليس لها شوارع

ليس لها أرصفة

ليس لها نوافذ

ليس لها جدران

ليس بها جرائد

غير التي تطبعها مطابع السلطان

عنوانها؟

أخاف أن أبوح بالعنوان

كل الذي اعرفه

أن الذي يقوده الحظ إلى مدينتي

يرحمه الرحمن...

10

يا اصدقائي :

ما هو الشعر اذا لم يعلن العصيان؟

وما هو الشعر اذا لم يسقط الطغاة ... والطغيان؟

وما هو الشعر اذا لم يحدث الزلزال

في الزمان والمكان؟

وما هو الشعر اذا لم يخلع التاج الذي يلبسه

كسرى انوشروان؟

11

من اجل هذا اعلن العصيان

باسم الملايين التي تجهل حتى الان ما هو النهار

وما هو الفارق بين الغصن والعصفور

وما هو الفارق بين الورد والمنثور

وما هو الفارق بين النهد والرمانة

وما هو الفارق بين البحر والزنزانة

وما هو الفارق بين القمر الاخضر والقرنفلة

وبين حد كلمة شجاعة,

وبين خد المقصلة ...

12

من اجل هذا اعلن العصيان

باسم الملايين التي تساق نحو الذبح كالقطعان

باسم الذين انتزعت اجفانهم

واقتلعت اسنانهم

وذوبوا في حامض الكبريت كالديدان

باسم الذين ما لهم صوت ...

ولا رأي ...

ولا لسان ...

سأعلن العصيان ...

13

من اجل هذا اعلن العصيان

باسم الجماهير التي تجلس كالابقار

تحت الشاشة الصغيرة

باسم الجماهير التي يسقونها الولاء

بالملاعق الكبيرة

باسم الجماهير التي تركب كالبعير

من مشرق الشمس الى مغربها

تركب كالبعير ...

وما لها من الحقوق غير حق الماء والشعير

وما لها من الطموح غير ان تأخذ للحلاق زوجة الامير

او ابنة الامير ...

او كلبة الامير ...

باسم الجماهير التي تضرع لله لكي يديم القائد العظيم

وحزمة البرسيم ...

14

يا اصدقاء الشعر:

اني شجر النار, واني كاهن الاشواق

والناطق الرسمي عن خمسين مليونا من العشاق

على يدي ينام اهل الحب والحنين

فمرة اجعلهم حمائما

ومرة اجعلهم اشجار ياسمين

يا اصدقائي ...

انني الجرح الذي يرفض دوما

سلطة السكين ...

15

يا اصدقائي الرائعين:

انا الشفاه للذين ما لهم شفاه

انا العيون للذين ما لهم عيون

انا كتاب البحر للذين ليس يقرأون

انا الكتابات التي يحفرها الدمع على عنابر السجون

انا كهذا العصر, يا حبيبتي

اواجه الجنون بالجنون

واكسر الاشياء في طفولة

وفي دمي, رائحة الثورة والليمون ...

انا كما عرفتموني دائما

هوايني ان اكسر القانون

انا كما عرفتموني دائما

اكون بالشعر ... وإلا لا أريد أن أكون ...

16

يا اصدقائي:

انتم الشعر الحقيقي

ولا يهم ان يضحك ... او يعبس ...

او ان يغضب السلطان

انتم سلا طيني ...

ومنكم استمد المجد, والقوة , والسلطان ...

قصائدي ممنوعة ...

في المدن التي تنام فوق الملح والحجارة

قصائدي ممنوعة ...

لانها تحمل للانسان عطر الحب, والحضارة

قصائدي مرفوضة ...

لانها لكل بيت تحمل البشارة

يا اصدقائي:

اني ما زلت بانتظاركم

لنوقد الشراره ...

زينة عادل
09/20/2010, 12:49 PM
أديبنا ابراهيم

صدقا موفق في الاختيارات التي نالت من الاعجاب الجم

لقلبك الجوري وسننتظر وكلنا شوق الآتي

ابراهيم عبد المعطى داود
09/22/2010, 08:10 PM
د. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين (٢-٧) .. الناصر أحمد مظهر

٢٢/ ٩/ ٢٠١٠
منذ سنوات بعيدة، قال لى واحد من أساتذة الفلسفة المصريين، مازحاً، إنه اشتغل فى شبابه بفن التمثيل! ولما استفهمت منه، مستغرباً من أننى لم أره فى أى مشهد سينمائى، قال وهو يبتسم: ألا تذكر الجموع التى ظهرت فى فيلم «الناصر صلاح الدين»، لقد كنت واحداً من هؤلاء الجنود، فأيامها كنتُ مجنَّداً فى الجيش، وكانوا يأخذون الآلاف منا، للاشتراك فى تصوير المشاهد الحربية.

أدهشنى يومها اهتمام الجيش المصرى بالتصوير السينمائى، وأدهشنى بعدها انتباهى إلى أن هذا الفيلم تم إنتاجه سنة ١٩٦٣، أى أن الجنود الذين ساقوهم ليكونوا (كومبارس) هم أنفسهم الجنود الذين انهزموا فى فضيحة ١٩٦٧ المسماة تخفيفاً وتلطيفاً وكذباً وتلفيقاً (النكسة) لأن المجنَّدين آنذاك كان الجيش يحتفظ بهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم، وهو ما كان يعرف بنظام (الاستبقاء) وكان الجندى منهم يقضى فى «الخدمة العسكرية» فترة قد تقارب العشر سنوات، بينما بقيةُ المصريين مخمورون بكأس البطولات العسكرية (السينمائية) التى تمجِّد الجندية.. قال أمل دنقل:

قلتُ لكم فى السنة البعيدة

عن خطر الجندى

وعن همته القعيدة

يحرس مَنْ يمنحه

راتبه الشهرىّ

وزيَّه الرسمىّ

كى يُرهب الخصوم

بالجعجعة الجوفاء

والقعقعة الشديدة

لكنه، إن يحن الموتُ

فداءَ الوطن المقهور والعقيدة:

فرَّ من الميدان

وحاصر السلطان

وأعلن الثورة فى المذياع والجريدة

قلتُ لكم، لكنكم

لم تسمعوا هذا العبث

ففاضت النار على المخيمات

وفاضت الجثث.

■ ■ ■

مثل غيرى من المصريين والعرب، شاهدتُ فى طفولتى فيلم «الناصر» مراراً، لأنه كان أشبه بالمقرر الدراسى الذى يعرض دورياً فى المناسبات «القومية» أيام كانت هناك قناة تليفزيونية واحدة، ثم قنوات قلائل، تواظب على عرض الفيلم بانتظام، حتى ارتبطت فكرةُ «القومية» فى الأذهان، بفيلم «الناصر» المرتبط بدوره بشخصية الرئيس «عبدالناصر» المرتبط بالحلم العربى العريض: تحرير القدس.

والتجارة فى الأحلام، من أربح التجارات (وأكثرها خِسَّةً) ولذلك فقد احتشد لهذا الفليم «الحلم» أو حُشِد له، كبار صُنَّاع السينما آنذاك. فمع المخرج العبقرى يوسف شاهين، قام بالديكور وعمل المناظر، العبقرى: شادى عبدالسلام. أما القصة والسيناريو والحوار، فقد قام بها ثلاثة من الكُتَّاب الكبار (محمد عبدالجواد، نجيب محفوظ، عبدالرحمن الشرقاوى) وكان الممثلون «النجوم» كُثر، منهم: صلاح ذو الفقار، نادية لطفى، حسين رياض، عمر الحريرى، زكى طليمات، حمدى غيث.. وعلى رأسهم الفارس: أحمد مظهر (= صلاح الدين الأيوبى).

وقد كان أحمد مظهر فى الأصل (قبل احترافه التمثيل) ضابطاً فى سلاح الفرسان المصرى. فلا غرابة فى أن يُجيد، مع مخرج مثل يوسف شاهين، تمثيل دور الناصر صلاح الدين.. ولذلك، فلا يكاد أحدنا يسمع اسم «صلاح الدين الأيوبى» إلا ويتذكر على الفور بشكل لا إرادىّ، مشهد أحمد مظهر وهو يصيح من فوق فرسه، وقد ارتدى الملابس التاريخية، داعياً لتحرير: أورشليم القدس.

ومضت بنا الأيامُ، فادحةً، حتى جاء اليوم الذى كففتُ فيه عن رؤية ذلك الفيلم، بعدما رأيتُ أحمد مظهر فى لقاءٍ تليفزيونى يبكى بمرارة، لأنهم سوف يخرِّبون فيلَّته التى بأطراف القاهرة، لأنها تعترض طريق الكوبرى الواصل بين القاهرة ومدينة أكتوبر (والطريق الصحراوى) وهى الوصلة التى نعرفها اليوم باسم «المحور».. ومات أحمد مظهر كمداً.

■ ■ ■

حقق الفيلم (الحلم) نجاحاً جماهيرياً فى زمن الإعلام الموجَّه، لكنه واجه فشلاً فنياً ذريعاً، حتى إن مخرجه (حسبما قيل لى همساً) كان يكره ذكره! كما حقَّق خسارة مالية فادحة، لأن المساندة (الحكومية) فى إنتاجه، لم تستطع أن تخفف من عبء التكلفة المالية «الباهظة» التى أدَّت إلى إفلاس منتجة الفيلم (آسيا) لأن الميزانية الإجمالية بلغت ثلاثة وسبعين ألف جنيه مصرى، أيام كان للجنيه المصرى احترام.. وهى ميزانية كانت تكفى لإنتاج خمسة أفلام، بحسب المعمول به فى ذلك الزمان البائس المسمى اصطلاحاً: الستينيات.

وبطبيعة الحال، حرصت الحكومة المصرية آنذاك على تعويض المنتجة (آسيا) عن خسارتها المالية، بإسناد أعمال أخرى «مضمونة الربح» .. ولكن، لم يفكر أحد فى الخسارة الكبرى التى لحقت بالوعى المصرى، والعربى، العام. بسبب مخيالية هذا الفيلم، ومخايلاته، وأكاذيبه الكثيرة، تالية الذكر.. وأرجو من القارئ ألا يفزع مما سيأتى، ويبادرنى بالإنكار.

أولاً: لم يكن «صلاح الدين» هو ذلك «البطل» الذى تم الترويج له فى زمن حكم العسكر، لأنه كان مثلهم عسكرياً.. فالتاريخ يخبرنا بحقائق مغايرة لما عرفناه من فيلم «الناصر» منها أن صلاح الدين الأيوبى، كان قائداً خائناً للسلطان نور الدين الذى أرسله على رأس الجيش من دمشق إلى مصر، لتأمين حدودها ضد هجمات الصليبيين، فترك الأمر ومهَّد لنفسه السلطة، ولأقاربه، وترك المهمة التى جاء من أجلها، حتى إن السلطان نور الدين جهَّز جيشاً لمحاربة صلاح الدين (المنشق) ولكنه مات ليلة خروج هذا الجيش، فسنحت الفرصة لصلاح الدين واستطاع استمالة بعض القوَّاد، وحارب البعض الآخر، حتى استقام له السلطان.. والعجيب، الدال على شخصية صلاح الدين، أنه كان فى الوقت ذاته قائداً من قوَّاد السلطان نور الدين (السُّنىِّ) ووزيراً للحاكم الفاطمى لمصر (الشيعى) مع أن الدولتين كانت بينهما خلافات لا تقلُّ عمقاً عما كان بين المسلمين أصحاب الأرض (أصحاب البلد) والمسيحيين الغزاة الذين اشتهروا باسم الصليبيين.

ثانياً: بعد مناورات كثيرة، ومداورات، اضطر صلاح الدين الأيوبى إلى اقتحام القدس. ولم يفلح فى انتزاعها من قبضة الصليبيين إلا صُلحاً.. ثم أعادها الأيوبيون ثانيةً إلى الصليبيين، كهدية، سنة ٦٢٨ هجرية!

ولم تكن القدس تُعرف بهذا الاسم الذى تردَّد فى (الفيلم) كثيراً، فالمسلمون الأوائل والمسيحيون أيضاً لم يعرفوا لهذه المدينة اسماً إلا (إيليا) أما أوروشاليم فهى التسمية العبرية للمدينة التى كانت موجودة قديماً بهذا الموضع، وهدمها «إيليوس هادريان» وبنى مكانها مدينة أخرى هى «إيليا» أو «إيلياء» نسبةً إليه! وتم استعادة الاسم العبرى على يد المسيحيين بعد قرون لإضفاء القداسة على المدينة. أما القدس وبيت المقدس، فهى أيضاً تسمية عربية/إسلامية أطلقت على المدينة استناداً إلى تسميتها العبرية القديمة: بيت هاميقداش.

ثالثاً: احتوى الفيلم الذى كتبه كبار الكاتبين آنذاك، على مغالطات لا يمكن أن يكونوا قد سهوا عنها، ولا بدَّ (فيما أرجِّح) أن تكون قد أُمليت عليهم.. فمن ذلك شخصية «عيسى العوَّام» التى قدمها الفيلم على أنه مصرى مسيحى (يعقوبى)، وجعله الفيلم قائداً عسكرياً فى وقت كان المسيحيون فى مصر والشام يدفعون الجزية مقابل إعفائهم من الالتحاق بالجيش ثم يصل الإفك السينمائى إلى مداه، حين يقترن عيسى العوام (صلاح ذو الفقار) براهبة فاتنة من الكاثوليك (نادية لطفى) فى وقت كان الأرثوذكس، وما زالوا، يرون أن الكاثوليك كُفَّار.. فضلاً عن أن الراهبات لا يرتبطن أصلاً بالرجال، أيا كانت ديانتهم.

والأعجب والأكثر فكاهةً (سوف نتحدث عن الفكاهة فى مقالنا القادم) أن عيسى العوام الذى عاصر الحروب الصليبية، وبرع فى قتالهم: هو رجل مسلم بحسب ما أخبرتنا به المصادر التاريخية.

ولا يفوتنا هنا، أن هذه «الترضية الحكومية» لأقباط مصر، فى هذا الفيلم الذى تكلَّف قرابة السبعين ألف جنيه، ارتبطت آنذاك برغبة الحكومة المصرية (الرشيدة) فى إقامة كيان سياسى كنسى، مصرى، بإعلاء شأن كنيسة الإسكندرية (فى القاهرة) ولذلك قدمت الحكومة سبعين ألف جنيه مصرى، وقطعة أرض كبيرة بالعباسية، لإقامة «البطرخانة» الحالية.. كان ذلك فى زمن البطرك الهادئ المسالم الوديع «كيرلس السادس» ولم تكن الحكومة المصرية تدرى أن الأمر سوف يتفاقم ليصل إلى ما وصل إليه هذه الأيام، ويتطور إلى ما نشهده مؤخراً من كلام الجهلة والسفهاء الذين صاروا فى غفلة من الزمان يتصدرون وسائل الإعلام.. لن أزيد على ذلك، اتقاءً لغضب هذا «الأسد الهصور» الذى يمطر الناس بالدعاوى القانونية، وتلافياً لمزيد من الخلاف.

■ ■ ■

نعود إلى الناصر أحمد مظهر، للتأكيد على أنه يختلف عن الناصر صلاح الدين، الذى تختلف حقيقته التاريخية عن صورته (السينمائية) فى أذهاننا، التى تختلف بدورها عن صورة الرئيس عبد الناصر بكل ما فيه من فضائل ومثالب. لنقول إن وهم «المخلِّص الذى لا يخلِّص» كان وهماً يتم توجيهه، تلاعُباً بالعقول وتضييعاً لعقل هذه الأمة. وللأسف، فمن أراد أن يرى صورة سينمائية، أقرب إلى الواقع التاريخى، وفيها كثير من الفن! فعليه بأن يشاهد فيلم «مملكة السماء» وهو الفيلم الذى لم تنجح الكنيسة المصرية الحالية فى إجبار الحكومة المصرية الحالية على منعه، مثلما حدث قبل بضعة شهور مع الفيلم البديع: أجورا (الذى يحكى عن مرحلة مهمة فى تاريخ مصر).

.. وبعد، فلنختتم تلك المقالة بنكتة سمعتها مؤخراً: ظل إمام مسجد كبير، يدعو الله فى صلاة الجمعة قائلاً «اللهم أرسل لنا صلاح الدين لتحرير القدس» فاستجاب الله له، وخرج الناس من المسجد فوجدوا صلاح الدين على حصانه، يدعوهم لتحرير «أورشليم القدس» لكنَّ المصلِّين اعتذروا عن عدم اللحاق به، لأن أحدهم عنده موعد مع طبيب الأسنان، وآخر مرتبط بحفل عيد ميلاد زوجته، وآخر عليه أن يأخذ أولاده إلى الدروس الخصوصية.. إلخ، فلم يجد صلاح الدين حوله أحداً، فصعد ثانيةً إلى السماء.

فى الجمعة التالية، دعا الإمام بعد الصلاة من جديد، قائلاً: «اللهم أرسلْ لنا صلاح الدين لتحرير القدس، هو والناس الذين كانوا معه».

.. ومراعاةً لحقوق الملكية الفكرية، فهذه النكتة قالها لى مؤخراً، صديقى المخرج البديع: خالد يوسف! الذى أرجو ألا يُضطر يوماً، لإتحافنا بفيلم (حلم) عن الظاهر بيبرس أو قطز، أو أى «بطل» من هؤلاء العسكريين الذين تؤكد حياتهم الحقيقية أنهم كانوا أبطالاً، من «البُطلان» وليس من «البطولة».. فالبطولة لا تكون فرديةً، ولا تتم إلا بعد خروج «الناس» من الباطل.

■ ■ ■

ابراهيم عبد المعطى داود
09/22/2010, 08:17 PM
بالعبرى الفصيح : حاخامات يتنبأون بنهاية العالم ٢٠١٢.. وبعث الموتى من القبور ٢٠٣٥

يقدمه محمد عبود ٢٠/ ٩/ ٢٠١٠
لم يتوقع الرئيس الأمريكى الجديد باراك أوباما أن جهوده لإحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستتسبب فى كل هذا اللغط بين رجال الدين اليهود. ففى الوقت الذى يحاول فيه دفع الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو لتسريع إيقاع المفاوضات، وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، يقف منه حاخامات إسرائيل موقف العداء والارتياب. ولا يقف الأمر عند حد الزعم باعتناقه الإسلام، بل يتعدى ذلك إلى الترويج لكون «أوباما» نفسه من أشراط قيام الساعة. فمنذ عام ونصف تثير «شفرة أوباما»، أو «اسم أوباما»، إن شئت الدقة، «خلافات فقهية» حادة بين الحاخامات. والسؤال الرئيسى يتعلق بمغزى ورود اسم الرئيس الأمريكى، وتكراره فى أسفار الكتاب المقدس.

بدأت الضجة عندما أعلن حاخامات معهد «هار عتسيون» الدينى فى القدس المحتلة أنهم بحثوا عن اسم «أوباما» فى نصوص الكتاب المقدس، وعثروا عليه ثلاث مرات فى أسفار مختلفة، وفى سياقات ترتبط باندلاع حرب «يأجوج ومأجوج»، وقيام الساعة.

وقال الحاخام «مردخاى شاكيد» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»: «منذ ترشح أوباما لرئاسة أمريكا بدأنا فى تكثيف البحث عن النبوءات التوراتية التى ذكرت أوباما، وباستخدام برامج كمبيوتر متطورة تعتمد على «حساب الجُمَل- وهو حساب الحروف والأرقام» تبين أن الاسم ورد رمزاً فى أسفار «التكوين»، و«حزقيال»، و«آرميا».

ففى سفر «حزقيال» وردت كلمة «رئيس»، ثم وردت حروف اسم «أوباما» متفرقة، بحيث يفصل بين كل حرف سبعة حروف عبرية مقدسة، ويحظى الرقم «سبعة» بقداسة بالغة فى الكتب السماوية الثلاثة.

وأوضح الحاخام «يونى بار نون» أن اسم «أوباما» ورد فى نبوءات سفر «حزقيال»، تحديدا فى الإصحاح ٣٨، الآية الثانية، لكنه ورد ضمن نبوءة توضح أنه الرئيس الذى ستندلع حرب «يأجوج ومأجوج» فى عهده، ومن ثم تقوم القيامة على سكان الكرة الأرضية.

لكن حمى قيام الساعة بلغت ذروتها فى أوساط رجال الدين اليهود خلال الأسبوعين الماضيين، ولم يكتف الحاخامات بتنبيه أتباعهم باقتراب يوم القيامة، لكنهم وضعوا تصورا كاملا لأشراط الساعة، بالمواعيد، والتواريخ، يزعمون فيه معرفتهم التقريبية بموعد ظهور المسيخ الدجال، واندلاع حرب يأجوج ومأجوج، وابتعاد الرئيس مبارك وعاهلى السعودية والأردن «الملكين عبدالله» عن مقاعد الحكم، ليتولى الإسلاميون مقاليد الأمور تمهيدا للملحمة الكبرى بين اليهود والمسلمين، وزلزال عنيف يضرب الكرة الأرضية، ثم تقوم الساعة، ويبعث الله الموتى عام ٢٠٣٥!

ضربة البداية من القناة الأولى الرسمية بالتليفزيون الإسرائيلى التى أذاعت فقرة عن ساعة المسيخ الدجال، وهى ساعة يتوارثها كبار الحاخامات جيلا بعد جيل، ويؤمنون بأن هذه الساعة عندما تشير عقاربها إلى الثانية عشرة ظهرا سيعلن المسيح اليهودى المنتظر عن نفسه من تل أبيب، ويتقدم لقيادة شعب إسرائيل، ومن يتبعه من اليهود لغزو العالم، والانتقام من جميع أعداء اليهود من المسلمين والمسيحيين على حد سواء.

الحاخام مردخاى إلياهو، الذى عرض الساعة لأول مرة أمام كاميرات التليفزيون الإسرائيلى، أوضح أنها مصنوعة من الذهب الخالص، ولها إطار من الفضة، وعندما تسلمها، كانت عقاربها تشير إلى الثالثة ليلا، أما الآن فإن العقارب تشير إلى الثانية عشرة إلا خمس عشرة دقيقة، ولن تمر شهور معدودة حتى يظهر المسيح اليهودى المخلص، ويحقق لليهود أحلامهم، وطموحاتهم فى السيطرة على العالم، عندما يتبعه كل يهودى يحافظ على وصايا التوراة، ويحافظ على الصلوات اليهودية الثلاث، ويرتدى الطاليت (الطيالسة) أى شال الصلاة اليهودى الذى ينسج من قطعة قماش تشبه العلم الإسرائيلى ومطرزة بخيوط الذهب والفضة. وتتطابق ملامح المسيح اليهودى المنتظر- كما يرسمها الحاخامات- مع أوصاف المسيخ الدجال كما رواها النبى محمد (صلى الله عليه وسلم).

وعلى الرغم من ذلك فقد أشعل تقرير الساعة فى التليفزيون الإسرائيلى الخوف من اقتراب يوم القيامة والحساب فى أوساط اليهود الدينيين، وصار حديث الصحف الدينية فى إسرائيل التى تؤكد أن عقارب الساعة تتحرك بسرعة غير معتادة، وهى الآن وصلت إلى الثانية عشرة إلا دقيقة واحدة. وكرس عدد من الحاخامات أنفسهم لتوعية اليهود بأشراط الساعة، وربط الصراعات الدولية الحالية بما ورد من نبوءات فى الكتب السماوية عن آخر الزمان، ووضع سيناريوهات محكمة من وجهة نظرهم للأحداث المخيفة التى تنتظر العالم فى السنوات القليلة المقبلة. وفى مقدمة هؤلاء الحاخامات عوفيديا يوسف الزعيم الروحى لحزب شاس، والحاخام إمنون يتسحاق كبير الدعاة الدينيين فى إسرائيل، والحاخام الحلبان أو (اللبان) الذى يشتهر فى إسرائيل بقراءة الطالع والنجوم، فى محاولة للتنبؤ بما يسفر عنه المستقبل من أحداث خافية عن البشر!

وفى هذا السياق تقول شبكة «هشيم نت» الإخبارية المتخصصة فى رصد أحداث يوم القيامة، إن رجال الدين اليهود يؤكدون أن حرب يأجوج ومأجوج، وظهور المسيح اليهودى المنتظر (الدجال)، سيقعان فى نهاية عام ٢٠١١، وحتى نهايات عام ٢٠١٢. وتبدأ هذه الأحداث الكبرى بهجوم مباغت تشنه دول عربية وإسلامية ضد إسرائيل بعشرات الآلاف من الصواريخ. وستنطلق شرارة هذه الحرب من طهران، حيث يعلن الرئيس أحمدى نجاد، الذى ورد اسمه فى سفر حزقيال، الحرب الشاملة ضد إسرائيل، وتحالف معه فى هذه المعركة كل من سوريا، ومنظمتى حماس، وحزب الله، فتتساقط الصواريخ على إسرائيل من الشمال والجنوب فى اللحظة نفسها.

وينجح تحالف إيران وسوريا وحزب الله وحماس فى إلحاق أضرار كارثية بإسرائيل، والتعجيل بملحمة «هرمجدون» والقضاء على إسرائيل حسب العقيدة الإسلامية، حيث تتشجع دول عربية أخرى على دخول الحرب، واقتناص الفرصة لتدمير إسرائيل. فتدخل السعودية ومصر طرفين فى الحرب، التى ستحدث أثناءها تغييرات فى هرم الحكم بمصر والسعودية، حيث يبتعد الرئيس مبارك، وأسرته عن الحكم، ويتولى الأمور فى مصر والسعودية قوى إسلامية تعلن إلغاء اتفاقية كامب ديفيد، وتفتح باب الجهاد ضد إسرائيل.

وفى هذه الحرب ستتعرض المدن الإسرائيلية لضربات صاروخية لم تعرف إسرائيل مثلها من قبل. وتتحول المدن الإسرائيلية إلى جحيم حقيقى خاصة أن سوريا ستتعمد تحميل صواريخها بالرؤوس الكيماوية والبيولوجية التى نقلها الرئيس العراقى الأسبق صدام حسين لدمشق قبيل غزو العراق. أما حزب الله- حسب تقديرات أجهزة الأمن الإسرائيلية- فقد نجح فى توفير ٨٠ ألف صاروخ، يمكن تحميل عدد كبير منها بالرؤوس الكيماوية والبيولوجية.

وسيتسبب هذا الهجوم فى شل إسرائيل تماما، وتمتلئ المستشفيات عن آخرها بالجرحى والمصابين، بحيث لا يوجد مكان لاستيعاب الجرحى، ولا قدرة على دفن القتلى فى أمان من عمليات القصف المستمر.

ومما يزيد الطين بلة، حسب تفسير الحاخامات لنبوءات الكتاب المقدس، أن إسرائيل ستواجه طابورا خامسا من داخلها يحاول القضاء عليها، ممثلا فى العرب الفلسطينيين الذين استقروا داخل إسرائيل منذ إعلان قيامها عام ١٩٤٨. فيستغل عرب ٤٨ الوضع الكارثى الذى يواجه إسرائيل، ويبدأون انتفاضة من داخل إسرائيل، ويعلنون ولاءهم للدول العربية والإسلامية ويساهمون فى تخريب إسرائيل من الداخل. ويخطط لهذه الانتفاضة، منذ اليوم، ضباط أمن سوريون ولبنانيون، نجحوا فى تجنيد العشرات من العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ويمولون «كتائب تحرير الجليل»، التى تخزن السلاح منذ سنوات فى القرى العربية والكهوف الجبلية. وتخطط، فى حالة شن حرب عربية شاملة ضد إسرائيل، لتدبير حوادث طرق ضخمة فى جميع شوارع المدن الإسرائيلية الكبرى لإحداث شلل مرورى يربك إسرائيل، ويصعب تفادى السكان للهجمات الصاروخية.

كل هذا الدمار الذى ينذر به الحاخامات أتباعهم فى إسرائيل لا يمثل شيئا يذكر بالمقارنة مع الزلزال العنيف الذى سيضرب إسرائيل فيما بين عامى ٢٠١١/٢٠١٢، فتسقط أبراج تل أبيب على رؤوس سكانها، كما قال النبى دانيال. وتنهار بيوت اليهود العلمانيين الذين حصنوا بيوتهم، وجعلوها كالقلاع، وبنوا فيها ملاجئ تحت الأرض، وغرفاً محصنة ضد القصف الصاروخى. فيقول الحاخام «أفراهام إلياهو»: «سيخسرون ما بنوا، ويبكون عليه بكاء مريرا. الزلزال الذى سيضرب إسرائيل لن يبقى ولن يذر، وقد ورد ذكره فى سفر دانيال الإصحاح ٣٨، كجزء من أشراط اندلاع حرب يأجوج ومأجوج. ولن ينجو من هذا الزلزال إلا من سيتبع أوامر الحاخامات، ويؤمن بالمسيح اليهودى المنتظر، ويرتدى الطاليت (الطيالسة) ويدعو الرب أن يلحقه به، ويجعله من أتباعه». وتتفق نصائح الحاخام إلياهو مع ما رواه الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن اتباع ٧٠ ألفاً من اليهود الطيالسة للمسيخ الدجال حال ظهوره على الملأ.

غير أن الحاخام إلياهو يزيّف ما قاله الرسول (ص)، ويدعى أن: «كل الكوارث السابقة التى ستضرب إسرائيل الغرض منها تطهيرها من اليهود العلمانيين، كخطوة رئيسية، تسبق ظهور المسيح اليهودى المخلص الذى سيقود الحاخامات وأتباعهم من اليهود المتشددين دينيا لهزيمة العرب المسلمين، ومن ثم غزو العالم، وإحكام سيطرتهم على مقدرات الحياة فيه، وفرض أحكام الشريعة اليهودية على من يبقى حيا من سكان الأرض».

فعندما يُخلص اليهود المتدينون دعاءهم للرب، وتضرعهم إليه لينقذهم من الكوارث التى حلت بهم، سيقوم الرب إله اليهود بمعاقبة شعوب العالم بسلسلة من الكوارث الطبيعية، والحروب التى تفنى البشر، ويهلك اليهود الذين رفضوا الهجرة لإسرائيل، وعاشوا فى مختلف دول العالم، ويدمر الولايات المتحدة الأمريكية، ليفسح المجال أمام إسرائيل، ومسيحها المنتظر أن يحكما العالم. وسيلقب هذا المسيح بـ«ملك إسرائيل»، وهو يعيش الآن، حسب تصورات الحاخامات، فى بيت مهجور بتل أبيب، ينتظر أمر الرب ليخرج فيما بين عامى ٢٠١١/٢٠١٢، ويعرض نفسه على رجال الدين اليهود، ليقدموه للشعب الإسرائيلى، فيقبله اليهود الدينيون، وينفذون أوامره.

ويشارك المسيح اليهودى فى حرب يأجوج ومأجوج التى لن تضع أوزارها قبل عام ٢٠١٥، ويروح ضحيتها فى الجولة الأولى ٢.٥ مليار شخص، وفى الجولة الثانية ٢ مليار شخص. ويعلن المسيح اليهودى انتصاره، وتصبح إسرائيل الدولة العظمى، ويأمر الرب الملائكة بإنزال هيكل سليمان المزعوم من السماء، ليوضع فى القدس بدلا من المسجد الأقصى. ويحكم اليهود وملكهم العالم بالحديد والنار حتى عام ٢٠٣٥، حيث يأمر الرب بقيام الساعة، وتبدأ عملية البعث (إحياء الموتى) وتتوالى أحداث يوم القيامة، وحساب الأمم التى ناصبت اليهود العداء، والزج بهم فى جهنم، وتكريم اليهود المؤمنين، وفوزهم بالجنة!

أتباع الحاخام الراحل مردخاى كدورى، كبير الحاخامات والسحرة فى إسرائيل، يتفقون مع جميع النبوءات السابقة، ويعتقدون أن الساعة ستقوم على «أشرار الناس» عام ٢٠٣٥، أى بعد مرور ٢٥ عاما تقريبا، لكنهم يعلقون كل الأحداث على دمار الولايات المتحدة الأمريكية. ذلك الدمار الذى سيحدث من وجهة نظرهم خلال ثلاثة أعوام ٢٠١٠/٢٠١٣.

ويتصور حاخامات القبالاة، حركة تصوف يهودى تعتمد على السحر وتسخير الجن والشياطين للتنبؤ بالمستقبل، أن نيزكاً سيضرب الولايات المتحدة، ويدمر أجزاء شاسعة منها، علاوة على موجة هائلة من الفيضانات ستضرب السواحل الأمريكية لتغرق أجزاء كبيرة من الولايات المتحدة أسفل مياه المحيط، وبحلول عام ٢٠١٣ يختفى ثلاثة أرباع الولايات المتحدة، ويلقى ٢٠٠ مليون أمريكى مصرعهم، ويصيرون طعاما للأسماك.

ويرسل أتباع الحاخام كدورى برسالة تحذير ليهود أمريكا، مفادها: «إذا لم تهاجروا لإسرائيل، فى أقرب فرصة، فإنكم ستصبحون طعاما حلالا (كاشير) لحيتان المحيط الأطلنطى. ويتنبأ الحاخامات بأن الفيضانات ستضرب أمريكا فى ١٧ مارس ٢٠١١. ويبدأ الفيضان الأول من بحيرة ميتشجان فى ولاية شيكاغو، ثم تضرب الفيضانات أجزاء شاسعة من أمريكا. وعلى الرغم من أن مساحة الولايات المتحدة كما نعرفها الآن تبلغ ٩ ملايين كم مربع، فلن يتبقى سوى ١.٦ مليون كم مربع فوق سطح الماء».

ويدعم حاخامات «القبالاة» نبوءاتهم حول أمريكا التى استقوها من أسفار الأنبياء فى الكتاب المقدس، التى تتحدث عن أحداث يوم القيامة، بمجموعة من الاكتشافات العلمية الحديثة التى تحذر من أن أمريكا قد تتعرض لضربة نيزك تؤدى إلى دمار أجزاء ضخمة منها، وغرق معظم أراضيها تحت الماء.

ويرى الحاخام «كرادى»، الذى اشتهر فى إسرائيل والعالم بعدما تنبأ بإعصار تسونامى قبل حدوثه بعام كامل، أن إعصارى كاترينا الذى ضرب «نيو أورليانز»، و«تسونامى» الذى ضرب سواحل شرق آسيا، وتسببا فى مصرع حوالى ٣٠٠ ألف شخص، يعتبران بروفة صغيرة لـ«الخسف» الذى سيحدث فى شرق العالم (آسيا)، وغربه (أمريكا). فالولايات المتحدة ستضربها سلسلة من الفيضانات لا فيضان واحد. يروح ضحية كل فيضان منها مليون شخص. وستستغل الصين وكوريا الشمالية الكوارث الطبيعية التى ستلم بالولايات المتحدة وتنتقمان من واشنطن بتوجيه ضربات بالصواريخ الباليستية إلى كبرى المدن الأمريكية، لتبدأ مرحلة خطيرة من مراحل حرب يأجوج ومأجوج التى أشارت إليها الكتب السماوية، والتى تستمر بحسب نبوءات الحاخام اعتبارا من ٢٠١١، وحتى ٢٠١٥، وتأكل فيها الشعوب بعضها بعضا، ولا يأمن إنسان على نفسه من ويلات الحرب والدمار.

ويعد أفول نجم الولايات المتحدة هو الحدث الأبرز، والمحرك لسيناريوهات حرب يأجوج ومأجوج، وتطوراتها الدرامية، من وجهة نظر الحاخامات. فيؤدى انهيار القطب الأمريكى الأوحد، حسب نبوءات الكتاب المقدس، إلى اندلاع سلسلة من الحروب الدموية فى شتى أنحاء العالم، فى إطار تصفية الحسابات القديمة بين الشعوب. تلك الصراعات التى أخمدتها سيطرة الولايات المتحدة على الغابة العالمية، باعتبارها ملك هذه الغابة، والمتحكم فى سياساتها. فحتى سنوات مضت، كان زئير واشنطن كفيلاً بفرض وقف إطلاق النار فى أى منطقة بالعالم، أو إشعال نيران الحرب فى مناطق أخرى.

ومن أبرز هذه الحروب المحلية التى ستنشأ فيما بين عامى ٢٠١١/٢٠١٥: حرب شعواء بين الهند وباكستان يستخدم فيها السلاح النووى، وحرب ضروس بين الصين وتايوان. وتستغل الدول العربية ضعف الولايات المتحدة، لتوحيد صفوفها، وشن هجوم مباغت ضد إسرائيل للخلاص منها. لكن المسيح اليهودى المنتظر سيظهر عندما يتضرع اليهود لظهوره، فيتبعونه، ويقودهم فى حربهم ضد الشعوب الإسلامية.

الطريف أن حاخامات تل أبيب لديهم تفسير مثير للسخرية حول مسألة انهيار الولايات المتحدة فى السنوات القريبة المقبلة. فيدعى الحاخام إمنون يتسحاق أن حربا عنيفة بين الملائكة اندلعت فى السماء سنة ٢٠٠٥، أصيب خلالها الملاك الموكول إليه حراسة الإمبراطورية الأمريكية، وحفظها من أعدائها، بجروح وإصابات خطيرة. غير أن صفات الملائكة التى يوردها الحاخامات فى هذه الحالة تنطبق على ممالك الجن والشياطين، لكن زيادة فى التطاول يدعى الحاخامات أن الملائكة تموت وتمرض وتتحارب، وتلقى مصرعها فى الحروب.

ويدعى موقع «هشيم نت» أن كل حرب تقع على الأرض بين دولتين تندلع فى مقابلها حرب فى السماء بين (الملائكة) الموكول إليهم الدولتان، ويموت ملائكة من الناحيتين، وإذا مات الملاك القائد لأحد الجيوش تعرضت الدولة التى يحرسها للهزيمة. وفى هذه الحرب الغريبة أصيب الملاك الحارس للولايات المتحدة بجروح خطيرة، وظل يحتضر حتى زهقت روحه فى شهر مايو عام ٢٠٠٧. واعتبارا من هذا التاريخ بدأت أمريكا تتراجع، وتنهار، وتمردت عليها المقاومة العراقية، والأفغانية، ولم تعد دول محور الشر مثل كوريا الشمالية وإيران وسوريا، ومنظمات مثل حماس وحزب الله، تضع أمريكا فى اعتبارها، كما كان الأمر فيما مضى!

غير أن السؤال الذى يشغل بال المتدينين فى إسرائيل، ولا يجد إجابة شافية من الحاخامات هو: لماذا يعاقب الله الولايات المتحدة ويدمرها، رغم الدعم الذى تقدمه لإسرائيل؟ ويقدم الحاخام «بن نون» إجابة موجزة وغير مقنعة ملخصها أن الرب يعاقب واشنطن بسبب ضغط الرؤساء الأمريكان على الحكومات الإسرائيلية لعقد اتفاقية سلام مع العرب، وإعادة الأرض للفلسطينيين. فيما تقدم المنتديات الإسلامية المهتمة بأشراط الساعة رواية بديلة تؤكد أن أمريكا ستتعرض للفناء بسبب اضطهادها للمسلمين، ومحاباتها لليهود، وإسرائيل.

وفيما يتعلق بمستقبل أمريكا بعد الدمار الذى سيلحق بها، يعتقد الحاخامات أن امرأة تدعى «مارثا زاروس» من أصل يونانى، تعيش حاليا فى شيكاغو، ستتولى رئاسة الولايات المتحدة، لتكون أول امرأة تتولى منصب الرئيس. وتوحد العالم المسيحى مع الإسلامى لمحاربة إسرائيل، وتدميرها. ولن تتولى «مارثا» منصب الرئاسة عبر انتخابات ديمقراطية، لكن الأمريكان سيختارونها باعتبارها الزعيمة «المُخلِّصة» التى ستنقذهم من الهلاك. وستقنعهم هذه المرأة بأن اليهود سبب هلاكهم، وأن نجاتهم لن تتحقق إلا بالتحالف مع الحكام المسلمين لإزالة إسرائيل، ورفع الظلم الذى أحدثه اليهود فى العالم.

إلى هنا لا تنتهى نبوءات الحاخامات حول الأحداث المفصلية التى ينتظرها العالم بدءا من العام المقبل، ونهايات العام الحالى، غير أن المثير فى الأمر حقا أن المواعيد التفصيلية التى وضعها الحاخامات تتشابه مع مواعيد تطرحها منتديات إسلامية معروفة تقدم قراءات تفصيلية وعصرية لأحاديث الرسول (ص) حول «الملاحم والفتن» فى آخر الزمان، وتروج للمواعيد نفسها منتديات مسيحية شرقية وغربية، وتتقاطع هذه النبوءات، بشكل لافت ومكمل ومناقض أحيانا، مع ما يرويه علماء المسلمين من أحاديث نقلت عن الرسول (صلى الله عليه وسلم) حول أشراط الساعة، وعلاماتها الكبرى والصغرى.

ابراهيم عبد المعطى داود
09/23/2010, 09:28 PM
حكمة الله
بقلم: أحمد بهجت

تختلف حكمة الخلائق عن حكمة الخالق‏..‏ إن كل حكمة الحكماء تنبع من قطرة واحدة من بحار الحكمة الإلهية‏..‏ ولا تأخذ من الحكمة الإلهية ما يأخذه عصفور يشرب من النهر‏..‏

ولقد أخفي الله تبارك وتعالي حكمته عن الخلائق‏..‏ فحتي عباده المقربين من الملائكة لم يعرفوا حكمته من خلق آدم قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون‏.‏
أخفي رب الناس حكمته عن البشر‏..‏
أعطي الناس من حكمته قدرا يمكنهم من الخلافة في الأرض وتحقيق مشيئته في عمارة الكون‏,‏ وأعطي الأنبياء من حكمته قدرا أعلي يمكنهم من الدعوة إليه ورسم آفاق الكمال الإنساني‏.‏
وأعطي عبدا من عباده‏:‏ آتاه من لدنه علما مالم يعطه لنبي من أولي العزم الكبار‏..‏ إن موسي كليم الله تحير من سلوك الخضر ولم يصبر عليه ولم يفهم لماذا يخرق السفينة‏,‏ ويقتل الغلام الصغير البريء ويصلح جدارا في قرية بخيلة أبت أن تضيفهما‏.‏
لقد احتج موسي علي تصرفات العبد الذي آتاه الله من لدنه علما وحكمة فكان احتجاجه منطقيا بمنطق البشر‏.‏
وكيف تصبر علي مالم تحط به خبرا‏,‏ هكذا حدثه العبد العارف بالحكمة الإلهية‏.‏ لقد بدا خرق السفينة عملا عدوانيا بينما كان جوهره الانقاذ‏,‏ كما بدا قتل الغلام البريء جريمة كانت حقيقتها الرحمة‏,‏ وعلي حين ظهر بناء الجدار عملا يخلو من المعني كانت حقيقته الاحسان والحفظ‏.‏
تحير موسي أمام طرف من حكمة الله‏,‏ وفقد صبره وهو النبي الكريم فكيف بالناس لو اطلعوا علي الحكمة الإلهية؟‏!!..‏ لهذا جعل الله تعالي أسرار حكمته وقفا علي ذاته‏..‏ كيف يتصور أن يكشف ذاته سبحانه وهو قد أخفي حكمته؟‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
09/24/2010, 09:42 AM
امرأة من الأحلام

بقلم د. أيمن الجندى ٢٤/ ٩/ ٢٠١٠
كان لقاؤهما الأول فى مكان عمله. حينما دخلت عليه أحس برجفة، بشعور عجيب يتملكه، وكأنه يعرفها طول العمر. وكأنها توأم روحه الذى طال انتظاره. خيوط دقيقة - لا تراها العين - تتصل بينهما. جهاز إرسال واستقبال فى روحيهما على ذات الموجة الترددية.

ويتوه فى عينيها الصافيتين، وكأنه مُنوّم مغناطيسيا، حزمة من ضوء تمتصها عيناها، يستأذن الحدقة، يتسلل فى ننى العين، ليشاهد الأسرار الجميلة، والأحلام الرقيقة، عالم الروح المفتوح على مصراعيه كنافذة ينهمر الضوء من خلالها كالشلال.

شعور لطيف راوده وكأنه فى بيته القديم، على سريره المريح، بجوار الجدار الذى حفر عليه بالبرجل المرأة الحلم التى أدمن تمنّيها، توقيعه الطفولى بجوار الصورة. خطوطه الساذجة وهو يحاول انتزاع صورتها من عالم الغيب، يرسمها كما تخيلها: وجهها المنير، خصلاتها المنسدلة أمام عينيها، حاجباها المقوسان كهلال ثمين، تؤرخ به الشهور، وتخرج إليه الوفود، وتنصب له المراصد، حاجباها اللتان فى انتظار إشراقهما صام صومه الطويل، وعطش عطشه العظيم، وحزن حزنه الكبير.

راح ينظر إليها وهى تبادله النظر، كف كلاهما عن الفعل والتنفس، عيناها كما رسمهما بالضبط، حدود الجفنين، الكحل الربانى، بحيرة العسل، وفى محيط العين تتوهج النجوم.

أفاق من شروده، كانت تتكلم، لكنه لم يسمع شيئا، شفتاها كما تصورهما بالضبط، مرسومتين، محددتين بعناية، مكتوبتين، أول شفتين مكتوبتين فى التاريخ.

ينبغى أن يعود فورا إلى الزمن القديم، إلى غرفته القديمة، هناك بالضبط بجوار السرير، حيث رسم الشفتين ليقارنهما بما يراه الآن، شفتان تدخران كل عذوبة العالم، منذ أن عرف الإنسان أنه سيموت، فقرر أن يتحدى الموت بالقبلات.

كانت الأوراق أمام عينيه يجب أن يملأها، ويكف عن النظر إليها إن استطاع، ويخفى ارتجاف يديه إن استطاع. كل هذا كان يود أن يفعله ولكن هل يستطيع؟

قال والأمطار تنهمر فى روحه: أهلا. قالت وهى تبتسم: أهلا بك.

صوتها كما كان يسمعه منذ عشرات السنين، صادر من أعماق الروح لا من حبال الحنجرة، فى خجل دعاها إلى الخروج معه، فلبّت الدعوة وكأنه أمر مألوف أن يدعوها وكأنه أمر مألوف أن تستجيب. غادرا مكان العمل معا، وهو يشعر بأنه يحلم. ذهبا إلى كافتيريا على النيل. وهناك استغرقهما حديث حميم، واتفقت ميولهما إلى حد الدهشة. أى تعويذة نفثها السحر فى أذنيهما معا؟ أتراهما طالعا نفس الحلم فى نفس الليلة؟ أم أنهما - فى الأصل - روح واحدة فى جسدين؟

كانت أمواج النيل تترقرق تحت قدميها، وكانت تتطلع إليه كالمسحورة، وخيل إليه أنها قادمة من زمن آخر، من عالم جميل. والتمس كلاهما هدنة من الحديث معترفا - بينه وبين نفسه - بأن حياته يصعب أن تعود إلى سيرتها الاولى. لقد التقى بالجزء الجميل من نفسه ولا ينوى أن يغادر المكان دون موعد قريب. ينبغى أن يقبض عليها قبل أن تذوب فى النور.

وحينما تساءل عن إمكانية لقائهما فى نفس المكان فى اليوم التالى شاهد شفتيها تتحركان بوضوح لكنه لم يسمع الكلمات.

لم يسمعها لأنه.. كان.. قد.. استيقظ.. من.. النوم.

أجل. كان ذلك كله حلما تبدد على جرس المنبه القاسى، لكنه لم يقو على مغادرة فراشه فقد كانت رأسه تدور. أحقا كان ذلك حلما؟ هذا عسير على التصديق. أحقا كان لقاؤه مع.. (ترى ماذا كان اسمها؟). ولكن ما باله يفكر فيها كأنها مخلوقة حقيقية؟. إنها وهم، خيال.

المدهش إنه يتذكر ملامحها وكأنها معه الآن. آه. ليتها كانت حقيقة. بل ليته لم يرها أصلا. الآن عليه أن يسلٌم بأنه بعد أن وجدها فقدها، والواحة التى تبدت له هى فى حقيقتها سراب.

على كل لقد أزف موعد الذهاب إلى عمله وبجب أن يغادر فراشه فورا ويبدأ يوما جديدا.

وما أقبحه من يوم!

تأخر عن موعده بضع دقائق بسبب تكدس المرور. وتمنى لو كانت قد تأخرت هى الأخرى. إن الملكة لا تنتظر رعاياها، بل هم الذين يفترشون الميادين ويتلحفون الهواء ويتسلقون الأعمدة قبل مرورها بليلة كاملة ليظفروا بلمحة من البهاء الملكى.

وأحست بمقدمه فرفعت إليه وجها سعيدا. قال لها ضاحكا: أتصدقين أننى لا أعرف اسمك حتى الآن!

قالت فى دهشة صادقة: أحقا لم تقرأه أمس فى الأوراق؟

بلى. بلى. كيف غاب ذلك عنه؟

وفجأة سمع نفسه يقول فى اندفاع: هل تعرفينى من قبل؟

قالت فى غموض: طبعا.

ثم همست: أنا أعرف كل شىء عنك. أكثر مما تعرفه عن نفسك!

قال ودهشته تتعاظم: لماذا؟

بدت خجلى وهى تقول: لأننى أحببتك طول العمر.

متى وكيف؟، هذا ما لم يعرف به فقد استيقظ على جرس المنبه.

والآن يفتح عينيه على حجرته الموحشة. أغمض عينيه على الفور قابضا على صورتها، شاعرا بالانتشاء وهو يتملى فى مخيلته وجهها المضرج بالخجل وهى تعترف بحبه.

هى؟ إنها وهم. خيال.

يا للجنون؟

لم يعد يدرى أين الوهم وأين الحقيقة. يا لحيرة الأفق بين تعاقب الليل والنهار؟ ذاب الحد الفاصل بينهما. إنه يذكر جميع التفاصيل فى وضوح كامل لا يشوبه ضباب الأحلام المعهود. هذا غريب.

تساءل فى دهشة يخالطها فرح: أحقا تحبيننى؟

قالت فى بساطة: طبعا.

- لماذا؟ قال متسائلا، أقصد متى؟ وكيف؟

أمسكت بيده، وابتسمت فى رقة، قبل أن تشرح الأمر كان جرس المنبه يدق فى إلحاح ليستيقظ مرتبكا من النوم!

وإنه ليتساءل: هل كل هذه التفاصيل الدقيقة حلم؟ إن خاطرا مخيفا يتملكه الآن: لماذا لا يكون ما يظنه الواقع هو الحلم، وما يتصور أنه الحلم هو الواقع؟!

سوف يسألها عن ذلك كله حينما يراها فى الحلم أو اليقظة (لا يدرى). يريد أن يفهم ليستريح.

قالت له:

تسألنى إن كنت وهما أم حقيقة؟ حلما أم واقعا؟ بالنسبة لى أنا بالطبع حقيقة وواقعا. ولكن من يدرى؟ ربما كنت - بالنسبة لغيرى - حلما ووهما.

قال وهو يمسك رأسه: رأسى يدور.

قالت وهى تربت على شعره:

لماذا تشغل نفسك بالأسئلة، ما أكثر أسرار الكون التى نجهلها، وما أكثر الأسئلة وأقل الإجابات!

أريدك معى دائما. إن كنت حلما فلا أريد أن أستيقظ، وإن كنت يقظة فلا أريد أن أنام.

(قالت فى حذر) هل أنت متأكد أنك تريد أن تبقى فى هذا العالم، وأنك اخترتنى؟ وهل تعرف عواقب اختيارك هذا؟ لن تستطيع مغادرة هذا العالم أبدا.

(قال فى تصميم) نعم، أريد أن أكون معك حيثما كنت. حلما أو حقيقة. ومستعداً لأن أتحمل عواقب الاختيار.

وفى الصباح التالى لم يستيقظ على جرس المنبه. كان غائصا فى حلمه الأبدى وعلى وجهه ملامح رجل قد حسم الاختيار.

ابراهيم عبد المعطى داود
09/25/2010, 10:30 AM
صندوق الدنيا
‏(‏رزق الله‏)‏
بقلم: أحمد بهجت

المعرفة أنواع عديدة‏,‏ منها معرفة الإنسان لنفسه‏,‏ ومنها معرفة الإنسان لأسرار المادة وطبائع الأشياء‏,‏ ومنها معرفة الإنسان لربه‏,‏ وهذه المعرفة الأخيرة أخطر من دقات قلب الإنسان للإنسان.

ونحن نعرف أن توقف القلب يكون إيذانا بالوفاة ولكننا لا نعرف أن توقف معرفة الإنسان بالله تعني وفاة الوعي الإنساني‏,‏ وأخطر أنواع الموت موت الأحياء المعني الذي لا يدركونه‏.‏
وهذا ما يكرهه الله لعباده‏..‏ أن يكونوا قلوبا لا تشعر‏,‏ وعقولا لا تعرف‏,‏ وآذانا لا تسمع‏,‏ وعيونا لا تري‏..‏
لهذا دعا الله الخلق إلي عبادته‏,‏ وأفهمهم أنه غني عن عبادتهم‏..‏ غني عن انتظار الرزق منهم‏,‏ إنما هو الذي يطعمهم ويرزقهم‏..‏ وتنفد رزق يسوقه إليهم هو دعوتهم إلي معرفته وعبادته‏.‏
تشحب كل أنواع الرزق جوار هذا الرزق‏..‏ ونفد كل أنواع الرزق‏,‏ ويبقي هذا الرزق‏..‏
ماعندكم ينفد وما عند الله باق‏.‏
أعظم رزق معنوي في الدنيا هو العبادة‏,‏ ويتمثل هذا الرزق في الأذن لعباده أن يعرفوه والسماح لهم أن يعبدوه ولولا لطفه بالخلق وحنانه عليهم ما قدم إليهم مجد عبادته ومعرفته‏.‏
إن الله تعالي غني عن عبادة العابدين وهو المتعالي علي إنكار المنكرين‏.‏
ورد في الحديث القدسي قوله تعالي‏:‏ يا عبادي‏,‏ إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني‏,‏ ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني‏..‏ يا عبادي‏..‏ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا علي أنقي قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئا‏,‏ يا عبادي‏..‏ لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا علي أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا‏.‏
إنما يزيد العابد من ملكه هو حين يعبد الله‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
09/25/2010, 11:11 AM
من أسرار القرآن
(‏362)
إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين
[‏الواقعة‏77‏ ـ‏80]‏
بقلم: د. زغلول النجار

هذه الآيات القرآنية الكريمة جاءت في خواتيم سورة لواقعة‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ست وتسعون‏(96)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر الساعة‏,‏

و‏(‏الواقعة‏)‏ من أسمائها لتحقق وقوع‏(‏ الساعة‏),‏ كما وعد ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏.‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة‏(‏ الواقعة‏)‏ حول أحداث كل من‏(‏ الساعة‏),‏ و‏(‏القيامة‏),‏ و‏(‏الآخرة‏),‏ والرد علي منكري تلك الأحداث الثلاثة الكبري التي كثيرا ما تجمع تحت أحد هذه المسميات القرآنية بسبب سرعة تتابعها‏,‏ وإن كانت‏(‏ الساعة‏)‏ تمثل اللحظات الأخيرة في عمر هذا الوجود الدنيوي‏,‏ والتي يفني فيها كل مخلوق‏,‏ و‏(‏القيامة‏)‏ هي البعث من أرض جديدة غير أرضنا هذه‏,‏ وتحت سماوات غير السماوات المحيطة بنا‏.‏ و‏(‏الآخرة‏)‏ تأتي بعد كل من البعث والحشر والحساب والجزاء بالخلود إما في الجنة وإما في النار‏.‏
هذا‏,‏ وقد سبق لنا استعراض سورة الواقعة‏,‏ وما جاء فيها من ركائز العقيدة‏,‏ والإشارات الكونية‏,‏ ونركز هنا علي ومضة الإعجاز التشريعي والاعتقادي في وصف القرآن الكريم بأنه تنزيل من رب العالمين من الأدلة المنطقية علي أن القرآن الكريم هو كلام الله‏:‏
أولا‏:‏ أنه كتاب معجز في بيانه‏:‏ فكل حرف‏,‏ وكلمة‏,‏ وآية‏,‏ وسورة من سوره‏,‏ والقرآن كله معجز في بلاغته‏,‏ ونظمه‏,‏ وبيانه‏,‏ ودلالته‏,‏ لدرجة أنك لو نزعت كلمة واحدة من إحدي آياته وأدرت لسانك علي مجامع اللغة العربية لتجد بديلا لها ما وجدته‏.‏ هذا بالإضافة إلي ارتباط الآيات ببعضها‏,‏ وارتباط فواتح السور بخواتيمها‏,‏ وارتباط السور بعضها ببعض‏,‏ واختيار ألفاظ محددة في مواطن معينة دون مرادفاتها‏,‏ في دقة من التعبير‏,‏ وإحكام في الأداء‏,‏ وشمول وكمال لا تدانيهما أي صياغة بشرية مهما علت‏.‏ وقد تحدي القرآن الكريم العرب ـ وهم في قمة من قمم البلاغة والفصاحة وحسن البيان ـ أن يأتوا بقرآن مثله‏,‏ أو بعشر سور من مثله‏,‏ أو حتي بسورة واحدة من مثله‏,‏ ولو من قصار السور‏,‏ فعجزوا عن ذلك‏,‏ ولا يزال هذا التحدي قائما دون أن يتقدم عاقل ليقول إنه استطاع صياغة سورة من مثل سور القرآن الكريم‏,‏ أما المجانين فيمكنهم الادعاء بذلك وقد ادعوه‏!!‏ وأما بلغاء العرب فلم يحاولوا ذلك أبدا‏,‏ ولو من قبيل المحاولة‏,‏ لأنهم كانوا يعلمون جيدا عجزهم عن ذلك‏.‏ وهذا هو الوليد بن المغيرة أحد بلغاء العرب وفصحائهم‏,‏ قال في القرآن الكريم وما آمن به‏:‏ والله إن لقوله لحلاوة‏,‏ وإن عليه لطلاوة‏,‏ وإنه ليعلو وما يعلي عليه‏.‏
ثانيا‏:‏ أنه كتاب معجز فيما يدعو إليه من معتقدات‏:‏ ومن ذلك دعوته إلي الإيمان بالله‏,‏ وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وبالقدر خيره وشره‏,‏ وبالغيب المحجوب عن الإنسان‏,‏ وإلي توحيد الله ـ تعالي ـ توحيدا كاملا‏,‏ وتنزيهه فوق جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والانطلاق من هذا التوحيد الخالص لله ـ تعالي ـ إلي الدعوة للاعتقاد في وحدة رسالة السماء‏,‏ وفي الأخوة بين الأنبياء وبين الناس جميعا الذين ينتهي نسبهم إلي أب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ‏,‏ وما أحوج الناس إلي هذه العقيدة الصحيحة وسط بحور الكفر والشرك والضلال التي يغرقون فيها اليوم إلي الآذان‏.‏ ويري كل عاقل أن التوحيد أفضل من الشرك‏,‏ وأن تنزيه الله ـ تعالي ـ فوق جميع صفات خلقه أفضل من الانحطاط بمدلول الألوهية إلي الحجر‏,‏ أو الشجر‏,‏ أو البشر‏,‏ أو الشيطان‏,‏ أو النيران‏,‏ أو غير ذلك‏,‏ وأن الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله أفضل من التحلق حول واحد منهم والمبالغة في تعظيمه إلي حد عبادته من دون الله‏,‏ أو المبالغة في عبادة الذات إلي حد التأله علي خلق الله‏,‏ والتجبر في الأرض‏.‏
ثالثا‏:‏ وهو كتاب معجز فيما يدعو إليه من عبادات‏:‏ لأن العبادات فيه هي أوامر إلهية خالصة‏,‏ وليست من صناعة البشر‏,‏ وهنا يتضح الفارق الكبير بين العبادات المفروضة من الخالق ـ سبحانه وتعالي ـ والعبادات الموضوعة بواسطة الإنسان‏,‏ ويمكن إدراك ذلك بمقارنة كل من النطق بالشهادتين‏,‏ وأداء كل من الصلاة‏,‏ والزكاة‏,‏ والصوم‏,‏ والحج عند المسلمين‏,‏ بالعبادات عند غيرهم من أصحاب المعتقدات الأخري‏.‏
رابعا‏:‏ وهو كتاب معجز في دستوره الأخلاقي‏:‏ الذي يتصف بالكمال والمواءمة مع ما تقبله الطبيعة البشرية من ضوابط تنظيمية لسلوك كل من الفرد‏,‏ والأسرة‏,‏ والمجتمع‏,‏ دون أدني قدر من الغلو‏,‏ أو الإقلال‏,‏ أو التفريط‏.‏
خامسا‏:‏ وهو كتاب معجز في جميع تشريعاته‏:‏ التي تتصف بالحكمة والرشد والعدل‏,‏ وذلك من مثل تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏,‏ وتشريع عقوبة القصاص‏,‏ وتحريم كل من الزنا والشذوذ الجنسي‏,‏ وتحريم كل من السرقة والحرابة‏,‏ ووضع العقوبات الرادعة للواقعين في تلك الحدود‏,‏ وتشريع عقوبة القذف‏,‏ وتحريم الربا بكل أشكاله وصوره المؤدية إلي الكسب الحرام‏,‏ أو إلي أكل أموال الناس بالباطل‏,‏ وتحريم كل من الخمور والمخدرات‏,‏ وأكل أي من الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به‏,‏ وتحديد العلاقات والواجبات والحقوق لكل فرد في الأسرة والمجتمع والدولة والعالم‏(‏ فقه الأسرة والمجتمع‏,‏ فقه المعاملات والسلوك‏,‏ فقه الحاكم والمحكوم‏,‏ وغير ذلك من التشريعات الإلهية‏)‏ التي تتفوق فوق كل القوانين الوضعية‏.‏
سادسا‏:‏ وهو كتاب معجز في إشاراته العلمية إلي الكون ومكوناته وظواهره‏:‏ وقد جاء ذلك في أكثر من ألف ومائتي آية صريحة‏,‏ بالإضافة إلي آيات تقترب دلالتها من الصراحة‏,‏ في صياغة علمية تبلغ من الدقة والشمول والكمال ما لم يبلغه العلم الحديث‏,‏ علما بأن هذه الإشارات لم ترد في مقام الإخبار العلمي المباشر‏,‏ بل جاءت في مقام الاستدلال علي حقيقة الألوهية للخالق العظيم‏,‏ وحقيقة ربوبيته‏,‏ ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وفي مقام الاستشهاد علي قدرته المطلقة في الخلق والإفناء والبعث‏,‏ وعلي كل ما يشاء‏..‏ وتأتي الكشوف العلمية الحديثة متوافقة مع ما سبق نزوله في القرآن الكريم‏.‏
سابعا‏:‏ وهو كتاب معجز في جميع أنبائه الغيبية‏,‏ وإشاراته التاريخية‏:‏ فقد أشار إلي عدد من الوقائع التي تمت فيما قبل التاريخ‏,‏ ولم يدونها إلا القرآن الكريم‏,‏ كما أخبر بأحداث عديدة قبل وقوعها وتحققت بالفعل‏,‏ أو لم تقع بعد‏,‏ ونحن لا نزال ننتظر وقوعها‏,‏ واستعرض جوانب من تاريخ عدد من الأنبياء والمرسلين‏,‏ وعدد من صالحي البشر وطالحيهم‏,‏ وعدد من الأمم البائدة بدقة فائقة‏,‏ وقد بدأت الاكتشافات الأثرية في الشهادة علي سبق القرآن الكريم بالإشارة إليها‏.‏
ثامنا‏:‏ وهو كتاب معجز في ضوابطه التربوية‏:‏ التي تهتم ببناء الإنسان الصالح‏,‏ وليس فقط المواطن الناجح الذي تركز عليه أغلب المناهج التربوية الوضعية‏,‏ التي ثبت فشلها‏.‏
تاسعا‏:‏ أنه كتاب معجز في خطابه إلي النفس الإنسانية‏:‏ وهو خطاب يرقي بالإنسان إلي مراتب عليا في معراج الله‏,‏ لا يمكن أن يرقي به إليها خطاب سواه‏,‏ لأنه يحدد للإنسان علاقته بربه‏,‏ وبذاته‏,‏ وبأهله‏,‏ وبمجتمعه‏,‏ وبالإنسانية جمعاء تحديدا دقيقا‏,‏ يرتقي بالإنسان إلي مقامات التكريم التي رفعه إليها خالقه‏,‏ ويحقق له الأمن النفسي‏,‏ ويطهره من القلق‏,‏ والشعور بالخوف‏,‏ وسوء الظن‏,‏ والحسد‏,‏ والغيرة‏,‏ والتشاؤم‏,‏ والتوتر‏,‏ والشعور بالتعاسة والشقاء‏,‏ وغير ذلك من الأمراض النفسية التي تنتاب الإنسان في غيبة الإيمان بالله‏,‏ والبعد عن فهم حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة‏:‏ أنه عبد لله‏,‏ مطالب بعبادة ربه بما أمر‏,‏ ومستخلف في الأرض مطالب بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله في ربوعها‏,‏ ويرعاه في كل ذلك ويطمئن قلبه الشعور بمعية الله‏,‏ لأن الإنسان إذا فقد الإيمان بذلك شقي في هذه الحياة وأشقي‏,‏ وتعرض للعديد من الأمراض والعقد النفسية التي قد لا يكون لبعضها شفاء‏.‏
عاشرا‏:‏ أنه كتاب معجز في ضوابطه الاقتصادية والإدارية‏:‏ التي اعترف بسموها كثير من أساتذة هذين المجالين من غير المسلمين‏,‏ خاصة تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تسود عالم اليوم‏,‏ والتي تكاد تأكل الأخضر واليابس من علي وجه الأرض‏.‏
ومن ضوابط القرآن الاقتصادية ما جاء به من تحريم الربا بمختلف أشكاله ووسائله‏,‏ ومن تشريع الزكاة‏,‏ واشتراط كتابة الدين‏,‏ والإشهاد عليه‏,‏ والأمر بأداء الأمانات إلي أهلها‏,‏ وغير ذلك من ضوابط التعاملات المالية‏.‏ ومن ضوابطه الإدارية الأمر بحسن التخطيط‏,‏ والاستعانة بأهل الرأي والخبرة‏,‏ والأمر بحسن توزيع الاختصاصات والمسئوليات‏,‏ وبالعدل بين المرءوسين‏,‏ واحترام الكبير‏,‏ والعطف علي الصغير‏,‏ وبالمحافظة علي الحقوق والواجبات‏,‏ والمساواة بين الناس‏,‏ وتحريم أن يحكم المسئول أهواءه الشخصية في الحكم علي مرءوسيه‏,‏ والأمر بالمحافظة علي المصالح العامة والخاصة‏,‏ وحسن القيام عليها بأمانة واقتدار‏.‏
حادي عشر‏:‏ أنه كتاب معجز في شموله‏:‏ وذلك لمعالجته العديد من القضايا التي تتراوح بين خلق السماوات والأرض إلي خلق كل من الحياة والإنسان‏,‏ كما تشمل سير عدد من الأنبياء والصالحين من لدن أبينا آدم ـ عليه السلام ـ إلي بعثة الرسول الخاتم ـ صلي الله وسلم وبارك عليه وعلي أنبياء الله ورسله أجمعين ـ‏,‏ وتشمل سير عدد من الأمم البائدة‏,‏ والأفراد الصالحين والطالحين‏,‏ بالإضافة إلي ركائز كل من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات‏,‏ كل ذلك دون خطأ واحد في اللغة أو الصياغة أو الدلالة أو المحتوي‏.‏
ثاني عشر‏:‏ أنه كتاب معجز في جرس ألفاظه وخواتيم آياته‏:‏ وذلك من مثل روعة الجرس الصوتي بين كلماته‏,‏ وخواتيم آياته‏,‏ مع سلامة الأسلوب‏,‏ وسهولة التراكيب‏,‏ والانسياب في النطق مما ييسر الحفظ‏,‏ وموافقة الألفاظ للمعاني المقصودة منها بدقة فائقة‏,‏ مما ساعد ملايين الأفراد من العرب والعجم علي حفظه كاملا‏.‏
ثالث عشر‏:‏ إعجاز رسم حروفه‏:‏ التي تتميز بالجمال والتناسق‏,‏ والطواعية للتشكيل‏,‏ والضوابط الحاكمة للخط العثماني الذي كتب به المصحف الشريف من مثل قواعد الوصل والفصل‏,‏ والبدل‏,‏ والهمزة‏,‏ والحذف والإضافة في رسم الحروف‏,‏ وذلك من أجل استيعاب جميع اللهجات العربية‏,‏ وهو أمر معجز حقا لتفرد المصحف الشريف به دون سائر الكتب‏.‏
رابع عشر‏:‏ هو كتاب معجز في دقة حفظه‏:‏ فلا تعرف البشرية وحيا سماويا حفظ في نفس لغة وحيه علي مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد دون أن يضاف إليه حرف واحد‏,‏ أو أن ينتقص منه حرف واحد سوي القرآن الكريم الذي تفرد بهذا الإعجاز الحفظي بعهد مطلق من الله ـ سبحانه وتعالي ـ حتي يبقي القرآن الكريم حجته البالغة علي جميع خلقه إلي يوم الدين‏.‏
خامس عشر‏:‏ هو الكتاب الوحيد الذي تحدي به رب العالمين الإنس والجن‏,‏ فرادي ومجتمعين أن يأتوا بشيء من مثله‏:‏ دون أن يتمكنوا من مجابهة هذا التحدي رغم مرور أكثر من أربعة عشر قرنا علي نزوله‏.‏
من هنا كانت ومضة الإعجاز الإنبائي والتشريعي والاعتقادي في وصف القرآن الكريم بقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ فيه‏:‏
إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين‏(‏ الواقعة‏:77‏ ـ‏80).‏
وهذا الوصف الإلهي للقرآن الكريم بأنه‏(‏ في كتاب مكنون‏)‏ أي في كتاب مستور‏,‏ مصون‏,‏ محفوظ بحفظ الله ـ تعالي ـ عن التبديل والتغيير‏,‏ وهو اللوح المحفوظ‏,‏ أو هو كذلك المصحف الذي بأيدينا‏,‏ وقد تعهد ربنا بحفظه‏.‏ ويدعم أنه اللوح المحفوظ قول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في الآية التالية‏:‏
لا يمسه إلا المطهرون والمطهرون هم الملائكة الأطهار‏,‏ وقد يشمل ذلك المتطهرين من البشر‏,‏ وذلك لأن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين‏,‏ في صفائه الرباني‏,‏ وإشراقاته النورانية‏.‏ ومن هنا وجب تعظيمه واحترامه وإجلاله‏,‏ ومن صور ذلك ألا يمسه إلا طاهر‏.‏ وجمهور فقهاء المسلمين مجمعون علي عدم جواز مس المصحف الشريف إلا لطاهر من الحدثين الأصغر والأكبر‏,‏ وقد أجاز البعض رخصة في ذلك لضرورة التعليم والتعلم‏.‏ والذين يتشددون في هذا الأمر يقولون‏:‏ إذا كان الله ـ تعالي ـ يؤكد لنا أن الصحف المطهرة في السماء لا يمسها إلا المطهرون‏(‏ وهم الملائكة‏),‏ فإن صحائف القرآن الكريم التي بأيدي المسلمين لا ينبغي أن يمسها إلا طاهر‏.‏
ولعل في ذلك ردا علي أحد شياطين أو مجانين العصر وهو المدعو تيري جونز‏(TerryJones)‏ من ولاية فلوريدا بالولايات المتحدة الأمريكية‏(Gainesville,Florida,USA)‏ الذي وضع علي كتاب الوجه‏FaceBook))‏ بشبكة المعلومات العنكبوتية نداء ينضح بالتعصب الأعمي‏,‏ وبالكراهية للحق‏,‏ وبالجهل الفاضح‏,‏ يدعو هذا النداء الكريه من أعماهم التعصب من أمثاله إلي حرق آلاف من نسخ القرآن الكريم في ذكري الحادي عشر من سبتمبر‏2010‏ م‏.‏ وعندما سئل‏:‏ هل قرأت القرآن؟ أجاب بالنفي‏,‏ وأكد أنه لا يعرف شيئا عن محتواه‏,‏ ولكنها الرغبة الجامحة في الشهرة الزائفة‏,‏ والكراهية الشديدة للحق وأهله‏,‏ ووجه كريه من أوجه الحضارة المادية المفلسة في زمن الفتن الذي نعيشه‏,‏ ولكن الحق دائما يعلو ولا يعلي عليه‏...‏ والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏(‏ يوسف‏:21),‏ وصدق الله العظيم‏,‏ وبلغ رسوله الكريم ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏,‏ وجنبنا الله جنون المجانين‏,‏ وإيذاء طالبي الشهرة الرخيصة علي حساب الحق الأزلي‏..‏ اللهم آمين آمين‏..‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
09/28/2010, 07:41 PM
جلسة مع كاتبات فى القاهرة

بقلم نوال السعداوى ٢٨/ ٩/ ٢٠١٠
منذ أيام جمعتنى جلسة مع بعض الكاتبات فى مدينة القاهرة، كان السؤال يدور بيننا: هل تختلف عين الكاتبة المرأة فى رؤيتها للكون والناس عن عين الكاتب الرجل؟ وهل تختلف اللغة أيضا باختلاف الرؤية؟

قالت كاتبة متوسطة العمر لا ترتدى الحجاب كانت تجلس بجوارى:

عين الإنسان غير منفصلة عن عقله واللغة التى يعبر بها، رجلا كان أو امرأة، كلما تطور العقل، الوعى واللاوعى معا، تطورت الرؤية بالعين وتطورت اللغة، قد يرى الكاتب المبدع أو الكاتبة المبدعة ما لا يراه الآخرون، ليس لأن الابداع يهبط من السماء، أو منحة من الآلهة لما نسميهم عباقرة، بل إن العبقرية صبر طويل، وعمل وجهد، وتربية جيدة منذ الولادة حتى النهاية، تفتح العقل والعين على آفاق ولغة جديدة، يصبح الإنسان قادراً على إثارة الجدل، وكشف المكبوت والمسكوت، تصبح الكتابة المبدعة محرضة على التفكير والتغيير، وتحطيم الأصنام، المسلمات القديمة والجديدة والموروثات منذ العبودية، الكتابة المبدعة هى السهل الممتنع، هى الكتابة كما نعيش، من الحياة ذاتها تنبع الكتابة المبدعة وليست من الكتب، لهذا قد يبدع إنسان لم يتعلم فى المدارس، قد تقتل المدارس الإبداع الطبيعى فى الطفل أو الطفلة، وقالت كاتبة متقدمة فى السن غير محجبة أيضا:

الكتابة من تجارب الحياة قد تبدو سهلة، وهى سهلة لمن يعيش الحياة ويتأمل تجاربه وتجارب الناس، الكتابة ليست مجرد حكايات أو أحداث، بل هى صور مبدعة للحياة ذاتها، هى تفاصيل الحياة الصغيرة جدا، حين تتحول فى عين الكاتبة أو الكاتب إلى لغة وأفكار جديدة كبيرة، هذه العين السحرية القادرة على ربط الأشياء غير المترابطة، ونقل الماضى إلى الحاضر إلى المستقبل بكلمة أو صورة، إنها القدرة الإبداعية النقدية التى تكشف وتنزع عن عيوننا الحجاب المفروض علينا منذ آلاف السنين، هى عين طفولية طبيعية قادرة على كشف التناقضات فى سلوك الكبار وإن كانوا ملوكا يجلسون على عروش الأرض والسماء، مثل قصة الطفلة أو الطفل الذى رأى الملك عاريا رغم أن كل من حوله من النخبة كانوا يتغزلون فى ملابسه الملوكية الفاخرة، وقالت كاتبة شابة ترتدى بنطلوناً وقميصاً فضفاضاً:

الأطفال قادرون على كشف النفاق السياسى والاجتماعى أكثر من الكبار، عيون الأطفال لم تصبها الغشاوة الناتجة عن التربية والتعليم والكذب الدائم، يقول الأطفال الصدق إلى حد صدمة الآخرين، الصدق يصدم فى عالم تعود الكذب، يزداد النفاق بصعود الإنسان إلى صفوف النخبة المختارة من السلطة الحاكمة، تربطهما المصالح المشتركة، تختار السلطة هذه النخبة وتعينهم فى أعلى المناصب الأدبية والثقافية والإعلامية والدينية والسياسية والاقتصادية، تصبح النخبة أداة فى خدمة السلطة، تتصدى لمن ينقدها أو يعارضها، تلعب هذه النخبة أدوارا مزدوجة لإخفاء علاقتها بالسلطة الحاكمة، منها دور المعارضة ذاتها، يعرفون قواعد اللعبة، ينتقلون من دور إلى دور مثل الكراسى الموسيقية، منهم الرجال والنساء، قد تلجأ المرأة إلى الكذب والنفاق أكثر من الرجل، لأن خوفها من العقاب أكثر، لأنها امرأة تحكمها الأخلاقيات الدينية السائدة (منها أن وجهها عورة وطاعتها للرجل واجبة ومكانها الطبيعى هو البيت ودورها حسب أمر الله هو خدمة الأسرة)، قد تكون المرأة وزيرة أو رئيسة وزراء أو رئيسة تحرير أكبر جريدة، أو طبيبة جراحة أو عالمة ذرة أو أديبة عالمية مبدعة، إلا أن كل هذه الأعمال ثانوية فى حياتها بالنسبة لدورها الرئيسى التقليدى: الزواج والأمومة وخدمة الأسرة، تصبح المرأة الكاتبة شاذة إن أحبت الكتابة أكثر من الرجل وخدمة الأسرة، يصبح الرجل الكاتب عظيما إن تفرغ لفنه وكتاباته أكثر من تفرغه للمرأة وخدمة الأسرة، المرأة والخدمة متلازمتان، واجب المرأة خدمة غيرها، أما الرجل فهو يتزوج لتخدمه زوجته، يظل مفهوم الأمومة متحكما فى عقل المرأة وقلبها، تضحى الأم بحياتها من أجل الأمومة، دور الأبوة فى حياة الرجل ليس رئيسيا، يمكن للرجل أن يعيش دون زواج دون أن ينجب، المرأة التى لا تنجب تشعر بالنقص أو العار، يتباهى الكاتب الرجل بأنه يحتقر الزواج، ينشر أفكارا تحقر المرأة خاصة الزوجة، يتباهى بغزواته الجنسية المتعددة، أما المرأة الكاتبة فهى تخاف نظرة المجتمع إليها، تتردد فى الكشف عما يدور فى أعماقها، تتبنى أفكار الرجل فى السياسة والدين والأخلاق، تتباهى حين تتزوج وحين تصبح أما وجدة، تتباهى النساء بعدد الحفيدات والأحفاد.

أعلنت كاتبة ترتدى الحجاب أنها أصبحت جدة لحفيد أطلقت عليه اسم النبى، ثم دارت بين الكاتبات مباراة حول عدد الأحفاد الذكور، لم يكن للحفيدات الإناث تلك البهجة والفخر.

سألتنى واحدة منهن عن عدد أحفادى، مصمصت شفتيها حين قلت لها اسألينى عن كتابى الأخير، ثم قلت لها: ما الفرق بين امرأة دورها الكتابة وامرأة دورها الولادة؟ أكثرهن يرتدين الحجاب رغم أنهن كاتبات، قالت كاتبة صحفية كبيرة معروفة: الحجاب أمر الله، الكاتبة لا تعصى أمر الله ولاّ إيه، وقالت كاتبة أخرى: نحن نمشى حسب المجتمع، الكتابة لا تعنى مخالفة المجتمع، أو التمرد، التمرد من الشيطان.

لم تتفق معى فى الرأى إلا واحدة من خمس كاتبات، وكلهن معروفات، بعضهن مشهورات، يشغلن مناصب كبيرة فى الإعلام والثقافة.

هل نحن فى عالم يتهاوى أمامنا؟ لقد جسدت هؤلاء الكاتبات كيف ارتد المجتمع إلى الماضى السحيق، ها هى بعض النخبة من النساء الكاتبات، دورهن إنارة العقول وإبداع الأفكار الجديدة، دورهن تغيير المجتمع إلى الأفضل فإذا بهن يخضعن للمجتمع ويسرن وراءه وليس أمامه.

قالت واحدة منهن: كنت أحلم بتغيير العالم فى طفولتى، لكنى اليوم أحلم بالحصول على غرفة خاصة بى لا يشاركنى فيها زوج، نحن فى عالم يقوم على التجارة والمال، لم أكسب من الكتابة إلا المتاعب والفقر، عالم تم فيه تسليع كل شىء، أرخص السلع الإنسان، خاصة المرأة، خاصة الكاتبة، الزوجة أرخص السلع يا سيدتى، المشاعر الجميلة الصادقة فى العلاقات الحميمة استولى عليها سعار البيع والشراء، لم يعد باستطاعتى أن أعرف حقيقتى، أرى نفسى دمية، ألعوبة فى يد الآخرين، لا أعرف من يمسك بخيوط تحريكى أعلى المسرح، كل صباح أرى وجه زوجى يائسا مكفهرا يردد ما تكتبه الصحف من فساد، كل شىء فى فمى له طعم الفساد، أشعر بغثيان روحى وقلبى قبل غثيان معدتى، يبدو زوجى رجلا غريبا عنى، لم أعش معه فى سرير واحد أربعة وعشرين عاما، أسأله كل يوم من هو وهل تقابلنا اليوم فقط، أم منذ ربع قرن؟

تمصمص الكاتبات شفاههن، تهمس واحدة: نحن نعيش فى عالم عبثى مخيف، ارحمنا يا رب، وأقول لها: الرب لا يرحم إلا من يرحم نفسه، الرب لا يساعد إلا من يساعد نفسه، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، علينا أن نغير أنفسنا، على المرأة أن تغير نفسها وتفكيرها وإلا فلن يغيرها أحد، ابدئى بنفسك يا سيدتى الكاتبة قبل أى شىء.

ابراهيم عبد المعطى داود
10/01/2010, 09:49 AM
صندوق الدنيا
خلق الملائكة ا‏2‏ب
بقلم: أحمد بهجت
9/30/2010

ليس الملائكة أجسادا ظاهرة لنراها‏,‏ ولا ينطبق عليهم ما ينطبق علي الأجسام الظاهرة من ميلاد وشيخوخة وموت‏,‏ ولا ينطبق عليهم ما ينطبق علي البشر من طعام وأكل وذكورة وأنوثة‏.‏ إنما هم خلق آخر من خلق الله قائم بالله‏,‏ ولا يتصف بشيء مما يتصف به غيره من الخلق‏.‏

وعدد الملائكة غيب‏..‏ لا يعرف عددهم سوي الله تعالي‏.‏ وللملائكة عملهم في الملأ الأعلي‏,‏ ولهم عملهم في الحياة الدنيا‏..‏ ولهم عملهم مع العناصر الطبيعية والأكوان‏..‏ وقد شرفهم الله تعالي بالطاعة المطلقة‏,‏ وشرفهم بصفاء لا تخدشه عكارة‏,‏ وشرفهم بقوة لا حدود لها وشرفهم بالقرب منه سبحانه وإمضاء أوامره‏.‏
إن السجود لله تعالي من مهام الملائكة‏,‏ وهو شرف أسبغه الله تعالي علي الملائكة‏.‏
وفي الملائكة من يدخل علي المؤمنين في الجنة‏,‏ وفيهم من يحرس الجحيم‏,‏ وفيهم من يشفع للناس من بعد أن يأذن الله ويرضي‏.‏ وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضي‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
10/05/2010, 10:49 PM
صديقة البطلة

بقلم د. أيمن الجندى ٥/ ١٠/ ٢٠١٠
ربما رأيت هذا المشهد مرارا: فتاة مبهرجة الألوان تضع على وجهها أطنانا من المساحيق، ثيابها ضيقة ومُلفتة، تتحدث بصوت عال تتخلله ضحكات هستيرية وسط دائرة من المعجبين، تتمايل فى غنج، تستخدم يديها وملامح وجهها أكثر من اللازم، ولسان حالها يقول: انظروا كم أنا جميلة ولطيفة وأثير الإعجاب!!

وعلى بعد خطوات منها تقف (صديقة البطلة) لا يعبأ بها أحد رغم ملامحها الناعمة ومشاعرها الفياضة وأنوثتها الوافرة المختفية خلف ثياب متسعة. والحقيقة أنها أجمل من صديقتها بمراحل، فقط لو أزالوا أطنان المساحيق من وجهها. لكن أحدا لا يترك البطلة المصبوغة لسبب بسيط: إنهم سطحيون وحمقى.

فتش عن صديقة البطلة، عن الجمال الكامن فى المعانى، عن الأشياء الأصيلة والحقيقية. فتش عن الأشجار الطبيعية بخشبها العتيق وألوانها الهادئة. فتش عن الفول المدمّس بالحب، عن الطعمية العائمة فى الزيت كراقصات البجع، عن عدس الشتاء الذهبى الساخن، وبطيخ الصيف المثلج، وطعم التوت فى أيام الربيع.

فتش عن الأمسيات الجميلة، واجتماع العائلة على مائدة الطعام. عن صوت محمد رفعت العذب قبيل إفطار رمضان، عن رائحة المسك فى المساجد العتيقة، عن طعم ماء الزهر فى القلل الفخارية.

فتش عن مصر الحقيقية، وصلع الآباء الكادحين، عن حنان الأمهات، وطعام الأمهات ، ودعوات الأمهات. عن صوت فايزة أحمد وأم كلثوم وعبد المطلب. عن قرطاس الترمس فى أحضان النيل. عن الجمالية والعقادية وخان الخليلى والحسين.

لا تقع فى غواية الألوان الفاقعة فيبهرك ما بهر الشباب المتحمس فى الفتاة الهستيرية المتبرجة. دعك من غواية العولمة وغرائب السلع الاستهلاكية، وموبيلات تصبح قديمة بعد أسبوع، وأجهزة كمبيوتر تتغير مواصفاتها باستمرار. وتليفزيونات مسطحة. عشنا دهرا دون هذه الأشياء وكانت حياتنا أسعد.

اترك الزيف الذى انتشر فى عالمنا كالوباء حتى صار صعبا أن تحصل على شىء واحد حقيقى. مهن رأسمالها شباب متأنق يرتدى ربطة عنق وقميصاً نصف كم ولا تدرى ماذا يعمل بالضبط، وفتيات بنظارات سوداء يتحدثن بتكلف. وأماكن تبيع الوهم وتُسوّق القبول الاجتماعى، ومطاعم حديثة باهظة الثمن بلا طعم ولا نكهة ولا رائحة.

أخرج من فخ الألوان، وافرز ما هو أصيل وجوهرى. وأعد اكتشاف نفسك الحقيقية، والجمال الكامن فى الأزقة والبيوت والوجوه والبشر. جمالا ليس مبهرجا ولا زاعقا ولا مصبوغا بالمساحيق. جمال أصيل فى دفء العلاقات الإنسانية وطعم التوت الهادئ واللون الأخضر الوقور. فى إحساسك الحميم أن هذه الدروب القديمة شرايين روحك، وأنك - ببساطة - تريد أن تعيش هنا وتموت هنا.

ليس كل ما يلمع ذهبا، وحتى الذهب فى الطبيعة لا يكون براقا لامعا. هو صامت ووقور ولكن الصنعة هى ما تجعله يخطف الأبصار. والخلاصة أن صديقة البطلة - لا البطلة - هى الجديرة باهتمامك بشرط أن تكون قد امتلكت ما يكفى من الذوق السليم والنضج الإنسانى.

ابراهيم عبد المعطى داود
10/06/2010, 06:29 PM
. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين (٤-٧) .. البابويةُ والخلافة

٦/ ١٠/ ٢٠١٠
شهد النصف الثانى من القرن العشرين، عمليةً عكسيةً لافتةً للنظر. فما كاد المسلمون يستفيقون من وَهْم «الخلافة» والظن بأنها شرط لقيام الدولة التى يعيش الناس فيها تحت (ظل) الحاكم الذى هو (ظل) الإله فى الأرض، حتى دخل المسيحيون فى وَهْم مشابه، ولكن من الجهة العكسية، بظنهم أن حياة الفرد المسيحى لا تستقيم إلا مع وجود البابوية .. ونظراً لحساسية الموضوع الذى سنطرحه عبر السطور التالية، فمن المهم أن نورد قبل الخوض فيه، بعض المقدمات الضرورية:

أولاً: إن مرادى بالخلافة والبابوية هنا، هو الصورة السلطوية التى تستند إلى الحكم الدنيوى، وفقاً للحق الإلهى.

ثانياً: إن حديثى عن المسلمين والمسيحيين لا ينطوى بالضرورة على عموم أهل الديانتين، فالتنوع داخل كل جماعة (مصرية) قد يمتد حتى يصل أحياناً إلى حد التناقض، داخل الجماعة الواحدة! وبالتالى، فمقصودى هو «بعض» أولئك وهؤلاء، وليس جميعهم.

ثالثاً: إن تناول مثل هذه الظنون والأوهام، لا أقصد به الخوض فى الاعتقاد الإيمانى وصُلب الديانة المسيحية أو الإسلامية. ولذلك، فلن أتعرَّض للأحوال الدينية المتمثلة فى الكتب المقدسة (الإنجيل، القرآن) وإنما أستعرض صور الوعى العام الناتج عن مواقف تفسيرية وتأويلية، وعن اجتهادات فردية وطرق مختلفة فى فَهْم «الدين».

رابعاً: إن كلامى التالى ينطلق من قاعدة « المحبة» الواجبة على المسيحى والمسلم معاً، ومن ضرورة المناقشة العميقة (الهادئة) لتلك الموضوعات، بدلاً من إهمالها وتجاهلها. وهو ما يقود لا محالة، إلى استفحالها (فى الظلام) وانتشارها فى اللاوعى العام، حتى تصير مثل قنابل موقوتة يفجِّرها أصحاب المصالح الدنيوية، وقتما يريدون وحسبما يرون الوقت مناسباً لهم.

■ ■ ■

البابويةُ والخلافةُ فكرتان تعودان إلى ما قبل المسيحية والإسلام، وترتبطان فى جذورهما التاريخية بالدنيا، وليس الدين. وقد ذكرتُ فى مقالة الأسبوع الماضى، بعض اللمحات التاريخية التى تطورت خلالها فكرة «الخلافة» منذ فجر الإسلام حتى أيامنا الحالية التى تحوَّرت فيها الفكرة إلى صيغة «أمير الجماعة» .. ويبقى أن نشير فيما يلى، بإشارة موجزة، إلى أن الأصل العربى القديم فى مسألة الخلافة، هو أصل سابق على ظهور الإسلام! ويرتبط بالنظام السلطوى العربى الذى يقوم على أساس القبيلة التى يحكمها (شيخ القبيلة) ويدير شئونها وفقاً للقواعد العرقية التى تعتدُّ بالنسب والقرابة. وقد ارتبط هذا المفهوم السلطوى القديم، بنظام السلطة فى الإسلام من خلال مفهوم (الإمام) الذى هو المعادل الموضوعى لشيخ القبيلة، ولذلك قالوا فى بداية «الدولة الإسلامية» بقاعدةٍ انطلقت من حديث شريف لا أستطيع الآن التأكد من صحته أو كذبه (لأننى أكتب هذه المقالة، أثناء زيارتى لروما) يقول: الأئمة من قريش.

ثم تحوَّرت فكرةُ «شيخ القبيلة» لاحقاً، إلى صيغة «شيخ الإسلام» التى انفصل من خلالها الحكم الدينى للجماعة، عن الحكم السياسى الذى صار مخصوصاً بالخليفة: الخلفاء الأربعة، الخلفاء من بنى أمية، الخلفاء من بنى العباس، الخلفاء من العثمانيين.. فلم يعد من شروط الخليفة، إمامة المصلِّين بالمسجد الجامع فى عاصمة الخلافة، مثلما كان الحال فى فجر الإسلام وفى زمن الفتوحات، وإنما توزَّعت المهام على نحوٍ يختص فيه «شيخ الإسلام» بأمور الدين، ويختص «الخليفة» بأمور الدنيا. مع الحفاظ على الصلة الخفية، القوية، بين هذا وذاك! والاحتفاظ بأولوية الخلافة على المشيخة، بمعنى أن الخليفة لا بُدَّ أن يكون راضياً على شيخ الشيوخ.. والاحتفاظ أيضاً بالسِّمة الأساسية لكل سلطة منهما، أعنى صفة «الوراثة» فى الخلافة، وصفة «الصلاح» فى شيخ الشيوخ (لأن الله بحسب الاعتقاد الشعبى العام، قد يخلق من «ظهر» العالم، فاسدا).

■ ■ ■

أما «البابوية» فهى الصيغة العربية التى تُرجمت إليها الكلمة اليونانية «بطريركية» فالبابا هو البطرك، وهو البطريرك.. وقد ظهرت هذه الكلمة وتحدَّد هذا المفهوم، فى وقت سابق على ظهور الديانة المسيحية، حيث أُطلقت صفة «البطرك» على عضو (السناتو) الرومانى، باعتبار المعنى المجازى لكلمة «بطرك» أو «أب» بما يفيد أن أعضاء السناتو (مجلس العموم الرومانى) هم بمنـزلة آباء للشعب ورعاة للجمهور.. وقد ظل هذا المعنى القديم باقياً حتى وقت قريب، وكان أعضاء المجلس البلدى فى الإسكندرية، حتى النصف الأول من القرن العشرين، يوصفون بأنهم: آباء المدينة (بالمعنى الإدارى والسياسى للأُبوة) .

وعندما انتشرت المسيحية، فى القرن الثانى والثالث (بعد المسيح) أحسَّ الناسُ المؤمنون بالدين الجديد، آنذاك، بضرورة أن يكون لهم آباء روحيون، يرأسهم «بطرك» بالمعنى الدينى للكلمة، وليس بالمعنى الإدارى والسياسى.. وقد جاءت الديانة المسيحية أصلاً، كحركة إصلاح للديانة اليهودية (حسبما أوضحتُ فى كتابى: اللاهوت العربى) وبمنـزلة ثورة روحية على المادية التى انتهت إليها اليهودية. كما جاءت أيضاً كحركة رفضٍ اجتماعى على الظلم السياسى لأباطرة روما.

بدأت المسيحيةُ من فلسطين والشام ومصر (العالم اليونانى/ الرومانى القديم) ثم غزت قلب الإمبراطورية : روما.. وهناك، ظهر للمرة الأولى منصب «البابوية، البطريركية» كرئيس لرجال الدين، ورأس للإكليروس (قمة التسلسل الهرمى للقساوسة) وظل لفظ «البابا» لزمن طويل، يختص تحديداً بهذه العاصمة الإمبراطورية، بحيث لا يحق لأى رجل دين آخر، فى أى مكان آخر، أن يوصف بالبابوية.. ورويداً، صار كل رجل دين (أباً) لجماعته التى يتولى رعايتها، أو بحسب التعبير المصرى المعاصر (أبونا) وصار «بابا روما» هو : أبو الآباء .. ورويداً، اضمحلَّ سلطان روما السياسى، وتأسست عاصمة جديدة للإمبراطورية الرومانية هى: بيزنطة (ذات الأسماء العديدة التالية، فهى القسطنطينية وإسلامبول وإسطنبول والآستانة وإستانبول) .. ورويداً، شعرتْ المدن الكبرى أنها الأحق بصفة «مدينة الله العظمى» فتنافس رؤوس الكنائس فى بيزنطة والإسكندرية وأنطاكية وأثينا، للوصول إلى مرتبة «البابوية» لجميع المؤمنين فى العالم.

وما لبث التنافس الكنسى الذى ظهر فى الاجتماع العالمى (المسكونى) لرجال الدين المسيحى «مجمع نيقية سنة ٣٢٥ ميلادية «أن صار خلافاً حاداً بين الكنائس الكبرى فى مجمع أفسوس الأول (سنة ٤٣١ ميلادية) ثم صار صراعاً مريراً فى مجمع خلقيدونية (سنة ٤٥١ ميلادية) وهو الاجتماع الذى انشقت فيه الكنائس، وأُهين الأسقف العام للإسكندرية: الأنبا ديسقوروس (أنبا وأمبا، تعنى حرفياً: الأب المعلم) .

وأدى الصراعُ الكنسى المرير، إلى كوارث إنسانية وإلى سقوط مئات الآلاف من البسطاء، ضحايا، لأنهم اعتقدوا أنهم جنودُ الحق وأهل الفرقة الناجية (وهو موضوع قادم) .. ترنُّ الآن فى أُذنى، قصيدة محمود درويش الختامية «لاعب النرد» حيث يقول:

ومصادفةً، صار منحدر الحقل فى بلدٍ

متحفاً للهباء

لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك

من الجانبين،

دفاعاً عن القائدين اللذين يقولان: هيَّا

وينتظران الغنائم فى خيمتين حريريتين

من الجانبين

يموت الجنود مراراً

ولا يعلمون إلى اليوم، مَنْ كان منتصراً!

ومصادفةً، عاش بعض الرواة وقالوا:

لو انتصر الآخرون على الآخرين

لصارت لتاريخنا البشرى

عناوين أخرى

■ ■ ■

وقد استقر حال المسيحيين منذ القرن السابع الميلادى، على الخلاف المذهبى المريع، وعلى رئاسة عدة بابوات «بطاركة» فى: روما (الكاثوليك) وأثينا (الأرثوذكس اليونان) وأنطاكية (الأرثوذكس السريان) والإسكندرية (الأرثوذكس المصريين) والقسطنطينية (الأرثوذكس الملكانيين) .. مع وجود سلطة سياسية واحدة فى تلك النواحى، هى الإمبراطورية البيزنطية التى انهزمت أمام المسلمين الفاتحين.

ولأن حياة الإنسان مزيجٌ من الدين والدنيا، وجدلية دائمة بين ما هو دنيوى وما هو دينى (وكلاهما لا غنى له عن الآخر) فقد شهد تاريخ المسيحية تقلبات كثيرة بين السلطتين الدنيوية «السياسية» والدينية «البابوية»، ودلَّت الشواهد على أن ضعف السلطة السياسية، يؤدى إلى ازدياد وهيمنة السلطة البابوية! لأن الاهتراء السياسى (الدنيوى) يؤدى بالضرورة إلى بؤس اقتصادى واجتماعى، يدفع الناس البسطاء إلى التعلق بالأمل (الدينى) لإدراك النعيم الأخروى، عوضاً عن فقدانهم السعادة فى هذا العالم. وهو ما يظهر واضحاً فى العصور الوسطى الأوروبية، المسماة عصور الظلام، حيث كان «البابا» فى روما هو المهيمن على الملوك والأمراء، بل كان هو الذى يعيِّن هؤلاء الملوك، وكأنه الرئيس الفعلى للعالم الأوروبى، وملك الملوك جميعهم، باعتبار أنه صورة المسيح فى الأرض (ظل الإله) وخليفة المسيحيين كلهم.. مع أن السيد المسيح، قال فى صريح الإنجيل: مملكتى ليست من هذا العالم!

وفى مصر، كان الأرثوذكس المصريون يعانون الويلات من الأُرثوذكس الملكانيين (الذين كانوا يحكمون مصر = أصحاب البلد) فلما جاء المسلمون، رأى الفاتح البديع «عمرو بن العاص» أن من مصلحته ومصلحة البلاد، أن يستدعى الأنبا بنيامين، بطرك الأرثوذكس المصريين، من المخبأ الذى كان قد اختفى فيه لمدة ثلاثة عشر عاماً، هرباً من بطش البطرك الأرثوذكسى الملكانى (المقوقس) الذى كان الحاكم الدينى والدنيوى لمصر.

وبعد قرون من استقرار حال المسيحيين المصريين، مع العرب الكثيرين المقيمين بمصر من قبل الفتح، والمسلمين الكثيرين الذين جاءوا بعد الفتح، واليهود الذين سكنوا مصر قبل الفتح وبعده.. بعد قرون طوال من استقرار الحال، وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ظهرت اتجاهات مسيحية مصرية، فى إطار الدولة الإسلامية المصرية، تزعم أن لمصر تاريخاً دينياً (مسيحياً) خاصاً، يتمثل فى سلسلة الخلفاء الروحيين للسيد المسيح. وكان أول وأشهر «إعلان» لها، آنذاك، هو كتاب أسقف الأشمونين «ساويرس بن المقفع» الذى وضعه باللغة العربية (لأن أغلب أهل ملته، كما يقول، ما عادوا يعرفون غيرها) وجعله بعنوان: «تاريخ الآباء البطاركة».

■ ■ ■

يستهلُّ «ابن المقفع» كتابه الذى طُبع مؤخراً عدة طبعات، بديباجة يقول فيها ما نصُّه: «وأنا ممن لا يجب أن يكتب بخط يده البالية الفانية، شيئاً من أخبارهم (يقصد: الآباء البطاركة) فاستعنتُ بمَنْ أعلم استحقاقهم (مكانتهم) من الإخوة المسيحيين، وسألتهم مساعدتى على نقل ما وجدناه من أخبارهم، بالقلم (اللغة) القبطى، إلى القلم العربى الذى هو معروفٌ عند أهل هذا الزمان بإقليم ديار مصر، لعدم (انعدام) اللسان القبطى من أكثرهم»..

ونلاحظ فى النص السابق، المنقول بتمامه، أن المؤلف لم يستعمل كلمة (الأقباط) للإشارة إلى المسيحيين المصريين! وأنه استعمل كلمة (القبطية) بالمعنى المتعلق فقط باللغة، وليس الدين .. فتأمل.

ثم يبدأ الأسقف ساويرس بن المقفع (كلمة «المقفع» من الراجح أنها تعنى: صانع السلال= القُفَف) كتابه ببيان أن سلسلة الخلافة الروحية للمسيح فى مصر، تبدأ بأول البطاركة: الرسول العظيم المعلم بولس المصطفى.. تلك هى تعبيراته الدالة على التأثر الواضح بالمفاهيم الإسلامية السائدة فى عصره، حيث نلمح الصفات الإسلامية الشهيرة (الرسول، المصطفى) وقد أضيفت إلى الحوارى «بولس» تلميذ السيد المسيح، الذى كتب الإنجيل المعروف باسمه.

ثم ينتقل المؤلف إلى الحلقة الثانية فى سلسلة الخلفاء (البطاركة) وهو بحسب نص الكتاب: «رئيس أساقفة الإسكندرية، مرقس اليهودى..» وقد استوقفنى وصفه له باليهودى وبرئيس أساقفة الإسكندرية! فى وقت لم يكن فيه بالإسكندرية أساقفة مسيحيون. وعلى كل حال، فإن «مرقس» المذكور، هو ذاته «سان ماركو» الذى نقل الإيطاليون منذ قرون طوال، جثمانه الذى كان مدفوناً بالإسكندرية، ودفنوه فى الكنيسة البديعة الموجودة اليوم فى «فنسيا» أو «البندقية» وهى التى تعدُّ واحدة من روائع العمائر المبهرة منذ قرون .

ويمرُّ الكتاب على فترات زمنية، لا يذكر فيها أى «بطرك» مما يعنى أن سلسلة الآباء البطاركة، انقطعت فى سنوات عديدة.. كما يمرُّ على آباء بطاركة من أمثال ديمتريوس الكرام (١٨٩- ٢٣١ ميلادية) الذى كان متزوِّجاً! لكن الأسقف السابق عليه، رأى فى منامٍ أن الذى سيدخل عليه ومعه عنقود عنب (كَرْم) سوف يصير أسقفاً، فدخل هذا المزارع البسيط وفى يده عنقود من بواكير ثمار العنب، فعرضوا عليه الأمر فأشفق على نفسه من هذه المهمة: «فأخذوه قهراً وقيَّدوه بقيد حديد».. ولما اعترض المعترضون عليه، بأنه متزوِّج، رَدَّ عليهم المؤمنون حسبما ورد بالنص فى كتاب (الآباء البطاركة) بالآتى: «قال تلاميذ المسيح فى قوانينهم، إن الأسقف إذا كان متزوجاً بامرأةٍ واحدةٍ، فلا يُمنع من ذلك، لأن الزوجة المؤمنة طاهرة، وفراشها طاهر، ولا ذنب عليها».

وفى النص السابق، الذى نقلته بحروفه، تتجلَّى عدة أمورٍ، من أهمها أنه لا مانع من أسقفية المتزوِّج، وأن المسيحية كانت تسمح بتعدُّد الزوجات (وإلا لما قال: بامرأةٍ واحدةٍ) وأن تلاميذ المسيح كانت لهم قوانين.. لكن الأهم من ذلك كله، أن المؤلف لم يستعمل كلمة «البابا» وإنما كان يقول دائماً «البطرك» الذى بحسب التعريف الذى قدَّمه له فى الكتاب: هو أسقف مدينة الإسكندرية، وله الرياسة على أساقفة أعمالها (المناطق التابعة لها) .. مما يعنى أن البطرك مفهومٌ مكانىٌّ، أى مرتبط بمكانٍ محددٍ هو الإسكندرية، وليس حسبما توهَّم الكثيرون اليوم، ويردِّدون: البطريركية هى المكان الذى يكون فيه البطرك، أيَّا كان هذا المكان!

.. وهناك الكثير من التفصيلات والحقائق المرتبطة بهذا الموضوع، لكن هذا المقال استطال عن المساحة المخصصة له. فلنتوقف هنا، خاصةً أننى لا أُريد إيراد المزيد. وما مرادى فى نهاية الأمر، إلا بيان ذلك الارتباط الوثيق بين مفهومىْ البابوية والخلافة، فى التراثين المسيحى والإسلامى.

ابراهيم عبد المعطى داود
10/08/2010, 11:10 AM
رحلة فى الزمان والمكان

بقلم د. أيمن الجندى ٨/ ١٠/ ٢٠١٠
تحاصرنا همومنا اليومية مثل قضبان غير مرئية. أفكارنا التى تلازمنا لا تكف عن الضجيج طيلة اليوم وتسلبنا الرقاد المريح. اختلاط العام بالخاص: ملف التوريث، مشاكل العمل، هموم الغلاء، شيوع الفساد، انعدام الأمل، اجترار الذكريات. خططنا المستقبلية التى تفشل دائما. وقتها يبدو لى العالم أضيق من ثقب إبرة.. أُمرر من خلاله أحزانا فى رحابة السماء. وكلما أمعنت فى التفكير، وجدت أن المشكلة تكمن فى الانغماس الكامل فى ( تعاسة اللحظة)، وقتها تمنيت أن أتحرر منها، وفكرت أن أقوم برحلة فى الزمان والمكان. ثم قلت لنفسى: لماذا لا أصحبكم معى فى تلك الرحلة المدهشة؟!

أبدأ الرحلة وأقلع.. أرتفع... الدهشة هى ما أشعر به من التصاق المنازل وضيق الطرقات، قليلة هى المساحات الخضراء فى مدينتنا فكيف تحولت القاهرة من حدائق تشهق بالدهشة والجمال إلى غابة أسمنتية كئيبة.. وكيف تصفو النفس وهى سجينة القبح.. وما سر الرغبة فى التكدس عند المصريين؟!.

لكننى حينما أرتفع أكثر، يتبدل المشهد ويكتسب جمالا لا شك فيه. النيل يعانق الأرض السمراء وقد روضه العشق وأنهكته المسافات، أما البحر فمساحة زرقاء رسمها طفل بالقلم الملون، وكأن صراعا مخيفا لا يدور بين وحوش البحر تحت تلك الأمواج!

أتراجع فى الزمان متحررا من قيود اللحظة. بضع عشرات من السنين تكفى لكى أتحسر على القاهرة الجميلة بشوارعها الفسيحة وميادينها المتسعة. طرابيش الرجال تبدو مضحكة ولكنها لطيفة ومناسبة لهذه الدنيا قليلة العدد.

أتراجع بعض مئات من السنين. تبدلت الأزياء فصارت جلابيب فضفاضة رغم ضيق القلوب. الإنسان هو الإنسان فى كل زمان ومكان. ظلم الوالى ودلس التجار وزحمة الأسواق. وفى العطفة الضيقة عيون كحيلة ترنو من خلف اليشبك، فتصرعك بلا إمهال!

أرتقى فى الغلاف الجوى متجاوزا السحب البيضاء بأشكالها المُضحكة الجميلة. أبتعد عن أسر الجاذبية الأرضية، فيدهشنى المشهد الآسر لهذا الكوكب الأزرق الجميل الذى يحتل الماء ثلاثة أرباع مساحته. لا عجب أن ينظر سكان الكواكب البعيدة إلى أرضنا ويقولون فى حسد: أهل هذا الكوكب - لا ريب - سعداء!

أتراجع أكثر. مصر الفرعونية بمعابدها الهائلة وكنوزها التى ادخروها للموتى واستخسروها على الأحياء! النيل بكر متمرد كحصان برىّ جميل لم يُروّضه أحد، وعلى ضفاف النيل تتصاعد التراتيل الأسطورية لإخناتون وهو يصلى لآتون قائلا:

جميلاً تشرق فى أفق السماء. أنت «آتون» الحى، خالق الحياة. تأتى من الأفق الشرقى تمنح جمالك لكل أرض
جميل الرؤيا، عظيم ومنير. تحتضن أشعتك البلاد للنهاية التى قدرتها. أقترب من القمر، فتظهر لى حقيقته الكئيبة المقفرة. انفصل عن أمه الأرض منذ ملايين السنين، فصار يشعر بالوحشة منذ ذلك الحين، ولم تبق فيه غير الصخور والرمال والأحزان.

مصر ما قبل عهد الأسرات. يحفرون المناجم ويكتشفون تحنيط الموتى. الدلتا أحراش مهلكة ومستنقعات مؤذية لا تصلح للحياة. أما الحضارة ففى الوادى السفلى: صعيد مصر المبارك. النجم الشعرى يظهر فى الشرق مؤذنا بفيضان قادم يغمر البلاد. وتمساح يتثاءب فى كسل وقد أرهقه الحر.

أشهد اكتشاف النار والرهبة التى سطعت فى عيون القوم والزهرة البرتقالية تنتشر فى أغصان جافة، بينما يضحك الفتى المكتشف فى زهوٍ ملوحا بقطعتى حجر.

أرتفع مرة أخرى. أشاهد الكواكب تدور حول الشمس فى دقة ونظام. عطارد طفل صغير لا يجسر على الابتعاد عن أحضان أمه الشمس. يتوهج الزهرة كوكب العشاق، ثم كوكبنا الجميل الأزرق، ثم المريخ الكوكب الأحمر، ثم المشترى بجرمه الهائل وأقماره السبعة، ثم زُحل أجمل الأجرام السماوية على الإطلاق بحلقاته الرائعة المُحيّرة. وفى الأطراف يتوه بلوتو المسكين بعد أن طردوه من منظومة المجموعة الشمسية فى قسوة.

أما أجدادنا فكانوا يمارسون الصيد. يذهب الواحد منهم حاملا قبضته وسلاحه الذى ابتكره من الحجارة ليواجه الوحش، ليعود أحدهما بطعام عشائه.. صراع شرس ولكنه عادل لا كصراعات هذه الأيام.

يخيفنى التلاحم فأتراجع أكثر ليختفى جنس الإنسان كله. تمرح الديناصورات وسط نباتات لا أعرف اسمها . ثم يأتى ذلك المشهد الذى بدأت الرحلة من أجله. كوكب الأرض يعمّره اللون الأخضر. تلك الحقبة النباتية المباركة تنعم بالسلام. وأرتفع أكثر.

ما الشمس بكواكبها التسعة إلا واحدة من ٢٠٠ مليار نجمة فى مجرتنا درب اللبانة. هذه المجرة التى تبدو كعنقود عنب خرافى تتناثر حباته المتوهجة فى الفضاء. أغادر المجرة. بلايين بلايين المجرات تسبح فى نظام عجيب. وحتما فى أطراف هذا الكون المتسع توجد شمس وكواكب، وعلى ظهر أحد الكواكب يوجد عاشق يرمق أطراف الفضاء ويحلم.

وأشهد بذرة الحياة وهى تدب فى قاع البحر المظلم. أول خلية تنبض بالحياة وترغب فى التكاثر والامتداد. أتراجع أكثر لأشهد الكوكب الأرضى قبل بدء الحياة. صامت شاسع رهيب لا يقطع صمته سوى عزف المطر وعويل الرياح.

أتراجع لأشهد انفجار الشمس إلى شظايا.. سوف تبرد لتصبح كواكب المجموعة الشمسية بعد ملايين السنين. وأشاهد تكوّن الشمس ذاتها من انفجار كونى هائل، عمره من عمر الكون.

ثم تأتى اللحظة المقدسة. لحظة خلق الكون.

فى البدء كان الكون ذرة واحدة ذات كثافة هائلة. لم يكن فيها أى فراغ، لأن قلبها كان مكدسا بعشق خالقها المجيد.

حينما تجلى عليها الله سبحانه لم تدر ماذا تفعل بهذا العشق داخلها!. تأوهت من الحب آهة عظيمة، وتصدعت من الاشتياق، فكان الانفجار العظيم، وأطلقت الذرة قواها الكامنة فصارت - بعد بلايين السنين - العالم الذى نعرفه الآن.

وُلدت شموس ونجوم وكواكب. عُبّاد وشعراء وعشاق.

تنتهى الرحلة ها هنا.

كان الله تعالى ولا شىء سواه. ينتهى المكان ويتوقف الزمان وتتجمد اللحظة. أما القلب فلا حيلة له غير إطالة السجود.

ابراهيم عبد المعطى داود
10/13/2010, 08:17 PM
د. يوسف زيدان يكتب: أوهام المصريين (٥-٧) .. الفرقةُ الناجية

١٣/ ١٠/ ٢٠١٠
عاد من العمرة أحدُ الفلاحين، فجاءه شقيقه مهنِّئاً بسلامة الوصول، ومستخبراً منه عما رآه هناك، فقال له الذى اعتمر: والله يا أخى، لقد تأملت هناك من أحوال الذين حولى، فشعرت بأن صحيح الإيمان لا يوجد إلا بمصر فقط. وبعد عودتى تأملت فى أحوال أهل المدن المصرية، فوجدتهم لا يعرفون صحيح الإيمان أيضاً، فعرفت أنه موجود فى القرى والريف فقط. ولكن معظم هؤلاء القرويين يخالفون الشريعة الحقة ولا يعرفون صحيح الإيمان، فهو موجود فى قريتنا فقط. ولكن معظم أهل قريتنا يلتزمون ولا يعرفون صحيح الإيمان، فهو موجود فى أسرتنا فقط. ولكن معظم أفراد أسرتنا يحافظون على الحدود الشرعية ولا يعرفون صحيح الإيمان، فهو موجود عندى وعندك فقط، وإن كنتُ أشك كثيراً فى إيمانك.

تلك هى (النكتة) التى سمعتُها من صديق، وعدَّلتُها هنا لتناسب النشر والإشارة إلى (النقطة) الدقيقة التى نعرض لها فيما يلى، لنرى كيف نشأت وتطورت خرافةُ الفرقة الناجية. ولكن الأمر يقتضى قبل الخوض فى ذلك، الوقوف عند موضوعين مطروحين على الساحة المصرية هذه الأيام، وكلاهما مهم:

الموضوع الأول، هو الكلمة المتلفزة التى أذاعها الإعلام المصرى للرئيس حسنى مبارك، ودعا فيها إلى الكفِّ عن الخوض فى العقائد والأديان مراعاة لعدم المساس بالوحدة الوطنية، مؤكِّداً فى الوقت ذاته أنه لا يوجد فى بلادنا شخص فوق القانون.. وبالطبع، فإن دعوة الرئيس مبارك لا بد من احترامها، وتأكيده سيادة القانون لا بد من تقديره. وقد يحاول البعض، استغلالاً للحالة الضبابية التى تعشِّش فى عقول كثيرين منا، أن يوحى بأن دعوة الرئيس تعنى عدم البحث فى تاريخ هذا البلد، والنظر فى جذور المشكلات المعاصرة التى استفحلت، لأننا عالجناها فى السابق معالجة سطحية.

وفى هذا السياق، ولعلمى أن بعضهم قد يستغل دعوة الرئيس بحسب أهوائه هو (وأوهامه) فإننى أود هنا تأكيد أن ما أكتبه فى مقالاتى وكتبى ورواياتى، لا شأن له بما قد يتهمنى به البعض من إثارةٍ للاستقرار العقائدى، أو مساسٍ بالوحدة الوطنية. فالذى أثار تلك الأمور، ومسَّ بها، هو الجهل وليس العلم، والتستر وليس الاستنارة، والانتفاع وليس النفع العام.. والمتابعون لما أكتب يعلمون أننى حين أكتب، لا أستهدف جماعة (مصرية) بعينها، ولا أستجلب خلافاً إلا مع الغارقين فى الأوهام. وبصراحة أكبر: ليس بينى وبين الديانة المسيحية أى مواقف سلبية، وإنما خلافى مع أولئك الذين يستغلون الدين لأغراض الدنيا .. وهناك ما لا حصر له من (أدلة) على ما ذكرته، آخرها الاجتماع الذى جمعنى منذ أيام، فى مكتبى، مع البابا ثيوذوردس (بابا وبطريرك الأرثوذكس فى الإسكندرية وسائر أفريقيا) وتم خلاله الاتفاق على قيامى بفحص التراث المخطوط ونوادر الكتب فى مكتبة البطريركية بالإسكندرية، تمهيداً لفهرستها وترميمها وتصويرها رقمياً وحفظها، من خلال مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية.

الموضوع الآخر، أننى سعدتُ بما حدث منذ يومين، حين خرج الداعية السلفى الشهير (الشيخ محمد حسان) وأدلى فى وسائل الإعلام بتصريحات تؤكد أنه لا يدعو إلى تخريب الآثار وطمس ما يكتشفه المسلم منها فى بيته أو أرضه. وكنتُ قد رأيتُ له الأسبوع الماضى، فتوى متلفزة يدعو فيها إلى ما تبرأ منه هذا الأسبوع، فانتقدته بشدة فى لقائى بالمئات من الشباب فى (الصالون) الذى أقيم الأربعاء الماضى بساقية الصاوى.. وقد كان الشيخ موفقاً فى تكذيبه ما أذيع عنه، ولعله يؤكد فى الأيام القادمة هذا التكذيب، ليمحو عن الأذهان أثره، رحمةً بصورة الإسلام والمسلمين فى الأذهان

■ ■ ■

أما (الفرقة الناجية) فهو مفهومٌ قد يبدو للوهلة الأولى إسلامياً. لكننا سنرى أن (إطار) هذا المفهوم فقط، هو الإسلامى. أما (المحتوى) فهو قديم عتيق، يقتضى فهمه أن نعود إلى زمن سحيق سابق، لنرى كيف نشأ ثم تطور حتى صار صفةً غالبة، وخرافة مسيطرة على عديد من الناس فى زماننا المعاصر.

فى الحضارات الأولى التى أعطت للإنسانية أصول ومبادئ المعرفة والفن والأدب، أعنى فى مصر القديمة واليونان واليمن وشمال الجزيرة، كان الناس يعبدون لآلاف السنين آلهةً متعددة، ويدينون بأديان مختلفة فيما بينها، وهى الديانات التى سوف تسمى بعد ذلك باسمٍ جامع، هو: الوثنية.. ويطلق على أهلها اسم جامع ، هو: الكفار.

وفى تلك الأزمنة القديمة قامت حروبٌ كثيرةٌ بين الدول والجماعات، بعضها كان خاطفاً والبعض الآخر كان يمتد لسنوات طوال، لكنها فى نهاية الأمر كانت حروباً محدودة بحدود الأهداف الكامنة وراءها، والدافعة لها. وهى بشكل عام، تتمثل فى أهدافٍ من نوع: توسيع النفوذ السياسى، البحث عن مزيد من الثروات، رد الإهانات، حماقات الحكام ومؤامرات الحروب (ومنهم الذين نسميهم اليوم: تجار الأسلحة) .

ولم تشهد الحضارات القديمة، فيما نعرف، حرباً واحدة شُنَّت أساساً لسببٍ دينىٍّ. بمعنى أنه لم تحارب جماعة أو دولةٌ الآخرين، لعدم التوافق فى أمور الدين والعقيدة. فلا مصر القديمة حاربت الحيثيين لإجبارهم على الإيمان بآمون أو «رع» أو «تاسوع طيبة». ولا اليونان غزت العالم لبسط سلطان الإله زيوس الشبيه بالإنسان فى أهوائه، لكنه يفوقه فى القدرات. ولا الفرس بسطوا سلطانهم على الأرض المجاورة، باسم المجوسية والثنوية (عبادة الإلهين: النور المسمى يزدان، والظلام المسمى أهرِمن) .

وكأن أهل الأزمنة القديمة ، كانوا على نحوٍ ما يطبقون القاعدة الإلهية التى جاءت بعدهم بقرون من الزمان، فى قوله تعالى (يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون ... لكم دينكم ولى دين) وكأنهم على نحوٍ ما، أدركوا أن للإله تجليات مختلفة، لا يصح الخلاف والجدال حول صحة بعضها وضلال البعض الآخر! وهو الأمر الذى نلمحه فى تلك الترنيمة الدينية البديعة، المنسوبة إلى الإلهة المصرية إيزيس:

أنا الطبيعة

أنا الأمُّ الكونية، سيدةُ العناصر كلها.

عُبدت بطرقٍ شتى

وأُطلقتْ علىَّ أسماءٌ كثيرة

لأن جميع أهل الأرض يقدِّسوننى

الفريجيون أسمونى بيسنيونتيكا، أم الآلهة.

والأثينيون أسمونى أرتميس

وعند سكان قبرص، أنا أفروديت

وأنا عند أهل كريت، آناوكينيا

آخرون عرفونى باسم: بروسيبيرين

وباسم : بيلونا

وباسم: هيكاتى

وباسم: راموميبا

المصريون المتفوقون فى العلم القديم

وفى عبادتى بما يليق بألوهيتى

أسمونى باسمى الحقيقى:

إيزيس.

■ ■ ■

وفى التراث اليهودى، تشكل منذ وقت مبكر اعتقادٌ يقول إن اليهود وحدهم هم أبناء الرب، والآخرين من الناس هم (الأمم) وجعل اليهود الانتساب لدائرتهم «المتميِّزة خيالياً» يتم على أساس عرقى، لا إيمانى. فاليهودى (النقى) هو من كانت أمه يهودية، والذى يؤمن بديانتهم من دون أن يولد لأم يهودية، لا يسمى (يهودياً) وإنما هو (هودى) بمعنى أنه أقل درجةً وأخفض منـزلةً.. إذن، فى اليهودية تصوُّر قائم على أن «النسل الإبراهيمى» من الزوجة الأولى «سارة» هو فقط: شعب الله المختار.. من دون بيانٍ لسبب ذلك الاختيار، أو علة ذلك الاحتقار الذى ينظر به اليهود إلى الآخرين (وأظنه فى حقيقة الأمر، رداً على الاحتقار بالاحتقار) المهم ، أن الفكرة نبتت أولاً مع اليهودية، على أساس عرقى.

ومع صراع المذاهب والكنائس المسيحية، تولَّدت فى النفوس فكرة مستقاة من التراث اليهودى السابق على المسيحية، مفادها أن أهل هذه الكنيسة بالذات، هم فقط المؤمنون، وسائر المعارضين هراطقة، لا يستحقون صفة أبناء الرب.. بمعنى أن كل جماعة، كانت ترى لنفسها فقط، فضلَ الإيمان الذى يجعلهم الناجين من نار الكفر وجحيم الهرطقة، فى الدنيا والآخرة. ومن هنا، ظهرت فى التراث المسيحى المكتوب باللغة اليونانية (اللغة الرسمية للكنائس الكبرى آنذاك) نصوص تسمى باليونانية «أناثيما»، التى تعنى بالعربية «اللعنات» أو «الحرومات» وهى إقرارات إيمانية تُعرض على الشخص المسيحى، فإن قبلها صار من المؤمنين الناجين، وإن أنكرها أو اعترض على شىء فيها، فهو هرطوقى (كافر) لا ينتسب للجماعة التى اختارها الربُّ!

وظهر فى الإسلام، مع صراع المذاهب العقائدية (الكلامية) المختلفة: أهل السنة، المعتزلة، الأشاعرة، الخوارج، الشيعة.. إلخ، حديثٌ نبوى يقول ما نصه: تفترق أمتى على بضعٍ وسبعين فرقة، كلها فى النار إلا واحدة.

وقد عرفت هذه الفرقة «الواحدة» فى التراث الإسلامى، باسم «الفرقة الناجية» مع أن كثيرين من المحدِّثين (علماء الحديث النبوى) نقدوا سند هذا الحديث ومتنه (نصه) إلا أن ذلك لم يمنع من انتشار فكرة الفرقة الناجية، خاصة فى أزمنة التخلف الحضارى وضعف دولة الإسلام.

ومع أن كثيراً من المؤرخين المسلمين، تحاشوا النظر فى اعتقادات الجماعات الإسلامية المختلفة، من زاوية «الفرقة الناجية»، ومع أن عديداً من علماء السلف جعلوا جميع الفرق والمذاهب، داخل إطار الإسلام (وهو ما يظهر من عنوان كتاب الإمام، أبى الحسن الأشعرى: مقالات الإسلاميين) .. إلا أن القرون الأخيرة، والسنوات الأخيرة، شهدت نزوعاً عجيباً نحو تأكيد مفهوم (الفرقة الناجية) وهو ما أدى إلى انقسامات شديدة بين الجماعات التى تقوم على أساس عقائدى، سواء كانت جماعات كبرى لها تاريخ وتراث كالسنة والشيعة، أو جماعات فرعية، مثل تلك التى سُمِّيت مؤخراً (الجماعات الإسلامية) وهى تسمية تُخرج غيرهم من دائرة (الإسلامية) حسبما يزعمون.. ثم أمعنوا فى تطبيق مفهوم الفرقة الناجية، على بعضهم، فكانت الانشقاقات الكثيرة بين الجماعات الكثيرة (الإسلامية)، فضلاً عن الصراع المرير بين المذاهب، الذى وصل فى القرن السابع الهجرى (فى الشام) إلى تقاتل الأحناف والشافعية، ورفض كل منهما التزاوج والمصاهرة مع الآخر!

ومهما يكن من صحة الحديث النبوى المذكور سابقاً، والذى لم ينص صراحة على لفظ (الفرقة الناجية) فإن الإمعان فى إشاعة هذا المفهوم، يعود فى تقديرى إلى «أزمة» نفسية تعصف بأصحاب هذه الاتجاهات التى تسلب عن الجميع صفة الإيمان، ومن ثم صفة النجاة من عذاب الآخرة، ومن ثم وجوب التنكيل بهم فى الدنيا .. وهو مدخلٌ خطير، ووَهمٌ عظيم، يخالف أبسط المعانى التى دعت إليها الديانات ، عموماً، ويهدر الفكرة الأساسية فى أى دين .. أعنى فكرة أن الإله، هو إله الجميع.

■ ■ ■

سوف أكتفى بهذا القدر، ليس فقط لأن الموضوع انتهى (فالموضوعات الكبرى لا تنتهى أبداً) وليس فقط لأن المساحة المخصصة للمقال لا تسمح بالمزيد.. وإنما لأننى، بالإضافة إلى ما سبق، لستُ إلا صانع أسئلة وداعية للتفكير، ولا أطمح إلا لإثارة نهم العقول إلى النظر والمعرفة، والخروج من معتقل الأهواء والأوهام.

ولله الأمر من قبل، ومن بعد.

ابراهيم عبد المعطى داود
10/15/2010, 10:42 AM
تلامس

كتب د. أيمن الجندى ١٥/ ١٠/ ٢٠١٠
يناير ١٩٥٠

عطلة منتصف العام

كانت الحافلة تمضى صوب القاهرة وهى تقل طالبات مدرسة المنصورة الثانوية للبنات. ومن داخلها تعالى صخب البنات، اللاتى لم يصدقن بعد أنهن قد أفلحن فى إقناع آبائهن الغاضبين بالسماح لهن بالسفر بمفردهن، ثم المبيت بأحد الفنادق فى تلك الرحلة التى قامت الإدارة التعليمية بتنظيمها أثناء عطلة منتصف العام.

■ ■ ■

فى هذا الوقت كان حدوث ذلك ضرباً من الخيال ولكن البنات قد أفلحن فى تحقيق المحال! بالدموع الساخنة والإضراب عن الطعام والاعتكاف فى غرفهن. كان الأمر لديهن يستوجب القتال حتى الموت، فقد صوّر الخيال لهؤلاء الغريرات أن ثمة سعادة خيالية فى التحرر من رقابة الأسرة لعطلة قصيرة. لا عجب أن انفجر المرح فى الحافلة طيلة الرحلة، التى استغرقت نحو ثلاث ساعات. ردد البنات كل ما يحفظن وما لا يحفظن من الأغانى الشائعة فى ذلك العهد، حتى بحت أصواتهن من فرط الغناء.

(ثُريّا) وحدها ظلت ترنو عبر النافذة وتتأمل الأشجار الخضراء المتلاحقة كالأشباح. وتجيب على مزاح صديقاتها بابتسامة متحفظة.

■ ■ ■

يناير ٢٠٠٠

أحس بشعور غامض أشبه بالنداء حينما ولج باب الفندق العتيق ليقضى ليلته فيه، حينما أدركه الليل فى مدينة القاهرة ولم يقض مصالحه بعد. قدر أن قضاء الليل فى أحد الفنادق أوفق من معاودة السفر فى الصباح التالى.

دخل الفندق العتيق، سأل العجوز القابع فى الاستقبال عن غرفة خالية. رفع إليه عينين ذابلتين متعبتين. لكن هُيأ إليه - لوهلة - أن يقظة مفاجئة لمعت فى عينيه، اللتين راحتا تتفحصانه فى استغراب. وطال الصمت حتى أحس بغرابة الموقف. عاد يكرر:

-هل توجد غرفة خالية؟

أومأ الرجل وهو لايزال يتفحصه. أخرج بطاقته فى ارتباك دون أن يطلبها العجوز الذى ألقى عليها نظرة عابرة وكأنه يعرف مقدماً البيانات المسجلة. اسمه، عمره، عنوانه، وظيفته.

وفجأة فاحت رائحة السنين فى المكان حتى أحس بالدوار. والتفت إلى الوراء حينما ربت رجل عجوز على كتفه. قال له فى غموض: «أخيراً جئت؟».

انعقد لسانه من الدهشة فلم يرد. حاول أن يستفسر لكن العجوز حمل حقيبته الصغيرة فى صمت وابتعد، صعد الدرج وهو يستمع لرنين خطواته على الخشب القديم.

«أخيراً جئت!»، هل قال ذلك فعلاً أم أنه يتوهم؟. قاده العجوز فى صمت عبر ممر طويل إلى غرفة موصدة. أولج المفتاح الكبير المزخرف فى قفل الباب العتيق، فدخل إلى داخل الغرفة التى بدت له مألوفة بشكل محير. وسرعان ما استدار العجوز مغادراً الغرفة وهو يبتسم فى غموض.

■ ■ ■

أوصد الباب وهو يرتعد. لابد أن أعصابه مرهقة بشكل يجعله يتخيل أشياء لا يمكن أن تحدث أبداً. شرع يتأمل الأثاث العتيق والستائر المسدلة وأدرك دون جهد أن أحداً لم يدخلها منذ عهد بعيد.كانت رائحة السنين تفوح من الغرفة وأدرك فى يقين فياض أن الغرفة مسكونة بطاقة لا يدرى كنهها ولكنها كانت تملك من التأثير والإيحاء ما يجعله يرتجف.

شىء ما يناديه..

هنا فى هذا المكان الذى يعرفه منذ بدء الخليقة راح يسير فى بطء، ثم ما لبث أن رقد على السرير ذى القوائم العالية بكامل ملابسه (شىء ما فى داخله همس له بأنه لا يليق به أن ينضو ثيابه)

وشرع ينتظر.

لم ينم. كلا لم يكن نائماً على الإطلاق، وإنما كانت تلك الأبيات تنقش داخله فى صمت:

«أيها الآتى فى غيب الزمان

غامض الكيف.. مجهول المكان

ضع يديك فى أثر يدى

واطو الزمان تلتق الكفان»

لم يفهم شيئاً، ولكن لاحت له صورتها باللونين الأبيض والأسود وكأنها صورة قديمة فى إحدى المجلات المصورة. وكانت عيناها المنطويتان على سر مخيف هما أبرز ما فيها.

■ ■ ■

يناير ١٩٥٠

كانت البنات يتدافعن صوب غرفهن حتى كاد الدرج الخشبى ينهار تحت أقدامهن الصغيرات. ثريا وحدها تمهلت حتى خلا الدرج تماماً ومضت تصعد فى بطء وقد ارتسمت فى عينيها نظرة عميقة وهى تمضى مأخوذة فى طريقها إلى غرفتها المنفردة.

راحت تتجول فى الغرفة على مهل وتتطلع إلى شىء مجهول لا تدرى كنهه. كان ثمة شعور غامض يستحوذ عليها بأن أمراً جللاً يوشك أن يحدث، أمراً غير مألوف، ولكنه يوشك أن يتجسد لها. رقدت بثيابها الكاملة على السرير. وراحت تحملق فى السقف وترتقب.

ترتقب...

وفجأة لمحته. ذلك الوجه الحالم والعينين المتوهجتين. الرجل التى طالما انتظرته، كى تُنكّس أعلامها ويرفرف علمه الحبيب فى فضاء روحها. كان معها فى هذه الغرفة بالذات، ويرقد على ذات السرير – ويا للخجل – ويراها مثلما تراه.

كان بجانبها لكنه لم يمسها قط وكيف يفعل وخمسون عاماً تفصل بينهما مثل واد سحيق يفصل بين قمتى جبلين متقابلين؟!

انتفضت قائمة وراحت تدور فى الغرفة ثم وضعت يديها على المنضدة المليئة بالأتربة فتركت أثراً ظاهراً ليديها. وراحت تهمس قائلة:

« أيها الآتى فى غيب الزمان

غامض الكيف.. مجهول المكان»

■ ■ ■

يناير ٢٠٠٠

غادر فراشه ومضى صوب المنضدة بشعور أقرب للإلهام، وهناك رأى وهو يرتجف ذلك الأثر القديم ليديها لم تمحه الأيام. لحظتها فحسب أدرك مغزى الأبيات المنقوشة داخله، ومضى يردد:

«ضع يديك فى أثر يدى»

وببطء وضع يداً مترددة باردة على موضع الكف، حيث كانت يدها البضة الدافئة ترتقبه منذ أعوام بعيدة.

«واطو الزمان»

كان يقف على قمة الجبل وهى هناك على الجانب الآخر تفصل بينهما الهوة المستحيلة. كانت الرياح تعبث بخصلات شعرها وأحب هو وجهها القديم الذى صار يتلون رويدا بعد ما كان باللونين الأبيض والأسود، وسباه سحر عينيها العميقتين الغامضتين المتطلعتين إليه.

أغمض عينيه ثم وثب إلى الجانب الآخر.

وأحس بملمس كفها يلين تحت ضغط يديه.. كحمامة بيضاء تذعن للمسة حنان. و«تلتق الكفان».

ابراهيم عبد المعطى داود
10/15/2010, 08:51 PM
السودان‏..‏ ومحنة الانفصال
بقلم: فاروق جويدة

بقيت شهور قليلة ويطوي السودان الشقيق محنة من أهم وأخطر صفحات تاريخه الحديث‏..‏ السودان الآن يقف أمام واحدة من أكبر أزماته حين يقرر سكان الجنوب يوم‏9‏ يناير القادم أي بعد أقل من مائة يوم إعلان دولة الجنوب والانفصال عن الوطن الأم‏.

أخيرا سوف ينقطع من السودان جزء عزيز من أراضيه وشعبه وتاريخه ليواجه مستقبلا غامضا لا أحد يعرف ما تحمله له الأيام ولا أحد يتصور أن يكون هذا هو مصير أكبر دولة أفريقية‏..‏
كل الدلائل والمؤشرات التي تخرج الآن من جنوب السودان تؤكد أن سكان الجنوب اختاروا الانفصال وإعلان استقلالهم وان استفتاء يناير القادم ليس أكثر من مظاهرة شكلية للاحتفال بإعلان قيام دولة الجنوب‏..‏ كل المؤشرات تقول إن السودان يمضي نحو التقسيم‏..‏ والشواهد كثيرة‏:‏
لم يتردد نائب الرئيس السوداني سلفاكير في أن يعلن في واشنطن أخيرا أنه لن يعطي صوته في الاستفتاء للوحدة وأنه سوف يصوت للانفصال‏..‏ وقد عبر الرئيس السوداني عمر البشير عن غضبه لهذه التصريحات ولكنها الحقيقة‏..‏
‏<‏ منذ شهور والجنوب يشهد كل يوم مظاهرات صاخبة تدعو للاستقلال والانفصال عن الشمال وبدأت سحب الجفاء تغطي سماء السودان بين أبناء الشعب الواحد الذي يمضي نحو هذه النهاية المؤسفة‏..‏ ولكن الشيء المؤكد انه يجري الآن في جوبا عاصمة الجنوب الجديدة تشكيل حكومة الاستقلال‏..‏
‏<‏ كل المؤشرات تقول أن الجنوب يسير في اتجاه الانفصال‏..‏ تم إعلان النشيد الوطني للدولة الجديدة باللغة الإنجليزية ضمن مسابقة لاختيار الكلمات‏..‏ وبدأ النشيد الجديد يطوف أرجاء جنوب السودان‏..‏ ومع النشيد صفقات لشراء الأسلحة منها عشر طائرات هليكوبتر وطائرات حربية واستعدادات ضخمة لتكوين الجيش الجديد بدعم أمريكي إسرائيلي أوربي‏..‏ ويقال في سراديب السياسة إن أمريكا قدمت دعما عسكريا ومعدات حربية حديثة لجنوب السودان طوال السنوات الماضية ومنذ توقيع اتفاق السلام‏..‏ بل أنها أنشأت وأشرفت علي إنشاء جهاز الشرطة في جنوب السودان وقدمت معونات لهذا الغرض تزيد علي‏30‏ مليون دولار خلال عامين فقط‏..‏
والأخطر من ذلك أن عشرات المدرعات والعربات المصفحة أخذت مواقعها الآن علي الحدود بين الشمال والجنوب وأن جيش الجنوب لا يستبعد مواجهة عسكرية‏..‏
‏<‏ لم يتردد الرئيس أوباما في أن يعلن صراحة ضرورة أن يتم الاستفتاء في موعده وهو بكل تأكيد يعرف نتائجه مسبقـا‏..‏ ولم تتردد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أن تقول أن انفصال جنوب السودان أصبح أمرا حتميا‏..‏
تجري الآن مفاوضات بين كينيا وجنوب السودان لإنشاء ميناء ضخم في كينيا للدولة الجديدة ويقال أن تمويل الميناء الجديد سيأتي من دول الخليج العربي‏..‏ وتزيد تكلفته علي‏3.5‏ مليار دولار‏..‏
‏<‏ آخر تصريحات المسئولين في جنوب السودان حول الدولة الجديدة أنها ستكون دولة ديمقراطية‏..‏ علمانية تحترم كل الأديان وأنها ستقيم علاقات دبلوماسية مع كل دول العالم بما في ذلك إسرائيل‏..‏
هذه المؤشرات جميعها تؤكد أن جنوب السودان بدأ رحلته مع الانفصال وأن أي تطورات أخري تسير عكس هذا الاتجاه ستعيد حالة الحرب مرة أخري بين الشمال والجنوب‏..‏
أن الحديث الآن يدور حول ثلاث قضايا هامة وخطيرة لم يتم التوصل إلي حلول لها حتي الآن‏..‏
هناك خلافات حول الحدود خاصة مناطق البترول وتوزيع الثروة بين الدولتين في الشمال والجنوب‏..‏ أن الحكومة السودانية تصر علي الوصول إلي حل في هذه القضية قبل الاستفتاء ولاشك أنها علي حق في مشروعية هذا الطلب فسوف يكون من الصعب بعد الاستقلال الحديث عن حدود أو توزيع ثروة لأن من أخذ شيئـا سوف يحتفظ به‏..‏
من جوانب الخلاف أيضا قضية الديون وهنا تطالب الحكومة السودانية بتوزيع عادل لأعباء الديون علي الدولة السودانية بحيث تتحمل دولة جنوب السودان نصيبها في هذه الديون‏..‏
القضية الثالثة التي يدور حولها خلاف واسع هي توزيع حصص مياه النيل بين الشمال والجنوب‏..‏
هناك تحذيرات بأن هذه القضايا إذا لم تحسم فقد تعود بالقضية كلها إلي ساحة القتال مرة أخري خاصة أن جيش تحرير السودان في الجنوب بدأ يمارس أعمال تهديد واضحة علي الحدود واستولي علي مساحات من الأراضي علي الحدود مع الشمال‏..‏
لا أعتقد أن ما بقي من الوقت يمكن أن يحمل إصلاحات أو تراجعات أو فرصا جديدة للوطن السوداني الموحد‏..‏ إن دلائل الانفصال أصبحت واضحة تماما خاصة أن أمريكا ودول أوربا ودول الجوار في الجنوب تسعي إلي إقامة دولة مستقلة في جنوب السودان‏..‏
من الصعب بل من المستحيل أن تستطيع حكومة السودان تقديم أي شيء الآن لتشجيع سكان الجنوب علي خيار الوحدة وبقاء السودان موحدا‏..‏
من الصعب علي حكومة السودان أن تغير القوانين التي طالب أهل الجنوب بتعديلها خاصة ما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية والتوجه الإسلامي الواضح للحكومة السودانية وموقف الجنوب المسيحي من ذلك كله‏..‏
هناك جانب ديني لا يمكن إغفاله في قضية جنوب السودان وهذا الجانب يجد تأييدا واضحا من الدول الأوربية ومن أمريكا بصفة خاصة‏..‏ إن البعد الديني هو الذي دفع هذه الدول إلي تقديم معونات رهيبة في السنوات الماضية لجنوب السودان وهو الذي جعل هذه الدول تؤيد خطوات الانفصال‏..‏
أن الشيء المؤسف الآن أن دولة جنوب السودان الوليدة لن تتجه شمالا ولن تنظر إلي امتدادها التاريخي والوطني القديم سوف تكون أقرب إلي عمقها الأفريقي مع إثيوبيا وكينيا وأوغندا والكونغو وإفريقيا الوسطي وهي دول الجوار والذي يؤكد ذلك أنها تسعي منذ فترة بعيدة عودة مليون ونصف مليون من مواطنيها يعيشون في الشمال ومنهم من يعيش في مصر‏..‏
هناك محاولات لبدء صفحة جديدة مع دولة جنوب السودان وتحاول مصر أن تمد جسورها مع هذا الكيان الجديد فقد تم افتتاح خط طيران بين القاهرة وجوبا وتم استقبال أعداد كبيرة من أبناء الجنوب للدراسة في جامعات مصر وتم أيضا إنشاء بعض المشروعات المشتركة التي تساهم فيها الحكومة مع القطاع الخاص‏..‏ وبجانب هذا سافرت قوافل طبية إلي جنوب السودان‏..‏
علي الجانب الآخر فإن الحكومة السودانية خصصت مليار دولار لإقامة مشروعات جديدة في جنوب السودان وشهدت تحركات واسعة بين أبناء النخبة السودانية في الشمال والجنوب لتأكيد مبدأ وحدة السودان لقد طافت قوافل فكرية وحزبية جنوب السودان وشماله تدعو إلي استمرار مسيرة الوطن الواحد حتي ولو حصل الجنوب علي بعض مظاهر الاستقلال‏,‏ المهم أن يبقي السودان موحدا‏..‏ الكل الآن يلهث ربما أوقف الطوفان قبل أن يجيء أن مصر تحاول والسودان يجري ولكن للأسف الشديد لقد تأخر الجميع‏..‏ إن ما يحدث في الساعات الأخيرة لا يكفي لتعويض سنوات طويلة من الإهمال والتراخي في حل المشاكل والأزمات‏..‏ لقد أهملت الحكومة السودانية قضية الجنوب وأهملت مصر الشمال والجنوب معا وعلي الجميع أن يدفع الآن الثمن‏..‏
لا أحد يستطيع أن يقرأ صورة المستقبل بعد مائة يوم من الآن‏..‏ هل ينفصل الجنوب في سلام أم أن المحنة ستكون أكبر من أن يتحملها أحد‏..‏ لاشك أن ضياع الجنوب خسارة كبيرة قد لا ندرك الآن مداها ولكن في ظل قراءة واعية وعميقة‏..‏ يمكن أن نقول أن هناك حسابات كثيرة سوف تتغير في ظل هذا الواقع الجديد‏..‏ تبدأ بإستقرار السودان في دولة الشمال وتنتهي عند أزمة مياه النيل وسوف يكون الجنوب طرفـا فيها‏..‏
وبعد ذلك كله أن انفصال الجنوب قد يكون بروفة لانفصال مناطق أخري في العالم العربي ولهذا أصبح من الضروري قراءة ما يجري حولنا قراءة سليمة حتي لا تتكرر الأخطاء وحتي نتعلم الحكمة من رأس الذئب الطائر‏..‏
‏..‏ ويبقي الشعر
من يا تري يشجيه صوت المنـشد
واللـحن يخـبو في الضـلـوع
ورعشة الأوتار تهرب من يدي
ولمن أغنـي ؟
والمزاد يدور حولي‏..‏
والمدي ليـل سحيق‏..‏
والعواصف مرقدي
لا تنزعج يا سيدي
الآن أعرض في المزاد قصائدي
من يشـتـري عبق الزمان البكـر‏..‏
أيام الصبا
وشواطيء الذكري‏..‏ مع الـعمر النـدي ؟
من يشتري ترنيمة الزمن الجميل‏..‏
وسورة الرحمن تسري
في رحاب الـمسجد ؟
من يشتري حلـم الطـفـولة‏..‏
لوعة الأب العجوز‏..‏
رفات أجدادي‏..‏ وساعة مولدي ؟
لم يبق غير مواكب الذكـري
تـحلـق كالهواجس في شحوب الموقد
ووقفـت تنظـر في المزاد
وحولك الأوطان والفرسان
والماضي الذبيح‏..‏ علي جدار المعبد
ومضيت تصرخ‏..‏
والمزاد يدق أعناق الشـعوب‏..‏
ويستبيح الأمس‏..‏
يجهض كل احلام الغد
فلمن تبيع الشعر يا مسكين
والأنهار حولك أجدبت
والركب قد ضل الطريق
متـي يفيق‏..‏ ويهتدي ؟
ماذا تبيع الأن يا مسكين في هذا المزاد ؟
لا شيء غير قصائد ثكـلي
تـحدق بين أطلال الرماد
لا شيء غير عناكب الكهان تنفـث سمها
والأرض حاصرها الجراد
خرجوا يبيعون المصانع‏..‏ والمزارع
والمساجد‏..‏ والكنائس‏..‏ والعباد
وكتائب الزمن القـبيح
تدور في صخب المزاد
كأنهم كهان عاد
مات الفوارس وانتهي
زمن البراءة‏..‏ والترفــع‏..‏ والعناد
وغدوت تجلـس فوق أطلال السنين
قد استكان النـهر‏..‏
وارتاحت شواطئه‏..‏ وكبـلها الفساد
سيقـول بعض النـاس
إن قصائدي شيء معاد
حلم معاد
جرح معاد
حزن معاد
موت معاد
هي بعض ما تركت ليالي القهر
في هذي البلاد

زينة عادل
10/17/2010, 06:42 PM
أديبنا ابراهيم

ونصوص مميزة تختارها لنا سنبقى معك في هذا الركن ....

فيا لجمال هذا التميز في الاختيار

لقلبك الجوري والفل

ابراهيم عبد المعطى داود
11/25/2010, 11:58 PM
صندوق الدنيا
معيار العظمة
بقلم: أحمد بهجت

تقاس عظمة النبي أو الزعيم أو القائد عادة بعظمة الرجال الذين يربيهم في مدرسته ويصنعهم علي عينه‏,‏ حيث يحملون رسالته ويكملون ما بدأه‏.‏

ولا نعرف نبيا أو رسولا قدم للبشرية ما قدمه رسول الله صلي الله عليه وسلم من رجال أفذاذ مؤمنين‏,‏ وهم رجال لم يمنعهم إيمانهم من النجاح في الحياة‏,‏ وقيادة البشرية‏,‏ بل إنهم رجال فهموا الإيمان علي أساس أنه طاقة تؤدي إلي تغيير الإنسان والحياة وتجعلهما أفضل مما كانا عليه‏.‏
ومن السذاجة البالغة أن نتصور اليوم أن هؤلاء الصحابة أو المؤمنين قد قادوا البشرية لمجرد أنهم كانوا مؤمنين‏.‏
صحيح أن الإيمان كان هو البداية‏,‏ لكن الخبرة العملية في الحياة كانت مسألة حيوية‏,‏ كما أن إدراكهم ووعيهم بأهمية بناء نظام سياسي واجتماعي تتوافر فيه الحرية والعدالة‏,‏ ويعرف فيه الحاكم والمحكوم حقوقه وواجباته‏,‏ كان هو السر في التقدم الذي بلغوه‏.‏
شردت إبل مملوكة لبيت مال المسلمين في عهد عمر بن الخطاب‏,‏ وشوهد أمير المؤمنين وهو يغذ السير في شوارع المدينة وراء الإبل الضائعة‏,‏ ولحق به مجموعة من أصحابه يسألون‏:‏
ـ يا أمير المؤمنين إلي أين تمضي؟ وفيم العجلة؟
قال عمر‏:‏ شردت إبل بيت المال فأنا وراءها‏.‏
قيل له بعتاب‏:‏ ولكنك أمير المؤمنين‏.‏
قال عمر مصححا لأصحابه‏:‏ إنما أنا أجير هذه الأمة‏.‏
إن وعي عمر بمسئوليته وإدراكه لوجود عقد بينه وبين الناس كان طفرة هائلة في النظام السياسي الإسلامي‏.‏ إن عمر لا يتحدث باسم الحق الإلهي‏,‏ ولا باسم رسول الله‏,‏ ولا يري نفسه خليفة خليفة رسول الله‏,‏ ولا يري نفسه أميرا للمؤمنين‏,‏ إنما يري نفسه أجيرا مسئولا عن الأمة الإسلامية إلي الحد الذي تتنازعه المخاوف والقلق لأن دابة يمكن أن تتعثر في أرض العراق فيوقفه الله يوم القيامة ويسأله‏:‏ لماذا لم يمهد لها الأرض؟
وهذا هو معيار العظمة‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
11/26/2010, 11:50 AM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏*‏ العذاب في الدنيا ألوان‏:‏ الحب والزواج والأولاد‏!‏

‏*‏ المرأة ولدت لتكذب‏,‏ وولد الرجل لكي يصدقها‏!‏
‏*‏ أجمل خطابات المرأة هي التي تكتبها إلي رجل تخونه‏!‏
‏*‏ المرأة تسأل الناس عن الرجل الذي سوف تتزوجه بعد أن تكون قد اختارت فستان الزفاف‏!‏
‏*‏ تفرح العروس ليلة الزفاف بانتصارها علي العريس وعلي أمه وعلي امرأة أخري‏!‏
‏*‏ زوجتك تعلمك كيف تكره أمك‏..‏ وأمك تعلمك كيف تكره زوجتك ـ ومع الأسف لم نتعلم‏!‏
‏*‏ لا المرأة إنسان ولا الرجل حيوان‏:‏ هذا لغزنا الأبدي‏!‏
‏*‏ أكثر الناس يشركون بالله‏..‏ لأنهم يعبدون الفلوس‏!‏
‏*‏ الفن‏:‏ أنا‏..‏ العلم‏:‏ نحن‏!‏
‏*‏ لا تسمع كلام أمك قبل الزواج‏..‏ ولا كلام أمها بعد الزواج‏!‏
‏*‏ كما أن السعادة لا تدوم‏,‏ فالحب أيضا‏!‏
‏*‏ الأديب الروسي تولستوي قال‏:‏ لا أستطيع أن أقول رأيي في زوجتي إلا إذا حكموا عليها قبرها‏!‏
‏*‏ علاج الزواج الأول هو الزواج الثاني‏,‏ وعلاج الثاني هو الثالث وعلاج الثالث أن تموت‏!‏
‏*‏ الزواج أسبوع من السعادة‏,‏ وأسبوعان من الملل‏,‏ والباقي ندم‏!‏
‏*‏ إما أن يتزوج وإما أن يهاجر‏..‏ أكثر الشبان يهاجرون‏!‏
‏*‏ كل فتاة عندها حلم ذهبي‏,‏ وهذا الحلم لا يتحقق بالحب‏!‏
‏*‏ الزواج بلا حب سوف يؤدي إلي حب بلا زواج‏!‏
‏*‏ الذي يقول إنه يحرك قلبه كما يريد‏..‏ يحب إذا أراد ويكره إذا أراد ـ لابد أنه يتكلم عن شيء آخر غير الحب‏!‏
‏*‏ أقسي حب وأجمل حب هو الذي لا أمل فيه‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
11/28/2010, 08:12 PM
لا تنتظر (المُخلّص) لأنك أنت (المُخلّص)

بقلم أيمن الجندى ٢٨/ ١١/ ٢٠١٠
نحن أصل الأبجدية، ومعلّم البشرية، وفى عشيرتنا المنعزلة عن العالم، حيث يحُدّنا الجبل الأشمّ والصحراء اللانهائية، نعبد الحاكم الأوحد. نأكل الخبز بالجُبن، واللحم بالحزن، والماء بالرياء. وفى المساء، حين يتبارى الشعراء فى مدح الحاكم المعبود، ويهز رأسه علامة الرضا، تبدأ ليالينا الحقيقية: يُهيّئ لنا العبيد متكأً، وترقص طيلة الليل الجوارى الحسان.

أما فقراء عشيرتنا فلا يكفّون عن حلمهم المُزمن بـ«المُخلّص». القادم من عالم الأسطورة. أمير البهاء، نصير الضعفاء. الذى يزرع الصحراء بالورد، وينزع من الشتاء البرد. يهدم المعبد على رؤوس الأقوياء، يقيم العدل المفقود وكفة الميزان المائل.

■ ■ ■

كان (الفارس الوحيد) واحدا من عشيرتنا، لكنه كان غيرنا. أحلامه غير أحلامنا، قامته غير قامتنا، وخطاه ليست كخطانا. كان يميته الحزن كل يوم لمظالم فقرائنا. يشرد فيما وراء الجبل الأشم والصحراء الواسعة. يحلم ببلاد السلامة. حيث يحيا الناس بكرامة. يأكلون الخبز دون جُبن، واللحم دون حزن، والماء دون رياء.

وفجأة جاء يُودّعنا. صرخنا نستبقيه معنا. لكنه نظر إلينا فى حزن، وكأنه فقد التفاهم معنا. ثم استدار بجواده، فطفقنا نرمق غبار حوافره حتى اختفى.

ودارت الأيام دورتها، وتعاقب الصيف والشتاء، ومات الحاكم الأوحد فشتمناه ولعنّاه، وعبدنا الحاكم الثانى الذى مات بسرعة فشتمناه ولعنّاه، ومكث الحاكم الثالث أرسخ من حجارة الهرم، أطول من ليالى الألم، فمجّدناه وعبدناه، وفى كل ليلة، نأكل الخبز بالجُبن، واللحم بالحزن، والماء بالرياء، وفى نهاية الأمسية- حين يرضى السيد عنا- يُهيئ لنا العبيد متكأ، وترقص لنا طيلة الليل الجوارى الحسان.

وفجأة عرفنا أن (الفارس الوحيد) قد عاد.

■ ■ ■

عاد بجواده الأبيض، وحزنه الأبيض، ودهشته البيضاء. عاد من أجل الفقراء. من أجل البطون الجائعة والعيون الدامعة وأحلام البسطاء. لم يصافحنا. لم يعانقنا. قال لنا عاتبا: «أين كنتم من البؤساء؟ ولماذا سمحتم بهذا الشقاء؟». سكت الأغنياء. رد الفقراء على الفور: «نحن ضعفاء جدا، ولا حيلة لنا معهم. لكننا لم نكف عن الإيمان بالمُخلّص، وفى ليالى الشتاء، حين يشتد الجوع والبرد، ويصرخ الأطفال ويعلو البكاء. نحكى بصوت خافت، عن المُخلّص الآتى، يزرع الصحراء بالورد، ينزع من الشتاء البرد. يهدم المعبد على رؤوس الأقوياء، يقيم العدل المفقود وكفة الميزان المائل».

قال فى غضب: «لا تنتظروا المُخلّص، لأنك أنت المُخلّص. أنا المُخلّص وأنتم المُخلّص. كلنا المُخلّص. أنا واحد بدونكم، شعب بكم، لا أستطيع أن أهدم المعبد وحدى. لا أستطيع أن أزرع الصحراء بالورد وحدى. لا أستطيع أن أنزع البرد من الشتاء وحدى. ضعوا أيديكم فى يدىّ ولنصنع معا حياتنا البيضاء.».

■ ■ ■

ظل يصرخ طيلة الليل، والليالى التالية. بُحَّ صوته من الصراخ. وفى نهاية الليل انفض الجميع من حوله، عاد الفقراء يحلمون بالمُخلص، وعدنا نأكل الخبز بالجُبن، واللحم بالحزن، والماء بالرياء.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/01/2010, 09:32 PM
هكذا تلهمنا الطبيعة

بقلم د. أيمن الجندى ١/ ١٢/ ٢٠١٠
إله عظيم! هذا كل ما أستطيع قوله. حينما خلق الكون هائل الاتساع، مُعجز الترتيب، بديع التنسيق، الجميل جدا، الرائع بقدر عظمة خالقه، فإنه - سبحانه وتعالى - وضع القوانين المحكمة التى تنظّم حركة هذا الكون. قوانين يحاول العلماء استكناه أسرارها، يعرفون أنهم على شاطئ السر الأعظم لم تبتل إلا أطراف أصابعهم. لكنهم يحلمون بالوصول إلى القانون الكلّى الذى يجمع القوانين الجزئية، من أجل فهم أفضل للكون.

منذ أن جاء الإنسان إلى الكون وهو يحاول أن يستنطقه. يطرق بابه، يستجلى سره. يجلس فى مدرسته، يفتح كراسه، يفتح قلبه ومسام روحه، ينصت إلى لغته الخفية. أيها الكون العظيم، الرائع، اللامتناهى، المتسامى إلى أبعد أفق، أرشدنى إلى الحكمة. قل لى ما ينبغى وما لا ينبغى. حياتى قصيرة. قامتى قصيرة. فهّمنى كى أفهم. عرّفنى كى أعرف. أومئ إلى الطريق الذى يجب أن أسلكه فى رحلة حياتى القصيرة.

عرف الإنسان الحكمة قبل أن يعرف العلم الحديث. كان الحكماء فى الصين والهند، وفى مصر القديمة، يلجأون إلى الصوم. يُطهّرون باطنهم بالعزلة، يفتحون مسامهم لأسرار الكون. يراقبون النجوم البعيدة ويتسلقون شعاع القمر، ويغوصون فى قلب الليل. وإذا هطل المطر، يقرأون النقوش التى دوّنها على تراب الأرض.

يتأملون الكائنات الصديقة التى تعمر الكون. (وما من دابة فى الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم‏). لاحظوا أن الحيوانات تسير فى قطيع، ففهموا أن الاتحاد قوة والتشرذم ضعف.

لاحظوا أن القطيع يقوده الأسد الشاب القوى، ففهموا أننا يجب أن نفسح الطريق للأجيال الجديدة، وأن التغيير من سنن الكون، والبقاء فى السلطة لمدد طويلة عكس ما تصنعه الطبيعة، والطبيعة دوما على حق.

وجاء العلم الحديث ليُجلى ما كنا لا نعرفه فى الخلايا الدقيقة. اكتشف العلماء «الموت المبرمج للخلايا» (apoptosis).

تتكون أجسادنا من بلايين الخلايا. هذه الخلايا لا تعيش عمرنا بالكامل. وحين تصل إلى مرحلة الهرم فإنها تقرر أن تموت. تفعل ذلك طواعية، تُفكّك نفسها بنفسها، بطريقة ناعمة راقية، فقط تنطوى وتنكمش، حتى تأكلها الخلايا اللاقمة ويستفيد الجسم من مكوناتها.

كان بوسعها حين تفارق الحياة أن تنفجر وتُخرج ما بداخلها من المواد الحارقة، التى تؤذى جيرانها. كان يمكنها أن تتمثل بقول الشاعر: «إذا بتُّ ظمآناً فلا نزل القطر»، أو تحذو صنيع الحكام المتشبثين بالحُكم إلى آخر نفس. والمدهش الذى يحمل ألف دلالة أنه إذا نجت الخلية من المصير الطبيعى للفناء يحدث السرطان!!

لكن الخلايا الحكيمة التى تطيع أمر إله حكيم، تومئ لنا إلى الطريق الذى يجب أن نسلكه فى حياتنا، تقول لنا:

«عش أيامك فى سرور ورضا. فإذا ذهب زمانك فتنحَّ طواعية، فإن لم يحدث فإنه السرطان. واعلم أنها لن تدوم لك. لو دامت لغيرك ما وصلت إليك».

ابراهيم عبد المعطى داود
12/01/2010, 09:38 PM
د. يوسف زيدان يكتب: فتح مصر (٤/٧) بشاعةُ المقوقس

١/ ١٢/ ٢٠١٠
عرفت مصرُ خلال تاريخها الطويل، ما لا حصر له من أنواع الحكام الذين تعاقبوا على عرشها بالتراضى، فى مراتٍ قليلة، أو خلعَ بعضُهم بعضاً وانتزع العرش فى معظم المرات. وفى تطوافه ببلادنا، مَرَّ التاريخُ على كثيرين من حكام السوء، وعلى بعض الجيِّدين!

فقد حَكَمَنا من قبلُ الإماءُ من النساء (الجوارى) مثل شجرة الدر، وحَكَمتنا الحرائرُ من الملكات البديعات من أمثال كليوباترا وحتشبسوت وزنوبيا (ملكة تدمر العربية التى امتد سلطانها شرقاً، حتى شمل الإسكندرية ودلتا النيل)..

وعرفنا من الحكام الرجال، عقلاء من أمثال المنصور قلاوون، ومهووسين من أمثال الظاهر بيبرس (وكلاهما لم يعرف الناسُ له أباً) وعرفنا مَنْ اشتهر عنهم الولع بالنساء، كالملك فاروق، وعرفنا العازفين عن الزواج وعن المرأة عموماً كالحاكم الشهير «كافور»، الذى كان خَصِيّاً..أو بتعبير عامى: مخصِيّاً.

لكن (العرش) فى بلادنا لم يشهد خلال تاريخه الطويل، فيما أعتقد، رجلاً أسوأ من «المقوقس» ولا أكثر منه بشاعةً ووضاعة.. ودعونا أولاً نتعرف معنى كلمة (مقوقس) لنحسم بذلك خلافاً، طالما اضطرب فيه المؤرِّخون وظنَّ فيه الباحثون الظنون، لأن أحداً منهم لم ينتبه إلى الآتى:

هناك طرقٌ مختلفة للنسبة، فى مختلف اللغات. ففى اللغة العربية، إذا أردنا أن ننسب شخصاً إلى بلدةٍ ما، أو إلى أىِّ شىءٍ آخر نريد أن ننسبه إليه. نأتى بالحرف المسمَّى (ياء النسبة) ونلحقه بآخر المنسوب إليه، فنقول مثلاً: فلان «القاهرىّ» وفلان «السكندرىّ= الإسكندرانىّ» وفلان «الدمشقىّ» أو «الحلبىّ» أو مثل ذلك .. وقد ننسب بهذه الياء إلى جماعة، فنقول: العباسىّ، القرشىّ، الأموىّ، العثمانىّ، أو مثل ذلك.. وقد ننسب بها إلى مذهبٍ فقهىٍّ أو عقائدى، فنقول: الحنبلىّ، الشافعىّ، المالكىّ، الشيعىّ، السنىّ، الإباضىّ.. إلخ.

وفى اللغة التركية، تلحق بالمنسوب إليه لفظةُ (جى) فإذا أرادوا نسبة الرجل إلى عربة (الكارو) قالوا: عربجى. وإذا كان مسؤولاً عن قلعة، فهو قلعجى. وإذا كان يعمل فى بيتٍ للدعارة، فهو كَرَخَانجى (قَرَا خان= المحل الأسود) وإذا كان هذا الشخص يقوم بالحملات ويُلقى البلاء على البسطاء، فهو حَمْلجى (حملة جى) وإذا كان يصنع الحلوى فهو حلوجى.. وقد ينسبون بإلحاق اللام والياء بآخر الكلمة، فيقولون: شربتلى (صانع الشراب) قوَّتلى، غُندقلى.. إلخ.

أما فى اللغة المصرية القديمة، التى تطورت كثيراً حتى وصلت إلى المرحلة التاريخية التى سبقت، وتزامنت، مع (دخول) المسلمين إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص. وهى اللغة المسماة اليوم، بشكل سبهللى غير دقيق: اللغة القبطية (بالمناسبة: سبهللة كلمةٌ عربيةٌ فصيحةٌ)..

فإن النسبة فى هذه اللغة تأتى على نحوٍ خاص، هو إلحاق لفظة «امْ» بأول الكلمة المنسوب إليها. ومن هنا، صار اسم هذا الرجل الذى وفد إلى مصر من الجهة المسماة بالعربية «القوقاز» وهى الجهة التى يُنطق اسمها باليونانية واللاتينية «قَوْقس» صار اسمه فى اللغة الدارجة بمصر آنذاك (امِّقوْقس) ونطقه العرب (المقوقس) أى القوقازى..

ومن لهجات العرب خصوصاً أهل اليمن، التعريف بالألف والميم بدلاً من الألف واللام، وقد خاطب النبىُّ جماعةً من أهل حِمْـيَر، وفدوا عليه وهم صائمون أثناء سفرهم قائلاً: ليس من امْبرِّ امْصيام فى امْسفر (= ليس من البر الصيام فى السفر).. وهو حديثٌ نبوى صحيحٌ.

إذن، المقوقسُ هو النطق العربىُّ للكلمة المصرية القديمة (تجاوزاً: القبطية) التى شاعت فى زمن الدخول الإسلامى مصر، كلقبٍ أو نسبة لهذا الأسقف/ الحاكم الذى هو فى الأصل من بلدة «فاسيس» بالقوقاز. واسمه الأصلى «كيرس» أو «قيُرس» أو «سيروس» وهو اسم كان شائعاً فى العالم المسيحى فى ذاك الزمان.. فما الذى جاء بهذا الرجل ليحكم مصر؟ القصةُ طويلةٌ، ولسوف نوجزها فيما يلى بقدر المستطاع.

■ ■ ■

ما كاد الحكم فى مصر والشام يستقر بيد «هرقل» الذى انتزع عرش الروم من الإمبراطور البيزنطى فوكاس (سنة ٦١٠ ميلادية = سنة ١٣ قبل الهجرة) حتى اجتاح الفرسُ البلاد وانتزعوها من قبضته وسلطانه سنة ٦١٦ ميلادية، الموافقة لسنة ٧ قبل الهجرة. وهو الحدث الجلل الذى أشارت إليه الآيات الأولى من سورة الروم فى القرآن الكريم، حيث قالت (غُلبت الروم. فى أدنى الأرض).

وكان مما يؤلم المسيحيين آنذاك، بالإضافة إلى وقوعهم تحت سلطان الفرس (عَبَدَة النار= أصحاب الأفيال= البابيلون) أن هؤلاء الغزاة بعد استيلائهم على العاصمة الروحية للمسيحيين آنذاك، وهى مدينة إيلياء التى كانت تسمى قديماً «أوروشاليم» وصارت تسمى لاحقاً «القدس»، قاموا بانتزاع الخشبة المسماة فى المصطلح المسيحى القديم: صليب الصلبوت.. وهى قطعةٌ من الخشب، استخرجتها فى بداية القرن الرابع الميلادى من تحت التراب هيلانة، أمُّ الإمبراطور قسطنطين، وهى امرأةٌ قيل إنها كانت فى بداية أمرها تعمل ساقيةً فى ماخورٍ من مواخير مدينة «الرُّها» العراقية،

وهناك أنجبت طفلاً غير شرعى، لم يُعرف له أبٌ. غير أن هذا الطفل (قسطنطين) صار من بعد ذلك رجلاً عسكرياً ماهراً، استطاع أن يقضى على منافسيه من رفقاء السلاح، وأصبح إمبراطوراً. وأصبحت أمُّه بعون الرب «قديسة»، لأنها اكتشفت (الصليب) الذى صُلب عليه السيد المسيح فى اعتقاد أهل الديانة، وأقامت فوقه قُبة كنيسة القيامة التى صارت قبلةً للحج المسيحى، خلال القرون التالية.

ولما انتزع الفرسُ (صليب الصلبوت) انخلعت قلوب أهل الديانة على اختلاف مذاهبهم، وانفطرت حزناً. لكن الروم استطاعوا بقيادة قواد هرقل، أن ينتصروا على الفرس بعد قرابة تسع سنوات على احتلالهم لمصر والشام، وهو الأمر الذى كانت سورة الروم قد تنبَّأتْ به، فى قوله تعالى بعد الآيات السابقة (وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون).

ولما انتصر الروم، أعادوا قطعة الخشب (التى اختفت ثانيةً بعد ذلك بقرون) من عاصمة الفرس «المدائن» وعاد بها هرقل سنة ٦٢٨ ميلادية، إلى إيلياء (القدس= أورشليم) فى حفلٍ مهيبٍ أسال دموع الناس فى أنحاء دولة الروم (المسيحية) على اختلاف مذاهبهم.

واختلاف المذاهب، كان آنذاك سبباً فى اهتراء الدولة. فالمصريون المسيحيون قلوبهم شتى، فيهم الأرثوذكس الروم (الملكانيون) والأرثوذكس السريان (الشوام) والأرثوذكس اليعاقبة (أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة الجامعة بين الله والمسيح)..

وأما سكانُ العراق المسيحيون (أغلبهم من العرب) فكان معظمهم نساطرة، يتبعون هذه الكنيسة الكبيرة التى امتدت فى ذلك الزمان من أطراف الشام إلى قلب آسيا. وأما الشام المسيحى، فكانت مذاهبه العقائدية خليطاً من النسطورية والآريوسية والأرثوذكسية.. وحسبما سنذكر تفصيلاً فى مقالنا القادم، فقد كان لهذا التنازع المذهبى، أثرٌ هائل فى الأحداث الكبرى آنذاك، وفى السِّجال العسكرى بين الفرس والروم.

ولما استقر «صليب الصلبوت» فى مكانه السابق، اجتمع الأساقفةُ فى (أورشليم، إيليا، القدس) حول هرقل الذى سألهم عن مخرجٍ عقائدى، يحلُّ الإشكال القائم بين الكنائس فى مصر، حتى يضمن (مناخ الاستقرار) بالبلاد، فلا يتفرَّق الناسُ بسبب العقيدة، ويلجأ المغلوبون منهم إلى أعداء الدولة، مثلما فعل اليهود.. وبالمناسبة،

فقد أعقبت هذه الزيارة التاريخية لهرقل، مذبحةٌ هائلةٌ لليهود فى أنحاء الأرض، قُتل فيها عشرات الآلاف عقاباً لهم على مساعدتهم للفرس (حسبما قال الأساقفةُ لهرقل) .. وبالمناسبة، أيضاً، فإن رسالة النبى محمد (ص) أو بعثته إلى هرقل، كانت فى تلك الأثناء.

ولذلك انشغل هرقل عن الردِّ على الرسالة التى جاءته من قلب جزيرة العرب، وهو الموضع الذى لم يكن هرقل يهتم به (لكنه سوف يهتم به لاحقاً، وينهزم أمامه) وقد جرى هذا الاتصال الأول، فى حدود سنة ٧ هجرية، أو سنة ثمانية (٦٢٨ أو ٦٢٩ ميلادية) .

ولما استقر الرأىُ على ضرورة توحيد المذاهب المسيحية، اخترع الأساقفة لهرقل مذهباً تلفيقياً سموه (المونوثيلية) أى: مذهب الإرادة الواحدة لله. واقترحوا عليه تعميم المذهب الجديد فى مصر، فلا يختلف أهل الديانة فيما بينهم..

وكان هرقل، بالطبع، يشجِّع اتفاق رعاياه من أهل الديانة على مذهبٍ واحدٍ، فلا تثور بينهم المشكلات وترُاق بسبب العقيدة الدماء، وبالتالى يضمن الولاء من الجميع. خاصةً أنه كان يريد أن يرتاح بعد سنوات من الكفاح، ويسعد بزواجه من (مرتينا) ابنة أخته، وهى فتاة باهرة الجمال أراد خالها هرقل أن ينالها، فاعترض بعضُ الأساقفة ووافق البعض.. وبعد شدٍّ وجذب، تزوَّجها.

ولما كان من المعروف عن المصريين (اليعاقبة) عنادهم، فقد كان من المهم أن يُعهد بتعميم المذهب الجديد، إلى شخصٍ حازمٍ وقوىٍّ بإمكانه تحقيق هذا الأمر، وإلزام المصريين المسيحيين جميعاً، بمذهبٍ عقائدىٍّ واحد. فاقترح البعضُ على هرقل، أن يأتى من بلاد القوقاز (قَوْقس) بأسقف بلدة فاسيس، الواقعة حالياً بجمهورية جورجيا، ليكون لأول مرة (ولآخر مرة) فى تاريخ مصر: الحاكم الدينى والدنيوى، معاً..

وتمت صياغة المذهب (المونوثيلى) على عجل، وعلى عجلٍ استدعى هرقل الأسقف القوقازى، ودرس هذا الرجلُ المذهبَ (المخترَع) وذهب به إلى مصر ليخلف الأسقف جورجيوس بن مينا، الذى يسميه العرب (جريج بن مينا) وليكون أيضاً قائداً عاماً للجيش، وملكاً أو أميراً يحكم مصر لصالح هرقل. وكان وصول هذا الأسقف القوقازى (المقوقس) إلى الإسكندرية عاصمة مصر آنذاك، فى خريف سنة ٦٣١ ميلادية.

وهو الأمر الذى أكَّدته المصادر التاريخية (يمكن مراجعة هذه النقطة المهمة، فى كتاب «ألفريد بتلر» عن فتح مصر).

ولنلاحظ هنا، أن وفاة النبى محمد (ص) كانت فى ربيع سنة ٦٣٢ ميلادية، أى بعد شهورٍ من مجىء المقوقس.

وبالتالى، فلا صحة لما توهَّمه عديدٌ من القراء، الذين ظنوا أن هناك خطأ فى الأحداث التاريخية المذكورة عَرَضاً فى روايتى «النبطى»، خصوصاً فيما يتعلق بمجىء السيدة (مارية القبطية، أم المؤمنين).. فالخطأ التاريخى ليس فى الرواية، وإنما فى أذهاننا.

■ ■ ■

وحين وصل المقوقس إلى مصر، كان للمسيحيين المصريين (الملكانيين) كبيرٌ منهم اسمه الأنبا صفرونيوس، وللمسيحيين المصريين (اليعاقبة) كبيرٌ اسمه الأنبا بنيامين.. وعرض الأسقف/ الأمير «قيرس» الذى سماه المصريون «امِّقَوْقس» المذهب الجديد على الملكانيين، فارتمى صفرونيوس تحت أقدامه، ونزفت عيناه دماً (حسبما يقول ساويرس بن المقفع) وصرخ متألماً، راجياً من الأسقف المقوقس أن يصرف النظر عن هدفه ونيَّته إلزامَ الجميع بالمذهب الجديد.

فأهانه المقوقس، لكنه لم يستطع أن يبالغ فى إيذائه، لأن الملكانيين كانوا آنذاك هم «أصحاب البلد» وكان بأيديهم المال والاقتصاد والتبعية المباشرة لكنيسة العاصمة الإمبراطورية «بيزنطة».. أما الكبيرُ الآخر، الأنبا بنيامين، فإنه لم يذهب إلى المقوقس ليفاوضه، أو يرجوه، أو يتحداه، ساعياً للشهادة. وإنما هرب من الإسكندرية، بعدما أوصى أتباعه بأن يصمدوا.

وقد قبض المقوقس على (مينا) المسكين، الأخ الأصغر للأنبا بنيامين، أملاً فى أن يعود أخوه الأنبا الهارب، فيلزمه المقوقسُ بالمذهب الجديد المخترَع. لكن بنيامين لم يرجع إلى الإسكندرية، واختفى عن الأنظار فى الصعيد، فاكتوى أخوه المسكين (مينا) بنار المقوقس وأتباعه.

فقد تفننوا فى تعذيبه بدنياً، ثم علَّقه المقوقس من ذراعيه وأوقد حوله ناراً حامية أذابت شحم جسمه، ثم أخذه إلى مركب وعلَّق بقدميه أثقالاً، وعرض عليه أن يقبل المذهب الجديد، أو يُلقى به فى البحر.. وآثر «مينا» الموت، فأغرقوه فى البحر، فصار شهيد المذهب اليعقوبى!

وآثر بنيامين البقاء هارباً، ومختفياً، وظل كذلك طيلة الثلاث عشرة سنة التالية، حتى جاءه من قلب الصحراء، الفاتحُ البديع (عمرو بن العاص) فأعاده إلى الإسكندرية بعدما أعطاه (الأمان) الشهير، وأوكل إليه رعاية أهل مِلَّته. حسبما ذكرنا فى مقالةٍ سابقةٍ نشرناها هنا، ضمن سباعية «البرديات».

لم يهدأ المقوقس بعد مقتل مينا، وإنما قام بحسب ما روته المصادر المسيحية، بتهديد الناس وسَلْب الكنائس (اليعقوبية) وإحراقها، وجمع من هؤلاء الناس «اليعاقبة» عشرين ألف شخص فى ميدان بوكاليا بالإسكندرية (محطة الرمل، حالياً) وعرض عليهم المذهب الجديد، فرفضوا قبوله، لأن الأب بنيامين أوصاهم قبل هروبه، بالثبات على العقيدة القويمة، حتى لو دفعوا حياتهم ثمناً لها.. وقد دفعوا بالفعل حياتهم ثمناً لها، فقد قتلهم المقوقس جميعاً، وجرت دماؤهم فى شوارع الإسكندرية كالأنهار.. (راجع فى ذلك: تاريخ البطاركة، لساويرس بن المقفع) .

وتفنَّن المقوقس فى إيذاء الناس بمصر حتى يقبلوا مذهبه، وقام بفظائع يطول ذكرها. حتى إن القَسَّ البريطانى (والباحث المتميز) ألفريد بتلر، جعل فى كتابه عن «فتح مصر» فصلاً بعنوان: الاضطهاد الأعظم للمصريين على يد قيرس (المقوقس)..

فمن أراد معرفة تفاصيل ذلك، أو الاطلاع على المزيد من شناعة المقوقس وبشاعته، فليرجع إلى ذلك الفصل الدامى. وليرجع أيضاً مَنْ أراد ذلك، إلى ما كتبه ساويرس بن المقفع عن الأهوال التى فعلها المقوقس، وذلك فى كتابه الذى اشتهر بعنوان (تاريخ الآباء البطاركة) وإلى ما كتبه حنا النقيوسى الذى كان معاصراً لهذه الفترة، فى كتابه الذى فُقد أصله المكتوب باللغة المصرية، واكتُشف حديثاً نصُّه المترجم إلى اللغة الحبشية، ونُشرت مؤخراً ترجمته العربية تحت عنوان: تاريخ مصر.

■ ■ ■

ولم يفلح المقوقس (قيرس) فى تعميم المذهب. واكتسب عداوة وكراهية المصريين جميعاً، ملكانيين ويعاقبة. وكان هرقل قد انشغل عنه، وعن أمور مصر، بما كان غارقاً فيه من اهتراءٍ وتفسُّخٍ أُسَرِىّ، وصراعٍ بين الزوجات والأبناء والقُوَّاد.. حتى إن هرقل فكَّر فى الهروب من العاصمة، وجهز سفينة لتبحر به إلى ساحل أفريقية (تونس) ليقضى هناك بقية عمره الذى كان قد آل إلى خطِّ الزوال، بعيداً عن صراعات العرش.

فى الوقت ذاته، كان الإسلام ينتشر بقوة ويملأ جزيرة العرب ويهدِّد سلطان الروم والفرس، معاً، فى حوافِّ الشام والعراق. وكان للمسلمين طريقتهم الخاصة فى تسيير الأمور، وفى صدق النية، وفى الصبر على الحرب، وفى الحيلة.. وكان المسلمون فى زمن الخليفة أبى بكر الصديق، قد عاهدوا حاكم اليمن الذى كان تابعاً لدولة الفرس، على أن يكون تابعاً للمسلمين فلا يضطروا لقتاله، فى مقابل أن يتركه المسلمون يحكم البلاد حتى وفاته.

وكان أبو بكر الصديق أثناء خلافته (أى بعد وفاة النبى ـ ص) قد أرسل «حاطب بن أبى بلتعة» إلى المقوقس، فأبرم سراً عهداً مثل ذلك الذى أُبرم مع حاكم اليمن.. ولم يُعلن المقوقس هذا العهد، ولم تُشِر إليه المصادر الإسلامية بشكل واضح. لكننى أدركته من العبارات التى أشرت إليها فى مقالتى السابقة، أعنى تلك التى أوردها «ابن عبدالحكم» حين قال إن عمرو بن العاص ألحَّ على الخليفة عمر بن الخطاب، حتى وافق له على الخروج إلى مصر: «فنقض الصلح وفتحها»..

وقال ابنُ عبدالحكم فى موضعٍ آخر، إن الخليفة عمر (الفاروق) رَدَّ الأسرى المصريين الذين أرسلهم إليه عمرو بن العاص مقيدين بالسلاسل (عددهم ثلاثة آلاف) بعد أول صدامٍ عسكرى! ردَّهم الخليفة العادل: «لعهدٍ كان قد سبق لهم».

وهناك الكثير من تلك «الإشارات» المهمة التى ذكرتها المصادر التاريخية المبكرة، لكن المؤرِّخين لم يتوقفوا أمامها بما يليق بأهميتها، فظلت عالقةً فى فضاء الأوهام والخرافات المتعلقة بالدخول العربى/ الإسلامى لمصر، سواء اسميناه فتحاً أو غزواً.. غير أن إعادة تركيب الصورة فى أذهاننا، فى ضوء ما نطرحه من تصورات (لا تزعم لنفسها اليقين التام) من شأنه تبديد ما فى أذهاننا من توهُّمات، ومن شأنه تحديد صورة الماضى (والحاضر) على نحوٍ أكثر منطقيةً وعقلانية.

■ ■ ■

ولم تتوقف بشاعة المقوقس على الفعال والفظاعات الدموية التى اقترفها فى حق البسطاء من الناس، وفى حق الآباء الكبار، وعلى الوضاعة التى تصرَّف بها حين خرَّب الكنائس وسلب الأوانى المقدسة. ولم تتوقف بشاعته على مخالفته أوامر وتعاليم سيِّدِه المسيح، ليرضى سيده هرقل.. فقد زاد على ذلك كله، خيانته لسيده هرقل باتفاقه مع العرب المسلمين سراً، والدور الهزلى الذى لعبه عند حصار حصن بابليون. حتى إنه طلب من المسلمين مفاوضاً آخر غير عُبادة بن الصامت، لأنه وجد هذا الصحابى الجليل: طويلاً وأسود. فطلب مفاوضاً أفضل منظراً، وهو الطلب الذى رفضه عمرو بن العاص.

وبعد تسليم حصن بابليون للمسلمين، قام جند المقوقس (جيش الروم) بتقطيع أيادى عدة آلافٍ من الرجال المصريين، كانوا يعتقلونهم فى هذا الحصن/ المدينة، كى لا يساعدوا المسلمين فى بناء الجسور لاستكمال الفتح..

ولا أظن أن المقوقس هو الذى أمر بذلك، فقد كان آنذاك أضعف من أن يفعل، لكنه وافق على الأمر وأسرع بالهروب من مصر إلى بيزنطة، كى يقنع هرقل بتسليم البلاد إلى المسلمين.. وبالطبع، رفض هرقل وأهان المقوقس، فظل مهاناً إلى أن مات هرقل، فاستطاع المقوقس أن يقنع خلفاءه بالتسليم.

وعاد إلى مصر ليزفَّ لعمرو بن العاص خبر تسليم مصر، ويطلب منه فى المقابل أن يُبقيه فى الإسكندرية آمناً حتى وفاته. فوافق عمرو بن العاص، فقضى المقوقس بقية أيامه بالمدينة حتى مات بها .. ودُفن.. ولم يُعرف له من بعد ذلك قبرٌ، ولا قَدْر.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 09:36 AM
صندوق الدنيا
بين الظلم والكفر
بقلم: أحمد بهجت
12/1/2010

أدهشتني العبارة حين سمعتها لأول مرة‏.‏ كان الأستاذ يقول‏:‏ قد يقوم الملك علي الكفر ولكنه لايقوم علي الظلم‏.‏ استطرد يشرح فكرته‏:‏ لأن الكفر مسألة اعتقادية بين المرء وربه‏,‏

وهي مسألة لاتضر سوي صاحبها وحده‏,‏ ولايتعدي اثرها صاحبها إلي الآخرين‏..‏ ان الكافر لايدعو إلي شيء إذ ليس لديه شيء يدعو الناس له‏.‏
أما الظلم فإنه مسألة اجتماعية تضر الجميع‏,‏ ويتعدي اثرها صاحبها إلي الخلق جميعا‏..‏ اعجبني تحليل العبارة ومازالت تخطر لي بعد هذه السنوات الطويلة‏,‏ ان الظلم يؤدي إلي اختلال قانون الحياة‏,‏ لايصير التفوق هو معيار التقدم أو النجاح‏,‏ لاتعود هناك حقوق ثابتة للأفراد‏,‏ وهذا يوجد كراهية تتأجج في الصدور وبمرور الوقت تنفجر الكراهية إلي عنف يمتد أذاه إلي صاحبه وإلي الأبرياء وغير الأبرياء‏.‏
ان العدل هو الأب الشرعي للحب‏,‏ مثلما ان الظلم هو منبع الكراهية‏,‏ وهذا هو السر في وجود مجتمعات متقدمة وناجحة علي المستوي المادي رغم عدم إيمانها‏,‏ ووجود مجتمعات متخلفة وفاشلة رغم إيمانها‏.‏ فالمجتمعات التي لاتشغل نفسها بقضية الالوهية تقيم نظاما اجتماعيا عادلا للحياة‏,‏ وتقدم للناس حرية حقيقية‏,‏ تسمح لهم بانطلاق مواهبهم وتسمح لهم بالمشاركة في حكم انفسهم‏,‏ أما المجتمعات المؤمنة التي لايعرف حكامها العدل والحرية‏,‏ فإنها تتخلف نتيجة لغياب هاتين القيمتين من حياتها‏,‏ إن الإيمان وحده بغير عدالة اجتماعية وبغير حرية حقيقية يصبح مجرد نظرية لا أثر لها في الحياة ولاقدرة لها علي خلق مجتمع فاضل‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 10:20 AM
على باب المصطفى
بقلم: فاروق جويدة

أديت فريضة الحج هذا العام وأمام باب الرسول عليه الصلاة والسلام وفي روضته الشريفة بالمدينة المنورة كانت هذه الأبيات‏..‏

ركب الزمان يطوف في عبراتي
وأنا أراك تطل مـن عرفـــــــــات
وأمامك التاريخ يسجـــد خاشعــــا
والحق حولـك شامـخ الرايـــــــات
وتودع الدنيا بوجــه مشـــــــــرق
فيه الجلال‏..‏ ونبل كل صفــــــات
تبكي الجموع وأنت تهمس بينهـــا
قد لا أراكم في الحجيـــــج الآتـــي
لكنني أودعــــــت في أعناقكــــــــم
قرآن ربي‏..‏ سيرتــي وحيـــاتــــي
لا لن تضلوا إن تمسكتــــــــم بـــــه
فخلاص هذي الأرض في آياتــــي
ويطل وجهك خلف ستر خافــــــت
فتري حشود الحق في الصلـــوات
وتري الوجوه وقد أضاء جلالـهـــــا
والدهر يكتب أقدس الصفحــــــات
وتصيح فيهم أن غــاية ديننـــــــا
طهر القلوب ورفعة الغايـــــــــات
فجر الضمير رسالتي لا ترجعوا
للكفر بعدي‏..‏ في ثياب طغــــــــاة
لا تقربوا الأصنام بعدي إنـــــــها
بيت الضلال‏..‏ وآفـة الآفــــــــــات
ولتعبدوا الرحمن ربا واحــــــــدا
فعلي هداه تفجرت صيحــــــاتـــــي
الله خالق كل شيء فاجمعــــــــوا
أشلاءكم بالحق والرحمــــــــــــات
وحدت أشلاء‏..‏ جمعت شراذمـــا
وجعلت من طلل الشعوب بنـاتــــي
الظلم في ركب الحيـــاة ضلالــــة
والعدل نور الله في الظلمــــــــــــات
والذم في وجه الحيــاة جريمــــــة
وتميمة للرجس واللعنــــــــــــــات
والحق أولي أن تـصان حصـــونـه
ليظل تاج الأرض والسمــــــــــــوات
والأرض عرض والدماء محــــارم
ونقاء مال المرء بالصـــــدقــــــــــات
حرية الإنسان غايـــة ديننـــــــــا
وطريقـنا في كل فجـــــــــــر آتـــــــي
ونساؤكم في كل بيت رحمــــــــــة
تاج العفاف وســــام كل فتــــــــــــــــاة
والعدل دستور الحياة فإن غفــي
هرعت حشود الظلـــم بالويــــــــــلات
والحكم عدل والشرائع حكمــــــة
والنفس عنــدي أكبـــــر الحرمــــــــات
أهل الكتاب لهم حقوق مثلنـــــــا
في الأمن‏..‏ في الأوطان‏..‏ في الصلوات
الله ساوي الخلق وحد بينهـــــــــم
في العيش‏..‏ في الأنساب‏..‏ في الدرجات
أما الحياة وديعة في سرهــــــــــا
هل يستوي الأحياء بالأمــــــــوات ؟
ويل لأرض مات فجر ضميرها
موت الضمائر قمــــــــة المأســــاة
لكنني أيقنت أن رسالتــــــــــــي
فيها الهدي من خالق السمــــــــوات
بلـغت يا الله فاشهد أننــــــــــــــــي
لم أنس حق رعيتي ورعاتـــــــــــي
زوروا المدينة‏..‏ وأذكروني عندها
من زار قبري صافحته حياتـــــــــي
أنا لم أكن إلا رسولا قد خلـــــــت
قبلي رسالات وهدي عظــــــــــــات
بشر انا‏..‏ ما كنت ربا بينكــــــــم
بل كنت فجرا لاح في لحظــــــــــات
وأفاض في الدنيا‏..‏ وأيقظ أهلهـــا
بالحق‏..‏ والتـنزيل‏..‏ والآيـــــــــات
فإذا بدا في الأفق غيـــم عابــــــث
صلوا علي‏..‏ وأكثروا الصلــوات
‏<<<‏
ركب الزمان يطوف في نظراتي
وتتوه في عمق المدي كلماتـــــــي
ماذا أقول ونور وجه المصطفـــي
كالصبـح أشرق في شواطيء ذاتي
ويطل وجهك في الحجيج كأنــــه
وجه السماء أضاء في جنباتــــــــي
يا سيد الخـلـق الرفيع تحيـــــة
من كل شوق فاض في عرفــــــات
طوفت في أرجاء مكة ساعيـــــا
وعلي مني ألقيت بالجمـــــــــــرات
ونظرت للأفق البعيد وحولــــه
تسري أمامك جنة الجنـــــــــــات
ووقفت تصرخ يا الهي أمتـــي‏..‏
فيجيب رب الخلق بالرحمـــــــات
لم تنس أمتك الحزينة كلمــــــا
هرعت جموع النــاس بالدعـــــوات
وسألت رب الكون هذا حالـهم
فقر‏..‏ وجوع‏..‏ وامتهان طغــــــــاة
يارب هذي أمتي مغلوبــــــــــة
ما بين حكم جــائــر‏..‏ وغــــــزاة
الركب ضل وشردته عواصـــف
بالعجز‏..‏ والطغيــان‏..‏ والنكبــات
جمعتهم في كل شــيء كلمــــــــا
نادي المــــؤذن داعيــا لصــــــــلاة
والآن صاروا في الحياة بلا هدي
تبدو عليهم سكــــرة الأمـــــــــوات
أنا في رحابك جئت أحمل أمــــة
ماتت علي أطلالهــا صرخــاتـــــــي
والحاقدون علي الضلال تجمعوا
والأمة الثكـلي فلــــول شتــــــــــات
‏<<<‏
في الكعبة الغراء وجهي شاخــص
تتسابق الصلــوات في الصلــــــوات
والناس في الحرم الشريف توافدوا
ضوء الوجوه يطـوف في الساحــات
الله أكبر والحجيـــــــــــج مواكب
من كل لون قـــادم ولغــــــــــــــات
الله وحدهم علي وحي الهـــــــدي
رغم اختلاف الجنــس واللهجــــات
جاءوا فرادي يحملون ذنوبهــــــم
ويفيض صفـــح الله بالنفحـــــــــــات
حين استوي الرحمن فوق عبـــاده
العفو كان بدايـــــة الرحمــــــــــات
يارب فلتجعل نهاية رحلتــــــــي
عند السؤال شفاعتـــي وثباتــــــــــي
أنا في رحابك جئت أحمل توبتـي
خجلان من شططــي ومن زلاتـــــي
أنت الغفور وكان ضعفي محنتي
وعذاب قلبي كان في هفواتـــــــــي
أشكو إليك الآن قلة حيلتـــــــي
وهوان عمري‏..‏ حيرتي وشتاتــي‏..‏
تتزاحم الأيام بين خواطـــــــري
ما بين ذنب حائـــر وعظــــــــــات
يارب سيرت القلوب مواطنــــــا
للحب‏..‏ فاغفر يا كريــم هنـاتــــــي
قد كان ذنبي أن قلبي عاشـــــــق
فأضعت في عشق الجمال حياتــي
أنت الذي سطرت قلبي غنـــــوة
للعاشقين‏..‏ وهذه مأســـــــــاتـــــــي
اغفر ذنوب العشق إن جوانحـــي
ذابت من الأشــواق والعبــــــــرات
والآن جئتك بعد أن ضاق المــدي
واثــاقـلـت في رهبة خطواتـــــــــــي
ندما علي عمر تولي ضائعــــــا
أم خشية من طيف عمــــــــــر آت
أسرفت في ذنبي وبابك رحمتــي
ولديك وحدك شاطـئي ونجاتـــــــي
‏<<<‏
في هذه الأرض الشريفة أشرقت
يوما قلاع النــــور والبركــــــــــات
بدأ الوجود خطيئة ثم انتهــــــي
بالصفح والغفــــران في عرفـــــات
حتي أطل علي الوجود محمــــد
فازينت عرفــــات بالصلــــــــــوات
فأضاء تاريخ وقامت أمـــــــــــة
بالحق تكتب أروع الصفحــــــــــات
وسري علي أرجائها وحي الهدي
جبريل يتلـــو أقــــــدس الآيــــــــات
ومحمد في كل ركن ساجـــــــد
يحيي قلوبا‏..‏ بعد طول مـــــوات
‏<<<‏
بدء الخليقة كان من أسرارهـــــا
حين استوت بالخلق في لحظــــات
وتزينت لنبيها حتي بـــــــــــــدا
نور الرسالة فــــــوق كل حصـــــاة
وتكسرت أصنام مكة‏..‏ وانزوي
خلف الحطام ضلال ليــــل عــات
في حضن مكة كان ميلاد الهدي
والدهر يشدو أعــــــذب النغمــــات
أمم أفاقت من ظلام عهودهـــــــا
واستيقظت من بعد طـــــول سبــات
القي عليك الحاقدون ضلالهـــــم
وتسابقوا في اللغــــــو والســــوءات
أتري يعيب الشمس أن ضياءهـــا
أعمي حشود الجهــــل والظلمــات
لو يعلم الجهلاء رحمة ديننـــــــا
لتسابقوا في البـــــر والرحمـــــــات
لم يشهد التاريخ يوما أمــــــــــة
جمعت حشود الحــق في لحظــــات
لم تشهد الدنيا جموعا سافــــــرت
عبرت حدود الأرض والسمــوات
لكنه الإسلام وحد بينهـــــــــــــم
فتسابقــــــوا لله في عرفــــــــــــات
هذا هو الإسلام دين محبــــــــــة
رغم اختلاف الجــاه والدرجـــــات
‏<<<‏
يا للمدينة حين يبدو سحرهـــــــــا
وتتيه في أيامها النضـــــــــــــرات
ومواكب الصلوات‏..‏ بين ربوعها
تهتز أركان الضلال العاتــــــــــــي
في ساحة الشهداء لحن دائــــــــم
صوت الخيول يصول في الساحات
والأفق وحي‏..‏ والسماء بشائـــر
والروضة الفيحاء تاج صلاتـــــــي
ويطوف وجه محمد في أرضهـــا
الماء طهري‏..‏ والحجيــج سقـاتـــي
ماذا أقول أمام نورك سيـــــــــدي
وبأي وجه تحتفي كلمــاتـــــــــــي؟
بالعدل‏..‏ بالإيمان‏..‏ بالهمم التي
شيدتها في حكمة وثبــــــــــــــات ؟
أم بالرجال الصامدين علي الهـــدي
بالحق‏..‏ والأخلاق‏..‏ والصلوات ؟
أم أنه زهد القلوب وسعيهـــــــــــا
لله دون مغانم وهبــــــــــــــــات ؟
أم أنه صدق العقيدة عندمـــــــــــا
تعلو النفوس سماحة النيــــــــات ؟
أم أنه الإنسان حين يحيطـــــــــــه
نبل الجــلال وعفة الغايـــــــــات؟
أم انه حب الشهادة عندمـــــــــــا
يخبو بريق المال والشهـــــوات ؟
أم أنه زهد الرجال إذا سمــــــت
فينا النفوس علي ندا الحاجــات ؟
أم أنه العزم الجليل وقد مضــــي
فوق الضلال وخسة الرغبـات ؟
بل إنه القرآن وحي محمــــــــــد
ودليلنا في كل عصــــــــــر آت‏..‏
يا سيد الدنيا‏..‏ وتاج ضميـــــرها
اشفع لنا في ساحة العثــــــــرات
أنا يا حبيب الله ضاق بـي المدي
وتعثـرت في رهبــة نبضــاتــــي
وصفوك قبلي فوق كل صفــــات
نور الضمير وفجر كل حيـــــاة
بشر ولكن في الضمير ترفــــــع
فاق الوجود‏..‏ وفاق أي صفــات
وصفوك قبلي فانزوت أبياتـــي
وخجلت من شعري ومن كلماتـي
ماذا أقول أمام بابك سيــــــدي
سكت الكلام وفاض في عبراتــي
يارب فلتجعل نهاية رحلتـــي
عند الحبيب وأن يراه رفاتــــــــي
يوما حلمت بأن أراه حقيقــــة
ياليتني ألقاه عند مماتــــــــــــــي‏..‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 10:38 AM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏*‏ يعرف معني الحياة الزوجية من تزوج مرة واحدة‏,‏ ولا يعرف معني الحياة ولا الزوجية من تزوج أكثر من مرة‏!‏

ما الذي تريده منك المرأة‏:‏ كل شيء أو لا شيء‏!‏
‏*‏ كيف تقول المرأة إنها تكره الكذب مع أنها تجلس أمام المرآة بالساعات كل يوم؟‏!‏
‏*‏ قبل أن تتزوجيه اسألي زوجته السابقة‏,‏ فإن لم يكن تزوج من قبل اسألي أخته ولكن لا تصدقيها‏!‏
‏*‏ الذين قالوا إن الحب يجيء بعد الزواج لا يعرفون معني الزواج‏!‏
‏*‏ كل ما قيل قبل الزواج‏:‏ أوهام جميلة‏..‏ كل ما قيل بعد الزواج حقائق مؤلمة‏!‏
‏*‏ أسعد الزوجين من يهرب أولا‏!‏
‏*‏ لا سعادة في هذه الدنيا إلا إذا خلق الله كائنا آخر غير المرأة‏.!‏
‏*‏ ليس صحيحا أنك تتزوج المرأة وحدها‏..‏ وإنما تتزوج أباها وأخاها وجيرانها ايضا‏.!‏
‏*‏ أنواع من العذاب‏:‏ عذاب البيت وعذاب القبر‏..‏ وانتظارهما معا‏!‏
‏*‏ كل زوج صار فقيرا‏,‏ كان أعزب غنيا‏!‏
‏*‏ تريد أن تشتري دماغك‏:‏ تظاهر بالنوم‏!‏
‏*‏ ليس كابوسا أن تري نفسك في النوم تقتل زوجتك‏..‏ إنها رؤية صادقة‏!‏
‏*‏ مع الأسف لا أستطيع أن أحب إلا أمرأة واحدة وهي تضحية لا تستحقها المرأة‏!‏
‏*‏ لا أكره المرأة ولا أكره الزواج ولكنني أكره الاثنين معا‏!‏
‏*‏ كان لي صديق يشرب الخمر التي لا يحب طعمها ولا رائحتها وإنما لكي لا يدخل الجنة مع زوجته‏!‏
‏*‏ الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي ينام مع عدو ه في فراش واحد‏!‏
‏*‏ من صديقة الي حبيبة الي زوجة الي صديقة الي زميلة إلي أخت اللي ساكن قصادي ثم اللي كان معرفة قديمة‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 12:30 PM
أحلام الشباب

بقلم د. أيمن الجندى ٣/ ١٢/ ٢٠١٠
«هذه قصة حقيقية كنت قد شاهدتها منذ عشرين عاما. الحوار الذى دار بين السائق والشاب البائس فى السيارة الأجرة التى أقلتنا جميعا سجلته هنا بحذافيره. فرغم السنين الطوال لاتزال صورة هذا الشاب مرسومة فى ذاكرتى، بوجهه الغض وعينيه المندهشتين وملامحه البريئة، والحيرة التى كانت واضحة عليه.. ما الذى فعله بالضبط ليستحق كل هذا العذاب؟!

أحيانا أتساءل - بينى وبين نفسى - عما صنعته به الأيام؟ ترى هل ابتاع حذاء أحلامه بعد عشرين عاما؟ ترى هل يقرأ هذا المقال الآن؟ ألا باركه الله أينما كان. وطوبى له ولأمثاله من القابضين على الجمر. وسحقا لكل من تسبب فى هذا الهوان».

■ ■ ■

الشمس فى السماء تشعل الحرائق فى الرؤوس، والهواء ترابى خانق، والسيارات تمرق فى جنون. وأسامة يريد أن يعبر الطريق إلى موقف سيارات الأجرة كى يعود إلى بلدته القريبة من المدينة بعد انتهاء اليوم الدراسى. وفجأة انطلقت صرخة ألم مفاجئة من أسامة.

آه.. آآآه. يا رجلى.

وقع مكوما على الأرض وهو يمسك بقدمه ويتلوى من الألم، وعلى مسافة أشبار كان حذاؤه ملقى على الأرض.

- ماذا حدث؟.. تساءل أحدهم.

- ولا حاجة، موتوسيكل داس عليه.. رد آخر فى لا مبالاة.

وفجأة صرخ أسامة: يا دى المصيبة!! الحذاء اتقطع. اشتريته إمبارح بعشرين جنيه.

شرع يندب حظه بصوت مذبوح: ثلاثة أحذية فى شهرين يا عالم. حرام! والله حرام.

كان أسامة قد نسى كل شىء عن قدمه التى مرت عليها الدراجة البخارية، وقام يحجل على قدم واحدة نحو السيارة الأجرة.

قال أحدهم مواسيا: ماتزعلش. حيتصلح.

حينقطع تانى ، ده نوعية رديئة.

قال أحدهم مستظرفا: الحذاء زى شرف البنت. مايتصلحش أبدا.

وقالت سيدة ريفية: فداك يا ضناى. المهم سلامتك.

قال محتجا وهو يركب السيارة: لا طبعا. الحذاء أهم.

■ ■ ■

كانت سيارة الأجرة مكتظة بمن فيها. وأسامة يلهث من فرط الغضب. هو شاب يناهز العشرين عاما ويدرس بأحد تلك المعاهد التى لا داعى لوجودها من الأصل، ولا مستقبل لها على الإطلاق. هو مستقيم الطباع، ويحرص على الصلاة فى المسجد بانتظام، له لحية خفيفة، ويصغى باهتمام إلى الدروس الدينية.

قال فجأة: إمبارح اشتريت حذاء، والنهاردة اتقطع، حرام ده ولّا حلال؟

إنه يريد أن يئن بصوت مرتفع ويبكى ويلطم على صدغيه، ويخمش وجهه بأظافره، ويريد أن يشاركه الآخرون إحساسه الفاجع بمصيبته.

عاد يقول وهو يتأوه: القضية مش أحذية. دى أزمة ضمير.

استرسل أسامة فى الحديث غير عابئ بجمود الآخرين. هذا البائع الوغد الذى يزعم أن الحذاء متين. بالطبع تجاهل أسامة تماما فى حواره الداخلى مع نفسه أن الحذاء قد تمزق من جراء حادث كاد يودى بحياته نفسها.

- اشتريته بعشرين جنيه واتقطع النهاردة. مفيش دين. مفيش ضمير!

- إيه الحكاية يا أخينا؟.. تساءل السائق فى فضول.

قال أسامة مرحبا: إمبارح اشتريت حذاء بعشرين جنيه، والنهاردة اتقطع. حرام ده ولّا حلال؟

- وده تسميه حذاء؟.. قال السائق فى استهانة. فيه أحذية بمية جنيه وأحذية بمتين.

اشتعل أسامة غضبا، كان ينشد التعاطف مع بلواه لا الاستهانة بها. مضت السيارة تشق طرقات المدينة التى لا ترحم، وهو يشعر بالثقب الكائن فى حذائه، لن ينال بمحاولة إصلاحه سوى المزيد من ضياع قوت أسرته المكافحة. وهناك مصيبة مقبلة، الشتاء والطريق الموحل والطين، والبلل القادم عبر جوربه الممزق. آآآآه.

- اشترى حذاء محترم بمية جنيه، حيعيش معاك.. قالها السائق ناصحا.

قلّب أسامة كفيه دلالة على ضيق الحال. بينما طفق رجل قصير القامة متأنق الثياب يجلس فى المقعد الأمامى يرمق حذاءه الأسود اللامع فى إعزاز.

قال أسامة فجأة وبلهجة قاطعة: طب والله العظيم ما أنا خارج من البيت لحد رمضان! هه.

وساد صمت عميق، لم يتساءل أحدهم لماذا اتخذ أسامة ذلك القرار المفاجئ، ولماذا لا ينوى أن يغادر منزله حتى رمضان بالذات.

قال السائق: اسمع. إنت شكلك غلبان فعلا. أنا عندى الحل السحرى.

«غلبان؟».. هَمّ للحظة أن يحتج، أن يكابر ولكنه لم يفعل، أحس بأنه سيبدو سخيفا لو فعل. إنه بالفعل غلبان، وأغلب من الغلب كمان.

- حلك الوحيد تشترى حذاء ميرى، رخيص وحيستحملك عشر سنين.

- ممتاز. بس أجيبه منين؟.. قالها أسامة وقد أشرق وجهه.

- أى واحد معرفتك فى الجيش. إديه عشرين جنيه يقسمهم مع أمين المخزن.

قال أسامة وهو يتذكر الدرس الدينى الذى يصغى إليه فى مسجد القرية: بس ده حرام.

- حرام ليه؟.. قال السائق ممتعضا.

- لابد للمرء أن يتحرى ملبسه ومأكله. (قالها فجأة بلهجة فصحى)

- يتحرى ملبسه ومأكله!!، قال السائق مقلداً لهجته فى استهزاء، - يعنى إنت بتعمل تحريات لكل بياعة برتقال عشان تعرف برتقالها مسروق ولّا مش مسروق؟

- بس أنا عارف إنه مسروق. يعنى أضحك على نفسى؟

قالها أسامة حائرا. كان فى الواقع يحاور ذاته. يرغب بشدة فى ذلك الحذاء المتين. لكنه شبهة قد تفضى به إلى الحرام.

■ ■ ■

كان أسامة شابا فى العشرين، لا يصبو - كأى شاب فى سنه - إلى فتاة يصاحبها، أو سيارة يقودها أو حتى رحلة مع أصدقائه. إنه يحلم فقط بحذاء متين. فيا لأحلام الشباب!

مضت السيارة تشق طريقها الترابى وأسامة قد اغرورقت عيناه بالدموع من فرط الحزن، ومضى يردد لنفسه من آن إلى آخر: «هذه فقط هى أحلامى».

دكتور/ محمد فؤاد منصور
12/03/2010, 07:32 PM
أخي العزيز ابراهيم عبد المعطي
من اجمل الأماكن التي يمكن لرواد الحكايا أن يلجأوا إليها هو هذه الزاوية الرائعة التي أنشأتها بجهد دؤوب نشكرك عليه ، إنها سياحة عقلية ممتعة في كل شواغل واهتمامات الإنسان العقلية من أدب لدين لتاريخ لجغرافيا .. مكان رائع وواحة فيحاء .. نرجو أن لاتهملها وسنكون فيها ومن متابعيها دائماً .. فشكراً لك على ماصنعت وماوضعت هنا من مواضيع مهمة ورائعة .
مودة دائمة.

زينة عادل
12/03/2010, 10:04 PM
ذائقة تقطر جمالا ......

ولا زلت متابعة وكلي شوق لم سيأتي وتضعه من نصوص ......

ابراهيم عبد المعطى داود
12/04/2010, 12:58 PM
من أسرار القرآن
‏371-‏ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن‏.(‏ سورة البقرة‏:221)
بقلم: د. زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأخير من سورة‏'‏ البقرة‏'‏ ونركز فيها علي وجه الإعجاز التشريعي في تحريم زواج المسلمين من المشركات ـ وتحريم زواج المسلمات من المشركين كما حددته هذه الآية المباركة‏.‏

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم
يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ في محكم كتابه‏:(‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏
وهذه الآية القرآنية الكريمة يأمر فيها ربنا ـ تبارك وتعالي‏-‏ جميع الذكور من المسلمين بألايتزوجوا من المشركات حتي يؤمن بالله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا ـ فردا صمدا ـ بغير شريك ـ ولا شبيه ـ ولا منازع ـ ولاصاحبة ولا ولد ـ وأن ينزهن هذا الخالق العظيم عن جميع صفات خلقه ـ وعن كل وصف لايليق بجلاله ـ وأن يؤمن بملائكة الله ـ وكتبه ـ ورسله ـ واليوم الآخر ـ وبالقدر خيره وشره ـ وهذه هي أركان الإيمان‏.‏
وتؤكد الآية الكريمة لكل رجل مسلم أن زواجه من أمة مؤمنة‏(‏ أي الأنثي المملوكة بملك اليمين‏)‏ أفضل من زواجة من حرة مشركة‏-‏ مهما كان جمالها ـ وثراؤها ـ وسلطانها وغير ذلك من المغريات التي يمكن أن تدفعه إلي الاقتران بها ـ وفي ذلك يقول المصطفي‏]:‏
‏(1)'‏ لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ـ ولا تنكحوهن علي أموالهن فعسي أموالهن أن تطغيهن ـ وانكحوهن علي الدين ـ فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل‏'(‏ ابن ماجه‏).‏
‏(2)'‏ تنكح المرأة لأربع‏:‏ لمالها ـ ولحسبها ـ ولجمالها ـ ولدينها ـ فاظفر بذات الدين تربت يداك‏'(‏ البخاري ومسلم‏).‏
‏(3)'‏ الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة‏'(‏ مسلم‏).‏
‏(4)'‏ إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ـ إلاتفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض‏'(‏ ابن ماجه‏).‏
‏(5)'‏ تخيروا لنطفكم ـ وأنكحوا الأكفاء ـ وأنكحوا إليهم‏'(‏ ابن ماجه‏).‏
وفي المقابل يأمر ربنا ـ تبارك وتعالي ـ جميع المسلمين بألا يزوجوا المشركين من نسائهم المؤمنات حتي يؤمن هؤلاء المشركون لله ـ تعالي ـ ربا واحدا أحدا فردا صمدا‏,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ وأن ينزهوا الله‏'‏ تعالي‏'‏ عن جميع صفات خلقه ـ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ـ وأن يؤمنوا بملائكة الله ـ وكتبه ـ ورسله ـ واليوم الأخر ـ وبالقدر خيره وشره‏.‏
وتؤكد الآية الكريمة أن زواج المسلمة من عبد مؤمن خير من زواجها من مشرك ـ مهما كان ثراؤه أو جاهه أو سلطانه‏.‏ وليس هذا من قبيل التعصب الديني لأن الإسلام العظيم يؤكد الأخوة المطلقة بين بني الإنسان الذين ينتهي نسبهم إلي أب واحد وأم واحدة ولكن الحكمة من هذا التشريع أن رابطة الزوجية هي أعمق رابطة تربط بين ذكر وأنثي ـ ومن ثم فإنها تستلزم القيام علي أقوي الركائز وأدومها ـ وهي ركيزة الإيمان الصحيح بالله ـ سبحانه وتعالي ـ ـ والذي ينبني عليه فهم الإنسان لرسالته في هذه الحياة الدنيا‏:‏ عبدا لله ـ مطالبا بعبادته وحده بما أمر ـ ومستخلفا في الأرض ـ مطالبا بحسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها وذلك بعمارتها وبإقامة شرع الله وعدله في ربوعها ـ وأول ما يجب تحقيق ذلك يكون في نطاق الأسرة لأنها هي أساس المجتمع ـ فإذا صلحت صلح المجتمع كله‏,‏ وإذا فسدت انهار المجتمع من أساسه‏.‏ والنظام الاجتماعي في الإسلام قائم علي نظام الأسرة ـ ولذلك فإنه يعتبر أية علاقة بين الجنسين خارج هذا الإطار هي علاقة محرمة تحريما قاطعا‏.‏ والأسرة تلبي كل احتياجات الفطرة الإنسانية وترسيخ مقوماتها حيث تتوحد في ظلها القلوب والعقول وماينتج عن ذلك التوحد من المفاهيم والمشاعر والأحاسيس‏.‏ وإذا لم تبدأ الأسرة علي أساس من العقيدة الدينية الصحيحة فإن مثل هذا اللقاء لايمكن له أن يتحقق ـ وذلك لأن الحياة بطبيعتها مليئة بالابتلاءات والشدائد والمصاعب ـ والتي إذا لم تصادف وحدة علي العقيدة الصحيحة فإن العلاقات الزوجية سرعان ماتنهار تحت ضغط تلك الشدائد ـ ويكون لانهيارها من التبعات ما لا يعلمه إلا الله‏.‏ ومن هنا فإن الاستجابة السريعة لعاصفة عابرة تؤجحبها غمزات الشياطين لا يمكن أن تكون مبررا لإقامة علاقة زوجية مع اختلاف في العقيدة بين الزوجين مهما كانت مساحة الإغراءات لتحقيق ذلك ـ والتجارب السابقة كلها تؤكد علي حتمية انهيار تلك العلاقة مهما بدت دوافع تحقيقها مغرية وميسرة وممكنة في أول الأمر‏.‏ فالزوجة إذا لم تكن علي دين زوجها فإنها تحاول أن تصبغ بيتها بصبغة معتقداتها ـ وأن تغرس تلك المعتقدات في عقول وقلوب أبنائها مما يؤدي إلي تمزق الأسرة عقديا وعباديا ـ وفكريا ـ وسلوكيا وما يمكن أن يحدثه ذلك في تنشئة الأبناء والبنات منذ بدايات الإدراك الأولي عندهم بشروخ حقيقية في المعتقدات والعبادات والسلوكيات‏.‏ ولذلك ختمت الآية الكريمة بقول الحق ـ تبارك وتعالي‏:‏
‏(....‏أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏
أي أن مصاهرة المشركين تؤدي بالمسلمين حتما إلي النار ـ وأن الثبات علي أوامر الله ـ تعالي ـ بتحريم ذلك يؤدي بالمسلمين إلي جنات الله ومغفرته ـ والله ـ سبحانه وتعالي ـ يوضح مبررات أوامره للناس حتي يفيقوا من ركام الادعاءات المادية الباطلة فيميزوا بين الخير والشر ـ والطيب والخبيث ـ وبين ما ينفعهم في الدنيا والآخرة ـ وما يدمرهم في الدارين ـ والله يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل‏.‏
وفي قوله‏-‏ تعالي‏-:(‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم‏...).‏
أي لاترتبطوا بزواج أي من المشركات إلي أن يؤمن إيمانا صادقا صحيحا لا لبس فيه ولامجاملة ـ والمراد بالنكاح هنا هو عقد عقدة الزواج وهو من الفعل الثلاثي‏(‏ نكح‏)‏ أي عقد عقدة الزواج ـ وهذا الفعل الثلاثي لايتعدي إلا إلي مفعول واحد هو هنا‏(‏ المشركات‏).‏
وفي قوله ـ تعالي‏-:(...‏ ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم‏...).(‏ البقرة‏:221).‏
تأكيد حرمة تزويج المسلمة أو زواجها هي بالمشرك‏.‏ والفعل‏(‏ تنكحوا‏)‏ بضم التاء مستمد من الفعل الرباعي‏(‏ أنكح‏)‏ بمعني عقد عقدة الزواج لذكر علي أنثي ـ وهذا الفعل الرباعي يتعدي إلي مفعولين أولها‏(‏ المشركين‏)‏ وثاينهما محذوف ويشير إلي‏(‏ المؤمنات‏)‏ أي‏:‏ يا أيها الذين أمنوا لاتزوجوا المشركين بالمؤمنات من بناتكم أو نسائكم ـ ولاتسمحوا لهن بتزويج أنفسهن من المشركين إذا كن مؤهلات للقيام بذلك‏-‏ مهما كانت الدوافع والمغريات للوقوع في تلك المعصية‏.‏ والعلة في تحريم عقد زواج المشرك علي مؤمنة هو أن الولاية في الأسرة هي للرجل ـ وإذا كان الرجل مشركا فقد يستخدم سلطة الولاية في الاستخفاف بدين زوجته ـ أو إيذائها بسبب دينها أو منعها من ممارسة عبادتها‏,‏ أو إجبارها علي ترك دينها بالكامل وحملها علي الكفر بالله أو الشرك به ـ فيدمرها تدميرا كاملا في الدنيا والآخرة‏.‏ خاصة أن المسلمة تؤمن بجميع أنبياء الله ورسله وكتبه دون أدني تفريق ـ والمشرك لا يعظم ذلك أبدا‏.‏ ثم إن الأولاد عادة يتبعون الأب‏-‏ مهما كان معتقده فاسدا‏-‏ فيدمر أبوهم حياتهم في الدنيا والآخرة ولذلك قال‏-‏ تعالي‏-(....‏أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏
ومن المعلوم أن المغفرة تسبق دخول العبد إلي الجنة ـ ولكن في هذه الآية الكريمة قدمت‏(‏ الجنة‏)‏ علي‏(‏ المغفرة‏)‏ لرعاية المقابلة مع لفظ‏(‏ النار‏)‏ السابقة لتكمل المقابلة وتظهر بإذن الله‏.‏
وتأكيد النص القرآني أن الشرك يقود إلي النار ينطلق من قول ربنا ـ تبارك وتعالي‏:‏
‏(‏إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افتري إثما عظيما‏).(‏ النساء‏:48).‏
ونحن نري الحكمة من هذا التشريع الالهي العظيم اليوم في زمن الانفتاح الذي نعيشه ـ والذي يسهل فيه اتصال كل من المسلم بغير المسلمات من النساء ـ والمسلمة بغير المسلمين من الرجال عن طريق التليفون المحمول أو الإنترنت أو كتاب الوجه المعروف باسم‏(‏ الفيس بوك‏)‏ ـ أو عن طريق السفر إلي الخارج أو الإقامة في ديار غير المسلمين ـ وهنا قد يصور الشيطان لأي من الطرفين أو لهما معا إمكانية العيش برباط الزوجية مع اختلاف العقائد والعبادات ـ وقد يحاول الطرفان جبر أنفسهما علي التعايش مع هذا الاختلاف لفترة من الزمن ـ ثم بعد فترة تهدأ العواطف الملتهبة ـ ويبدأ الزوجان في مواجهة تكاليف الحياة الصعبةـ ويبدأ الصدام الحتمي الذي تتكسر علي أحجاره كل ما تصوره الطرفان من مشاعر الحب الأعمي الذي دفعهما إلي الارتباط برباط الزواج مع إدراكهما الاختلافات الهائلة التي تفصلها في مجال العقيدة والعبادات والأخلاق والسلوكيات‏,‏ وفي مجال المطعومات والمشروبات‏,‏ والعادات ـ والعلاقات الأسرية وغيرها وعندها سرعان ما تنهار الأحلام الوردية التي حلموا بها ـ والأماني المستقبلية التي خططوا لها ـ فتنفصم عري هذه العلاقة المحرمة بمأساوية قاتلة ـ تكون الضحية فيها غالبا هي المرأة التي تسبق العاطفة عندها حكم العقل ـ وتبدا المعاناه إلي آخر العمر في الدنيا ـ والله أعلم بالمصير في الآخرة إذا لم تتحقق التوبة والعودة إلي الله بعد هذا القرار الذي اتخذ بلا روية وتتضخم المأساة إذا نتج عن هذه العلاقة المحرمة أطفال لأتهم حتما سيضيعون بين أقدام الأبوين المنفصلين ـ وسيعانون من آثار التمزق النفسي والعقدي والفكري والسلوكي الذي عاشوا في ظله ما قد يكون سببا في دمارهم الكامل في الدنيا والآخرة‏.‏
ولا أقرر ذلك من فراغ فقد اتصل بي عشرات من الشباب المسلمين الذين حدث وأن تعرفوا علي نصفهم الآخر من غير المسلمات ـ عبر الدردشة علي التليفون المحمول أو الإنترنيت ـ واستشاروني في إتمام الزواج‏,‏ وكنت دائما أنصح بالانصراف عن ذلك الوهم الخاسر‏.‏ ومنهم من كان يقتنع بنصيحتي‏,‏ ومنهم من جرفته العاطفة العمياء فتمم الزواج الذي سرعان ما انهار وجاءني يبكي حظه الأغبر‏.‏
وفي المقابل جاءني عدد من المسلمات اللائي تعرفن بشباب من غير المسلمين إما عبر شبكة المعلومات الدولية‏(‏ الإنترنيت‏)‏ أو الإرشاد السياحي ـ أو الإقامة بالخارج ـ وهؤلاء الشبان تظاهروا بقبول الإسلام دينا كي يتم الزواج الذي سرعان ما انهار وتحطم علي أول احتكاك فعلي ـ وكانت الضحية في كل مرة هي الأنثي المسكينة التي تسبق العاطفة عندها قرار العقل ـ والنسل البرئ الذي جاء عن طريق هذه العلاقة التي حذرنا القرآن الكريم من أخطار الوقوع فيها ـ ووضع الضوابط الأخلاقية والسلوكية التي تحفظ الشابات والشبان من الوقوع في شباكها ـ فقال ـ تعالي‏:(‏ ولا تنكحوا المشركات حتي يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتي يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلي النار والله يدعو إلي الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون‏).(‏ البقرة‏:221).‏
وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في هذه الآية الكريمة ـ لعل شبابنا وشاباتنا من المسلمين يعيدون قراءتها ليتعظوا بها والله يقول الحق ويهدي إلي صراط مستقيم ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ـ وصلي الله وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 09:51 AM
يا رب أنا مش مسامح

بقلم د. أيمن الجندى ٦/ ١٢/ ٢٠١٠
(قرأت فى أحد المواقع الإخبارية تصريحات للسيد صفوت الشريف تؤكد أن البرلمان الجديد شرعى، وقرار الشعب هو الفيصل فى الانتخابات. مذكراً بقول الرئيس مبارك: «مصر هى الباقية والأفراد زائلون!!».

ومؤكداً أن الأصوات التى حصل عليها مرشحو الوطنى هى نتيجة لخطة التحرك الحزبى!!، وما طرحوه من برامج!!).

حينما انتهيت من قراءة الخبر وتهيجت أحزانى، وكتبت هذه الرسالة إلى الله تعالى.

إلهى العظيم. أنت تعلم ما أنوى كتابته قبل أن أكتبه، بعلمك الكامل المحيط الشامل. بينما نحن نمل يتخبط فى شقوق صخرة ضيقة، غافلا عن الكون العظيم الواسع. نُعلّق أهمية كبرى على كل حصاة، ونهتم بكل ذرة رمل، ونفزع من كل حشرة زاحفة.

شمخ الصرصورُ برأسه وهز شاربه وقال: أنا سيد الصخرة! أنا ملك ملوك الحشرات!!

الكون بالنسبة لنا هو حدود الصخرة. لو حدثنا أحد أنه يوجد خارج الصخرة حياة كاملة، لضحكنا وربما لم نصدقهم.

نحن خلقك الضعيف المنغمس فى اللحظة، المنهمك فى الاهتمامات الضيقة. أما أنت يا سيدنا، يا خالقنا ورازقنا، فتنظر إلينا من موقع الرؤية الشاملة والعلم الإلهى.

يا رب. أكتب إليك لكى أشكو حكامنا، فقد ائتمنتهم علينا فخانوا الأمانة. وجعلوا حياتنا مريرة عسيرة. برغم أنك فى الأصل خلقت لنا الحياة رائعة. كان يمكن أن تكون رحلة حياتنا جميلة فى هذا الكون المُذهل الذى أبدعته. ملأت سماءنا بالنجوم، وفضاءنا بالكواكب. أضأت نهارنا بالشمس، زيّنت ليلنا بالقمر الفضى المستدير الرائق. جعلته يتغير لنفهم أن حياتنا تتغير، فلا نتكبر ولا نتجبر.

لكنهم يا رب تسلطوا علينا. نهبوا ثرواتنا. أخذوها عن غير رضا منا. نسوا أن ما يرفلون فيه من عز هو أموالنا: ضرائبنا، أموال مُغتربينا، قناة السويس، آثار أجدادنا، الثروات المكنونة فى باطن أراضينا.

عاشوا فى قصور فخمة هى فى حقيقتها قصورنا. اكتنزوا أموالا طائلة هى فى حقيقتها أموالنا. عاشوا فى منتجعات منعزلة عنا، ذات حرس كثيف وأسوار عالية. ينعمون بالرقى والجمال والهدوء. ويكنزون الأموال الطائلة.

أما نحن، الشعب المقهور العاجز، الذى أرهبوه بالقوة الغاشمة، فنعيش فى مُدن حقيرة بائسة، طرقاتها مُهدمة، أرصفتها مهشمة، نخوض فى المجارى والقمامة، وزحام من الوجوه الضائعة، الجائعة، الدامعة، البائسة، اليائسة.

أخذوا أموالنا وتركونا مُعدمين. اغتالوا رحلة حياتنا على كوكبنا الجميل. سرقوا أعمارنا، سرقوا الحياة نفسها، وحقنا فى العيش الكريم. أجيال جاءت ومضت، عاشت وماتت، وهم بائسون مُعدمون، مُرهقون مُفلسون. نسوا أن هناك آخرة، ويوما للحساب.

يا رب خذ لى حقى منهم. أنا مش مسامح.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 09:53 AM
حكاية أثناء النوم

بقلم بلال فضل ٦/ ١٢/ ٢٠١٠
فجأة قرر حاكم مصر أنه يريد برلمانا بلا معارضة، فجأة قرر أنه لا يرغب فى سماع أصوات تزعجه، فجأة شعر أن اللعبة الديمقراطية لم تعد تبهجه، فجأة شعر أن المصريين لم يعودوا يستحقون الحرية التى كان يعتقد أنه الذى منحها لهم، ولذلك أصدر أوامره إلى رجاله فى الإدارة والأحزاب معا بأن ينفذوا رغبته بأى شكل، حتى لو كانت الطريقة مزرية وقميئة ولا أخلاقية.

لا أحد يعرف متى جاءه هذا القرار بالضبط؟، ولا من الذى أشار به عليه؟، ولا كيف شعر أن حلفاءه الغربيين لأسباب تخصهم لن يكونوا مهتمين بأى تزوير يحدث فى الانتخابات؟، لا أحد سأله هل درس هذا القرار جيدا؟، هل فكر فى أن انفراده بالسلطة سيكون حقا فى مصلحة البلاد؟، هل أدرك كم هو موحش وخطير ألا يسمع الحاكم إلا أصداء صوته؟، بالطبع لم يفكر أحد من رجاله فى الحصول منه على إجابة لأى من تلك الأسئلة، فهم جميعا يعلمون أنهم خلقوا فى دنياه لكى يطيعوه، كل ما كان يهمهم أن ينالوا رضاه حتى لو استحقوا سخط الله وسخط الناس، للأمانة هم لم يكونوا يخافون من سخط الله فهم يعتقدون أنه غفور رحيم يمكن أن يسامحهم لأنهم عاثوا فى البلاد فسادا فقط إذا تقربوا إليه بعدد من الحجات والعمرات والصدقات، وهم أيضا لم يكونوا يرون أن الخوف من سخط الناس أمر يستحق أن تلقى إليه بالاً، فالناس لن يعرفوا مصلحتهم مثل ما يعرفها الحاكم ورجاله.

يومها صدرت الأوامر بأن يسقط كل رموز المعارضة فى دوائرهم أيا كان الثمن، وكان رجال الإدارة يقولون للناس جهاراً نهاراً إنه ليس من المعقول أن نخالف الأوامر السامية بعد كل ما قدمه القصر للبلاد، وإنه يجب أن يعلم الجميع أن جلالة الملك الشاب لن يفتتح برلمانا فيه معارضون يكرههم أبوه جلالة الملك فؤاد.. لماذا أنت مستغرب؟، أنا أحدثك عن انتخابات عام ١٩٣٨ التى جرت فى ظل عهد الملك الشاب القادم حديثا من الخارج بعد سنوات من التعليم قضاها فى لندن، هل ظننت أننى أتحدث عن أحد آخر أو عن انتخابات أخرى لا سمح الله؟.

هل كان ينبغى أن أخبرك بذلك من الأول، لأنك شأن الكثير من أبناء بلادنا حكاماً ومحكومين لا نحب قراءة التاريخ ونستثقل دمه ونظن أن التاريخ ليس سوى أرقام سنوات مرتبطة بأحداث وأسماء حكام نحفظها لكى نصبها على ورقة الامتحانات ونحن تلاميذ، ولا ندرك أن التاريخ يحمل إجابات لكل أسئلة الواقع ولكن لمن أراد لها حلا.

عموما أنت تعلم عماذا أتحدث الآن، لكن هل تعلم أن تلك الانتخابات شهدت واقعة برلمانية غير مسبوقة فى تاريخ المجالس النيابية فى العالم كله، يومها كان حزب الوفد حزبا عظيما وليس «هفقا»، وكان يرأسه زعيم عظيم ملو مركزه اسمه مصطفى النحاس كان المصريون يعتبرونه زعيمهم الحقيقى، ولذلك عندما أصدر الملك أوامره لرئيس وزرائه على ماهر بضرورة إسقاط النحاس شخصيا فى دائرته سمنود بالغربية لتمريغ أنف الوفد فى التراب، قرر الوفديون أن يتحدوا إرادة الملك بحيلة غير مسبوقة اقترحها شاب انضم إلى الوفد حديثا اسمه فؤاد سراج الدين، كانت الفكرة أن يتقدم النحاس فى آخر لحظة قبل قفل باب الترشيح بأوراقه كمرشح فى دائرة أخرى اسمها الزعفران يضمن سراج الدين بحكم ما له فيها من أطيان وأنصار ألا يتقدم فيها مرشح منافس للنحاس أبدا.


وبالفعل تقدم سراج الدين بأوراق ترشيح النحاس فى الساعة الخامسة إلا خمس دقائق من يوم قفل باب الترشيح وتأكد من قفل باب الخزينة دون أن يتقدم للنحاس منافس فى الدائرة، وعندما وصل الخبر إلى القصر صدر أمر من فريد أبوشادى، مدير الغربية المنتدب، بفتح الخزينة وإحضار أى شخص من البلد وتقديم أوراق ترشيح له ودفع أى تأمين فورا حتى لو كان هذا الرجل نكرة لا يعرفه أحد، وبالفعل لم يعدم رجال القصر شخصا يبيع نفسه من أجل المال، والشهرة أيضا، فهو سيكون منافسا للنحاس باشا بجلالة قدره، وكتب التاريخ تقول إن هذا الشخص اسمه محمد سعيد، لكنها لا تذكر عنه أى معلومات أخرى، ربما لأنه لم تكن لديه فعلا معلومات أخرى يمكن أن يذكرها أحد، وربما لذلك قال فؤاد سراج الدين للنحاس إن ما حدث أمر ليس له أى قيمة لأن كل مَن فى الدائرة هم إما مستأجرون لديه أو عمال فى مزارعه، وأنهم جميعا يحبون النحاس ولن تجدى أى ضغوط تمارس عليهم.

فى يوم الانتخابات شهدت مصر مهازل لم يسبق لها مثيل فى تاريخ برلماناتها، وصلت إلى حد أن يقوم شيخ بلد كفر الثعبانية أحد أكبر مراكز دائرة سمنود ومعه عدد من الخفراء (الذين كانوا يلعبون دور البلطجية يومها) باقتحام سيارة النحاس أثناء توجهه لتفقد الدائرة، وقاموا فى حضوره بضرب مندوبه فى الكفر بهراوة على رأسه، ثم اختطفوه فى حضور النحاس المذهول مما يجرى، وعندما ذهب النحاس إلى وكيل النيابة الذى يراقب الانتخابات وأبلغه بأن شيخ البلد نبيل غنيم قام بكذا وكذا، تم استدعاء شيخ البلد الذى أنكر ما حدث جملة وتفصيلا، بل وقام بإحضار فلاح طاعن فى السن يرتدى ملابس بالية وقال إنه والد مندوب النحاس، وعندما سألوه عن مكان ابنه قال لهم إنه مسافر إلى القاهرة منذ يومين، قالوا له لكن النحاس باشا يقول إن ابنك كان معه وتم شج رأسه وخطفه، فأنكر الأب ذلك تماما، ووجد النحاس نفسه يواجه تهمتى الكذب وإزعاج السلطات، لولا أن وكيل النيابة كان رجلا شريفا وأدرك ما حدث فأغلق المحضر.

كانت الأخبار تتوالى إلى قيادة الوفد من جميع أنحاء البلاد بسقوط قتلى وجرحى على أيدى رجال البوليس، واختطاف صناديق الانتخابات من داخل مراكز الاقتراع، والاعتداء من قِبَل الخفر والعساكر على رجال الوفد الذين حاولوا حماية الصناديق بشراسة وقرروا الاستمرار فى ذلك مهما كلفهم من تضحيات.

وعندما وصل إلى النحاس أن عددا من كبار رجال الوفد الذين كانوا ينجحون فى كل انتخابات بالتزكية مثل مكرم عبيد فى قنا وعبدالفتاح الطويل فى الإسكندرية وأمين الوكيل فى دمنهور وأمين الإتربى فى أخطاب تم الإعلان عن سقوطهم بنتائج مزرية، أصدر النحاس أوامره إلى كل رجال الوفد بأن ينصرفوا فورا ويتركوا صناديق الانتخابات لرجال البوليس والإدارة لكى يزوروا فيها كما يشاءون.

عاد النحاس إلى القاهرة وبدأت تتوالى تباعا نتائج سقوط مرشحى الوفد والمعارضة فى كل الدوائر، وبقيت دائرتا سمنود والزعفران اللتان ترشح فيهما النحاس فلم تعلن النتيجة فيهما، ويقولون إن على ماهر كان يحاول إقناع الملك بضرورة إعلان نجاح النحاس فى إحداهما غسلا لسمعة البرلمان القادم، لكن إرادة الملك تغلبت وصدر فى ساعة متأخرة من الليل بيان من الداخلية يعلن أن النحاس زعيم الأمة سقط فى دائرتى سمنود والزعفران، أى أن الشعب المصرى قرر من أجل مستقبله أن يختار محمد سعيد بدلا من مصطفى النحاس.

يومها لم يسقط النحاس وحده فقط، بل سقط كل رجال المعارضة الذين قدموا أداء نيابيا راقيا كانت مصر تفتخر به وقتها، وفى المقابل شهد ذلك المجلس أعلى نسبة من كبار ملاك الأراضى قياسا على الهيئات البرلمانية السابقة، بل ووصلت نسبتهم فى الوزارة، التى تشكلت عقب الانتخابات إلى ٦٦ فى المائة من الوزراء كما يقول الدكتور عاصم الدسوقى فى دراسته عن دور كبار الملاك فى الحياة السياسية المصرية، وهى نفس الوزارة التى قام بتشكيلها محمد محمود باشا، رئيس حزب الأحرار الدستوريين، الذى كان يضم أكبر عدد من المثقفين المدافعين عن الليبرالية والديمقراطية والتقدم.

وبرغم رضا وزارته بأن تكون ألعوبة فى يد الملك لضرب إرادة الشعب فقد أصر الملك على إهانتها بأن رفض قائمة الوزراء التى تقدم بها محمد محمود عشر مرات ولم يقبل بها إلا فى المرة الحادية عشرة لكى يوصل رسالة قوية إلى البلاد كلها بأنه لن يسمح بأن يعلو صوت فوق صوته.

لا شك أن الملك كان سعيدا جدا للغاية فى تلك الأيام، لا شك أنه كان يضحك ملء شدقيه، لا شك أنه كان يشعر أنه قام بضرب قادة المعارضة على أقفيتهم، لا شك أن أجهزته الأمنية كانت ترفع له تقارير عن غيظهم وحنقهم وخيبة أملهم، لا شك أنه لم يفكر ولو للحظة فى خطورة ما فعله على مستقبل البلاد لأنه يرى أنه هو وحده مستقبل البلاد، لكن يا ترى هل تذكر الملك كل ذلك وهو يبحر فوق يخته الملكى مطرودا من عرشه وبلده بعد قيام ثورة يوليو التى بدورها استغلت ذلك النوع من الانتخابات ذريعة لإلغاء التمثيل النيابى كله على بعضه؟ يا ترى هل قال الملك لنفسه ما الذى كان سيجرى لو احترمت إرادة الأمة ولم أحول الديمقراطية إلى لعبة سخيفة ولم أسحق الفقراء والبسطاء لصالح الأغنياء والإقطاعيين؟

هل فكر الملك فى ذلك كله؟ لا أحد يعلم ذلك إلا الله، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 10:01 AM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

العالم كله مغتاظ ـ خصوصا كبار المسئولين ـ من الرسائل التي ظهرت علي موقع‏(‏ ويكي ـ ليكس‏)‏ أي التسريب الكبير‏,‏ وكلمة ويكي من هاواي ومعناها الكبير‏.

فقد استطاع الصينيون والأمريكان والمتمردون والرافضون من الصحفيين والمفكرين الذين يديرون هذا الموقع نشر الرسائل التي تتلقاها الخارجية من‏(‏ صغار‏)‏ المسئولين حول الكرة الأرضية‏..‏ وهذه المعلومات أخبار سمعوها مباشرة أو قرأوها‏.‏ أي وجهات نظر‏,‏ وواجبهم إذا سمعوها أن ينقلوها كما هي‏..‏ ومن الممكن أن يكون معظمهم يعمل في المخابرات‏.‏ وواجب عضو المخابرات أن ينقل كل ماسمع‏,‏ سواء كان كلاما مهما أو تافها‏.‏ أو ينقل وبس‏.‏ أما معاني هذه الأخبار وأين توضع بين إطار شبكة المعلومات التي توضع أمام صانع القرار فليس هذا من شأنهم‏.‏
وأذكي تعليق علي هذه البرقيات التي فضحت الكثير من الأسرار والمسئولين‏:‏ أن هذه وجهات نظر صغار المسئولين‏,‏ وليس رأي الخارجية ولا البيت الأبيض‏.‏
أي بالمثل الشعبي المصري‏:‏ يعملها الصغار ويقع فيها الكبار والبقية تأتي كل يوم‏.‏
وهو تعليق ذكي‏,‏ ولكن يجب ألا نراه ساذجا‏,‏ فوزارة الخارجية تعتمد في الدرجة الأولي علي مثل هذه المعلومات‏,‏ وتتصرف بمقتضاها‏,‏ خصوصا الأخبار التي تتعلق بالزعماء وسلوكياتهم الشخصية‏.‏ وهذه البرقيات سوف تفسد مابين الأمريكان وعدد كبير من الزعماء في الشرق والغرب‏,‏ فالغضب علي أمريكا مثل السحاب الأسود قد شاع في كل البلاد‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 10:53 AM
وفاة الداعية الشيخ عبدالحميد كشك

كتب ماهر حسن ٦/ ١٢/ ٢٠١٠
أكثر من مائة كتاب وأكثر من ٢٠٠٠ خطبة مسجلة- هى الحصيلة التوثيقية للشيخ عبدالحميد كشك الذى أطلق عليه محبوه لقب «فارس المنابر»، والشيخ كشك من مواليد شبراخيت بمحافظة البحيرة فى العاشر من مارس لعام ١٩٣٣، وحفظ القرآن وهو دون العاشرة من عمره، ثم التحق بالمعهد الدينى بالإسكندرية، وفى السنة الثالثة بالمرحلة الثانوية حصل على مجموع ١٠٠%.

وكان ترتيبه الأول على الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وكان الأول على الكلية طوال سنوات الدراسة، عُين كشك معيداً بكلية أصول الدين عام ١٩٥٧ ولكنه بعد محاضرة واحدة رغب عن مهنة التدريس فى الجامعة، وظلت الخطبة على المنابر هى ما يريد منذ تعلق بها قلبه منذ اعتلى المنبر لأول مرة وهو ابن الثانية عشرة، حيث لم ينس الخطبة التى ألقاها فى مسجد بقريته وهو فى هذه السن الصغيرة عندما تغيب خطيب المسجد، وطالب فى خطبته بالمساواة والتراحم بين الناس، بل طالب بالدواء والكساء لأبناء القرية، الأمر الذى أثار انتباه الناس إليه، ومن ثم التفوا حوله.

وكان كشك بعد تخرجه فى كلية أصول الدين، قد حصل على إجازة التدريس بامتياز، ومثّل الأزهر الشريف فى عيد العلم عام ١٩٦١، ثم عمل إماماً وخطيباً بمسجد «الطحان» بمنطقة الشرابية بالقاهرة. ثم انتقل إلى مسجد منوفى بالشرابية أيضاً، وفى عام ١٩٦٢ تولى الإمامة والخطابة بمسجد «عين الحياة»، بشارع مصر والسودان بمنطقة حدائق القبة بالقاهرة. وظل يخطب فيه قرابة عشرين عاماً. اُعتقل الشيخ كشك عام ١٩٦٥ وظل بالمعتقل لمدة عامين ونصف العام، تنقل خلالها بين معتقلات طرة وأبوزعبل والقلعة، ورغم ذلك احتفظ بوظيفته إمامًا لمسجد «عين الحياة».

ومنذ عام ١٩٧٦ بدأ الصدام مع السلطة، خاصة بعد معاهدة كامب ديفيد، حيث اتهم الحكومة بالخيانة للإسلام، وأخذ يستعرض صور الفساد فى مصر من الناحية الاجتماعية والفنية والحياة العامة.

وقد أُلقى القبض عليه فى عام ١٩٨١ مع عدد من المعارضين السياسيين ضمن اعتقالات سبتمبر الشهيرة للرئيس السادات، وقد أُفرج عنه عام ١٩٨٢ ولم يعد إلى مسجده الذى مُنع منه، كما مُنع من الخطابة أو إلقاء الدروس، وفى مثل هذا اليوم فى عام ١٩٩٦ توضأ كشك فى بيته لصلاة الجمعة وكان يتنفّل بركعات قبل الذهاب إلى المسجد، فدخل فى الصلاة وفى السجدة الثانية لقى ربه.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 12:29 PM
تلطفى يا ريح بالمدينة المنورة

بقلم د. أيمن الجندى ٧/ ١٢/ ٢٠١٠
تمر وحب، جمال وكمال، أسير فى المدينة المنورة، أهيم فى المدينة المنورة، أذوب فى المدينة المنورة، أتراجع فى الزمان، تختفى السيارات وأعمدة الإضاءة، تختفى الشوارع المرصوفة، تختفى البيوت. وتبقى المدينة المنورة، كتلة من اللون الأبيض، بحيرة من النور الأبيض، جنة من الحب الأبيض. ومن اللامكان ينساب صوت شجى، من منشد حزين عبقرى، ضرير يبصر بنور الله، يُولد بعد ألف وأربعمائة عام، فى بلاد مصر، اسمه «النقشبندى»، ينشد بصوته الرهيف الذى يشبه الكروان:

«ترفقى يا ريح بالمدينة المنورة..

تعطرى يا ريح من أرجائها المعطرة

فحيثما هببت أو حللت - يا رياح - ستحملى أريجه.

صلوات الله وسلامه عليه».

الرسول يغادر الغار، يلتفت إلى مكة، قريته التى أخرجته، تترقرق الدموع فى عينيه، وتسيل الوحشة فى صدره، يرفرف قلبه مثل عصفور جريح، يتحامل على نفسه، ويسير فى الفلوات.

المدينة فى انتظار الرسول، نبى آخر الزمان. الثياب بيضاء، البيوت بيضاء، القلوب بيضاء، الدهشة بيضاء، الفرحة بيضاء، حتى الحجارة بيضاء!!. هيمنت السكينة على المدينة، واستولى الحب على القلوب.

«ترفقى يا ريح بالمدينة المنورة..

تعطرى يا ريح من أرجائها المعطرة

فحيثما هببت أو حللت - يا رياح - ستحملى أريجه.

صلوات الله وسلامه عليه»

الرسول يخترق الصحراء، الصحراء طويلة، ليس أطول منها إلا الحزن. الرمال حتى آخر النظر، رمال من بعدها رمال. وفى الأفق خيام. مبارك أيها النبى فى الروحات والغدوات. يضع يده المباركة على شاة «أم معبد» التى أقعدها الجهد فى السنة الجدباء. هزيلة، مُتعبة، واسعة العينين. يبارك رأسها ويحلبها. عرفت الشاة أنه نبى. فاتسعت عيناها فى حب، سكت البشر ونطقت العجماوات!

يتدفق اللبن من الضرع الشحيح، اللبن أبيض، مثل ثوب الرسول أبيض، مثل قلب النبى أبيض.

«صلوات الله وسلامه عليه»

يلوح الرسول من بعيد، العصافير تطير بسرعة لتنقل الأخبار، الأنصار يقفون فوق سطوح المنازل المتصلة مباشرة بالسماء. والسماء صافية الزرقة، تنقش السحب قصائد الحب لمحمد، لا يقرؤها إلا الأنقياء. يرفع الأنصار رؤوسهم ليقرأوا ما دوّنه السحاب. يكتب السحاب: «طلع البدر علينا». والبدر نزل إلى الأرض، سكن فى وجه محمد.

«نبينا الذى تعطرت بحبه الأرجاء

نبينا، حبيبنا الذى تدثرت بنوره الأنحاء

تكاملت من أجله الأوصاف»

أضاءت أحجار المدينة، كأنها شموس صغيرة، كأنها قناديل منيرة. الأشجار تزداد خضرة، والأزهار تزداد حمرة، والبلح يزداد حلاوة، فرحة بجوار محمد، خاتم الأنبياء. يشد الحجارة على بطنه، وهو سيد الجزيرة، ويعرف الجوع النبيل الذى يدفعه للالتحام بقلب الكون. فيرق ويصفو باطنه ويفهم لغة الوجود. الغزالة تبكى للنبى ضياع فلذتها فى الفلوات. والإبل يشكو قسوة صاحبه، ويئن الجذع حنينا للرسول.

«إنسانُ عين النور والسرور والعطاء

نبينا، حبيبُ أهل الأرض والسماء».

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 12:38 PM
عروبة حائط البراق ونزع شرعية إسرائيل

بقلم د. إبراهيم البحراوى ٧/ ١٢/ ٢٠١٠
ما زال المقال، الذى نشره وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية الدكتور المتوكل طه يثير ردود أفعال شديدة العصبية على الجانب الإسرائيلى، وصلت إلى دفع المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى إدانة المقال ورفضه رفضاً تاماً.

المقال الذى نشرنا الجزء الأول منه فى سياق مقالنا الثلاثاء الماضى، يقدم دراسة تاريخية تنتهى إلى أن حائط البراق، وهو الحائط الغربى من المسجد الأقصى، هو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك والحرم القدسى الشريف،

وهو وقف إسلامى لعائلة بومدين الجزائرية المغربية، وليس فيه حجر واحد يعود إلى عهد الملك سليمان ولا علاقة لليهود به، إن الغضب الإسرائيلى من المقال الفلسطينى هو نفسه الغضب الذى قوبل به كتاب أستاذ التاريخ اليهودى فى جامعة تل أبيب البروفيسور الإسرائيلى شلومو ساند، وهو الكتاب الذى صدر عام ٢٠٠٩ تحت عنوان (اختراع الشعب اليهودى) بالعبرية (همتسآت ها عام هيهودى) وبالإنجليزية (the invintion of the israeli people.

سبب الغضب الإسرائيلى فى الحالتين هو أن البروفيسور «ساند» أثبت من خلال دراسته نتائج الحفريات الأثرية، التى أجرتها هيئة الآثار الإسرائيلية فى سيناء، وفى الضفة الغربية وفى القدس منذ عام ١٩٦٧ أنه لم يتم العثور على أى آثار يهودية تؤكد الطرح الصهيونى الخاص بحق الملكية التاريخى للصهاينة فى فلسطين، لقد انتهى البروفيسور «ساند» إلى أمرين، الأول أن العبريين القدماء ذابوا فى تاريخ الأرض الفلسطينية، وأن الفلسطينيين المعاصرين هم الورثة الطبيعيون للعبريين القدماء.

والثانى أن اليهود الذين جاءوا من أوروبا فى نهاية القرن التاسع عشر مع الحركة الصهيونية ليست لهم أى علاقة بالعبريين القدماء إنما هم أحفاد شعب الخزر الذى تهود واعتنق اليهودية على أيدى المبشرين اليهود فى القرن العاشر الميلادى، ثم توزع فى أنحاء أوروبا بسحنته الأوروبية، إلى أن جاءت الصهيونية لتقنعه بأنه الوريث التاريخى للعبريين القدماء.

فى هذه النقطة يرى البروفيسور «ساند» أن اليهود الأوروبيين الذين جاءوا إلى فلسطين ليسوا فى حقيقة الأمر سوى غزاة. من الطبيعى أن يلقى البروفيسور شلومو ساند هجوماً عنيفاً من جانب الأوساط السياسية والأكاديمية الإسرائيلية والصهيونية فى أنحاء العالم، فهو بهذا الطرح العلمى ينزع إحدى دعائم الشرعية التى تأسست عليها دولة إسرائيل، وهى دعامة أن المهاجرين الذين كونوها هم ورثة العبريين القدماء. بالمثل فإن الدراسة التاريخية التى نشرها د. المتوكل طه قد فسرها فيليب كراولى، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، على أنها محاولة لنزع شرعية إسرائيل،

حيث قال: «لقد ناقشنا مع السلطة الفلسطينية مرات ضرورة مكافحة أشكال نزع الشرعية عن إسرائيل بما فى ذلك إنكار الارتباط اليهودى التاريخى بالأرض». إذن الغضب من إثبات عروبة حائط البراق على يد وكيل وزارة الإعلام الفلسطينية هو غضب لنزع إحدى الدعائم الأساسية لشرعية إسرائيل. ليسمح لى القارئ هنا بأن نواصل مطالعة الجزء الثانى من المقال، الذى تحول إلى معركة حول شرعية إسرائيل.

فى الجزء السابق أشار د. المتوكل إلى أن الحكومة البريطانية بعد أن أعدمت قادة ثورة حائط البراق العرب الذين هبوا لمنع المهاجرين اليهود من الاستيلاء على الحائط عام ١٩٣٠ أرسلت لجنة عرفت باسم لجنة «شو» للتحقيق، وقد أوصى «شو» بإرسال لجنة دولية، للتحقيق فى موضوع حقوق العرب واليهود فى حائط البراق، ووصلت اللجنة المشكلة من عصبة الأمم فى ١٥ مايو ١٩٣٠.

يواصل د. المتوكل دراسته فيقول:

من هنا كانت المشكلة الرئيسية، التى واجهت اللجنة يومذاك تتمثل فى محاولة الجماعات الصهيونية قلب «الوضع الراهن» بالنسبة للأماكن المقدسة، إذ ركزت جهودها منذ البداية على حائط البراق، متبعة أساليب تدريجية تصاعدية تنتهى بها إلى ادعاء حق اليهود فى ملكية «حائط المبكى»، وقد تمثلت المرحلة الأولى من تلك الخطة فى جلب اليهود الكراسى والمصابيح والستائر على غير عادتهم السابقة، ووضع هذه الأدوات أمام الحائط ليحدثوا سابقة تمكنهم من ادعاء حق ملكية ما يضعون عليه هذه الأدوات، ومن ثم ملكية الحائط.

ومن الوثائق التى قدمها الحاج أمين الحسينى إلى اللجنة الدولية، وثيقة ترجع إلى زمن الحكومة المصرية، مؤرخة فى ٢٤ رمضان ١٢٥٦ للهجرة (١٨٤٠ ميلادية)، موجهة من رئيس المجلس الاستشارى محمد شريف إلى أحمد أغا الدزدار، متسلم القدس، وتمنع اليهود من تبليط الرصيف المجاور للحائط، وتحذرهم من رفع أصواتهم، وإظهار المقالات عنده، وقد شكك بعض اليهود فى صحة هذه الوثيقة،

بيد أن د. أسد رستم، أستاذ التاريخ الشرقى فى جامعة بيروت الأمريكية، عضو المجمع العلمى اللبنانى، درس هذه الوثيقة مستخدماً خبرة غنية ومنهجية بحثية أصيلة، وأرسل نتيجة دراسته مزودة بالوثائق المقارنة إلى الحاج أمين الحسينى، مفتى فلسطين العام ١٩٣٠، أكد له فى نهايتها ما نصه: «بناء على ما نعرفه من نوع ورقها وقاعدة خطها وأسلوب إنشائها وطريقة تنميرها وتاريخها، وبناء على موافقة النصوص التاريخية لها ولاهتمام اليهود بأخربة الهيكل، نرانا مضطرين أن نرجح أصليتها ترجيحاً علمياً تاماً».

ويشكل حائط البراق الجزء الجنوبى من السور الغربى للحرم القدسى الشريف، بطول حوالى (٤٧ متراً، وارتفاع حوالى ١٧ متراً)، ولم يتخذه اليهود مكاناً للعبادة فى أى وقت من الأوقات إلا بعد صدور وعد بلفور عام ١٩١٧.. ولم يكن هذا الحائط جزءاً مما يسمى «الهيكل اليهودى»، ولكن التسامح الإسلامى هو الذى مكن اليهود من الوقوف أمامه، والبكاء على زواله، وزوال الدولة اليهودية المدعاة قصيرة الأجل فى العصور الغابرة.

وجاء فى الموسوعة اليهودية، الصادرة العام ١٩١٧، أن الحائط الغربى أصبح جزءاً من التقاليد الدينية اليهودية حوالى العام ١٥٢٠ للميلاد، نتيجة الهجرة اليهودية من إسبانيا، وبعد الفتح العثمانى العام ١٥١٧.

وفى عهد الانتداب البريطانى على فلسطين زادت زيارات اليهود لهذا الحائط، حتى شعر المسلمون بخطرهم، ووقعت ثورة البراق بتاريخ ٢٣/٨/١٩٢٩م، التى استشهد فيها العشرات من المسلمين، وقتل فيها عدد كبير من اليهود، واتسعت حتى شارك فيها عدد من المدن الفلسطينية، وتمخضت الأحداث عن تشكيل لجنة دولية لتحديد حقوق المسلمين واليهود فى حائط البراق،

وكانت اللجنة برئاسة وزير خارجية السويد الأسبق «أليل لوفغرن»، وعضوية نائب رئيس محكمة العدل الدولية الأسبق السويسرى «تشارلز بارد»، وبعد تحقيق قامت به هذه اللجنة واستماعها إلى وجهتى النظر العربية الإسلامية واليهودية، وضعت تقريراً فى العام ١٩٣٠، قدمته إلى عصبة الأمم المتحدة أبدت فيه حق المسلمين، الذى لا شبهة فيه بملكية حائط البراق.

إلى هنا نكتفى من مقال د. المتوكل، نظراً لضيق حيزنا ونواصل فيما بعد متابعة المسألة.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/07/2010, 12:44 PM
المرأة الكاتبة

بقلم د. نوال السعداوى ٧/ ٩/ ٢٠١٠
يشكو الكتّاب الأدباء أو الصحفيون من غياب الحرية، بعضهم يساق إلى السجن، بسبب كلمة صادقة كتبها، نظام الحكم يقوم على القوة وليس العدل أو الصدق، يفصل بين القوة والمسؤولية، الحاكم صاحب القوة لا يعاقب على أخطائه، كبش فداء يتم عقابه بدلاً منه، وزير مثلا أو رئيس وزراء أو مسؤول آخر كبير أو صغير، مبدأ النظام يقوم على ما يسمى قانون «الحصانة»، منذ النظام العبودى، يبرئ السيد المالك للعبيد والماشية والنساء والأطفال (الفاميليا فى اللغة اللاتينية)، كان للسيد الرجل أن يقتل ما يشاء من الفاميليا التى يملكها دون حساب، تطورت اللغة وأصبحت الفاميليا هى العائلة، لكن القانون والعرف والقيم والعقائد لم تتغير كثيرا، ظل الرجل الذكر هو صاحب السلطة المطلقة فى الأسرة، يبرئه القانون والعرف والشرع إن انزلق لإرضاء نزواته، متجاهلا مسؤوليته، يفقد الطفل الشرف وحقوق الإنسان بدلاً من أبيه، الذى اغتصب أمه بالقوة أو الخداع، إنه نظام الدولة والعائلة يحكم عالمنا الحديث شرقاً وغرباً بدرجات مختلفة، نظام يفصل بين السلطة السياسية (دينية أو مدنية) والمسؤولية الأخلاقية.

درجة هذا الانفصال تزيد فى بلادنا، بسبب غياب البرلمان الشعبى القادر على محاكمة رئيس الدولة وعزله، لم يحدث فى بلادنا أن أصبح لنا برلماناً قوياً، يستمد قوته من شعب انتخب برلمانه بإرادته الحرة الواعية، لم يحدث فى بلادنا أن تمتع الشعب رجالاً ونساء بالوعى أو الحرية المسؤولة، لم يسقط الملك فاروق بقوة البرلمان الواعى الحر، بل سقط الملك بقوة الجيش، تنفصل السلطة عن المسؤولية الأخلاقية فى الأسرة كما يحدث فى الدولة، تصبح المرأة أو الطفل كبش الفداء لنزوات الرجل وزلاته، لم يحدث أن ملكت النساء أو الأطفال القوة أو الوعى لعزل رب العائلة المستبد، أو تحويل مفهوم الرجولة أو الذكورة إلى معنى الإنسانية المسؤولة، تتعاون الدولة مع قوى المجتمع المدنية والدينية فى ضرب أى محاولة لتنظيم وتوعية الشعب الفقير أو النساء، يضاف إلى ذلك القوى السلفية التى ترعرعت فى بلادنا، وراحت تفرض الحجاب على العقول قبل الوجوه، مع نظم التعليم الهابطة وتوابعها من إعلام وثقافة متدهورة، تزيد من اغتيال العقول، ضمانا لاستمرار الحكم فى الدولة والعائلة، أصبح الكاتب الصادق الحر فى بلادنا معرضاً للسجن أو النفى أو الاتهام بالكفر والإلحاد، إلا أنه يظل يتمتع برجولته، بل تزيد الرجولة أو الذكورة بازدياد التحدى لقمع الدولة، قد يحظى الكاتب الحر بلقب البطل المناضل، تفخر به زوجته وتتفانى فى خدمته، توفر له الراحة فى البيت، ترعى أطفاله وتطبخ طعامه، تقدم له فنجان الشاى فى سريره، تبعد عنه ضجيج العيال، ليكتب ويبدع.

أما المرأة الكاتبة المتحدية للسلطات الباطشة، فهى تفقد ما يسمونه الأنوثة، بالإضافة للعقوبات الأخرى التى يتعرض لها زميلها الكاتب، مثل السجن أو المنفى أو الاتهام بالكفر أو غيره، فى البيت لا يوفر لها زوجها الراحة والهدوء لتكتب، بل يطالبها بواجباتها الزوجية، الطبخ والغسل ورعاية الأطفال، لا يحضر لها فنجان شاى فى السرير بل يؤنبها، لأنها لم تحضر له الفطور، وقد يعككن عليها عيشتها إن تفوقت عليه، قد يهجرها أخيراً إلى امرأة أقل منه تتولى خدمته.

«المرأة الكاتبة» كلمتان لهما رنين فى الأذن غريب، ليس مثل المرأة الأم أو الزوجة أو الخليلة أو الخادمة أو الغسالة، وغيرها من المهن التى تتدرب البنات عليها منذ الطفولة، لا يرتبط مفهوم الأنوثة أو طبيعة الأنثى بطبقة معينة، ليس القلم الذى يكتب ضمن أدوات الأنوثة، بل القلم الذى يرسم الحواجب، أو قلم الروج الذى يلون الشفاه، أو المكنسة أو الممسحة أو المغرفة أو إبرة الخياطة أو فرشة دعك المراحيض، تختلف أدوات الأنوثة قليلاً باختلاف الطبقة، تقوم الخادمات الأجيرات بدعك مراحيض الأغنياء، تتحرر المرأة الغنية من عبودية العمل القذر، لكنها تظل أنثى، تدعك جسدها بالكريمات، تنتف حاجبيها، تتراقص فوق كعبها العالى، تتغطى لترضى المتدينين، أو تتعرى لترضى السوق الحرة والبورصة، هى أنثى إن هبطت أو ارتفعت، سجينة الأنوثة بمفهومها السائد، سجينة الزواج والخدمة والأمومة والطاعة والميوعة، المراوغة، التغطية، التعرية، التدين الزايد، الإغراء الفاسق، وكل ما يندرج تحت الأنوثة، وأدوار الأنثى المعروفة، إلا الكتابة، فهى عمل رجولى ذكورى، يتناقض مع الأنوثة الطبيعية.

قال توفيق الحكيم رائد الكتابة الحديثة فى بلادنا: العقل يشوه جمال المرأة، المرأة الكاتبة قبيحة لأن الكتابة قمة العقل، ماذا يقول الآخرون من الرجال المتعلمين أو غير المتعلمين؟

قلت لتوفيق الحكيم، العقل زينة الإنسان رجلا كان أو امرأة، الحيوان أيضا يزينه العقل، الكلب الذكى أجمل من الكلب الغبى، كان توفيق الحكيم يضحك ويقول: المرأة الذكية الجميلة نادرة وخطيرة يخافها كل الرجال، فما بال المرأة الكاتبة حمانا الله من شرها.

فى يوم وأنا أقود سيارتى، بعد انتهاء اجتماع لجنة القصة بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، (كان يرأسها توفيق الحكيم)، رأيته واقفا فى الشارع ينتظر تاكسى، فتوقفت وعرضت عليه أن أوصله، كان بشعره الأبيض يشبه أبى، صاح توفيق الحكيم: لا لا يمكن أركب مع كاتبة تقودنى إلى الهلاك.

يخاف الرجال المرأة فما بالك بالكاتبة؟ هذا الخوف الدفين المدفون فى أغوار الرجل البدائى، سبقت حواء آدم إلى ثمرة المعرفة، قد يتصاعد ذكاؤها لتقطف من شجرة الحياة، فتكتشف سر الخلود وتصبح مثله خالدة، المعرفة أو العقل الذكى هو خطيئة حواء، وليس الجنس كما تصور بعض المؤرخين، منذ تبدأ المرأة الكتابة الأدبية يخاف منها الأدباء قبل غيرهم، قد يمتلك أحدهم الشجاعة ليصبح صديقاً أو زميلاً، قد يتجرأ أكثر ويعلن عن حبه لها، لكنه حب مشبع بالخوف، والتردد، والشك، لا يقدم على الزواج منها، لأنه مثل توفيق الحكيم يريد زوجة ليس لها عقل، لا يحتمل الرجل الحياة مع زوجة مساوية له، فما بالك بكاتبة أذكى منه؟

لهذا يعيش أغلب المبدعات فى العالم دون زوج، وإن تزوجت فهى تضحى بالإبداع من أجل رجلها وأطفالها، لا يضحى الرجل بالإبداع من أجل زوجته وأطفاله، بل يعطيه المجتمع حق التخلى عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه أسرته، فهو مبدع فنان بالإضافة إلى كونه رجلاً ذكراً، له حرية العربدة والفخر بلقب «زير نساء».

انفصال السلطة عن المسؤولية، أو انفصال السياسة والدين عن الأخلاق، من أهم سمات الهزيمة فى أى بلد.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/09/2010, 09:18 PM
. يوسف زيدان يكتب: فتح مصر (٥/٧) صراعُ الكنائس المصرية

٨/ ١٢/ ٢٠١٠
لا يمكن فهم الواقعة الكبرى المسماة فتح مصر (أو غزو مصر، أو الدخول العربى الإسلامى لمصر) وآثارها الممتدة حتى يومنا هذا، من دون الوقوف عند الجوانب المختلفة والعوامل المتفاعلة، التى أنتجت هذا «النبأ العظيم» بأبعاده التاريخية والمعاصرة.. وقد جاءت المقالات السابقة من هذه السباعية، المتتابعة، متتبعةً لهذه الجوانب والعوامل المتساندة فيما بينها، مع أنها تبدو للوهلة الأولى متباعدة.

ومن تلك الجوانب والعوامل، حالةُ الصراع الكنسى، الذى كان دائراً فى مصر أثناء قدوم الفاتح عمرو بن العاص بجيشه سنة ٢٠ هجرية الموافقة سنة ٦٣٩ ميلادية، بل كان دائراً من قبل ذلك بعشرات السنين.. وفيما يلى ملخَّص بيانه، وعلى القراء تأمله وتبيانه:

فى القرنين الأول والثانى الميلاديين، ظهرت المسيحيةُ فى أنحاء العالم القديم (الهلال الخصيب وحوض البحر المتوسط) كلَهَبٍ سماوىٍّ انتشر فى هشيم المهمَّشين من الناس، يزفُّ إليهم بشرى «الخلاص» الذى كان حُلماً يهودياً قديماً، ظل يراود أجيالاً من اليهود الذين طالما انتظروا «الماشيح»، الذى سيحقق وعد (عهد) الربِّ لإبراهيم، ويصير ملكاً لليهود فى الأرض الممتدة من النهر إلى النهر، أو من النيل إلى الفرات..

وهما الخطان الأزرقان المرسومان اليوم فى العَلَم الأبيض لدولة إسرائيل، وبينهما نجمة «داوود» السُّداسية الشهيرة، التى يقولون إنها كانت شعار (داوود)، الذى هو عند اليهود ملكٌ عظيم، وعند المسلمين نبىٌّ كريم.

وكان للمسيحية، عند ابتداء انتشارها، أشكالٌ كثيرة، ترسم للسيد المسيح صوراً متعددة تتفاوت فيما بينها، فهو عند أولئك فيلسوفٌ غنوصىٌّ يصل بالتطهر إلى الحقائق السماوية، وعند هؤلاء رسولٌ من عند الله، أو هو ابن الله الذى جاء ليفتدى البشر ويخلِّصهم من خطيئة أبيهم آدم الذى عصى الربَّ، وأكل من شجرة (المعرفة) المحرَّمة على الإنسان..

وكاد يأكل من شجرة الخلود، فيصير كالآلهة! وهو ما أشير إليه فى الكتاب المقدس عند اليهود والمسيحيين، حيث قال «سفر التكوين» ما نصُّه: «وقال الربُّ الإله، ها هو الإنسان قد صار كواحدٍ منا عارفاً الخير والشرَّ، والآن لعله يمدُّ يده ويأخذ من شجرة الحيوة أيضاً (شجرة الخلود) ويأكل فيحيا إلى الأبد، فأخرجه الربُّ الإله من جنة عدن، ليعمل فى الأرض التى أخذ منها.

فطرد الإنسان وأقام شرقىَّ جنة عدن، الكروبيم (الملائكة الحرَّاس) ولهيبَ سيفٍ متقلبٍ، لحراسة طريق شجرة الحيوة.. (الكتاب المقدس، سفر التكوين، الإصحاح الثالث، الآيات ٢٢ وما بعدها).

■ ■ ■

ورأى المسيحيون أن «يسوع» هو المسيح المخلِّص من الخطيئة الأولى، فآمنوا به وتناقلوا الأناجيل الكثيرة (إنجيل= بشارة) وراحوا بكل حماس يدعون الناس للإيمان به، وهو ما يُعرف فى المصطلح الكنسى بالكرازة (كرازة = تبشير) لكن اليهود لم يقتنعوا بأنه الماشيح، فحاكموه وسلَّموه إلى الرومان ليقتلوه، فصلبوه، حسبما يعتقد المسيحيون، أو شُبِّه لهم، حسبما يعتقد المسلمون.

وفى القرن الثالث الميلادى، انتشرت بأيدى الناس نسخٌ كثيرة من الأناجيل، منها الأناجيل الأربعة المعروفة اليوم «متى، مرقس، لوقا، يوحنا» وأناجيل أخرى، مثل إنجيل (يهوذا) وإنجيل (المصريين) وإنجيل (الطفولة) وغيرها.. وقد أدى اختلاف هذه النصوص، إلى فهمٍ مختلفٍ ومتباينٍ للديانة التى صار مجموع المؤمنين بها فى الربع الأول من القرن الرابع الميلادى، قرابة عشرة بالمائة من مجموع سكان الإمبراطورية الرومانية الواسعة.

وفى الربع الأول من القرن الرابع الميلادى، انتشرت آراء المفكر الكنسى الشهير «آريوس» الذى وفد إلى الإسكندرية من ليبيا (المدن الخمس الغربية) ثم أذاع أفكاره فى الشام، فآمن بها كثيرون.. وتتلخص أفكاره فى أن المسيح ليس إلهاً، وليس ابناً لله بالمعنى الحقيقى، وإنما بشكل مجازى، وفى إطار نظرية (التبنِّى) التى تطورت بعد ذلك، ولاقت قبولاً عند كثيرين.

وزمجرت كنيسة الإسكندرية اليونانية، ودعا أسقفها «إسكندر» إلى اجتماع دولى لرؤساء الكنائس الكبرى فى العالم، فانعقد المجمع برعاية ورئاسة الإمبراطور الوثنى قسطنطين سنة ٣٢٥ ميلادية ببلدة نيقية الواقعة حالياً بتركيا (تسمى اليوم: أزنيق)، وتم فى الاجتماع طرد آريوس من حظيرة الإيمان، كما تم إقرار الأناجيل الأربعة، وتأكيد أن المسيح يعادل الله وروح القدس، وبالتالى سطعت عقيدة التثليث أو الثالوث المسيحى التى صيغت فى عبارة: الآب والابن وروح القدس إلهٌ واحدٌ، آمين (وليس: آمون).

■ ■ ■

وصارت المسيحية من بعد ذلك «المجمع» فريقين: هراطقةً (كُفَّاراً) من أتباع الآريوسية والمانوية والديصانية، ومؤمنين يسمُّون أنفسهم أتباع الكنيسة الكاثوليكية الأُرثوذكسية (كاثوليكية= جامعة، أرثوذكسية= الإيمان القويم أو العقيدة المستقيمة).. لكن الفريق الأخير انقسم على ذاته فى مرحلة تالية، عندما رفض نسطور (أسقف العاصمة الإمبراطورية بيزنطة) اعتبار القديسة مريم العذراء «أم الإله» أو بحسب اللفظ اليونانى : ثيوتوكس.. وبالمناسبة، فإن كل هذه الاعتقادات والاختلافات العقائدية، كانت آنذاك تُصاغ باللغة اليونانية، وكانت كنيسة الإسكندرية: أيضاً يونانية اللغة والتفكير.

ثم انشقت الكنيسة الكاثوليكية (الجامعة) الأرثوذكسية (القويمة) على نفسها بسبب انتشار أفكار نسطور فى منطقة الشام والعراق، مع أنه طُرد من حظيرة الإيمان فى مجمع إفسوس سنة ٤٣١ ميلادية، فصارت الكنائس كالتالى: هراطقة، نساطرة، أرثوذكس (=كاثوليك).. وبعد الانشطار الذى تم فى مجمع خلقيدونية سنة ٤٥١ ميلادية، بسبب الخلاف حول طبيعة المسيح، وهل هو (من) طبيعة إلهية، أم (عن) طبيعة إلهية؟

وهو الخلاف الذى أدى فى المجمع المذكور إلى ثورة رؤساء الكنائس على رئيس كنيسة الإسكندرية «الأسقف ديسقوروس» وإهانته بشكلٍ لا يجوز أن أذكره هنا بالتفصيل، احتراماً لذكرى هذا الرجل.. صارت الكنيسة الأرثوذكسية (=الكاثوليكية) قسمين متنازعين: أتباع خلقيدونية أو كنيسة اليونان وبيزنطة وروما (= الروم الأرثوذكس) وأتباع ديسقوروس أو كنيسة اليعاقبة نسبةً إلى يعقوب (البرادعى) أو كنيسة الطبيعة الواحدة المسماة «المونوفستية» وهى التى يُشار إليها اليوم، مجازاً، بالكنيسة القبطية.. وكانت هناك، أيضاً، كنيسة أرثوذكسية فى الشام، هى المسماة اليوم كنيسة الأرثوذكس السريان..

وبعد الانشطار الأعظم الذى حدث فى حدود سنة ١٠٥٤ ميلادية اختص أتباع كنيسة روما باسم (الكاثوليك)، وهم الذين انشطر منهم فى القرن السادس عشر الميلادى كنيسة (البروتستانت).. بينما اختص أهل الكنائس المصرية واليونانية والشامية باسم (الأرثوذكس) وتوزَّعوا على ثلاث كنائس: الأرثوذكس السريان، الأرثوذكس الخلقيدونيين (الروم)، الأرثوذكس اليعاقبة (المونوفستيين)..

وبالمناسبة، فإن فى بلادنا اليوم من هذه الكنائس ثلاثاً، أكبرها التى يرأسها حالياً قداسة البابا شنودة الثالث (بطريرك الكرازة المرقسية) تليها من حيث عدد الأتباع كنيسة الإنجيليين، وهم من البروتستانت الذين وصل عددهم إلى قرابة المليون شخص. ويقال إنهم يتزايدون رويداً، بسبب انتقال أتباع الكنيسة الأولى إلى مذهبهم الخالى من تعقيدات الكهنوت وصعوبات الطلاق (لذلك تقيم الكنيسة الأولى، دورياً، ما يسمَّى: مؤتمرات تثبيت العقيدة!)..

أما الكنيسة المصرية الثالثة، فهى المسماة كنيسة الروم الأرثوذكس (الخلقيدونيين) وكان السريان والعرب يسمونها كنيسة الملكانية، ولهم اليوم رئيس روحى يعيش فى الإسكندرية، هو البابا ثيوذوروس الثالث (بابا وبطريرك الإسكندرية وسائر أفريقيا) وقد التقيتُ به مراراً، فوجدته أنموذجاً لما يجب أن يكون عليه رجال الدين.. وبالمناسبة، فهذه الكنيسة الأخيرة، هى الكنيسة المصرية الأكثر عراقةً وامتداداً فى تاريخنا المصرى، وهى التى بيدها اليوم أهم وأقدم دير فى مصر (دير سانت كاترين)، الذى تحتفظ مكتبته بأقدم نسخةٍ كاملة من الأناجيل الأربعة، باللغة العربية (مؤرَّخة بسنة ٢٨٤ هجرية).

■ ■ ■

نعود إلى زمن الفتح (الغزو، الدخول) العربى الإسلامى لمصر، فنرى أن الخريطة الروحية للبلاد، كانت تجمع بين ثلاث كنائس كبرى هى: الملكانية، اليعقوبية، السريان.. وكانت السلطة الدينية والمدنية بين الملكانيين الذين كان رئيسهم فى زمن الفتح قيرس (المقوقس)، الذى رأينا فى المقالة السابقة، كيف كان يبطش بالمخالفين لمذهبه الساذج (المونوثيلية) سواء كانوا من الملكانيين أو اليعاقبة، لكن بطشه باليعاقبة «الأقباط» كان أنكى وأشنع، لأنهم فقراء مساكين.

ولا نستطيع هنا، ولا يستطيع أى شخص، تحديد النسبة العددية لهذه الكنيسة أو تلك .. ولكن يمكن إجمالاً أن نقول، إن فى زمن الفتح كانت الكنيسة الملكانية (الروم الأرثوذكس) هى الأقوى والأغنى، بينما كانت كنيسة اليعاقبة (الأقباط الأُرثوذكس) هى الأكثر عدداً من حيث الأتباع.

وبعد الفتح، تكاثر أتباع الكنيسة الأرثوذكسية اليعقوبية (= الأقباط المرقسيون) بسبب الاستقرار، الذى أتاحه الحكم الإسلامى للبلاد، بينما تناقص عدد الأرثوذكس الروم، بسبب رحيل بعضهم عن الديار إلى اليونان والأناضول، حيث المقر الرئيسى لمذهبهم العقائدى.. لكن الملكانيين لم يختفوا من مصر،

بل كان لهم فى القرون الإسلامية الأولى بمصر، حضورٌ متميزٌ يتمثل فى وقائع كثيرة دالة على أهميتهم فى تاريخنا.. فمن ذلك نبوغ رجال منهم، من أمثال «سعيد بن البطريق» المؤرِّخ، المتوفى سنة ٩٣٩ ميلادية، وكان رئيس كنيستهم فى زمانه، ومن أهل كنيستهم زوجة العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمى، وهى أمُّ «ست الملك» أخت «الحاكم بأمر الله».. ويقال إنها أمُّ (الحاكم) أيضاً.

■ ■ ■

نعود، ثانيةً، إلى زمن الفتح الإسلامى بمصر، فنشير إلى أن العرب الذين كانوا قد استقروا بمصر من قبل الفتح بقرون، كان منهم يهودٌ مسيحيون.. وهؤلاء المسيحيون كان منهم ملكانيون من أمثال الأسقف يوحنا بن رؤبة (حاكم أيلة الذى صالح النبى وفتح أمام المسلمين بوابة سيناء الجنوبية) وكان منهم نساطرة، وهو المذهب المسيحى الأوسع انتشاراً آنذاك فى العراق وأطراف الشام، ومنهم أتباع كنائس أخرى اضمحلَّت مع الوقت وطواها الزمان.

ولا يجب هنا أن يفوتنا المعنى العميق لعبارة الخليفة عُمر بن الخطاب، التى أمر فيها عمرو بن العاص عند خروجه بالجيش العربى الإسلامى لاستلام الحكم فى مصر.. أعنى العبارة التى أمره فيها بأن يستنفر معه القبائل العربية بمصر، كى تؤازره وتشترك معه فى فتح البلاد. وهو الأمر الذى سنعرض له بشىءٍ من التفصيل فى المقال القادم.

فإلى لقاء..

ابراهيم عبد المعطى داود
12/10/2010, 11:05 AM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏*‏ أكبر من الحب وأصغر من الكراهية‏:‏ كل عاشق ولهان‏!‏

‏*‏ المرأة الوحيدة هي التي لا صديقة لها‏!‏
‏*‏ قلوب تحب‏:‏ قلوب لاتزال صغيرة‏!‏
‏*‏ المرأة اللعوب‏:‏ هي التي لم تخسر مالا ولم تكسب قلبا‏!‏
‏*‏ أقوي ما في المرأة وأضعف ما في الرجل‏:‏ الذاكرة‏!‏
‏*‏ أرخص وأهدأ مكان تقضي فيه اجازتك‏:‏ سريرك بشرط ان تكون وحدك‏!‏
‏*‏ نحن نتعلم الزواج ولكن لانتعلم الحب‏!‏
‏*‏ الحب‏:‏ أن تتزوج لأول مرة‏,‏ والغباوة أن تتزوج لثاني مرة‏,‏ والادمان أن تتزوج لثالث مرة‏!‏
‏*‏ لاتتزوج فتاة تحبها ولاتتزوج فتاة لاتحبها‏..‏ فالأولي عسلها قليل‏,‏ والثانية بصلها كثير‏!‏
‏*‏ انت كما علمتك امك‏!‏
‏*‏ المرأة اذا أحبت فعلت كل ما لم تكن تحب‏!‏
‏*‏ إن كانت دميمة حدثها عن ذكائها‏,‏ وان كانت جميلة حدثها عن أخلاقها‏,‏ وان كانت غنية اتركها فهي سوف تعيد وتزيد‏!‏
‏*‏ معك‏:‏ اضيع‏..‏ ومن غيرك اشتاق الي أن أضيع‏!‏
‏*‏ لاتخافي‏:‏ انني أحمل قلبك في قلبي‏!‏
‏*‏ في حياتنا أشياء كثيرة تافهة لاتجعل الحب واحدا منها‏!‏
‏*‏ ليس خطأ ان تتزوج‏,‏ انما الخطأ ان تتصور ان هذه هي النهاية السعيدة لحياتك‏!‏
‏*‏ كل الناس تحت الجلد‏:‏ سواء‏!‏
‏*‏ المتزوجون مندهشون جدا كيف أن الرجل الأعزب ليس مليونيرا‏!‏
‏*‏ أقوي رجل في العالم من استطاع ان يقطع لسان زوجته‏!‏
‏*‏ لايقصف عمر الأعزب الا كثرة القبلات‏..‏ ولايقصف عمر الأب إلا كثرة الاولاد‏!‏
‏*‏ أحدث رقصة اسمها الديمقراطية‏:‏ خطوة الي الامام وخطوتان الي الخلف‏!‏
‏*‏ الانسان هو الحيوان الوحيد الذي يحرص علي ان يظل صديقا لضحاياه‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/10/2010, 11:09 AM
..‏ ويبقي الشعر
العمر في عيني سرداب طويل
أدمنت في عينيك فرحة طفلة
تلهو بضوء الصبح في أيام عيد
إني أحبك رغم أن الفجر يبدو‏..‏
آخر السرداب أبعد من بعيد
إني أحبك رغم أن الحزن‏..‏
يبدو في اللقاء‏..‏
كبقعة سوداء في ثوب جديد
إني أحبك رغم أن الشـمس
يمكن أن تكون الضوء‏..‏
يمكن أن تكون النار‏..‏
يمكن أن تموت من الجليد
إني أحبك رغم أن الحب أحيانـا
يصير الموت‏..‏ يسكن في الضـلوع‏..‏
وقد يطل كصرخة الطفل الوليد
إني أحبك رغم أنك جنـــتـي ونهايتي
وربيع عمري‏..‏ والخريف المر‏..‏
والأمل الشـريد
إنـي أحبك رغم أني عاشق
باع الليالي البكر في سوق العبيد
إني أحبك‏..‏
رغم أنك ليلة مجنونة
وأنا الزمان الضائع المجهول‏..‏
والألم العنيد
إني أحبك
رغم أني في عيونك قاتل
وأمام نفسي‏..‏ ربما كنت الشهيد
العمر في عيني سرداب طويل
صوت النوارس ينتشي في الصبح‏..‏
حين يطل وجه الشـمس‏..‏
حين يذوب حزن العمر‏..‏
حين يعود للخيل الصهيل
وأنا أحبك‏..‏
ليس يعنيني تلاقي دربنـا
أم ظلت الأيام تحملنا لحلم مستحيل‏!‏
حتي وإن كان الطريق إليك عمري كله
سأظل أرحل في عيونك‏..‏
لن أمل من الرحيل
من قصيدة مازلت أسبح في عيونك سنة‏1996‏
من كلمات الشاعر فاروق جويده

زينة عادل
12/10/2010, 02:24 PM
معك أشاركك الاعجاب بهذه النصوص المختارة بكل عناية وذائقة عالية ....

لقلبك الجوري

ابراهيم عبد المعطى داود
12/10/2010, 04:25 PM
معك أشاركك الاعجاب بهذه النصوص المختارة بكل عناية وذائقة عالية ....
لقلبك الجوري


كل التحايا العاطرات لمتابعتك التى تزيّن النصوص بمداد من الزبرجد والياقوت .

ابراهيم عبد المعطى داود
12/10/2010, 04:44 PM
الذبيح

بقلم د. أيمن الجندى ١٠/ ١٢/ ٢٠١٠
حينما استيقظ فى الصباح بدا له كل شىء عاديا مثل سائر أيامه: الخبز الردىء، الإفطار عديم المذاق، وكوب الشاى الذى يرشفه على عجل ليلحق بالحافلة فى طريقه إلى عمله كالمعتاد. كل ما هنالك أنه أثناء سيره المتعجل فى الطريق، لمح بائعا يذبح طيرا فى محل الدواجن القريب من منزله، فتعكر مزاجه بشدة.. ولعل أكثر ما ضايقه هو ذلك الطابع المهنى الذى ارتسم على وجهه - وهو يفعل ذلك - وملامح اللامبالاة وعدم الاكتراث، وكأن مخلوقا لا يقرر - ببساطة مميتة - إنهاء حياة مخلوق آخر لمجرد أنه أكبر وأقوى!

أغمض عينيه بسرعة وقد أدرك أن المشهد أذاه بحق، يرى بعين الخيال الطير الذبيح وهو يرقص رقصته الأخيرة، بينما يتفجر الدم من عنقه، والمحزن أكثر هو لامبالاة الطيور الأخرى، التى استمرت تنقر الحب فى يأس مريح مرت به هذه الخواطر المحزنة وهو يسرع فى طريقه إلى الحافلة التى توشك على التحرك.

كان يسير بخطوات سريعة على الرصيف، مستغرقا بالكامل فى عالمه الداخلى، لذلك لم يلحظ انحراف السيارة ناحيته، ولكنه سمع دوىّ نفيرها وصوت فرامل شنيعة لتلك السيارة وهى تقتحم الرصيف. ثم تقترب منه ككابوس متحرك لا يمكن الفرار منه. تسمّر فى مكانه من فرط الرعب وعدم التصديق. لكنّ السائق – لحسن الحظ - استعاد سيطرته على السيارة فى اللحظة الأخيرة، ليهبط من جديد إلى الشارع بعد أن دفعته دفعا خفيفا إلى الأرض دون أن يصاب جسده بسوء.

وبطرف عينيه رأى – وهو مكوّم على الأرض - فتى ماجنا وبجواره فتاة خليعة يتضاحكان بصوت عابث مُنفّر وهما يسابقان سيارة أخرى تطوى الطريق طيا، وبعد ثوان قليلة صارت تلك السيارة التى أوشكت أن تدهمه مجرد نقطة فى نهاية الطريق، قبل أن تختفى تماما عن ناظريه.

تكوّم الرجل فى الطريق مبعثر الوجدان من فرط الرعب المميت، لم يكن جسده قد أصيب بأذى، فالحادث مر بسلام والحمد لله، ولكن نفسه قد اعتراها أذى بالغ، ظل جالسا على الأرض غير قادر على النهوض وهو لا يُصدق النجاة، لم يستوعب عقله ما حدث بعد.

حقا لم يقترب منه الموت قط إلى هذا الحد المخيف لم يتوقف له أحد وإنما كانت السيقان تتخطاه وهو يسب السائق فى غل دون أن يُصغى إليه مخلوق. نهض بصعوبة مُعبّرا عن استيائه من شباب هذا الجيل الوغد. هل رأيتم كيف كانت تضحك فى ميوعة هذه الرقيعة التى كانت تجلس جواره وكأنها ترتاد الملاهى ولا تهدد حياة إنسان؟! هو بالتأكيد أشرف منها! إنسان مكافح لم يسرق مثلكم يا حثالة. لم يمتلك سيارة فى حياته ولا يحلم بامتلاكها. رجل لم تطل قامته بالوقوف على أكتاف غيره ولا خطف اللقمة يوما من فم فقير.

لكن أحدا لم يعره اهتماما، لقد شهد الجميع الموقف الخاطف، ثم ساروا جميعا إلى شؤونهم فى غير اكتراث.

« أصلها بلدهم مش بلدنا.. حتى الرصيف لم يعد آمنا فأين نسير يا أولاد الحرام؟».

فى المصلحة التى أدركها متأخرا تحمّل على مضض عدم اكتراث رئيسه، الذى استمع إلى الحادثة ثم قرّعه على التأخير. زملاؤه أيضا استمعوا لما حدث بنصف أذن، ثم راحوا يقرأون الصحف ويرتشفون القهوة ويتجادلون فى مباراة الأمس. وبعد!! كأن حياته فقاعة صابون يلهو به طفل أحمق ثم تنفجر. عجيبة حقا هذه اللامبالاة التى قابل بها الجميع حادثة زميل لهم فى الإنسانية، قال لنفسه على مهل يائسا أن يسمعه أحد: «لقد كان يسير على الرصيف ناعما بطمأنينة كاذبة، طمأنينة غير مبررة أبدا، طمأنينة ما كان ينبغى أن يشعر بها وسط وطن جهول. مجرد رجل آخر يسعى لأكل عيشه.

هو من ناحيته لم يخطئ على الإطلاق، كان يسير على الرصيف، وإذا بشاب رقيع، فتى جهول - وبصق على الأرض فى غل - يقود سيارة لم يدفع من ثمنها قرشا وإنما ابتاعها له أبوه اللص، بالقطع هو لص وإلا ما قاد ابنه سيارته الباهظة بكل هذا القدر من الاستهتار. من أين يحصلون على كل هذه الملايين؟ من قروض البنوك؟ من شقاء المطحونين؟!

وهناك أيضا هذه الفتاة الخليعة المستهترة بثيابها الفاضحة وفخذها الأبيض وملامحها المتعالية غير المكترثة، ماذا كانت تقول؟ نعم، يذكر الآن بوضوح، تعالت صرخاتها الضاحكة وهى تهتف «حاسب يا مودى».

اسمه إذن « مودى». لكن مودى يقتحم الرصيف دافعا إياه إلى الأرض، مُكوّما كشىء، كملابس قديمة مُهملة، لم تر فى هذا الموقف المريع إلا موقفا يثير الهلع الضاحك والصياح الرقيع! وحينما تمكن من استعادة سيطرته على السيارة لم يكن همه الاطمئنان عليه وإنما ملاحقة الوغد الآخر، بصق على الأرض فى غل، ماذا نصنع بأبناء الحرام هؤلاء؟! أليس الإعدام رحمة لا يستحقونها؟!

على مائدة الغداء - التى لم تعد تجمع الأسرة إلا بمصادفة غير مقصودة - قال فى هدوء مفتعل - هل عرفتم ما حدث فى ذلك الصباح؟ رمقته الزوجة فى اهتمام، ورفع الابن الأكبر عينين متسائلتين، أما ابنه الأصغر فانهمك فى ازدراد الطعام بعجلة تدل على انشغاله بأمر ما. فى غضب متصاعد راح يقص الحكاية على مهل، ويرقب فى غضب أشد ملامح عدم الاكتراث التى رآها بكثرة تفوق اللزوم فى هذا اليوم، بدءاً من الدجاج الذى كان ينقر الحب فى غير اكتراث بزميل له فى النوع يُذبح.

أخيرا، قالت الزوجة فى لهجة من تود إنهاء الحديث: المهم إنك سليم. حدق فيها فى وجوم، وهو يفكر: أحقا هو سليم؟ وتساءل فى نفسه وهو يلوك الطعام فى بطء: «هل أحس الطير- وهو يُذبح- بمثل ما يشعر به الآن؟

ابراهيم عبد المعطى داود
12/12/2010, 12:27 PM
مئوية نجيب محفوظ
بقلم: رجب البنا

فيأجواء الاحتفال بمرور مائة عام عليميلاد نجيب محفوظ تعود الينا ذكريالرجل الذييمثل نموذجا للشخصية المصرية ـ العربية‏..‏ كانت له رسالة وكان عليوعيبأهميتها وبقدرته عليالقيام بها‏,‏ وكرس حياته للقيام بها‏,‏ وفينفس الوقت لم ينس نصيبه من الدنيا‏.‏

هو مؤسس الرواية العربية الحديثة دون منازع وهو الذي وصل بها اليالعالمية واستحق أن يكون أول عربي يحصل عليجائزة نوبل‏,‏ ومن معطفه خرج جيل الروائيين الجدد الذين نهجوا نهجه في تشريح الشخصية المصرية فيتفاعلها وصراعها مع الظروف السياسية والاجتماعية التي أثرت عليها سلبا وإيجابا‏.‏ وأخذوا عنه الاهتمام بتسجيل تفاصيل الحياة والعلاقات فيالمجتمع‏,‏ والأسرة‏,‏ والحارة‏,‏ وتطورها فيالمراحل التاريخية المتعاقبة‏..‏ ففيرواياته تسجيل بالغ الدقة للمجتمع المصريوللمصريين وبخاصة أيام ثورة‏9191‏ وما بعدها‏,‏ وأيام ثورة يوليو بما لها وما عليها وفيكل كتاباته من بداياتها ظل ملتزما بالدفاع عن القيم الوطنية‏,‏ وعن إيمانه بالحرية والديمقراطية‏,‏ وبالعدل‏,‏ والقانون‏,‏ وبحق الانسان فيأن يرفض الخضوع لمنطق القوة وأن يثور عليالظلم‏..‏ ودراسته الأوليللفلسفة فتحت أمامه الطريق ليكون مفكرا مشغولا بقضايا الانسان الكبري‏:‏ الموت والحياة‏..‏ والحرية‏..‏ والزمن‏..‏ والحب والعداوة‏..‏ والقوة والعجز‏..‏ ودراسته التاريخ القديم والحديث جعلته مشغولا بالمستقبل‏,‏ والمستقبل عنده رهن بالعلم والحرية‏,‏ والايمان عنده عبادة وعمل‏,‏ والانسان عنده روح وجسد لا ينفصلان ويختل توازنه اذا انحاز اليجانب منهما عليحساب الآخر‏.‏ وفي كتابية أحلام فترة النقاهة نجده يقدم فيكلمات قليلة تجربة روحية أو تجربة عقلية أو رؤية فلسفية للحياة وكل تجربة منها تدفع القاريء اليالتوقف والتأمل طويلا لأنها تعبر عن خلاصة ما وصل اليه نجيب محفوظ بعد عشرات السنين من القراءة والتأمل والغوص فيأعماق النفس البشرية‏.‏
وقليل من النقاد من تنبه اليريادة نجيب محفوظ فيصياغة لغة الرواية العربية الحديثة‏,‏ تمكن بها من تطويع اللغة ليكون الحوار بين شخصيات فيالأحياء الشعبية باللغة العربية القريبة من العامية بحيث يبدو الحوار واقعيا‏,‏ ولم يسبقه أحد من الروائيين اليذلك‏,‏ فيما عدا توفيق الحكيم الذيكان فينفس الوقت تقريبا يحاول الوصول إليما كان يسميه اللغة الثالثة بين الفصحيوالعامية‏..‏ ويذكر لنجيب محفوظ أيضا أنه كسر الشكل التقليديللرواية فيبعض أعماله مثل ثرثرة فوق النيل واللص والكلاب‏,‏ أما مواقفه السياسية فقد قال البعض عنه إنه كان معاديا لثورة يوليو‏,‏ وقال آخرون إنه يمثل الكاتب‏(‏ اللامنتمي‏)‏ الذييفضل الموقف السلبيسياسيا ويكتفيبدس آرائه السياسية عليلسان شخصيات فيرواياته‏,‏ وقد شرح هو مواقفه السياسية منذ الطفولة وكان سعد زغلول هو الزعيم الذييذكر اسمه باحترام وتقديس‏,‏ وكان يخرج فيمظاهرات الطلبة المطالبة بجلاء الاستعمار البريطاني‏,‏ والهتاف بسقوط الموالين للاحتلال‏,‏ لم يرفض ثورة يوليو مطلقا ولكنه كان ينقد الواقع ويوجه النظر إليسلبيات تسيء اليها‏,‏ وإنه لم يكتب كلمة ضد الاصلاح الزراعي مثلا أو ضد مكاسب العمال والفلاحين‏,‏ ولكنه في رواية ميرامار كشف الانتهازية في الاتحاد الاشتراكي‏.‏
وفلسفة نجيب محفوظ نجدها عليلسان الشيخ عبد ربه التائه الذييلخص لنا مأساة الانسان بين الحياة والحب والموت‏,‏ وهو مثلا يقول‏:‏ لم أجد تجارة هيأربح من بيع الأحلام‏,‏ وقال‏:‏ تبدو الحياة سلسلة من الصراعات والدموع والمخاوف ولكن لها سحرا يفتن ويسكر‏:‏
وقال‏:‏ أقرب ما يكون العبد اليربه وهو يمارس حريته بالحق‏,‏ وسئل الشيخ عبد ربه التائه‏..‏ لماذا يغلب عليك التفاؤل‏,‏ فأجاب‏:‏ لأننا مازلنا نعجب بالأقوال الجميلة حتيوإن لم نعمل بها‏.‏
تذكرت في مناسبة المئوية فكرة طرحها نجيب محفوظ في عمود‏(‏ وجهة نظر‏)‏ في الأهرام فيعام‏1891‏ عن دور الجامعات فيالقيادة الفكرية للمجتمع وكان هذا الدور ملحوظا فيالثلاثينيات والاربعينيات فكان نشاط طه حسين فيالجامعة جزءا من نشاطه فيالحياة العامة‏,‏ وكذلك كان الشيخ مصطفيعبد الرازق‏,‏ ومنصور فهمي‏,‏ والدكتور عليمشرفة وغيرهم كانوا يحدثون ثورة عامة فيالحياة الفكرية‏,‏ ولكن تقلص هذا الدور وتراجع دور الجامعة في المجتمع‏,‏ ولم تعد تقوم بمسئوليتها فيتخريج قادة للرأي والفكر‏,‏ وتذكرت رأيه فيكيفية تحقيق نهضة حقيقية لبلادنا العربية وملخصه أن وراء كل نهضة مبدأ عاما أو فكرة تستقطب العقول والقلوب وتكتل الناس أو أغلبيتهم حول هدف واحد‏,‏ فإن لم يتحقق ذلك تفرقت القلوب نحو الاهداف الذاتية‏,‏ واستفحلت الأنانية والأهواء فينحصر نشاط كل فرد في انجازات شخصية ويفتقد الروح الجماعية فلا تحدث نهضة ولا يتجاوز الفرد ذاته ولا يتجمع الناس حول غاية‏..‏ ولايزال نجيب محفوظ يتكلم‏..‏ يعلمنا‏..‏ ويمتعنا‏..‏ ولن نمل من العودة اليه ومصاحبته والاستمتاع بكتاباته الملهمة‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/12/2010, 12:30 PM
موافق
بقلم: أنيس منصور

ماذا يحدث عندما تري امرأة جميلة؟ أنت تنظر اليها‏(‏ عموما‏)..‏ وبعد ذلك تنظر لها قطعة قطعة‏..‏ أي أنك تقلبها في دماغك‏..‏ وبعد ذلك تشعر بانجذابك نحوها وقد تنجذب هي اليك أو لا يحدث شيء من ذلك‏.‏

وكان يقال حتي سنة‏1950‏ إن الجسم يفرز مادة اسمها فيرومون‏..‏ هذه المادة الكيماوية هي المادة السحرية التي تحرك مشاعرك وتلخبط حياتك‏.‏
وكانت شركات العطور تستخدم هذه المادة إعلانا عن العطور‏.‏
ولكن ثبت علميا أن الإنسان بل وكل الحيوانات الثديية لا تفرز هذه المادة وإن هذه المادة لا وجود لها علي الاطلاق‏,‏ ولعلها منقولة عن الاساطير الإغريقية القديمة التي كانت تقول إن الاعضاء الجنسية تفرز هذه المادة الكيماوية وقد تزعم هذه النظرية البروفيسور دوتي‏,‏ وان هناك خلافا بين الثدييات والحشرات فالحشرات كلها هي التي تفرز هذه المواد التي تجذب الطرف الآخر رائحتها‏,‏ كما يلجأ الذكور الي اضاءة بقع علي الجلد تهدي الاناث اليها فهي نهارا تطلق هذه الرائحة وفي الليل تطلق الاضواء‏.‏
ونظرية د‏.‏دوتي هي أن المخ الإنساني هو الذي يقوم بكل العمل أي هو الذي ينشط ويحرك الأعصاب فكل المشاعر في المخ وليست في القلب والمخ لا يفرز خارجه أية مادة وإنما كل هذه المشاعر تصدر من المخ تحت تأثير الرؤية أو السماع ـ أي أنك تنظر فتعجبك هذه الفتاة أو تسمع صوتها وليس من الضروري أن تكون مطربة‏..‏ وإنما أن يكون في صوتها أنوثة ـ وكان المشاهدون للتليفزيون المصري ينجذبون لسماع صوت المرحومة أماني ناشد‏..‏ فلقد كان بالغ الأنوثة‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/16/2010, 08:51 PM
. يوسف زيدان يكتب: فتح مصر (٦/٧) .. ابنُ العاص: أرطيون العرب

١٥/ ١٢/ ٢٠١٠
لا يمكن الكلام عن فتح مصر، من دون الوقوف طويلاً أمام شخصية عمرو بن العاص الذى تحيَّر فى وصفه القدماء والمحدثون، وأورد عنه المؤرِّخون ما لا حصر له من أخبار، وأفرد له المؤلفون عدداً من الكتب التى لم تستطع -فيما أرى– أن تحيط بشخصيته الفريدة، المحيِّرة.. ولعل العبارة التى قالها ابنُ العاص فى مرض موته، تُلقى بعضاً من الضوء على تناقضات (الحيوات)، التى عاشها هذا الفاتح البديع، فقد أشار بعباراته إلى أنه مرَّ بمرحلة كان يكره فيها الإسلام ويحقد على النبىِّ، حتى يتمنى قتله لو يستطيع إلى ذلك سبيلاً، وفى مرحلةٍ تالية أسلم فصار فى قلبه حبٌّ عظيم للدين والنبىّ، لا يعدله حبٌّ مماثل.. وفى مرحلةٍ ثالثة دخل فى أمورٍ مدخولة الحق والباطل (حرب علىِّ بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان) فلم يعد يعرف خيرها من شرِّها، لكنه فى المجمل نادمٌ عليها.

لكن هناك مرحلة فى حياة عمرو بن العاص، أسبق من (الحيوات) الثلاث المذكورة، أعنى مرحلة الطفولة والشباب المبكر، وهى الفترة التى تشكلت فيها الملامحُ لشخصية عمرو بن العاص، الذى وصفه معاصروه واللاحقون به بأنه: داهية قريش، أمير الحرب، رجل العالم، أرطيون العرب.. وسوف نتوقف بعد حين، عند هذا الوصف الأخير.

بدأت حياة «عمرو» فى مكة، حيث كانت أمه تعيش فى كنف قريش بين الفقراء، كامرأةٍ من السبايا أو من المعدمين. وكانت تفتح بابها فيغشاها الرجال، ولما ولدته نسبته إلى «العاص بن وائل السهمى» فنشأ فى حضنه وتزوَّج فور بلوغه بابنة عمه «رائطة بنت الحجَّاج بن منبه السهمية» فقضت معه حياتها كلها، وأنجبت له ولده، الذى سماه «عمرو» باسم أبيه «العاص» غير أن النبىَّ غيَّره لاحقاً، وأعطاه الاسم الذى اشتُهر به: عبدالله بن عمرو بن العاص.. وكان الفارق فى السن بين «عمرو» وابنه «عبدالله» فى حدود الاثنتى عشرة سنة فقط!

وكان نبوغ «عمرو» فى مكة، مبكراً، فقد روت المصادر أنه كان صبياً يافعاً حين واجه بكلماته البليغة، رجالَ قريش الذين انتقدوا أباه «العاص بن وائل»، لاعتدائه على الحقوق المالية لواحدٍ من تجار اليمن، وهى الواقعة التى انتهت بتأسيس (حزب الفضول) الذى كان يقوم، من قبل الإسلام، بنُصرة المظلومين.

والغمَّازون اللمَّازون الكارهون لعمرو بن العاص، كثيراً ما يشيرون إلى أمه ظناً منهم أن ذلك يحطُّ من شأنه، لكنه فى واقع الأمر كان قد تجاوز هذه المسألة، منذ فترة مبكرة من حياته. بل كان لا يجد غضاضة فى الإشارة إليها، وهو ما يدل على ثقته الوفيرة بذاته، فعندما مات أخوه «هشام» بكاه بحرقة، وهو آنذاك أميرٌ على جيش المسلمين، فلامه على ذلك كبار قُوَّاده، فقال لهم ما معناه: كيف لا أبكى عليه، وقد كان أفضل منى، وأمه أفضل من أمى.. وفى واقعةٍ تالية، أيامَ كان أميراً لمصر، تراهن بعض الخبثاء مع رجلٍ على مبلغٍ من المال، إذا استطاع أن يسأل «عمرو» يوم الجمعة وهو على المنبر، عن أمِّه! فسأله الرجل، فقال له عمرو بن العاص ببساطةٍ وثقة ما فحواه: كانت امرأةً من فقراء قريش، اسمها كذا.. فاذهبْ وخُذْ من أصحابك المال الذى جعلوه لك.

ويتصل بما سبق، روايات أخرى لا تتعلق بقدرة «عمرو بن العاص» على تجاوز الوقائع القديمة التى لم يكن له يد فيها، فحسب، وإنما تدل أيضاً على قدرته الفائقة على ضبط النفس والثقة المفرطة بذاته. فقد كان أمير الجيش يوم نهر بعض جنوده ليقوموا إلى أعمالهم ويتركوا الطعام، فردَّ عليه أحدهم بقوله «مهلاً» فإنما نحن لحم وعظم، فقال له عمرو بن العاص «بل أنت كلب» فقال الجندى: فأنت أمير الكلاب.. فضحك ومضى عنهم! وكان قد انفعل يوماً حين سبَّه المغيرةُ بن شعبة، فشتم قبيلته قائلاً: «يا آل هصيص، أَيَسُبُّنى ابن شعبة» فقال له ابنه عبدالله: «إنا لله، دعوتَ بدعوى القبائل، وقد نهى النبىُّ عن ذلك».. فاعتذر عمرو، وكفَّر عن ذنبه بأن أعتق ثلاثين عبداً.

ومعروفٌ عن عمرو بن العاص، أنه ساعد معاوية بن أبى سفيان فى نزاعه مع الإمام علىّ بن أبى طالب، وحارب فى صفِّه وجعل له الأمر بالخدعة الشهيرة (التحكيم)، لكنه حين دخل على «معاوية» المجلس، فوجده يحكى من الوقائع ما يُعلى به من شأنه، ويحط من شأن الإمام علىِّ.. صاح فيه عمرو بن العاص: «يا معاوية أحرقت قلبى بقصصك، أترانا خالفنا عليّاً لفضلٍ منَّا عليه، لا والله، إنما هى الدنيا نتكالب عليها، فإما أن تقطع لى من دنياك، أو أنابذنَّك».. فأعطاه مصر!

ومع أن «عمرو» هو القائل، حين انتقدوه لأنه يركب بغلةً كبيرة السن وبائسة، وهو الأمير: لا أملُّ دابتى ما حملتنى، ولا أملُّ زوجتى ما أحسنتْ عشرتى، ولا أملُّ ثوبى ما وسعنى، فإن الملل من سيئ الأخلاق.. فإن «عمرو» ذاته هو القائل حين اجتمع بنو أمية عند كبيرهم «معاوية» ليعاقبوه على تفضيل عمرو بن العاص، فصاح فيهم: أما والله، ما أنا بالوانى ولا الفانى، وإنما أنا الحية الصماء التى لا يسلم سليمها ولا ينام كليمها، وأنا الذى إذا همزتُ كسرتُ، وإذا كويت أنضجت، فمن شاء فليشاور ومَنْ شاء فليؤامر.. وقد علمتم أننى أحسن بلاءً، وأعظم غناءً.

■ ■ ■

إذن، نحن بإزاء شخصية متعدِّدة الأنحاء، ومحيِّرة، لكن فضلها ثابتٌ بوقائع التاريخ وبصحيح الشهادات النبوية فى حق عمرو بن العاص.. فمن الوقائع الثابتة أنه قاد جيش المسلمين فى حياة النبى، عقب إسلامه، وكان تحت إمرته كبار الصحابة والشيخان أبوبكر وعمر، وقاد الجيوش التى فتحت بلاد الشام وشمال الجزيرة وفلسطين، فأظهر من الشجاعة والحكمة والمهارة ما يثير الإعجاب. وحين صال القائد العسكرى البيزنطى (الرومى) المسمَّى أرطيون، وتكتبه بعض المصادر العربية: أرطبون، وأعجز جيش المسلمين، شكا الناسُ أمرَه إلى الخليفة عمر بن الخطاب، فقال: نضرب أرطيون الروم بأرطيون العرب.. واستدعى له «عمرو بن العاص» فذهب إليه على رأس جيش، وهزمه، واضطره للفرار بحفنة من جنوده إلى مصر.. ومن الشهادات النبوية فى حق عمرو بن العاص، الحديث: ابنا العاص مؤمنان، عمرو وهشام (رواه الإمام أحمد والحاكم وابن سعد وابن عساكر) والحديث: أبوعبد الله عمرو بن العاص من صالحى قريش، نِعْمَ أهل البيت أبو عبدالله وأم عبدالله وعبدالله (أخرجه أحمد والترمذى) والحديث: أسلم الناسُ وآمن عمرو بن العاص (قال الذهبى: حديثٌ حَسَنُ الإسناد).

■ ■ ■

وفيما يتعلق بفتح مصر، هناك حكاية ذات طابع (مسرحى) ترويها المصادر التاريخية الإسلامية، مفادها أن «عمرو بن العاص» ألح على الخليفة «عمر بن الخطاب» فى فتح مصر، فوافقه الخليفة متردداً، وقال له إنه سيرسل له برسالة يحسم فيها أمر الموافقة، فإن وصلته قبل دخول مصر فليرجع عنها، وإن وصلته بعد دخوله فلا يرجع! فلما جاء المرسال، تأخر «عمرو» عن مقابلته واستلام رسالة الخليفة، حتى وصل إلى العريش. فلما وجد الرسالة تقول له لا تدخل مصر، سأل من حوله هل نحن الآن فى مصر؟ فقالوا نعم، فقال: إذن نمضى على بركة الله..وما كانت الأمور تسير على هذا النحو المسرحى، وما كان للخليفة أن يأذن لعمرو بن العاص فى الخروج بالجيش فى الليلة ذاتها، على أساس (بيننا تليفونات)، وما كان المسلمون بغافلين عن خطورة فتح الشام والعراق مع بقاء مصر بيد هرقل، وما كان من الممكن للمسلمين التغافل عن لجوء «أرطيون» وفلول جيشه إلى مصر، واستعدادهم للكرِّ ثانيةً لو سنحت لهم الفرصة لجمع الشتات.. وما كان قواد المسلمين بغافلين عن الوضع المزرى لهرقل وجيوشه، وعن اضطراب الأحوال فى مصر بسبب صراع الكنائس هناك، وعن القوة العربية الهائلة الساكنة فى مصر! ولذلك كله، كان خروج عمرو بن العاص بالجيش إلى مصر، ضرورةً حتمية تعلو فوق هذه الروايات ذات الطابع المسرحىِّ، الهزلىّ.

وهناك رواية شهيرة، أكثر مسرحيةً وهزلية، تقول إن عمرو بن العاص فى شبابه، كان قد أنقذ بفلسطين راهباً كاد يهلك جوعاً، فأعطاه طعاماً وشراباً، وكاد يهلك من لدغة ثعبان، فقتله عمرو بن العاص بسهم! فأخذه الراهب إلى الإسكندرية، ليعطيه جائزة مالية مكافأةً على إنقاذ حياته مرتين.. وفى الإسكندرية، حضر «عمرو» احتفالاً فى (الاستاد) يرمون فيه بكُرةٍ على الناس، فمن وقعت فى حجره يكون بعد حينٍ ملكاً لمصر! فوقعت فى حِجر «عمرو بن العاص» فاستهان الناس بالأمر، لكنهم بعد سنوات وجدوا النبوءة قد تحققت وصار «عمرو» حاكماً لمصر.

وبالطبع، فهذه الرواية الهزلية تصل من السذاجة إلى الحدِّ الذى لا يجوز معه مناقشتها. لا سيما أنه لم يكن من المعروف أن مثل هذه (اللعبة) موجودة آنذاك، وليس معروفاً عن الرهبان ارتياد الملاعب، ولم يكن للعرب من أمثال «عمرو» هذه السذاجة، التى تدعوه للسفر شهوراً كى يأخذ جائزةً مالية من راهب (ومتى كان الرهبان يملكون أموالاً؟!).. فلنترك مثل هذه القصص البلهاء جانباً، وننظر بشىءٍ من الجدية إلى دخول عمرو بن العاص إلى مصر، على رأس جيشٍ خرج من الشام وعدده ثلاثة آلاف وخمسائة، وقيل بل أربعة آلاف ، كلُّهم من قبيلة «عك» اليمنية. ولنجعل الأمر ملخَّصاً فى النقاط التالية:

أولاً: كان المسلمون قد عقدوا اتفاقاً قبل سنوات مع المقوقس، أبرمه «حاطب بن أبى بلتعة» فى خلافة أبى بكر الصديق. فلما لجأ «أرطيون» إلى مصر، وفيها من جند الروم عشرات الآلاف، صار (العهد) السابق قد انتُقض من جهة المقوقس باستقباله أرطيون، أو بعدم قدرته على طرده من البلاد.. ومادام الأمر كذلك، كان لا بد للعرب المسلمين من تعقُّب أرطيون، خشية أن يرتدَّ عليهم وقد ازداد قوةً، خاصة أن الأسطول البيزنطى كان يرابض بشواطئ الإسكندرية، وكان من الممكن أن يعود فيضرب سواحل الشام التى لم تكن آنذاك قد استقرت تماماً بأيدى المسلمين.

ثانياً: نقل لنا المقريزى، وهو من المؤرِّخين الكبار المتأخرين (تُوفى سنة ٨٤٥ هجرية) أن الخليفة «عمر» كتب إلى «عمرو» رسالةً بعد فتح الشام، يقول فيها لعمرو بن العاص: «اندبْ الناس إلى المسير معك إلى مصر، فمن خفَّ معك، فِسرْ به»، وبعث الخليفة بالرسالة مع (شريك بن عبدة) فندبهم عمرو، فأسرعوا إلى الخروج معه.

إذن كان العربُ الساكنون قبل عقودٍ بمصر ينضمون لجيش «عمرو» تباعاً، خاصةً قبائل لخم وراشدة والأنباط وسكان سيناء من البدو، فيتزايد مع سير الجيش عدده، بحيث يمكن أن ينتصر العرب المسلمون على الروم فى أول موقعة عسكرية (الفرما = بيلوز= البرمون) ويأسرون منهم ثلاثة آلاف جندى، يرسلهم عمرو بن العاص كأسرى للمدينة (يثرب) فيردُّهم الخليفة «لعهدٍ كان قد سبق لهم»، هو العهد المبرم بين حاطب بن أبى بلتعة والمقوقس، ولم يكن لجند الروم المتحصِّنين فى الفرما (بلدة قريبة من بورسعيد الحالية) ذنب فى انتقاض هذا العهد.. ومن جهةٍ أخرى، يمكن أن نفهم فى ضوء ما سبق، قول المؤرخ المبكر «ابن عبدالحكم» أن عمرو بن العاص خرج بالجيش إلى مصر: فنقض الصلح وفتحها.

ثالثاً: لا يجب أن يغيب عن أذهاننا، خيانة المقوقس لهرقل بعد (العهد)، الذى أبرمه سراً مع المسلمين، ولم تُشِرْ إليه أى وثائق أو مدوَّنات تاريخية بيزنطية. وهو ما يفسر أشياء كثيرة جرت فى ابتداء الأمر، منها أن جيش «عمرو» وجد حدود مصر (العريش) خاليةً من جند الروم، وهو ما لا يستقيم مع حالة الاستنفار المفترضة فى بلدٍ يخضع للإمبراطورية البيزنطية، التى تحارب المسلمين فى الشام.. ومنها المفاوضات الهزلية التى قام بها المقوقس مع المسلمين أثناء حصار القصر (حصن بابليون)، الذى يسمِّيه بعض مؤرِّخينا القدامى: باب إليون. والمفاوضات التالية التى قام بها المقوقس مع عمرو، أيام فتح الإسكندرية، بعد وفاة هرقل حسيراً آسفاً على تداعِى أركان إمبراطوريته. فكان من مطالب المقوقس التى وافق عليها (عمرو) أن يبقى المقوقس فى الإسكندرية، وأن يُدفن بعد وفاته فى كنيسة يوحنا، التى تسمِّيها المصادر العربية المبكرة: كنيسة أبى يُحنَّس.. فقد كان المقوقس قبل سنوات يسعى إلى امتلاك الحكم الدنيوى، فصار بعد حينٍ يفكر فى ختام حياته، وفى القبر الذى يستر جسده ومخازيه.

رابعاً: كان عمرو بن العاص يسير بجيشه فى حواف الدلتا، وفى الجانب الشرقى من مصر، على هدى الأدلاء من العرب العارفين بتلك النواحى. فلما عبر النيل فى موسم التحاريق، حيث ينكشف قاع النهر، سار بجيشه على غير هدى حتى وصل الفيوم فى رحلةٍ ليس تحتها طائل، فوجد هناك قتالاً يدور بين الروم أنفسهم، فعاد وحاصر القصر بعد حين.. فلما اجتمع حوله أشتات العرب (المصريون) وجاءه مددٌ قوامه أربعة آلاف جندى مسلم من خيرة المقاتلين (فيهم: الزبير بن العوام، المقداد بن الأسود، عبادة بن الصامت، مسلمة بن مخلد) استطاع الاستيلاء على الحصن، واتجه إلى الإسكندرية عاصمة البلاد التى لا يستقيم (الفتح) إلا بدخولها، فوقف عند أسوارها الشرقية، حتى تداعى قلب المدينة واضطربت أحوال الناس فيها، فدخلها، ثم ثارت على المسلمين بعد حين، حين أتاها المددُ من بيزنطة.. فعاد إليها «عمرو» بن العاص وفتحها ثانيةً، وهرب الرومُ من أمامه بسفنهم.

خامساً: كان مجىء «عمرو» بن العاص بجيشه إلى مصر، إنما هو فى واقع الأمر لتسلم حكم البلاد، وليس للفتح أو الغزو أو الحرب التى من غير المعقول أن ينهزم فيها عشرات الآلاف من جند الروم المتحصِّنين فى القلاع (عددهم ما بين أربعين ألفاً ومائة ألف) أمام جيش المسلمين، الذى كانت خسائره اثنين وعشرين رجلاً..

وإلى مقالة الأسبوع القادم، حيث نختتم هذه السباعية.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/17/2010, 04:49 PM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏*‏ نوعان من الفساتين‏:‏ واحد يكشف جمال المرأة وواحد تكشف المرأة جماله‏!‏

‏*‏ من مشاكل الحياة الزوجية ان يعمل الرجل ليلا ونهارا لكي يأتي بالعيش والملح‏..‏ وياويله وسواد ليله إذا نسي القليل من الفلفل‏!‏
‏*‏ عجوز ذهبت للكوافير وقالت له‏:‏ عندك علاج للشعر الأبيض‏.‏ فقال لها‏:‏ احترامي‏!‏
‏*‏ كل شيء في الدنيا تطور حتي طريقة قتل الصراصير‏..‏ الا الزواج‏!‏
‏*‏ طريقتان لإطالة عمر الزواج‏:‏ اذا كنت غلطان اعتذر‏..‏ وإذا لم تكن غلطان‏:‏ اسكت‏!‏
‏*‏ لاتعذب أولادك يكفيهم عذابا انك أتيت بهم الي هذه الدنيا‏!‏
‏*‏ اذا كان الحب أعمي فالزواج هو مؤسسة العميان‏!‏
‏*‏ كل العسكريين يتحدثون عن السلام الا في بيوتهم‏!‏
‏*‏ صعب ان تحب المرأة العاملة‏,‏ لا لأنها تعمل ولكن لانها لم تعد امرأة ولا رجلا‏!‏
‏*‏ المرأة لكي تحب‏..‏ والرجل لكي يتظاهر بذلك‏!‏
‏*‏ النصف الاول من حياتنا افسده آباؤنا‏..‏ والنصف الثاني افسده اولادنا‏!‏
‏*‏ ممكن ان تعطي من غير حب‏,‏ مستحيل ان تحب ولا تعطي‏!‏
‏*‏ امرأة تتكلم طوال النهار عقابها زوج ينام طوال الليل‏!‏
‏*‏ صدقني‏:‏ يجب ان تصدقني ان الذي يملك الذهب يملك القانون‏!‏
‏*‏ عاقل قبل الزواج عاقل بعد الزواج‏:‏ شخص لاوجود له‏!‏
‏*‏ يفسد الحياة الزوجية‏:‏ اللامبالاة وامرأة اخري‏!‏
‏*‏ السجن تأديب وتهذيب واصلاح‏..‏ والزواج كذلك ولكن بلا إصلاح‏!‏
‏*‏ الحب نشوة بغير خمر‏..‏ والزواج خمر بغير نشوة‏!‏
‏*‏ الرجل هو الجنس اللطيف والمرأة هي الجنس يالطيف‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/17/2010, 05:27 PM
موازنات
فيما* ‬تغيب* ‬الفطنة* ‬في* ‬وليمة* ‬ويكيليكس* ‬الدسمة
2010.12.10 بقلم*: ‬حبيب* ‬راشدين التحضير* ‬لحقبة* ‬المتاجرة* ‬بالإرهاب* ‬الناعم
مع التقدير الواجب للكوة التي فتحها موقع ويكيليكس في جدار الحماية لأسرار زمرة الحكام، وفضح سلوك النفاق، والوشاية، والتحرش والتحريض السائد في أوساط الصفوة الحاكمة، فإن واجب التحصين الذاتي من برمجيات العبث بالعقل التي تتداول علينا، يملي على العقول الفطنة الوقوف على مسافة آمنة من ظاهرة الفضح المبرمج والمحسوب لأسرار الدول والحكومات، حتى لا نصدم غدا حين تتضح الصورة، ونكتشف أن ويكيليكس قد يكون بداية لمرحلة ترويع وابتزاز للحكومات الفاشلة، تدفعها إلى الهرولة المزرية نحو الأنفاق على منظومات تكنولوجية، برمجيات تحمي بها* ‬أسرارها*. ‬

أو* ‬ليست* ‬الحروب* ‬اليوم* ‬سوى* ‬فرص* ‬لخلق* ‬أسواق* ‬جديدة* ‬لرأسمالية* ‬ضاقت* ‬عليها* ‬أسواق* ‬الاستهلاك* ‬التقليدية؟
قبل أن يتمكن جوليان أسانج، صاحب موقع ويكيليكس من اللجوء إلى سويسرا ألقت الشرطة البريطانية القبض عليه يوم الثلاثاء وأحيل على التحقيق القضائي في التهمة التي وجهتها له السويد بارتكاب جريمة اغتصاب، فيما أن التهمة الحقيقية التي سوف يلاحق بها السيد أسانج، وكل من* ‬له* ‬صلة* ‬بموقع* ‬ويكيليكس* ‬هي* ‬جريمة* ‬اغتصاب* ‬منظومة* ‬التعتيم* ‬والكتمان* ‬على* ‬جرائم* ‬نادي* ‬النخب* ‬الحاكمة* ‬في* ‬العالم*.‬
* ‬
جريمة* ‬اغتصاب* ‬عورة* ‬الضعفاء* ‬من* ‬العلية
وقبل أن يلقى القبض على صاحب الموقع، كان وزير الخارجية الإيطالي قد وصف تسريبات الموقع على أنها 11سبتمبر دبلوماسي سوف تكون له تداعيات أخطر من تفجيرات نيويورك وواشنطن. وكانت جهة كندية مسؤولة قد دعت بدم بارد إلى إعدام السيد أسانج وربما حتى من دون محاكمة.
ومرة أخرى تتعرى المنظومة الغربية المتبجحة دوما بما ترفعه من شعارات براقة بشأن حرية الإعلام والرأي وحقوق الإنسان، فما هي جريمة السيد أسانج والمسؤولين عن الموقع حتى يتحوّل إلى أول مطلوب في العالم والعدو رقم واحد للأنظمة والحكومات؟
الحقيقة التي يراد التستر عنها هي أن الموقع لم ينتج هذه الوثائق، ولم يقم بعملية قرصنة لمواقع حكومية ولبنوك المعلومات فيها، ولم يسع حتى للحصول على المعلومات، فكان ذنبه الوحيد أنه منح صندوق بريد مفتوح لكل من يريد أن يوصل معلومة إلى الرأي العام، كما تفعل معظم المواقع* ‬الإخبارية* ‬والصحف* ‬والقنوات* ‬التلفزيونية*.‬
ثم إن الوثائق التي تم نشرها، هي وثائق صحيحة لم يكذبها أو يطعن فيها المصدر الذي أنتجها، وهو وزارة الخارجية الأمريكية، فضلا عن كونها كانت متداولة بين أكثر من 2 مليون موظف أمريكي، كل واحد منهم كان باستطاعته أن ينسخ على أقراص مدموجة ما يشاء من الوثائق ويسربها بأمان* ‬لأي* ‬موقع*. ‬

* ‬في* ‬انتظار* ‬التسريب* ‬حول* ‬المنتفع* ‬من* ‬التسريب
ثم إن عمليات تسريب المعلومات ليست جديدة، ولم تكن من فعل الأفراد بل كانت تلجأ إليها الحكومات والأنظمة بدافع التأثير على الرأي العام وحمله على تقبل تغييرات في السياسة، فلماذا كل هذا الهلع والرعب الذي أصاب النادي المغلق والمتضامن للنخب الحاكمة في العالم؟
منطقيا ينبغي لنا أن نسلم معهم، أن هذا النوع من التسريبات يشكل بالفعل تهديدا أخطر بكثير من تهديدات أي تنظيم إرهابي، ونسلم مع وزير الخارجية الإيطالي أن التسريبات شكلت صورة لـ11 سبتمبر دبلوماسي، بل هي أخطر والسكوت عنها من شأنه أن يمهد الطريق لتسريبات أخطر تؤكد ما استنتج بالتحليل العقلي الصرف، من أن جريمة 11 سبتمبر كانت كما قال رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق انقلابا داخليا أمكن من لي ذراع المؤسسات والرأي العام الأمريكي لتقبل الحروب الإمبراطورية في العراق وأفغانستان.
في الوقت الراهن، لم تبلغ تسريبات الموقع بعد الغرفة الخلفية لخزانة المعلومات المتكتم عنها، والتي قد يقود نشرها إلى تعطيل مؤسسة الكذب والتكاذب والتي يسمونها الدبلوماسية، باستثناء بعض الحرج الذي لحق ببعض المسؤولين العرب ممن اتخذ سفراء الولايات المتحدة أخلاء يمكن الفضفضة إليهم بأكثر المواقع سرية. وربما قد تردعهم مستقبلا هذه التسريبات عن مجالسة السفراء الأمريكيين والغربيين، إلا إذا كانوا قد عقدوا النية على استعمالهم كوسائط للنشر والتبليغ، وفي المحصلة النهائية فإن التسريبات لم تأت بجديد عند من كان يستعمل العقل والمنطق* ‬في* ‬متابعة* ‬مفردات* ‬السياسة* ‬الدولية*.‬

تلهية* ‬الدهماء* ‬من* ‬*"‬الغويم*"‬* ‬بفضائح* ‬*"‬قوم*"‬* ‬تبع* ‬
الجهة الوحيدة التي ربما تكون قد تفاجأت بهذا الكم من الكذب والنفاق والغدر والتحرش والوشاية بيد أفراد هذه العصابة الدولية التي تحكم شعوب العالم، هم أولائك الذين جعلوا من الحكومات، ومؤسسات الدول ومؤسسات ما سمي بالشرعية الدولية إيقونات مقدسة، لا يأتيها الباطل من بين أيديها أو من خلفها، وعجولا صنعتها عقولهم قبل أن يخروا لها ساجدين، ونسوا أن أفراد هذه الصفوة هم بشر، بل هم أكثر البشر عرضة للفساد بكل مفرداته، وأكثر الناس تساهلا مع الكذب والنفاق والوشاية، لأنهم موجودون في صميم الصراع على السلطة والنفوذ والمال، أي الصراع* ‬على* ‬*"‬القوة*"‬،* ‬فكيف* ‬نتوقع* ‬منهم* ‬أن* ‬يكونوا* ‬بأخلاق* ‬الملائكة،* ‬ولا* ‬نعتبر* ‬بتاريخ* ‬السياسة* ‬والعلاقات* ‬الدولية،* ‬وبما* ‬يكشف* ‬بعد* ‬حين* ‬من* ‬سقطات* ‬رجال* ‬الملك،* ‬جميع* ‬رجال* ‬الملك،* ‬إلا* ‬من* ‬رحم* ‬ربك*.‬
في هذا السياق، تكون الخدمة التي قدمها موقع ويكيليكس في ظاهرها خدمة جليلة، لأنها أنجزت التسريب الواسع لهذه الفضائح ساعة وقوعها، مع وجود شخوص الفضيحة في مواقعهم القيادية، حتى أني لا أعلم بأي وجه سوف يقابل المسؤول الأول عن الأمن في مصر، والمكلف بإدارة الحوار بين حماس وفتح، بأي وجه سوف يقابل به قيادات حماس بعد المواقف العدائية لحماس التي جاءت في التسريبات الأخيرة؟ ولا كيف سيواجه الرئيس اليمني شعبه وهو الذي نصح الأمريكان باستعمال الطائرات بدل الصواريخ لأنها أكثر دقة في قتل اليمنيين المناهضين للتواجد الأمريكي ثم ينسب* ‬الفعل* ‬للجيش* ‬اليمني؟* ‬أو* ‬كيف* ‬يمكن* ‬لقيادة* ‬الإمارات* ‬العربية* ‬المتحدة* ‬أن* ‬تقنع* ‬جارتها* ‬إيران* ‬بخطاب* ‬حسن* ‬الجوار* ‬بعد* ‬التحريض* ‬الذي* ‬جاء* ‬على* ‬لسان* ‬أحد* ‬قادتها* ‬من* ‬أجل* ‬ضرب* ‬إيران؟*.‬

ألف* ‬ألف* ‬موقع* ‬لتفكيك* ‬الوهم* ‬المركب
ومع كل هذا الإحراج، فإني مازلت أعتقد أن الشعوب بحاجة إلى أكثر من عقد من الزمن من النشر والتسريب المنهجي لأف ألف موقع ويكيليكس، حتى تبدأ في التحرر من قيود الوهم المركب تجاه حكامها ونخبها، وترسخ لديها قناعة لا يشوبها تردد، من أن موطن الجريمة المنظمة الأول والأكبر، وساحة الفساد الكبرى، هي في دوائر الحكم والسلطة، كيفما كانت الطريقة التي تصل بها هذه العصابات إلى الحكم، وأنه بالنظر إلى الجرائم التي ترتكبها الصفوة، والعبث بالقوانين والمحرمات الدستورية، فإنه أول واجب يقع على الشعوب هو الإسراع بهدم السجون، وتسريح الملايين من المجرمين والمذنبين والمخالفين من العامة، من باب العدل والإنصاف، إلى حين بناء منظومة أمنية، وقضائية تشتغل على الجرائم الخاصة بنفس الحزم والصرامة في إنفاذ القانون الذي يخضع له المخالفون من العامة.
فلو أنك أحصيت جميع جرائم القتل والاغتصاب والسرقة التي ارتكبت في العقدين الماضيين من قبل العامة في ربوع المعمورة، وأحصيت معها مجموع المخالفات التي قادت أصحابها إلى السجون وعددهم اليوم بالملايين، لما وازنوا كفة ما ارتكبه رجل واحد من الخاصة مثل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش في ثماني سنوات من الحكم، ومع ذلك فهو رجل طليق، يتمتع حتى مماته بفرقة حماية على نفقات دافع الضرائب الأمريكية، ولا يمكن لأي محكمة أمريكية أو دولية أن تلاحقه، كما يلاحق أوكامبو الرئيس السوداني.
الخدمة الكبيرة الثانية التي قدمها موقع ويكيليكس، إضافة إلى ما كشفه من عورات الديمقراطية الغربية، هي الفضح الكامل للمنظومة الإعلامية السائدة التي لم تكن فحسب شريكا في سياسة التعتيم والتكتم على جرائم نادي الحكام والنافذين، كما حدث مؤخرا مع صحيفة الواشنطن بوست، بل نراها اليوم تجتهد لمحاصرة الظاهرة التي أوجدها موقع ويكيليكس، وسوف يكون أصحابها سعداء إذا ما اقتنعت الحكومات بالحاجة إلى غلق الموقع كيفما كان الثمن، وإصدار تشريعات تصنف مثل هذه الأنشطة في خانة الإرهاب.

حملة* ‬التكفير* ‬والتهجير* ‬لناقل* ‬الكفر* ‬
من* ‬جملة* ‬ردود* ‬الأفعال* ‬المسجلة* ‬في* ‬العالم* ‬العربي،* ‬استوقفتني* ‬ثلاثة* ‬مواقف*:‬
موقف الجهات الرسمية العربية التي كانت محل تعرية في وثائق السفراء الأمريكيين، وقد انقسموا إلى فريقين أحدهما يحاول تكذيب ما لا يحتمل التكذيب، من وثائق لم يطعن في صحتها أصحابها، والفريق الثاني دس على هون رأسه في التراب، لكن لا أحد من المسؤولين العرب توجه باللوم* ‬للدبلوماسية* ‬الأمريكية* ‬التي* ‬عبثت* ‬بهم* ‬على* ‬هذا* ‬النحو* ‬المخزي،* ‬فسارع* ‬أحدهم* ‬إلى* ‬سحب* ‬الاعتماد* ‬من* ‬السفير* ‬الأمريكي* ‬المعتمد* ‬لديه*.‬
الموقف الثاني هو لطائفة من الإعلاميين العرب الذين انقسموا بدورهم إلى فرق ثلاث: فريق مشكك في صحة الوثائق، وآخر لا يصدق أن دولة عظمى بقوة الولايات المتحدة يمكن أن تكون ضحية لقرصنة واسعة على هذا النحو، وثالث يرى في التسريبات محض مؤامرة تريد الوقيعة بين الحكام* ‬العرب* ‬وبين* ‬مواطنيهم* ‬أو* ‬فيما* ‬بينهم*. ‬والثلاثة* ‬في* ‬حيرة* ‬من* ‬أمرهم* ‬لأن* ‬التسريبات* ‬جاءت* ‬بتصديق* ‬لا* ‬يرد* ‬لما* ‬كانت* ‬بعض* ‬الأقلام* ‬العربية* ‬المتحررة* ‬تستنبطه* ‬بالتحليل* ‬الصرف*.‬

التخمة* ‬التي* ‬قد* ‬تذهب* ‬الفطنة
مواقف هذه الزمر التائهة من الحكام العرب وشخوص إعلامهم الساقط عمليا تحت سلطة إمبراطورية اليهودي الصهيوني ميردوخ، أقول أن مواقفهم ليست مفاجئة، بل هي متوقعة حتى قبل أن تعلن، لكن تستوقفني بعض المواقف التي صدرت عن مفكرين وكتاب عرب من ذوي الفطنة، الحذرين على الدوام حيال الظواهر الجديدة، خاصة حين يكون مصدرها قلب المنظومة العالمية، الذي يفاجئنا في كل مرة بإدارة معقدة ومركبة لقضايا الرأي العام، وما يزال بعضنا يذكر عمليات العبث بالرأي العام في تيميشوارا، وأسلحة الدمار الشامل، وأنفلونزا الطيور والخنازير، وملفات لا تحصى،* ‬خدع* ‬فيها* ‬العقل* ‬عند* ‬أكثر* ‬الناس* ‬فطنة*.‬
فمع أني كنت من أول المرحبين بهذه الكوة التي فتحت مع موقع ويكيليكس في جدار التعتيم والتكتم على جرائم نادي العلية العابر للقارات، المتضامن في مطلق الأحوال بين شخوصه على حساب مصالح وحقوق الشعوب، أجدني مدفوعا للوقوف على مسافة من هذه الظاهرة التي تحمل قدرا كبيرا من التهديدات للنظام العالمي، وتحديدا لمصالح الصفوة، إن هي تركت حتى تتحوّل إلى جائحة. ولست متأكدا أن العقب الحديدي الذي أحكم سيطرته على كل شيء في حياتنا ومن حولنا، سوف يسمح بنشوء قاعدة جديدة، هي بالتأكيد أخطر عليه من قاعدة أسامة بن لادن.

الخوف* ‬من* ‬كيد* ‬التخويف* ‬بإرهاب* ‬ناعم* ‬
أخشى ما أخشاه أن نكون أمام عملية كيدية معقدة ومركبة تريد صناعة عدو جديد يحل مستقبلا محل القاعدة، ويسمح للعقب الحديدي بسياسات قمعية ورادعة للحريات من جهة، ويمنحه أدوات للضغط والابتزاز على حكومات الغويم الضعيفة الفاشلة.
لنتذكر كيف أن الجانب الأكبر من النشاط التدميري لبعض أذرع القاعدة وما يسمى بالإرهاب إنما استهدف بالأساس الدول العربية والإسلامية، بعد جولة محدودة في الزمن بالولايات المتحدة والغرب، ما تزال محاطة بالضبابية والغموض، ولم نسجل أي خرق يذكر لأمن الدول الغربية، إما* ‬لأنها* ‬استطاعت* ‬أن* ‬تحمي* ‬أمنها* ‬الداخلي* ‬بوسائل* ‬تفتقر* ‬إليها* ‬دولنا،* ‬أو* ‬أن* ‬أحداث* ‬11* ‬سبتمبر* ‬لم* ‬تكن* ‬سوى* ‬نقطة* ‬بداية* ‬للعبة* ‬يراد* ‬بها* ‬إشغالنا* ‬لعقود،* ‬بحرب* ‬مفتوحة* ‬مع* ‬ذواتنا* ‬ومع* ‬الجانحين* ‬من* ‬أبنائنا*.‬
فما المانع، بعد أن بدأت الحرب على ما يسمى بالإرهاب تستنزف مفاعيلها، وتتعطل برامج تسويقها، على الأقل داخل المجتمعات الغربية، ما المانع أن تعزز بتخليق عدو جديد: نوع من "الإرهاب الناعم" الذي يسهل التحّكم فيه، ويسخر على أكثر من جبهة
داخليا، على مستوى قلب النظام العالمي، سوف يبنى على خلفية التهويل القائم بشأن تسريبات ويكيليكس سياسات أمنية تضاعف القيود على الحريات والحق في الإعلام، وتفتح باب إنفاق جديد للمقاولات الأمنية التي ازدادت حصتها من المغانم بفضل متطلبات الحرب على الإرهاب، وسوف تزداد* ‬حين* ‬تعمم* ‬ظاهرة* ‬ويكيليكس* ‬وتسلط* ‬على* ‬الحكومات* ‬والمؤسسات*. ‬بوسعكم* ‬أن* ‬تتصوروا* ‬كم* ‬ستنفق* ‬دولنا* ‬البائسة* ‬على* ‬أنظمة* ‬الحماية* ‬الرقمية* ‬وشبكاتها* ‬الداخلية* ‬من* ‬القرصنة* ‬والتسريب*.‬

حاجة* ‬الأوليغارك* ‬لتحفيز* ‬الأسواق* ‬الأمنية
منذ أسابيع أزيح الستار عن عمليات الاختراق الإسرائيلية لشبكة الاتصالات اللبنانية، واتضح أن الاختراق بدأ على مستوى مصنع التكنولوجية وبرمجيات الحماية، وأنه مهما أنفقت الدول المستوردة لهذه التكنولوجيات، فإنها سوف تبقى مهددة بالاختراق، لأن كل ما نستورده اليوم من* ‬تكنولوجيات* ‬قد* ‬حمل* ‬بأحصنة* ‬طروادة،* ‬وألغام* ‬صامتة* ‬تفجر* ‬بعد* ‬حين*. ‬
أريد أن أختم بهذا السيناريو الممكن والمحتمل، كنت قد ألمحت إلى جانب منه في مقال سابق يستشرف ما بعد بعد ويكيليكس، حين تتحوّل الظاهرة إلى ما يشبه الجائحة بآلاف المواقع المستنسخة لتجربة ويكيليكس، تضع الحكومات والمؤسسات تحت طائلة تهديد التسريب المنظم لوثائقها وما* ‬تحتفظ* ‬به* ‬من* ‬معلومات،* ‬في* ‬عالم* ‬أصبحت* ‬فيه* ‬المعلومة* ‬سلعة* ‬لها* ‬قيمة* ‬الذهب* ‬والنفط* ‬والمعادن* ‬النفيسة*.‬
لا شك عندي أننا سوف نشهد ميلاد سوق عالمية ضخمة لإنتاج وتسويق التكنولوجيات وبرمجيات حماية المعلومة، وسوف يكون المحفز عليها، حملة عالمية متواصلة، تخوف ملاك المعلومة من دول ومؤسسات مما سوف يُعمد لاحقا كإرهاب رقمي يجب أن يحارب بالترسانات القانونية القمعية، وبالإنفاق* ‬على* ‬أنظمة* ‬الحماية،* ‬وبعدها* ‬على* ‬أنظمة* ‬حماية* ‬أنظمة* ‬الحماية،* ‬في* ‬دورة* ‬رأسمالية* ‬لا* ‬تتوقف*.‬

الحروب* ‬كوسيلة* ‬لمواصلة* ‬التجارة* ‬بطرق* ‬أخرى
أريد أن أذكر أن الذي يصنع السياسات والحرب والسلم ويسير للعلاقات الدولية في النظام العالمي الحديث ليس الساسة بل حفنة من كبار الأوليغارك المتحكمين في المركب الصناعي العسكري وقد اتسع إلى المال والإعلام والفضاء الرقمي، وتنظم في هذه الساحات حروبا مكلفة لدافعي الضرائب. تذكروا فقط أن الأزمة المالية العالمية كانت بفعل فاعل وقد خرج منها الأوليغارك وأرباب كبريات المؤسسات المصرفية سالمة غانمة، أكثر ثراء، وخرجت الشعوب منها أكثر فقرا، وتذكروا عوائدهم من جبهات التخويف التي فتحوها على الشعوب بالأوبئة والجائحات الافتراضية، وأعتقد أنهم سوف يكسبون الكثير من الترويج لميلاد أنواع من الإرهاب الناعم المحفز لرواج سلع الحماية والأمن الرقمي وبرمجياته، مع فائض قيمة لم يتوّفر في حملات التخويف والتهويل السابقة، حين تنشأ في أذهان الناس أوهام بقرب الفرج، ودنو ساعة التغيير على أيدي أمراء قاعدة* ‬الجهاد* ‬الرقمي* ‬وألوية* ‬القرصنة* ‬والتسريب* ‬المعلوماتي*. ‬

ابراهيم عبد المعطى داود
12/21/2010, 08:40 PM
هناك فى آخر الطريق

بقلم د. أيمن الجندى ٢١/ ١٢/ ٢٠١٠

آخر ما يذكره عن والده أنه كان راقداً فى فراشه قد علاه شحوب، كان الصمت يهيمن على المكان، وكان خائفاً، الرهبة تعتصر قلبه، وإحساس غامض راوده بأن أباه لن يعود، بكى، لكن بكاءه كان خوفا أكثر منه حزنا، سالت دموعه بغزارة، وسرعان ما انزلق فى عالم النوم الرحيم.

حينما استيقظ فى الصباح التالى، شاعراً بفراغ فى موضع القلب، أحس بأن شيئاً تغير، لا يعرف كيف تغير، حتى ضوء الشمس كان يرتمى فى كآبة وسماجة، شعر الطفل بأنه يختنق فغادر البيت، فى الشارع أطلق العنان لدموعه، وكلما حاول أحد أن يستوقفه نفر وابتعد، فى النهاية استسلم لأحضان شيخ كبير له ملامح توحى بالثقة، سأله عن سبب بكائه، فأخبره عن أبيه الراحل، ضحك الشيخ فى عذوبة، واحتضنه أكثر، استنشق من ردائه عبير عطر خافت، فأحس بسكينة رطبة وطمأنينة غامرة، ثم قال الشيخ فى يقين وهو يشير إلى آخر الدرب: «أبوك فى نهاية الطريق هناك».

لم يراوده الشك، انطلق يحدوه الأمل، أبوه فى آخر الطريق وينتظره، الدرب مزدحم بالبشر، مملوء بالحركة، بعد خطوات شاهد أطفالا يلعبون الكرة، توقف، راح يراقبهم فى شغف، أحس بدفقة الحياة تدفعه إلى المشاركة، ركل الكرة، راوغ وسدد، شعر بلذة الانتصار، تعارك عدة مرات مع لاعبى الفريق المنافس، أحرز أهدافاً وأخفق فى إحراز أهداف، ثم تذكر أباه المنتظر فى نهاية الطريق، فأحس بالخجل، ترك الملعب بسرعة وعاود المسير.

وجد من يدفعه إلى داخل المدرسة، قاوم ثم استسلم للأمر الواقع، استمع لشرح المُعلّم بذهن شارد، وهو يتعجل الانصراف.

خرج صادق العزم على تعويض ما فاته، قابل أصدقاءه، حدثوه عن أشياء ممتعة، تعالت الضحكات، نعم بالصحبة، استشعر الأنس، ثم تذكر أباه فعاد مسرعا إلى الطريق.

مر الوقت بسرعة، عاد إلى الطريق حيث ينتظره أبوه هناك، شعر بالجوع، لم يكن معه نقود، اُضطر إلى العمل كى يأكل، ثم عاد إلى الطريق.

شاهد إعلانا لفيلم سينمائى تميل فيه البطلة على البطل بطريقة مُغرية، ثار باطنه، تأجج داخله، استدرجته الزينة الملونة، قال لنفسه سأشاهد الفيلم بسرعة، وأعاود المسير.

شاهد بنتا أعجبته، ذكّرته بملامح أمه، أشرق وجهه بالنور، أشرق باطنه بالمحبة، حدثها عن والده الذى ينتظره، فاقترحت عليه أن يسيرا معاً.

نظرت إليه فى دلال، هزت شعرها، تناثر من شعرها أطفال صغار لا يستطيعون المشى، فاضطر لحملهم.

كان النهار يوشك أن ينتهى ولم ير أباه بعد، سار طويلا، واستراح قليلا، ضحك كثيراً، وبكى كثيراً، لكن ذلك كله- كما أخبره الشيخ الكبير- كان فى الطريق إليه.

وفجأة، ودون أى توقع، وجد الطريق ينتهى، ووجه أبيه أمامه، يضحك له، وفى أول الطريق طفل باكٍ، يسأل شيخاً كبيراً عنه، فيشير إليه، يخبره بأنه ينتظره فى آخر الطريق هناك.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/22/2010, 09:03 PM
د. يوسف زيدان يكتب: فتح مصر (٧/٧) .. ما بعد عمرو: عبدالله بنُ أبى سَرْح

٢٢/ ١٢/ ٢٠١٠

يعرف كثيرٌ من الناس أن «أبا سفيان بن حرب بن أمية» أجاب يومَ فتح مكة عن سؤال النبى للمشركين: ماذا تظنون أنى فاعلٌ بكم؟ بقوله: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريم.. فتسامح النبىُّ مع مُشركى قريش يومَها، وقال الحديث المشهور: مَنْ دخل البيت (الكعبة) فهو آمنٌ، ومَنْ دخل بيته (أى التزم بحظر التجوُّل) فهو آمنٌ، ومَنْ دخل دار أبى سفيان فهو آمنٌ.

وقد لا ينتبه كثيرٌ من الناس، إلى أن أبا سفيان (آنذاك) كان لايزال مشركاً، وكانت زوجته (آنذاك) هى السيدة «هند بنت عُتبة» التى فتكت بالحمزة، عمِّ النبى، وأكلت من كبده ثأراً وانتقاماً، ولكنَّ أبا سفيان، أيضاً، هو حمو النبى (أبوزوجته) وهو أبو «معاوية» الذى يُقال إنه كتب فى صغره شيئاً من الوحى القرآنى، والذى سيصير (بعد ذاك) أول ملوك الإسلام، ومؤسس الدولة الأُموية، التى حكمت المسلمين قرابة قرنٍ من الزمان، حتى أزاحها من الحكم العباسيون.

وقليلٌ من الناس يعرفون أن النبى، على الرغم من تسامحه مع أهل قريش وغفرانه لهم يومَ فتح مكة، دعا فى ذلك اليوم إلى قتل أربعة رجال وامرأتين (حتى وإن تعلَّقوا بأستار الكعبة) فكانت إحدى المرأتين هى «أمُّ سارة»، التى تجسَّست على المسلمين قبيل الفتح، وكادت تنقل إلى أهل مكة تحذير «حاطب بن أبى بلتعة» للمشركين بأن النبىَّ قادمٌ إليهم على رأس جيش، حسبما ذكرنا فى المقالة الثانية من هذه السباعية.. وكان أحد الأربعة المطلوب قتلهم (لأسبابٍ مختلفة) هو الرجل الذى سيرتبط اسمه بعد حينٍ بفتح مصر: عبد الله بن سعد بن أبى سَرْح.. فلماذا توعَّده النبىُّ ودعا إلى قتله يوم الفتح، وما الذى صار معه من بعد الوعيد؟

كان (عبدالله) هذا من فقراء قريش، وقد أسلم فى وقتٍ مبكر وهاجر مع النبى من مكة إلى المدينة،. ولأنه كان يجيد الكتابة والقراءة، فقد اختاره النبىُّ ضمن الذين كانوا يكتبون عنه الوحىَ القرآنى، وهم جماعة من الكتاب القُرشيين..ألا يدعونا ذلك إلى إعادة النظر فى فهمنا للآية القرآنية (هو الذى بعث فى الأميين رسولاً منهم...) من زاويةٍ أخرى، غير فكرة الجهل بالقراءة والكتابة (كأن يكون الأمىُّ، هو غير اليهودى) المهم، أن «ابن أبى سرح» ظل يكتب الوحى عن النبىِّ زمناً، حتى فوجئ الجميع يوماً بهروبه من يثرب (المدينة المنورة) إلى مكة (أمِّ القرى)، وهناك قال للمشركين إنه كان يكتب «غير» ما يمليه عليه النبىّ! فإذا أملى عليه مثلاً «سميعٌ عليم» كتبها «عليمٌ حكيم» ثم يعرض المكتوب على النبىِّ فيُقرُّه، فافتتن الرجل وقال: «ما يدرى محمدٌ ما يقول، وإنى لأكتبُ له ما شئت، والذى كتبته يُوحى إلىَّ مثلما يُوحى إلى محمد».. وهكذا ارتدَّ الرجل عن الإسلام، وهرب من المدينة إلى مكة.

وقد روت المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة والمتأخرة، الواقعةَ السابقة، مسبوقةً بسلسلة الرواة الثقات الذين تناقلوها، وزادت بعضُ هذه المصادر، أن النبىَّ كان يُملِى على «ابن أبى سَرْح» قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سُلالةٍ من طين.. ثم أنشأناه خَلْقاً آخر) فقال ابن أبى سَرْح وقد بهرته الآيات: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له النبىُّ صلى الله عليه وسلَّم: اُكتبْها فإنها نزلت هكذا.

وعلى هذا النحو، كاد الرجل يُحدث فتنةً عظيمةً بين الناس، مما دعا النبىَّ إلى إهدار دمه يومَ فتح مكة.. لكنَّ ابنَ أبى سَرْح لم يُقتل، فقد اختبأ فى بيت الصحابى الجليل (والخليفة من بعدُ) عثمان بن عفان، الذى كان أخاه فى الرضاعة، وتوسَّط عثمان (ذو النورين) وأخذ «المرتدَّ» إلى مجلس النبى، وألحَّ عليه فى قبول توبة عبدالله بن أبى سَرْح، حتى وافق النبى على مضضٍ، ثم قال بعدما بايعه: أما كان لهذا الكلب مَنْ يقتله؟ فقال رجلٌ من الأنصار ما معناه: يا رسول الله كنتُ أنظر إليك وعثمان يحاورك، عساك تومئ لى (تغمز) فأقوم وأقتله.. فقال النبى: ما كان لنبىٍّ أن يومئ، وليس فى الإسلام إيماءٌ ولا فتك.

وقد تناقل المؤرِّخون أن «ابن أبى سَرْح» كان يفرُّ من النبى كلما رآه، حتى توسَّط عثمان ثانيةً وتحدَّث إلى النبى قائلاً: يا رسول الله بأبى أنت وأمِّى، هذا ابن أمِّ عبد الله يفرُّ منك كلَّما رآك. فتبسَّم رسول الله وقال: أو لم أُبايعْه وأُؤمنه؟ فقال عثمان: بلى، ولكنه يتذكَّر عظيم جُرْمه.. فقال النبى: الإسلام يجُبُّ ما كان قبله (وهى العبارة التى كان النبى قد قالها من قبل، لعمرو بن العاص، يوم جاء ليعلن إسلامه ويبايع النبى).

وصار ابن أبى سَرْح من بعد ذلك، يجالس النبىَّ ويسلِّم عليه، مع بقية المسلمين، وبعد وفاة النبى اشترك الرجل فى الفتوحات وأبلى بلاءً حسناً، وكان فى صُحبة عمرو بن العاص حين دخل مصر بجيشه غازياً، بل كان قائد الميمنة (الجناح الأيمن من الجيش) حتى إذا تمَّ الفتحُ واستقر الأمرُ بيد المسلمين، جعله الخليفة عمر بن الخطاب أميراً على الصعيد، وترك لابن العاص إمارة بقية البلاد.

وسار ابن أبى سَرْح فى فترة إمارته على مصر، على غير ما كان عمرو بن العاص يريده. فقد كان عمرو يترفَّق بالمصريين فى جمع الجزية (ضريبة الدفاع عن البلاد) ولم يفرض على الناس قدراً معلوماً من المال، وإنما يقول ردّاً على ذلك القسِّ الذى سأله عن مقدار المال الواجب سداده سنوياً: «لو جئت لى بملء هذه الكنيسة ذهباً ما أخذته منك، فإنما أنتم خزانةٌ لنا، إن وسَّع اللهُ علينا وسَّعنا عليكم، وإن ضيَّق ضيَّقنا»، (أى بعبارةٍ معاصرة: نحن فى خندق واحد!).. وكان الخليفة عمر بن الخطاب، يشتد فى الخطاب مع عمرو بن العاص، ليحصِّل من جزية مصر ما كان يحصِّله الروم، وقد كتب إليه ذات مرة رسالة فيها: «من عمر بن الخطاب، إلى العاص بن العاص! أراك تحصِّل من مصر أقلَّ مما كان يحصِّله الروم، ومن قبلهم الفراعين على كفرهم وعُـتُوِّهم.. إلخ» فردَّ عليه برسالة فيها: من عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، لولا مكانتك فى المسلمين لرددت عليك بما يناسب كلامك، وهؤلاء الفراعين كانوا على كُفرهم وعُتُوِّهم يُصلحون الأرض ويعتنون بالبلاد، فيكثر خراجها.. إلخ»، وكان عمرو يريد أن يسكن مدينة الإسكندرية، لكن الخليفة عمر رفض ذلك، ورفض أن يقتسم الفاتحون بلاد مصر ويجعلونها غنيمةً لهم. لأن لأهلها عهداً وذمة من قبل الفتح، ومعروف أن الخليفة »عُمر بن الخطاب« هو الذى عنَّف »عمرو بن العاص« حين اشتكى منه واحدٌ من المصريين، قائلاً: متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحراراً.

وتوفى الخليفة »عمر« بعدما اغتاله أحد المجوس (اسمه أبو لؤلؤة) فتولَّى من بعده عثمان بن عفان، وعزل عمرو بن العاص عن إمارة مصر، وجعل مكانه أخاه فى الرضاعة «عبدالله بن أبى سَرْح» فانصاع عمرو بن العاص ونفَّذ أوامر الخليفة بالعزل، من دون أن يفكر فى الثورة عليه أو الاستقلال بحكم البلاد، مثلما كانت عادة قوَّاد الروم (البيزنطيين) لمئات السنين.. وعاد عمرو إلى المدينة، وظل ساكناً هناك.

ومع أن الخليفة عثمان كان قد أوصى «ابن أبى سَرْح» بالترفُّق فى جباية الضرائب، وألا يظلم مسلماً أو معاهداً (بحسب نصِّ الرسالة التى حفظها لنا المؤرِّخون القدماء) إلا أن الوالى الجديد، فيما يبدو، أراد أن يثبت أنه أفضل من «عمرو» فى حكم البلاد، فأرهق الناس بضرائب كثيرة (ليس من بينها ضريبة المبيعات أو ١٢% خدمة) فثارت الإسكندريةُ على الحكم الإسلامى، خاصةً بعدما جاءها القائدُ البيزنطى الذى يسمِّيه العربُ منويل »إيمانويل« بأسطولٍ كبير، استطاع به انتزاع عاصمة البلاد (الإسكندرية) من يد المسلمين، وقام بنهب القرى المصرية.. وهكذا احتاج الخليفة »عثمان« إلى عمرو بن العاص، ثانيةً، فقام إلى مصر على رأس جيشٍ استطاع أن يطرد عنها الروم. وأعاد الفاتح البديع عمرو بن العاص الديارَ المصرية إلى حكمها الإسلامى.

وبينما كان »عمرو« يحتفل بانتصاره، جاء إليه أهل القرى المنهوبة على يد البيزنطيين، واشتكوا ما حلَّ بهم عندما عجز المسلمون عن الدفاع عن البلاد حين عاد الروم، فتفهَّم عمرو بن العاص شكواهم، وعوَّضهم عن خسائرهم.. يقول القسُّ الإنجليزى د. ألفريد بتلر فى كتابه (فتح العرب لمصر) ما ترجمته: «قالوا لعمرو بن العاص إنهم كانوا موالين للعرب، وكان لا بُدَّ له أن يقاتل عنهم، وقد أصابهم ما أصابهم حين قصَّر المسلمون فى حمايتهم. وكانوا على حق فى شكواهم هذه، ولكن قلَّما ترى بين القوَّاد المظفَّرين، مَنْ يعبأ بمثل تلك الشكوى، لكن عمرو أمر بتعويض القبط لما فقدوه ، فكان هذا إقراراً صريحاً من عمرو، بما عليه من فرضٍ واجب، فألزم نفسه فى صراحةٍ بأن يعوِّضهم عما لحق بهم، وهو الأمر الذى يدل على ما كان عليه عمرو من حُسن الرأى فى الحكم، وما كان متصفاً به من نبيل الصفات (انتهى كلام القسّ د. ألفريد بتلر).

ويبدو أن طريقة عمرو بن العاص فى حكم البلاد، لم تعجب الخليفة. ولهذا السبب (أو لأسبابٍ أخرى، غير معلنة) وصل إلى مصر قرار الخليفة عثمان بأن يتولَّى «ابن أبى سَرْح» إمارة الخراج وجباية الأموال، ويتولَّى «ابن العاص» إمارة الحرب والقتال.. وهو الأمر الذى رفضه عمرو بن العاص، وقال: «إذن، فأنا كماسك قرنىْ البقرة، وآخرُ يحلبها» فعزله الخليفة مرةً ثانية، واستدعاه إلى المدينة (يثرب) فظل هناك لعدة سنوات، ساكناً، خاملاً ، مكتئباً.

وعاد «ابن أبى سَرْح» إلى الاشتداد فى جمع الضرائب، وأرسل إلى المدينة مالاً أكثر بكثير مما كان يرسله عمرو بن العاص. فلما وصل المال إلى الخليفة «عثمان» استدعى عمرو بن العاص وقال له، ليغيظه: «لقد درَّت اللقاح (أى زاد الحليب) من بعدِك يا عمرو» فردَّ ابنُ العاص عليه من فوره قائلاً: لأنكم أعجفتم أولادها، فهزلت (حين سلبتم منها لبن الرضاعة).

والمؤرِّخون مختلفون فى شخصية عبدالله بن أبى سَرْح، فبعضهم يصفه بأنه «من أعقل القرشيين وأشرفهم» وبعضهم الآخر، ومنهم الطبرى، يقول عنه: «لم يكن فى وكلاء عثمان، أسوأ من عبدالله بن أبى سَرْح، والى مصر».. ومعروف تاريخياً، أن هذا (السوء) المشار إليه، كان هو السبب المباشر لمقتل الخليفة عثمان بن عفان، على أيدى »المصريين« أى العرب المسلمين، الذين كانوا يعيشون بمصر.

ظل عبدالله بن أبى سَرْح حاكماً لمصر، حتى قُتل الخليفة عثمان سنة ٣٥ هجرية، وكانت ولايته على البلاد سنة ٢٧ هجرية، فكانت هذه السنوات حافلة بالوقائع الدالة على صعوبة رسم صورة محدَّدة لابن أبى سَرْح، فهو من جهةٍ: الفاتح الذى أدخل الإسلام إلى أفريقية (كلمة أفريقية تعنى فى المصادر العربية المبكرة: تونس) وهزم أسقفها العسكرى «جورجيوس» ويقال: بل قَتَله، وغَنِم من هناك غنائم كثير، وصل معها نصيب (الفارس) ثلاثة آلاف دينار، ونصيب (الراجل) ألف دينار.. و ابنُ أبى سَرْح هو الذى هادن أهل النوبة وصالحهم على العهد الذى سُمِّى لاحقاً (اتفاقية البقط).. و ابنُ أبى سَرْح هو الذى هزم فى موقعة «ذات الصوارى» سنة ٣٤ هجرية الأسطولَ البيزنطى الذى ظل لمئات السنين مسيطراً على مياه البحر المتوسط، وكان تعداده فى الموقعة يبلغ ألف سفينة حربية (وقد كان العرب المسلمون قبل سنوات قليلة، يخشون ركوب البحر، وهو إنجازٌ كبير لابن أبى سَرْح، وإن كان أمير الشام آنذاك »معاوية بن أبى سفيان« قد أعانه بسفنٍ حربية أرسلها إلى موقعة ذات الصوارى من الشام).

ومن الجهة المقابلة، كان «ابن أبى سَرْح» يجهد البلاد فى جمع الضرائب، ويغدق على نفسه! حتى إنه بنى داراً فخمة فى مصر، فقال له المقداد بن الأسود: إن كانت هذه الدار من مالك فقد أسرفت، والله لا يحب المسرفين، وإن كانت من مال الله (الخراج) فقد خُنت، والله لا يحب الخائنين.. وكانت بمصر فتاة جميلة اسمها «بسيسة بنت حمزة بن ليشرح»، وكانت مخطوبة لشاب من المسلمين، وبين المخطوبَيْن حبٌّ عميق. فلما رأى ابن أبى سَرْح الفتاة أعجبته، وطلب من خطيبها أن يتركها له (مع أن الحديث الشريف يقول للمسلمين: لا يخطبن أحدكم على خطبة أخيه) فتركها حبيبُها مضطراً.. فلما كان قتال المسلمين والروم فى «ذات الصوارى» وقع الأمير عبدالله بن أبى سَرْح بين سفينتين، والتفَّت حوله الحبال والسلاسل، فكاد يهلك، لولا أن الفتى المحروم من حبيبته «بسيسة» اقتحم الموضع الذى عَلِق فيه ابن أبى سَرْح، وراح بسيفه يذود عنه ويقطع الحبال والسلاسل، حتى أنقذه من الموت .. وقد بقيت »بسيسة« فى بيت الأمير »ابن أبى سَرْح« حتى عُزل واعتزل بأرض فلسطين، ومات هناك .. فعادت إلى خاطبها الأول، وتزوَّج الحبيبان القديمان، بعدما ضيَّع الزمان منهما سنوات الشباب والروعة.

وحسبما ذكرنا فى المقالة السابقة، فقد أعان عمرو بن العاص «معاوية بن أبى سفيان» فى صراعه على الخلافة مع الإمام «علىّ بن أبى طالب» حتى استقام الأمر لمعاوية واستقر على العرش، وصار مشغولاً بمسألة (التوريث) وأخذ البيعة لابنه يزيد، وهو الأمر الذى لم يعترض عليه عمرو بن العاص! فكانت مكافأته، أنه عاد ليحكم مصر ويظل أميراً لها حتى وفاته ودفنه بجبل المقطم.

أما أهل مصر، فصاروا يدخلون فى الإسلام رويداً، مثلما دخلوا فى المسيحية من قبلُ رويداً.. فمثلما تخلَّى المصريون (على اختلاف أطيافهم) عن الديانات القديمة التى اعتنقوها قروناً من الزمان، لصالح الديانة المسيحية التى وفدت إليهم من شمال الجزيرة العربية (فلسطين) وهو الأمر الذى استغرق ما يقرب من ثلاثمائة عام، تخلَّى معظم المصريين عن المسيحية لصالح الديانة الإسلامية، التى وفدت إليهم من قلب الجزيرة (مكة) وهو الأمر الذى استغرق أيضاً، قرابة الثلاثمائة عام.. فمع القرن الرابع الميلادى كان معظم أهل مصر مسيحيين، وصارت اليونانية هى لغة الدين والدنيا.. ومع القرن الرابع الهجرى كان معظم أهل مصر مسلمين، وصارت العربية هى لغة الدين والدنيا.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/22/2010, 09:06 PM
الحدود المفترى عليها

بقلم جمال البنا ٢٢/ ١٢/ ٢٠١٠

جاء تعبير «حدود الله» فى آيات تتعلق بالصيام والطلاق والمواريث والظهار، ولم تُرتب عليها عقوبة دنيوية، بل تُرك أمرها لله يوم القيامة أو فُرض عند مخالفتها صيام.. أو صلاة.. أو عتق رقبة، وهذه الحقيقة تختلف عما هو شائع بين الناس عن أن الحدود هى عقوبات على جرائم محددة.

الجرائم التى حدد القرآن لها عقوبات والتى يطلق عليها «الحدود المقدرة» هى: السرقة وعقوبتها القطع، والقذف وعقوبته ثمانون جلدة، والزنى وعقوبته مائة جلدة، ولم يحكم القرآن بعقوبات على جرائم مثل شرب الخمر، والردة، والزنى للمحصن، وهذه لم يرد عنها تحديد فى القرآن، كما أن القتل يدخل فى باب القصاص وهو لمن يَقتل عامدًا متعمدًا.

وقيل إن السُّـنة فرضت عقوبات، ولكن الرسول، صلى الله عليه وسلم، نفسه يقول: «الحلال ما أحل الله فى كتابه، والحرام ما حرمه الله فى كتابه»، وجعله الله رحمة للعالمين، وليس مما يتفق مع ذلك أن يأمر بعقوبات لم ترد فى القرآن أو تكون أقسى مما ذكرت فى القرآن لأن الرسول قد نزل «رحمة»، وقد قال تعالى: «لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ».

لا يمكن معالجة العقوبات المقدرة كما لو كانت عقوبات فى أى قانون وضعى للعقوبات، لأن صفتها الإسلامية تربطها بالإسلام وتسمح بأن تؤثر العقيدة على الشريعة.

والإسلام عقيدة وشريعة، والعقيدة هى الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر والقدر، أما الشريعة فهى «الدنيويات» أى ما يتعلق بالمجتمع اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وتدخل فيها العقوبات المقدرة، وهذا الارتباط ما بين العقيدة والشريعة يسمح بنوع من التأثير المتبادل كل على الأخرى، وهذا لا يمنع من أن نظرة الإسلام إلى العقوبة أنها «زاجرة» أو «رادعة»، لأن الجريمة تمثل انتهاكاً للقانون، وبالتالى يجب توقيع عقوبة «تردع» الباقين عن الوقوع فى الجريمة، ومن هنا فإن العقوبات تكون قاسية، ولكنها تعد أكثر رحمة من عقوبات خفيفة تسمح للناس باقتراف الجريمة، خاصة إذا كان الغنم أكثر من الغرم.

ولكن هذه النظرة تتعرض لتدخل العقيدة، ومدخلها ومنطلقها مختلف عن مدخل ومنطلق الشريعة.

العقيدة ترى فى الجريمة ضعفاً بشريًا يمكن أن يعالج بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولكن الشريعة ترى فى الجريمة انتهاكاً للقانون يعالج بجعل الجريمة زاجرة ورادعة.

العقيدة تجعل العقوبة مكفرة، ومطهرة من قذارة الجريمة، وكان من يرتكب جرمًا يأتى الرسول صائحًا «طهرنى».

وتؤثر العقيدة فى جعل الإقرار هو سند العقوبة، وأن يكون هذا الإقرار مؤكدًا، وقد يصل أثر العقيدة على العقوبة أن تأخذ بالشبهة لتدرأ العقوبة، أو أن تأخذ بإنكار المتهم، أو حتى تصل إلى حد تلقين المتهم إنكار الجريمة، أو بالتعبير «ما يسقط الحد»، وحدث هذا أيام أبى بكر وعمر.

جاء فى كتاب فقه السُـنة للشيخ سيد سابق تحت عنوان «تلقين السارق ما يُسقط الحد» : «ويندب للقاضى أن يلقن السارق ما يُسقط الحد»، رواه أبوأمية المخزومى (أن النبى عليه الصلاة والسلام أُتى بلص اعترف ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ما أخالك سرقت، قال: بلى، مرتين أو ثلاثاً) رواه أحمد وأبوداود والنسائى، ورجاله ثقات.

وقال عطاء: كان من قضى (أى تولى القضاء) يؤتى إليه بالسارق، فيقول: أسرقت؟.. قل لا، وسمى أبا بكر وعمر، رضى الله عنهما (أى ذكر أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك حينما توليا القضاء).

وعن أبى الدرداء: (أنه أُتى بجارية سرقت، فقال لها : أسرقت؟ قولى لا، فقالت: لا.. فخلى سبيلها).

وعن عمر أنه أُتى برجل سرق فسأله: (أسـرقت؟.. قل لا، فقال: لا) فتركه». (انظر «فقه السُـنة»، ص ٤٧٥، ج ٣، طبعة دار الفتح).

ومن آثار العقيدة على الشريعة الأخذ بفكرة التوبة، وكذلك فرض «التزامات» كتكفير عن مخالفات كالصوم مثلاً أو عتق رقبة.

إن مضى العقيدة إلى درجة تلقين المتهم الإنكار يعرض لنا صفحة لا نجدها فى أى تشريع آخر، ويضرب مثلاً ليس هناك ما يجاوزه فى الحرص على المتهم.

ولكن الشريعة تأتى فتجعل العقوبة الأصلية رادعة، كالقطع والجلد، وهذا يعود لأن منطق الشريعة ليس هو المتهم، ولكن القانون، ومن هذا فإن من يسرق عشرة جنيهات كمن يسرق ألف جنيه من ناحية أنه انتهك القانون، كما يلحظ أنها شخصية، أى تقع على شخص الجانى، ومن هذه الناحية فإنها تـَفـْضُـل السجن الذى يعاقب أسرة المتهم جنبًا إلى جنب المتهم نفسه.

فى مقابل هذا، فقد فتحت الشريعة نفسها باب الاجتهاد فى الإجراءات القانونية وفى فهم التهمة، ومن ذلك أن تطبيق حد القطع يتطلب مواصفات معينة فى المسروق وفى السارق، وفى طريقة السرقة، وفى موضوع السرقة.

وهذه نجدها فى الفقه السلفى القديم، كما نجد اجتهادات بعض الفقهاء المحدثين مثل الشيخ عبدالمتعال الصعيدى الذى رأى أن القطع يمثل الحد الأعلى الذى يمكن الأخذ به فى حادث السرقة الشنيعة التى تسىء إلى المجتمع كنهب البنوك وخزائن الشركات، أو رواتب عاملين... إلخ، أما فى غيرها فيمكن الأخذ بالحبس أو الغرامة.

وعندما ضيق الأزهر الخناق على الشيخ عبدالمتعال فإنه استخرج شواهد من الفقه القديم تحل الغرامة أو السجن محل القطع، منها:

قال الإمام فخر الدين الرازى فى تفسيره- المسألة الخامسة- قال الشافعى: أغرم السراق ما سرق، وقال أبوحنيفة والثورى وأحمد وإسحاق: لا يجمع بين القطع والغرم، فإن غرم فلا قطع، وإن قطع فلا غرم، وفصَّل مالك بين الموسر والمعسر فى الغرامة، ثم ساق الفخر حجج المذاهب وذكر مذهب القائلين بأن التوبة قبل الحد تسقط الحد وذكر حجته.

وقال ابن العربى فى كتاب «أحكام القرآن»- المسألة التاسعة عشرة- قال أبوحنيفة: إن شاء أغرم السارق ولم يقطعه، وإن شاء قطعه ولم يغرمه، فجعل الخيار إليه، والخيار إنما يكون بين حقين هما له، والقطع فى السرقة حق الله تعالى، فلم يجز أن يخيَّر العبد فيه.

وجاء فى شرح الزيلعى عند قول المتن: ولا يجتمع قطع وضمان وتردُ العين لو كان قائمًا، وفى المكافى هذا أى عدم وجوب الضمان إذا كان بعد القطع، وإن كان قبل القطع فإن قال المالك أنا أضمنه لم يقطع عندنا، وإن قال أنا أختار القطع يقطع ولا يضمن، وهذا نص صريح فى صاحب المكافى يرى تخيير المسروق منه بين القطع والتغريم، وهذا أبعد بكثير ممن يرى التخيير للإمام الذى يناط به تنفيذ الأحكام والسهر على حقوق الله تعالى.

وجاء فى المغنى والشرح الكبير للحنابلة، وقال الثورى وأبوحنيفة لا يجتمع الغرم والقطع، إن غرمها قبل القطع سقط القطع، وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم.

فلو ذهب ذاهب أخذاً من هذه النصوص إلى أن الواجب الأصلى فى السرقة إنما هو الغرم والقطع بدل عنه، ويكون حيث يراه الإمام مصلحة، لما كان بعيدًا، وقد نسب ابن رشد فى كتاب «بداية المجتهد» إلى الكوفيين: أن الواجب الأصلى عندهم هو الغرم، وأن القطع بدل عنه.

وإنى أذكر هذا بياناً لأن المسألة يجوز أن تكون محل اجتهاد، وإن كنت لا أوافق عليه، وإنما رأيى فى ذلك ما بينته من قبل.. والله ولى التوفيق.

وبهذا يكون القطع اختياريًا، للإمام أن يعدل عنه فى حالات السرقة الطفيفة أو للمرة الأولى، كما أن له أن يأخذ بالقطع فى الحالات الجسيمة، كما يجب أن يلحظ أن الآية استخدمت لفظ السارق والسارقة مما يوحى بأنه المتعود السرقة بحيث يطلق عليه «سارق». انتهى كلام الشيخ عبدالمتعال الجبرى.

ورأى المفكر الإسلامى الأستاذ عبدالله العلايلى أن العقوبات المنصوصة ليست مقصودة بأعيانها حرفيًا، بل بغاياتها، وبهذا يكون القطع هو الحد الأعلى والأقسى بعد أن نفى أى روادع أخرى.

كما يرى المفكر الإسلامى الدكتور شحرور أن القطع هو الحد الأعلى الذى لا ينفى وجود ما هو أخف منه ويستأنس بتعبير كلمة «حد» التى توحى بوجود حد أعلى وحد أدنى.

كذلك هناك وجهة نظر أن الحد لا يطبق إلا على من تعود السرقة بحيث يصح عليه تعبير سارق، وبهذا أخذ الدكتور إسماعيل معتوق، عضو مجلس الشعب عن دائرة قنا ١٩٧٦ــ ١٩٧٧م، عندما وضع مشروع قانون إسلامى وأورد نصًا رُوى عن عمر بن الخطاب، لما أراد قطع يد شاب سرق، أن أمه قالت له: اعف عنه يا أمير المؤمنين، فإن هذه الصفة أول مرة، فقال لها عمر: إن الله أرحم من أن يكشف ستر عبده لأول مرة.

كما يجب دراسة ما ذهبت إليه الزيدية من إمكان عفو المجنى عليه فى جريمة السرقة، بل هم يرون أكثر من ذلك أن للإمام مع وجوب إقامة الحد أن يسقط العقوبة عن بعض الناس لمصلحة، وله أن يؤخر إقامة الحد إلى وقت آخر لمصلحة (انظر جرائم السرقة بين الشريعة والقانون للأستاذ عبد الخالق النواوى وقد استند فى هذا إلى «شرح الأزهار»، جـ ٤، ص ٣٧٤).

ومن اجتهادنا الخاص أن الآية «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ» أن المفسرين جميعًا اعتبروا أن من اللمم السرقة الأولى ثم يتوب، والزنية الأولى ثم يتوب، بل إن الشهيد سيد قطب ذهب إلى أن المغفرة تضم «كَبَائِرَ الإِثْمِ» بدليل ما جاء بعدها «إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ» ولا يكون واسع المغفرة إذا كانت مقصورة على اللمم، ونعتقد أن الرسول الذى قال لرجل جاء بآخر ليوقع عليه عقوبة الزنى: «لو سترته بثوبك كان خيرًا لك»، وأن أبا بكر وعمر عندما لقنا المتهم الإنكار كانا يتأولان هذه الآية.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/24/2010, 10:19 AM
مواقف
بقلم: أنيس منصور
أنيس منصور

‏*‏ المرأة إذا أحبت تكره أن تكون صديقة لمن تحب‏!‏

‏*‏ لابد أن هناك سببا قويا يجعل المرأة تسرف في استخدام العطور‏!‏
‏*‏ أليس شيئا عجيبا أنك إذا ذبحت المرأة فلن تنزل منها قطرة دم واحدة؟‏!‏
‏*‏ اتفقنا علي الحب والصبر‏..‏ علي الحلو والمر‏..‏ ولكنها أخلت بالعقد فلم يعد بيننا إلا المر‏!‏
‏*‏ إذا أردت أن تحبك المرأة فكن مجنونا‏..‏ فالمرأة لا تحب العقلاء‏!‏
‏*‏ العاشق نائم‏,‏ فاذا تزوج صحا‏!‏
‏*‏ الزواج عمره شهر والباقي فقدان للذاكرة‏!‏
‏*‏ أسهل طريقة للقضاء علي الحب‏:‏ الزواج‏..‏ وأسهل طريقة لانهاء الزواج‏:‏ الحب مرة أخري‏!‏
‏*‏ لا تصدق هذا الرجل إذا شكا لك‏..‏ يكفي أنه لا أحب ولا تزوج ولا عنده أولاد وليس في نيته‏!‏
‏*‏ إنه يشرب الخمر هو وزوجته وسوف يدخلان النار معا‏..‏ وهذا هو اقصي أنواع العذاب‏!‏
‏*‏ لا توجد امرأة مناسبة لأي رجل‏!‏
‏*‏ يجب أن تتردد كثيرا في مساعدة الناس ـ فليس عندهم امتنان لأحد‏!‏
‏*‏ سوف يموت الزعماء بالسم ـ فقد ابتلعوا الكثير من أكاذيبهم‏!‏
‏*‏ قل لامرأة أنت جميلة وسوف يرددها الشيطان في أذنيها ألف مرة‏!‏
‏*‏ عندما تصبح المرأة أما لأول مرة‏,‏ تصبح أنثي لآخر مرة‏!‏
‏*‏ ينفتح قلب المرأة لمن يدق عليه كثيرا‏!‏
‏*‏ ثمار اليوم‏..‏ زهور الأمس‏..‏ بذور الغد‏!‏
‏*‏ الحرية تاج علي رأس كل أعزب لا يعرفها إلا المتزوجون‏!‏
‏*‏ وجود المرأة في حياتنا قضي علي الملل وعلي أشياء أخري كثيرة‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
12/24/2010, 11:11 AM
يسمبر عاد من جديد (قصة قصيرة)

بقلم د. أيمن الجندى ٢٤/ ١٢/ ٢٠١٠

لذعة البرد الجميلة فى الهواء، والدفء الداخلى الذى نستشعره، وشمس الشتاء الفضية نفرح بها حين نراها.

مرحبا بالشتاء.

ولكل واحد منا فصله المفضل فى العام. بالنسبة لى فالأمر محسوم، إنه الشتاء بلا مناقشة. لا أطيق حر الصيف اللزج، ولا زوابع الربيع الرملية ولا حيرة الخريف المتردد؛ ولذلك تجدنى من عشاق الشتاء القدامى المخلصين.

فى الشتاء تولد قصص الحب العظيمة التى تختلف عن عبث الصيف وعرى الشواطئ، وتغنى فيروز للعاشقة التى نسيها حبيبها القاسى وابتلت بالمطر، ينخرط الكون فى ملحمة عشق مدهشة، ترسم السحب فى إصرار وجه الحبيبة، وتنقر الأمطار أسماء العاشقين الجدد، بعدها تشرق الشمس وتمحو الأسماء بسرعة.

وإذا سقط المطر فأول ما أصنعه هو أن أرتدى أجمل ثيابى وحذاءً لامعا، أنثر العطر على وجهى وملابسى ثم أهرع إلى الحديقة الخالية - إلا من المجانين أمثالى - لأشارك الطبيعة فى الاحتفال بالشتاء، رقصة الشجر المغسول مع الرياح، رجفة الزهور نشوة وعشقا، رائحة الأرض المبتلة، أتلصص على أسماء العاشقين الجدد باحثا عن اسمى بينهم، وينخرط قلبى فى صلاة كونية، ولا أدرى هل كان البلل فى عيونى مطرا أم دموعا؟!

أحتضن فنجان القهوة الساخن براحة يدى المثلجة، أرشفه ببطء، أرشفه بحب، أرشفه بتؤدة.

«شىء ما فى طعم القهوة يذكرنى بك

ذلك الحزن

تلك الكثافة

هذه النكهة/ السحر/ الطقوس

خفقان قلبى بعدها

حميمية اللحظة

وتلك اليقظة الموجعة فى عالم الروح

لذلك أتذكرك كل مرة»

ديسمبر ٢٠١٠

عبر زجاج النافذة شرعت أتطلع إلى سماء ديسمبر الرمادية التى تتهيأ للأمطار، كان الطريق مكتظا بطلاب المدارس الثانوية ذوى الزى الموحد، ومنذ ثلاثين عاما كنت أحدهم.

ديسمبر ١٩٨٠

كان عمرى وقتها عمر الزهور، وكان ديسمبر يفوح بعبق حب، رائحته أزكى من الورد النضر. اكتشفت أننى أحبها فى إحدى ليالى ديسمبر، كانت تتحدث فى الطريق مع أحد أصدقائى، اشتعلت فجأة بالغضب والغيرة، ولم أشعر بنفسى إلا وأنا أجذبها فى حزم من معصمها إلى منزلها. رمقتنى فى غضب، ثم فى دهشة، وما لبثت أن ابتسمت.

المطر والشتاء، المعاطف الثقيلة والخطوات المسرعة، والأيدى الباردة والقلوب الدافئة، والبرد الجميل يدفعنى لأن أسرع الخطى، وأنا أتجول حول منزلها كحارس مخلص. هى تقف فى الشرفة وعيناها تلمعان، تنطقان بحب الحياة، فتاة فى السادسة عشرة تتساءل عن حظها فى الحياة وتحلم.

يتملكنى دوار الحب الأول، لم تكن الطرقات قد ازدحمت بذلك العدد من الناس فى هذا الزمن البعيد، كانت الأرض بكرا والدنيا قليلة العدد، والهاتف مكون من أربعة أرقام فحسب، وحينما كنت أحدثها كانت تطرق فى عذوبة وحياء، وإذا التقت عيوننا تضرجت وجنتاها، ولا أذكر أننا تصافحنا أبدا.

أعود إلى منزلى فى الحادية عشرة مساء لأتلقى تأنيب أمى مبتسماً، أدلف إلى الشرفة المُنَدّاة بندى ديسمبر، أرسل سلامى إلى الطرقات المغسولة بالأمطار، وأتعرف على رائحة الهواء ذات الشجون، وأرنو إلى نافذتها الموصدة بحب، ثم أنام.

ديسمبر ٢٠١٠

لكن ذلك كله قد تغير!

هى تزوجت وأنجبت ثلة من الأطفال الذين التحقوا بذات المدرسة، ازدادت وزنا وامتلأت شحما ولحما، واغتربت عن وجهها القديم.

وأنا، صار وجهى بليدا كروحى، ولم أعد أعرف نفسى كلما تطلعت إلى المرآة، وديسمبر صار شهراً مزعجاً، تكثر فيه نزلات البرد وآلام الركبتين.

كل شىء قد تغير إلا ذلك المشهد الجميل، الطلبة الذين يتدافعون فى الطرقات مبتهجين بهطول الأمطار، يتمايلون على إيقاع داخلى بدائى يشبه رقص أجدادهم لجلب الأمطار.

عبثا ما أفتش الآن عن وجهها القديم وسط مئات الوجوه الناعمة التى ترتدى ذات الزى الجميل الذى طالما ارتديناه، عبثا ما أفتش عن وجه غاب منذ ثلاثين عاما.

السماء تتهيأ كى تمطر. لحظة حزن شتائى مفاجئة غمرت قلبى سلاما. أفتح النافذة وأرمق الطلاب وهم يتعابثون فى مرح ويحتمون بمداخل المنازل من الأمطار المتساقطة، مثلما كنا نصنع منذ ملايين السنين الضوئية.

المطر يتساقط برشاقة على النافذة التى أحتمى بها، يذكّرنى بأيامى القديمة، حينما كان ينقر على رأسى - وأنا أرنو إليها بعينين متسعتين- فلا أشعر به. وهى تقف فى شرفتها يغمرها المطر الطهور بشعر مبتل ووجه مغسول وشفاه منفرجة وتنظر نحوى كالمسحورة، نملأ صدورنا بهواء بكر مغسول استنشقناه سويا.

ديسمبر ٢٠١٠

رائحة المطر هى هى، رائحة ديسمبر أعرفها جيدا. لكن شيئا ما لم يزل ناقصا. أسطح السيارات - كالعهد بها - تلمع بها آلاف اللآلئ من قطرات المطر تضيئها أشعة الشمس التى تتسلل برفق من خلال السحاب الرمادى المتناثر. والطرقات مبتلة مغسولة، وكل شىء كما هو إلا شيئا واحدا لم أزل أفتقده. شيئا بمثابة الروح.

رفعت بصرى قليلا فتجمدت من الدهشة، لم تكن حبيبتى تقف أمامى فى نافذة قريبة، ترنو إلى المطر فحسب، وإنما كنت أنا هناك أيضا أقف على النافذة المقابلة.

شابان فى عمر الزهور - عمر أبنائى - يتطلعان معا بشعر مبتل وعيون حالمة وشفاه منفرجة إلى مطر ديسمبر، وهو يتساقط بنغم موسيقى يبوح بسر لا يفهم رموزه المسحورة أحد غيرهما.

أوصدت النافذة وأنا أبتسم..

ديسمبر...

ما أجمل أن يعود من جديد!

ابراهيم عبد المعطى داود
12/27/2010, 09:52 PM
أنا وصديقى و«جمال البنا»

بقلم د. أيمن الجندى ٢٧/ ١٢/ ٢٠١٠
دار الحوار بيننا حول «جمال البنا». قلت له بصراحة: «أتعجبُ ممن يتهمونه بالخرف وهو متوهج العقل. وأتعجب ممن يتهمونه بضعف العلم، وقد أنفق ثمانين عاما فى القراءة والاطلاع. وأتعجب ممن يتهمونه بالكيد للإسلام وأبوه العالم العابد، وأخوه المرشد الشهيد.

رأيى الصريح فى جمال البنا كالتالى: «هو غير مُتهم عندى فى دينه وإخلاصه. بعض أفكاره أتفق معها، وبعضها لا أتفق معها. لكنه فى المُجمل ليس مُفكّرى المفضل، وأظن أن له بعض الشطحات، ولكنى - رغم ذلك - أعتقد أن وجوده مفيد».

قال صديقى: «كيف؟». قلت: «مشكلتنا أننا لا نؤمن بالتنوع، ويتصور كل واحد أن الناس يفكرون بطريقته ويقتنعون بما يقتنع به، وترفض عقولهم ما يرفضه عقله. وبالتالى، ولأنه لا يستسيغ مقولات جمال البنا، ويعتبرها هرطقة صريحة، فإنه يتصور أنه لا لزوم له، ويغفل أن هناك طائفة تحتاج أفكاره بشدة».

قال صديقى فى اهتمام: «حدثنى عن هذه الطائفة فربما كنت أحدهم». قلت: «أنت بالتأكيد منهم. اسمح لى أن أحلل شخصيتك. أنت ذكى جدا، متوهج العقل، باحث عن أصل الأشياء. ولأنك متدين بالفطرة، فقد شعرت فى صباك بعطش إلى الإيمان. وكان الخطاب الدينى يصور التاريخ الإسلامى نبعا صافيا يترقرق فى عذوبة ونقاء. صدقتهم شأنك شأن أى شاب آخر فى هذه المرحلة. لكنك كنت تختلف عنهم بتفكيرك النقدى وعقلك المتوهج وقدرتك على العودة إلى المصادر الإسلامية الأصلية. حينما عدت إليها صُدمت.

وجدته تاريخ بشر ولم تجده تاريخ ملائكة. اكتشفت أن الخطاب الدينى السائد مُنتقى ولا يعرض الوقائع كاملة. وجدت أشياء لم يستسغها عقلك، وكان أمامك اختياران: أن تسدل على عقلك حجابا لتحفظ توازنك النفسى، أو أن تخوض تجربتك بشجاعة وتبحث عن الحقيقة منفردا، دون أن تُسلّم عقلك لأحد، وتتحمل مشاق الطريق. أمثالك من عشاق المعرفة وأصحاب التفكير النقدى موجودون فى المجتمع، ولكن بنسبة ضئيلة. هؤلاء يحتاجون المنهج العقلى الذى يمثله جمال البنا حتى يستعيدوا الثقة فى الدين. لكن المشكلة أن التيار السائد لا يهتم بهم، بل لا يعرف بوجودهم أصلا، وبالتالى لا يجدون أى فائدة لجمال البنا فيهاجمونه ويريدون أن يُسكتوه».

قال مشاكسا: «أنت تؤمن إذن بأن الغاية تبرر الوسيلة. برغم شطحاته فوجوده ضرورى طالما يُقنع آخرين من أمثالى؟». قلت معترفا: «وما المانع طالما الغاية واحدة وهى الإيمان بالله والإسلام؟.

أنا شخصيا غير مقتنع بالإعجاز العلمى فى القرآن، لكن طالما أنه يريح آخرين فلماذا أهدم سلامهم النفسى؟. قس على ذلك. هناك نخبة أتيح لها أن تحتك بالخارج وتطّلع على أفكارهم وتقرأ فى الأنثروبولوجيا وتاريخ الأديان. فلماذا نحرمهم من مفكر يُريحهم حتى لو كانت له شطحات؟».

قال فى جد: «المسألة أعمق مما تتصور بكثير، وما تعتبره شطحات هو صميم المنهج، وسأحاول أن أثبت لك ذلك الآن».. غدا يتحدث الصديق.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/28/2010, 07:50 PM
النساء وكتابة الأدب

بقلم نوال السعداوى ٢٨/ ١٢/ ٢٠١٠
سألنى أحد النقاد: لماذا تكتب المرأة الأدب؟ سألته بدورى: ولماذا يكتب الرجل الأدب؟ سكت طويلا يفكر، لم يتعود أن يواجه بسؤال جديد لم يسمعه من قبل، تربى فى أسرة كانت أمه تطبخ وأبوه يكتب، تصور أن هذا هو قانون الطبيعة أو القانون الإلهى، أن المرأة تطبخ للرجل طعامه والرجل يكتب للعالم أفكاره، لكنه التقى صدفة فى ندوة أدبية بامرأة كاتبة مبدعة بهرت العقول بأفكارها ورواياتها، ووقع فى حبها كثير من النقاد، بعضهم متزوج من امرأة تطبخ فى البيت، وبعضهم غير متزوج يبحث عن زوجة تطبخ، تنافس النقاد عليها، يحاول كل منهم الاستيلاء عليها كل بطريقته، أحدهم نشر عنها مقالا طويلا بصورة جميلة فى الجريدة الكبرى، دعاها آخر إلى الغداء ولمح إلى أنه يبحث عن شريكة لحياته، الثالث متزوج وله أولاد وأحفاد عرض عليها الزواج مباشرة دون إضاعة للوقت: كيف تعرض علىّ الزواج وأنت متزوج؟ اتهمها بالكفر أو بالجهل بدينها الإسلام، قطعت علاقتها به فانتقم منها، أصبح ينشر مقالات نقدية تهاجمها وتحط من شأن كتاباتها الأدبية، وكان يرأس مؤسسة ثقافية ذات نفوذ، اسمها أصبح محذوفا من الكاتبات المبدعات، وصعدت فى عالم الأدب نساء أقل منها موهبة عرفن الطريق الصحيح إلى قلوب النقاد.

من هى الكاتبة التى لم تتعرض فى حياتها لمثل هذه المشاكل؟ كيف تنجو الكاتبة بنفسها من براثن رجال يتربصون بها كالقدر؟ أخطر ما يحدث للكاتبة هو أن تتزوج، وإن كان زوجها هو قاسم أمين ينادى بتحرير المرأة فى كتبه وخطبه إلا أنه يتحول عاجلا أو آجلا إلى رجل يتوقع من زوجته أن تطبخ وهو يكتب، حين تقول له إنها كاتبة مثله ومن حقها أن تكتب يبادرها بقوله «أنت زوجة ولك دور أهم تجاه أسرتك، إن كانت كاتبة حقا تضع الأدب فوق الطبيخ فهى تبادره بالسؤال» ولماذا لا تطبخ أنت وأنا أكتب؟ أو على الأقل نشترك معا فى المسؤوليات داخل البيت؟،

لكن الرجل المصرى لم تدربه أمه على الطبيخ، لم ير أباه يدخل المطبخ، لهذا يغضب الزوج من زوجته الكاتبة ويعتبرها شاذة، خاصة إذا كانت أكثر موهبة منه، يشعر نحوها بالغيرة أو النقص، يحاول أن يشدها بالقوة إلى مستواه الأدبى الأقل، يحاول أن يثير غيرتها بالتعرف على المراهقات، يحاول أن يستنزف قوتها فى أشياء لا علاقة لها بكتاباتها الإبداعية، منها غزواته النسائية، حين تصرف الكاتبة نظرها عن كل هذه التفاهات يشتد غضبه منها، يجعل حياتها سوداء مليئة بالمشاكل والشكوك والصراع اليومى.

عرفت كاتبات توقفن تماما عن الكتابة من أجل الزواج أو خوفا من الطلاق، عشن طوال حياتهن فى ندم وحزن على التضحية بأعز ما يملكن وهى الكتابة الإبداعية، وعرفت كاتبات اخترن الطلاق من أجل الاستمرار فى الكتابة، هل سمعنا عن كاتب مبدع ضحى بالأدب من أجل زوجته أو أسرته أو من أجل الأبوة؟ مثل هذه الأسئلة ضرورية حتى ندرك القيم المزدوجة التى نتربى عليها، والتى تجعل كتابة الأدب فى حياة المرأة مصدرا للشقاء والألم وليس الفرح والتحقق،

كم كاتبة مبدعة انتهت حياتها بالانتحار، ليس فى بلادنا فقط بل فى بلاد العالم؟ هل تذكرون أروى صالح التى يحاول التاريخ الذكورى دفنها ومعها كتبها؟ هل تذكرون فيرجينيا وولف التى تركت لزوجها ورقة وداع وسارت هائمة فى الحقول حتى النهر، ملأت جيوبها بالحجارة وغطست فى الماء حتى القاع؟ لماذا تنتحر الكاتبة المبدعة؟ لم ترد فيرجينيا وولف على هذا السؤال، كانت كتومة تخفى عن زوجها تعاستها الزوجية، وكان زوجها كاتبا مثلها (ليونارد وولف) لكنها كانت أكثر منه موهبة وشهرة، لم يكن هذا الوضع بين الزوجين مقبولا فى الحياة الإنجليزية الأبوية الطبقية الأرستقراطية فى بداية القرن الماضى، كما هو غير مقبول الآن فى بلادنا، كان الزوج يغلف غيرته بطبقة من ترفع النبلاء الفرسان، ويخفى قسوته بغلالة شفافة من الحنان الزائف. أصدرت فيرجينيا وولف قبل موتها كتابا كاملا عن مشكلة الكتابة فى حياة النساء، لم تناقش فى كتابها أهم مسألتين: طبيعة المرأة الحقيقية وطبيعة كتابة الأدب الحقيقية، وهما مسألتان شائكتان تركتهما كما هما دون شرح أو إجابة، تناولت فقط نقطة واحدة صغيرة من وجهة نظرها الخاصة، وهى: إذا أرادت المرأة أن تكتب فيجب أن تكون لها غرفة خاصة بها وحدها وأن يكون لها بعض المال تعيش به.

كانت فيرجينيا وولف شديدة الحذر فى كتاباتها عن حياتها الخاصة، تحاول دائما أن تخفى نفسها داخل شخصية أخرى من خيالها، مثلما تفعل معظم الكاتبات والكتاب من طبقتها العالية فى ذلك العهد، تراكم الغضب من الزيف والازدواجية فى أعماقها، أصابها بمرض الاكتئاب والحزن الدفين، كانت تضطر إلى الابتسام فى وجه زوجها كل صباح، عذاب يومى على مدى السنين، زوجها الأرستقراطى الإنجليزى أيضا بدوره يبادلها الأدب والرقة والرقى.

فى كلمة الوداع له قبل أن تغرق فى النهر كتبت له هذه الكلمات الغامضة الكاشفة: «يا أعز إنسان، أوشكت على الجنون ولن نستطيع أن نعانى كما عانينا فى تلك الأيام السوداء، لا شفاء هذه المرة، لن أستطيع المقاومة بعد اليوم، لا أستطيع الاستمرار، وأعرف أنك تستطيع العمل بدونى»، هل يمكن لأحد أن يكشف أغوار هذه الكلمات التى تبدو بريئة؟

ابراهيم عبد المعطى داود
12/28/2010, 07:54 PM
رسالة من صديق

بقلم د. أيمن الجندى ٢٨/ ١٢/ ٢٠١٠
يقول الصديق: «سأحاول أن أفسر ما تعتبره (شطحات) من جمال البنا. قد لا تختلف معى أن جوهر الأديان السماوية واحد، وهو التعرف على الخالق والتقرب إليه ومخالطة الناس بخلق حسن. والدين شىء وفهمنا للدين شىء آخر، ففهمنا للدين هو نتاج للخطاب الدينى السائد فى مجتمعنا، وبالتالى فهو منتج بشرى يتأثر بالجغرافيا والتاريخ أو قل بالزمان والمكان. وهذا المنتج البشرى (فِهْمنا وتفاعلنا مع الدين) خاضع لسنن الله الكونية فى أرضه. والمؤمنون بداية يتفهمون الدين (أى دين) فهماً أصولياً ويتعاملون مع النص بحرفية. ولما كانوا قريبى عهد بنزول الوحى فقد كان فهمهم للدين والتزامهم بأحكامه متوافقين مع زمانهم ومكانهم، ومن ثم يكونون فعلا خير أمة أُخرجت للناس.

ثم تجرى السنون ويتغير المكان وتتبدل الأحوال ويستجد دائما جديد، ويظل سدنة كل دين على جمودهم وتظل الأحكام على ثباتها حتى يجد الناس أنفسهم فى مأزق كبير وواقع مرير يخالف ما يعتقدونه ويتجافى مع شرائعهم ويخاصم دينهم، ويكتشف الناس أنهم واقعون بين المطرقة والسندان. مطرقة الالتزام بحرفية النصوص وأحكام تجافى العصر وفكر يخاصم الحداثة، إذا ظلوا عليه صاروا فى عزلة عن محيطهم، منغلقين على ذواتهم، يلعنون الغرب المتآمر، وينتظرون أمارات آخر الزمان. أو تحت سندان الاندماج فى المجتمع العالمى واقتفاء سبل التحضر والتقدم مع التخلى عن الدين والهوية.

ومن رحم المعاناة يولد الانفراج. يأتى إصلاحيون، يدعون إلى تجاوز حرفية النص، إلى روحه، والانتقال من ثبات الأحكام إلى تاريخية الأحداث. وأن ما كان يصلح لأجدادنا لا يصلح لنا، فعلينا أن نُعمل عقولنا ونتسلح بإيماننا وفهمنا لغاية النص. فننشئ فقها جديدا وفهما عصريا لديننا، يتجاوز الأحكام الجامدة والشرائع الثابتة.. فقهاً يتميز بثبات العقيدة وحيوية الشريعة. فكان حتما أن يحدث الصدام بين تيار الأصوليين (أصحاب النصوص) وتيار الإصلاحيين (أصحاب الغايات)، هكذا حدثتنا سنن الله فى جميع الأديان، وقد يمتد الصدام قرونا يأكل الأخضر واليابس كما حدث فى أوروبا مع ظهور الإصلاحى مارتن لوثر.

وقد يطول الصراع عندنا أو يقصر. لذلك يجب أن ننظر إلى ما يحدث من جدال وتطاول على المفكرين العظام أمثال جمال البنا ويوسف زيدان على أنه شىء صحى غير مُستغرب، وربما أقل من المتوقع. إلى أن يأذن الله فى الوقت المناسب والمكان المناسب بجيل جديد يؤمن بفهم عصرى لروح الإسلام متشحا بعقيدته الصافية التى لا تشوبها شائبة. يتعامل مع أفكار عصره ومعطيات زمنه بندية وثقة، يتجاوز حرفية النصوص إلى غايتها، حينئذ - وحينئذ فقط - يصل الإسلام والمسلمون إلى ما يصبون إليه، ونصبح مرة أخرى، بحق، خير أمة أُخرجت للناس.

هذا هو جمال البنا الذى يجهلون قدره: نافذة تطل على إسلام المستقبل، وإرهاصة لما هو آت لا محالة: «سنة الله فى الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا».

ابراهيم عبد المعطى داود
12/29/2010, 07:51 PM
السلفية بين الهائمين بها والناقدين لها (١ - ٤)

بقلم جمال البنا ٢٩/ ١٢/ ٢٠١٠
أصبح موضوع السلفية يستأثر بالصدارة فى الموضوعات الإسلامية التى تشغل الأذهان . لنبدأ أولاً بتحديد معنى ومضمون الكلمة حتى لا تضللنا مفاهيم أخرى ، فنحن نعنى بالسلفية: أولاً: الإيمان بالمذاهب الأربعة المقررة والانتماء إلى أحدها. ثانيًا: قبول تفسير القرآن و«علوم القرآن» كما وضعها الطبرى وابن كثير.. إلخ ، بما فيها من ناسخ ومنسوخ وأسباب النزول. ثالثاً: قبول تصنيف الأحاديث كما وضعها الإمام أحمد بن حنبل وأئمة الحديث. رابعًا: تقدير السلف الصالح من الصحابة حتى تابعى التابعين، واستلهامهم والترضى عليهم وعدم مسهم بسوء.

بهذا المعيار نقول إن أنصار السلفية والهائمين بها هم الأغلبية العظمى للمسلمين وإن أغلبية الهيئات القائمة هى هيئات سلفية سواء كانت فى مصر أو السعودية أو سوريا أو غيرها من بلاد المسلمين. بل أكثر من ذلك يكاد يكون من المقرر أن أى مفكر يشذ عن ذلك أو يرفض أصلاً من الأصول الأربعة- دع عنك كلها- فإنه يُعد خارجًا عن شرع الإسلام، ويقف ما بين المبتدع فى الملة والخارج منها. وهذا هو السر فى أن فقيهًا مثل الشيخ القرضاوى يُعد من أكبر الفقهاء مرونة وانفتاحًا، لا يستطيع أن يخالف حديثاً يعدونه من الصحاح، لأن السلف جميعًا يؤمنون بما قاله الشافعى «إذا صح الحديث فهو مذهبى».

كما أن هذا هو السر فى أننا لا نجد مفكرًا من المفكرين المعترف بهم يعالج موضوعًا مثل «إعادة النظر فى تصنيف الأحاديث» أو «استبعاد ما يزعمون أنه من علوم القرآن مثل الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول»، لأنهم يرون أن العلم بها هو الذى يؤهل كاتبًا لأن يكتب عن هذا الموضوع ، وكانوا يقولون «جهلت الناسخ والمنسوخ.. هلكت وأهلكت»، بل إن الأزهر لا يزال متلكأ فى تنقية كتب الأحاديث التراثية، رغم رفع أكثر من قضية تطالبه بذلك ولا تزال منظورة أمام القضاء. وما دمنا قد قلنا إن الأغلبية العظمى للفقهاء المسـلمين والهيئات الإسلامية سـلفية فلا داعى للحصر، وإنما يمكن القول إن الأزهر، والإخوان المسلمين، والشيخ القرضاوى، واتحاد علماء المسلمين.. إلخ، كلهم داخل فى إطار السلفية مع ملاحظات درجات متفاوتة بين المرونة أو التشدد، ولكنها فى النهاية الملتزمة لأصول السلف.

والسلفية وإن كانت فى أصولها واحدة، إلا أن فهم هذه الأصول يمكن أن يأخذ طابع التشدد والتضييق، كما هو فى الفكر الوهابى، كما يمكن أن يتوسع أو يمرَّن شيئاً كما هو فى الإخوان المسلمين والشيخ القرضاوى، ولكنه، كائناً ما كانت المرونة، لا يمكن أن يخالف «حديثاً صحيحًا». ويمكن فى هذا المجال أن نضرب مثلاً للسلفية المجددة التى بشر بها المفكر الإسلامى الدكتور سليم العوا، والذى نشرت عنها مجلة «العربى» مقالاً فى (٩/٨/٢٠٠٩م) بقلم الأستاذ ياسر غنيم، تحت عنوان «السلفية المجددة طريقك إلى الحداثة» وجاء بها: السلفية.. كما يعرفها الدكتور سليم العوا فى كلمتين هى: أن تتبع طريقة السلف لا أن تقلد عملهم، أى أنه وفق هذا التعريف فإن كل من يتقيد بمذهب موروث عن شيخ ما، وإن كان هذا الشيخ من أعلام السلفية ، خاصة إن كان من عصر غير الذى نعيشه، لا يكون سلفيًا، بل يكون مقلدًا، وكل من يأخذ الدين من أصوله على طريقة السلف الصالح فهو سلفى وإن خالفهم فى بعض أقوالهم وأعمالهم، أو ما ذهبوا إليه من فهم للنصوص أو رأى فى الفتوى.

السلفية.. منهج وليست مذهبًا بعينه، لذلك قد يكون شيخك من أعلام السلفية وأئمتها المجددين، لكنك حين تحمل نفسك أو غيرك على مذهبه ومدرسته بحذافيرها فلست سلفيًا، ولكنك منسوب إلى شيخك وليس للسلف، وأنت حين تحذو حذو أحد أو طائفة من أهل الإسلام حذو القذة بالقذة تجعل من حذوك حذوه على منزلة الوحى الإلهى ورسالة النبى المعصوم وهذا يخرجك من السلفية. السلفية.. هى العمل بمنهج السلف الصالح وطريقتهم النقية السوية فى فهم الدين وإقامته، وإن خالفتهم فى كثير من عملهم وآرائهم» أ.هـ.

ولسنا نرى فى السلفية المجددة تجديدًا جذريًا، فهى كما ذكر المقال «أن تتبع طريقة السلف لا أن تقلد عملهم»، وكذلك السلفية هى العمل بمنهج السلف الصالح وطريقتهم النقية السوية فى فهم الدين ، وكذلك «السلفية منهج وليست مذهبًا بعينه ، وإن كل من يأخذ الدين من أصوله على طريقة السلف الصالح فهو سلفى وإن خالفهم فى بعض أقوالهم». إننا عندما حددنا السلفية قلنا إنها الأصول الأربعة وهى فى إجمالها منهج وكل من يتبع منهجها لا يُعد مجددًا، وغاية ما يمكن أن يصل إليه هو المرونة أو التشدد وهو ما أشرنا إليه أن «فهم» هذا المنهج قد يتفاوت، ولكنه فى جميع الحالات يتبع الأصول التى تمثل منهج السلفية . فلا تجديد فى المنهج السلفى، وإنما العمل من خلاله. والتجديد الحقيقى هو فى «مجاوزة السلفية» وما وضعته من أصول إلى أصول أخرى، وهذا ما لم يجرؤ عليه أحد، إلا «دعوة الإحياء الإسلامى» التى تـُحـارب من جميع جبهات السلفية. ذلك لأن السلفية هى من العمق والتمكن، بحيث اعتبرت أنها وحدها هى «أصول الدين» وليست «فهمًا» ويحق لها وحدها أن تضع أصول الدين أو أنها وحدها وصلت إلى ما لا يمكن أن يصل إليه غيرها.

وهذا حجر على العقل البشرى. بالإضافة إلى السلفية المجددة التى دعا إليها الأستاذ الدكتور سليم العوا، فهناك هيئة سلفية أخرى لها طرافة خاصة لأن مؤسسها رجل ولد فى بانجوك من أب تايلندى وأم مصرية واسمه رضا صمدى وقضى سنواته الأولى فى ماليزيا حيث كان والده يعمل فى السفارة التايلندية فى كوالالمبور، ولما نقل إلى السعودية بدأ رضا دراسته فى جدة ثم انتقل إلى مصر حيث أتم الدراسة الثانوية والجامعة فى الأزهر، وتخرج فى كلية الشريعة عام ١٩٩٢م، وأتم الماجستير فى جامعة القرويين فى المغرب.

وخلال إقامته فى مصر تعرف على شيوخ السلفية فى القاهرة والإسكندرية مثل الشيخ محمد حسين يعقوب والشيخ أبوإسحاق الحوينى والشيخ محمد بن إسماعيل المقدم والشيخ ياسر برهامى.. إلخ، وعمل معهم كما اعتقل وأفرج عنه سنة ١٩٩٩م، وطرد من مصر وهو ممنوع من دخولها. ركز العمل فى تايلند حيث تسمح حرية الفكر بحرية الدعوة، وحيث توجد أقلية تايلندية مسلمة وأطلق عليها الحركة السلفية من أجل الإصلاح (حفص)، وتحاول أن تمثل صوت الضمير الحى للأمة الإسلامية، وتمثيل الشخصية الحضارية لأمتنا، وأخيرًا تمثيل نداء الشرع المطهر لهذا الجيل.

ومع أن الحركة مجالها الأساسى تايلند، إلا أنه كان لها حضور فى القاهرة، خاصة فى مظاهرة مسجد الفتح بميدان رمسيس فى أكتوبر سنة ٢٠١٠م، وكانت لافتاتهم هى اللافتة الوحيدة التى نجت من التفتيش وأثار إعلانها انزعاج المسؤولين عن المظاهرة. وبدأت الحركة العمل فى تايلند فى أغسطس سنة ٢٠٠٥م، ولكن اضطرت للاحتجاب حينا، ثم أعلن عن نشاطها فى سبتمبر سنة ٢٠١٠م، حيث تنعم بالحرية وتقوم بعقد الندوات والمحاضرات والمخيمات الصيفية والمؤتمرات، ولها عدد من المواقع وصحيفة باسم «تايلند نيوز دار السلام»، وأنشأت صندوقاً تكافليًا يعنى بتقـديم القروض. ولكن باستثناء لمسة تجديد حضارية بحكم قيامها فى مجتمع مفتوح، فتظل السلفية هى السلفية، حتى وإن كان ثمة تحوطات من شيوخ السلفية عليها

ابراهيم عبد المعطى داود
12/29/2010, 07:55 PM
الشيخ «حمادة السبكى»

بقلم د. أيمن الجندى ٢٩/ ١٢/ ٢٠١٠
كنت أستمع لصديقى شارداً، وهو يحدثنى عن جيل جديد، يؤمن بفهم عصرى لروح الإسلام، متجاوزا حرفية النصوص إلى غايتها، ومتعاملا مع أفكار عصره بثقة وندية. كان يتحدث فى حماسة ولا يعلم أن نجيب محفوظ قد تنبأ بذلك فى روايته «رحلة ابن فطومة»، التى تجاهلها النقاد اليساريون، للأسف، لأنها تمثل عودة نجيب محفوظ الحميمة للإسلام.

■ ■ ■

من أهم شخصيات الرواية، الشيخ «حمادة السبكى» إمام مسجد «دار الحلبة»، التى تحقق فيها ما تمناه صديقى. بطل الرواية «ابن فطومة» خرج مغاضبا من ديار المسلمين، بعد ظلم فادح تعرض له، وقرر أن يجوب البلاد باحثا عن الكمال المنشود، فى رحلة استغرقت عمره كله، والحقيقة أنها رحلة الإنسانية جمعاء فى بحثها عن الحقيقة.

■ ■ ■

مساحة المقال لن تسمح باستقصاء الأحداث، فلنقل إنه ذهب أولا إلى «دار المشرق»، حيث يعيش أهلها عراة على الفطرة، بعبارة أخرى يمثلون التاريخ السحيق للإنسانية قبل تحضّرها، ثم إلى «دار الحيرة»، حيث يعبد الناس الملك، ويسود القمع والظلم. وكلما رأى مظلمة تذكر أختاً لها فى ديار الإسلام، فيقول حزينا: «ديننا عظيم وحياتنا وثنية».

ثم يصل إلى «دار الحلبة»، حيث تحدث المفاجأة المزلزلة ويسمع صوت الأذان، فيظن أنها أرض إسلامية، ويندفع إلى المسجد فى فرحة متوهجة، لينهال على الإمام تقبيلا، فى رمز قوى لعودة نجيب محفوظ إلى أحضان الإسلام.

ستنعقد صداقة قوية بينه وبين الشيخ «حمادة السبكى» وسنعرف منه أشياء عجيبة: «دار الحلبة» ليست ديارا إسلامية كما توهم، ولكنها دار الحرية التى تُمثل فيها جميع الديانات، ويحق للجميع التعبير عن رأيهم، فالحرية هى القيمة المقدسة عند الجميع. فى البدء كانت البلاد يسودها الظلم، ثم آمن المفكر الأول بالحرية، ومنه صدرت أول دعوة للحرية وراحت تتسلسل جيلا بعد جيل، لم يكن الطريق سهلا، وإنما مر بالدماء والحروب الأهلية( تأمل كلام صديقى!!)، حتى أعلنت الحرية نصرها النهائى وانتصر العلم.

■ ■ ■

الدولة فى «دار الحلبة» لا شأن لها بالأديان، وتعامل الجميع على قدم المساواة الكاملة. أكد الشيخ «حمادة السبكى» أنهم تجاوزوا المذاهب الأربعة لأن الاجتهاد عندهم لم يتوقف لحظة.

وللمرأة دور كبير فى «دار الحلبة»، حينما اطلعت ابنة الشيخ على واقع ديار الإسلام وقارنته بدور المرأة فى عهد الرسول، قالت فى حزن: «الإسلام يذوى على أيديكم وأنتم تنظرون!».

كان ابن فطومة فى حيرة شديدة بين ما يراه وما اعتاده فى ديار المسلمين: يقومون بأشياء يراها جرأة تصل إلى حد الكفر، لكنهم يصلون بحرارة وتأثر، وإيمانهم صادق وأمين!، فأين الحقيقة؟ قال للشيخ «حمادة السبكى»: «إن النبى (ص) لو بُعث حيا لأنكر جوانب من إسلامكم»، فردّ الشيخ على الفور: «لو بُعث النبى لأنكر إسلامكم كله»!!

■ ■ ■

«رحلة ابن فطومة»: رواية تستحق القراءة.. وأفكار تثير التأمل.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/29/2010, 07:58 PM
د. يوسف زيدان يكتب: بين سُباعِيَّتين .. هوامشُ على ملفات الفتح

٢٩/ ١٢/ ٢٠١٠
فى المقالات السبع السابقة، أَعَدْنا النظر فى تفاصيل وملفات الواقعة الكبرى المسماة فتح مصر (غزو مصر، الدخول العربى لمصر) وناقشنا خلالها الجوانب الرئيسة لهذه الواقعة، وطبيعة الشخصيات التاريخية، التى ارتبطت بها. وكانت غايتنا من وراء ذلك «اتِّباع الحق لا الميل مع الآراء»، كما قال ابنُ الهيثم، و«نصرة الحقِّ وإعلاء منارِه، وخذلان الباطل وطمس آثاره» كما قال ابنُ النفيس، و«إعمال العقل فى الخبر» كما أوصانا ابنُ خلدون.

وفى مقالة اليوم، التى هى كالختام للسباعية السابقة، نضع بعض الهوامش والحواشى على ما ورد فى المقالات السبع، قبل الدخول فى سباعيةٍ جديدةٍ ابتداءً من الأربعاء بعد القادم (لأننى لن أكتب الأسبوع المقبل) وأول هذه «الهوامش» يتعلق بالمصادر التاريخية التى يمكن أن يُستقى منها التصوُّر الأدقّ والرؤى الأنصع، لواقعة فتح مصر..

وفى ذلك نقول: هناك نوعان من المصادر المتعلقة بفتح مصر، أو المخبرة عنه، وهى للأسف الشديد لا يمكن تقسيمها إلا على أساسٍ دينى! فهناك المصادرُ العربية الإسلامية من جهة، ومن الجهة الأخرى المصادرُ المسيحية العربية وغير العربية.. والمصادر الأولى كثيرةٌ متعددة، ومتضاربةٌ فى كثير من الأحيان، لأن فيها من الروايات والأخبار ما لا يمكن قبوله منطقياً أو تجانُسُه مع الوقائع المشهورة. ومن حسن الحظ أن هذه الطائفة الأولى من (المصادر التاريخية) وفيرةٌ نوعاً ما، وهى بالإضافة إلى كثرتها، تحرص على ذكر أسانيد الروايات وناقليها، وهو الأمر، الذى ذكرنا فى مقالةٍ سابقة أنه يناسب علم (الحديث النبوى) بأكثر مما يناسب (التأريخ)، لكنه على كل حال، يُعَدُّ من الدلالات العامة على احتمال صدق الخبر.. أما المصادر المسيحية فالأمر فيها مختلفٌ، ففى مقابل الوفرة التى نجدها فى طائفة المصادر الإسلامية التى سوف نذكرها بعد قليل، لا نكاد نجد من الطائفة الأخرى (المسيحية) إلا كتابين معروفين هما: تاريخ يوحنا النقيوسى، وتاريخ ساويرس بن المقفع.

والأول منهما لم يكتب بالعربية، وإنما باليونانية، وقد ضاع أصله اليونانى، ولم نعثر إلا على نسخة وحيدة (مخطوطة) من ترجمةٍ له إلى اللغة الحبشية، كانت قد تُرجمت بدورها منذ قرون عن نسخة عربية مخطوطة (مفقودة) مترجمة من الأصل اليونانى (المفقود أيضاً) وكلها ترجمات قام بها رهبانٌ فى أديرة، لا نعلم عنهم شيئاً. والنسخة المنشورة اليوم، هى ترجمة سيئة، ناقصة فى عديد من المواضع، ومضطربة أشد الاضطراب، وموجزة. والقيمة الوحيدة لتاريخ »يوحنا النقيوسى« هو أن كاتبه عَاصَر الفتح، أو هكذا قيل، وبالتالى فهو شاهد عيان (وإن كان لم يشاهد الكثير من الوقائع) ..

أما الكتاب الآخر، فهو فى حقيقة الأمر ليس من تأليف ساويرس بن المقفع (أسقف مدينة الأشمونين فى القرن الرابع الهجرى) وقد ذكر فى مقدمته أنه خلاصة ما كتبه عديدٌ من الرهبان فى الأديرة، باللغة المصرية المتأخرة، المسماة اعتباطاً (القبطية)، وقد صاغه هو باللغة العربية (العامية) لأن الناس فى زمانه، ما عادوا يعرفون إلا اللغة العربية! ومع أن هذا الكتاب أكبر حجماً من تاريخ »يوحنا النقيوسى« وأوفر شرحاً، إلا أن به كثيراً من الخلط والتخليط، والخرافات التى تناسب رجل دينٍ يكتب لأناسٍ متدينين، مثل خرافة «انتقال جبل المقطم»، التى يؤمن بها، ويا للعجب، كثيرٌ من المسيحيين المصريين المعاصرين .

وتفتقر المصادر المسيحية، أو بالأحرى: المصدران المسيحيان، إلى عمليات النقد والمراجعة، التى تمت بين المصادر الإسلامية المتتابعة، ابتداءً من كتاب «الواقدى»، الذى عاش بين العامين ١٣٠- ٢٠٧ هجرية، مروراً بكثير من المؤرخين العرب والمسلمين الذين كتبوا عن فتح مصر.

ويعدُّ المؤرِّخ المصرى: عبدالرحمن بن عبدالحكم (المتوفى سنة ٢٥٧ هجرية = ٨٧٠ ميلادية) هو أول من أفرد كتاباً مستقلاً لفتح مصر، وهو الكتاب الذى نُشر بأوروبا (نشرة استشراقية) فى العشرينيات من القرن العشرين، تحت عنوان: فتوح مصر وأخبارها.. ومع أن «الواقدى» و«البلاذرى» أسبق زمناً من ابن عبدالحكم بعدة عقود من الزمان، إلا أن كتابه (فتوح مصر وأخبارها) يظل أول وأهم كتاب فى هذا الموضوع، لأن سابقَيْه (الواقدى، البلاذرى) لم يختصَّا بفتح مصر، كما هو الحال فى «فتوح البلدان» للبلاذرى، ولم يصل إلينا النص كاملاً كما هو الحال مع كتاب الواقدى، الذى فقدنا أصله، وعرفناه من الاقتباسات الكثيرة، التى نقلها عنه المؤرخون المسلمون اللاحقون به.

إذن، المصادر الإسلامية التى بين أيدينا، هى (الأوثق) أو (الأدق) من مثيلتها المسيحية. وإن كانت تحتاج، بطبيعة الحال، إلى النقد والتمحيص والضبط، وهو الأمر الذى فعله مؤرِّخون كبار من أمثال المقريزى والسيوطى، وفعلناه فى السباعية السابقة.. سيراً على الدرب ذاته .

■ ■ ■

ونظراً إلى أهمية كتاب ابن عبدالحكم، فلسوف نورد فيما يلى بعض الوقائع التى ذكرها فى أثناء كتابه، لتكون بمنـزلة (الهوامش) التى يجدر بنا الوقوف عندها بقليلٍ، أو كثيرٍ، من التأمل .. فمن ذلك ما يلى:

اندهش المسلمون الفاتحون من اتساع مصر، وبعد تجوالهم العشوائى فى حوافِّ الدلتا، ونهاية الوادى، حيث موضع القاهرة الحالية، وكان فيها آنذاك الحصن البيزنطى المسمَّى بعدة أسماء (القصر، إليون، باب إليون، بابليون) ذهبوا إلى الفيوم! وهو أمرٌ يبدو فى ظاهره كأنه لا معنى له، فعاصمة البلاد فى ذاك الزمان كانت (الإسكندرية) ومَنْ أراد الاستيلاء على مصر، فعليه باقتحامها والسيطرة عليها. ولكن عمرو بن العاص قضى قرابة عامين، يتجوَّل بجيشه فى تلك الحواف، حتى نَهَرَه الخليفةُ عمر بن الخطاب، فقصد الإسكندريةَ وفتحها.. والذى أعتقده، وقد أكون مخطئاً، أن «عمرو» أراد بهذا التجوال العشوائى أن يتعرَّف طبيعةَ البلاد قبل اقتحام عاصمتها، وأن يجمع حوله القبائل العربية، التى كانت تعيش بمصر، وأن ينتظر حتى تتأثر الإسكندرية باضطراب أحوال الإمبراطورية البيزنطية التى كانت العاصمة المصرية تابعةً لها آنذاك.. وقد تحققت هذه الأهداف لعمرو بن العاص، ولذلك فتح الإسكندرية (أول مرة) بأقل مجهود وأقل خسائر ممكنة: اثنين وعشرين شهيداً.. حسبما أكَّد ابن عبدالحكم فى كتابه.

واندهش المسلمون الفاتحون عند دخولهم الإسكندرية، من عظمة المدينة واتساعها.. وما كان لهم سابق عهدٍ بمثل تلك العواصم الكبرى، فالنواحى، التى فتحها المسلمون قبل الإسكندرية، كانت إما أرضَ ريفٍ، أو بلدات صغيرة يتمركز فيها مجموعاتٌ من جند الروم (وحتى فى الشام، لم تكن دمشق تماثل الإسكندرية) وفى كتاب ابن عبدالحكم كثيرٌ من الأخبار، التى أراها لا تخلو من المبالغات، لكنها تدل على عمق اندهاش المسلمين الفاتحين من مدينة الإسكندرية.. يذكر ابن عبدالحكم نصَّ الرسالة، التى بعث بها عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، يخبره فيها بالآتى: «أما بعد، فإنى فتحتُ مدينةً لا أصف ما فيها (لا أقدر على وصف ما فيها) غير أنى أصبتُ فيها أربعة آلاف مُنية (ناحية) بأربعة آلاف حَمَّام (عمومى) وأربعين ألف يهودى عليهم الجزية (يؤدونها للروم) وأربعمائة ملهى للملوك (مسرح).

وينقل ابن عبدالحكم عن سابقيه، قولهم: لما فتح عمرو بن العاص الإسكندرية، وجد فيها اثنى عشر بقالاً (خُضَرى) يبيعون البقل الأخضر! وترحَّل من الإسكندرية فى الليلة التى دخلها عمرو بن العاص، سبعون ألف يهودى! وأحصى ما فيها من الحمَّامات فكانت اثنى عشر ديماساً، أصغر ديماس منها يسع ألف مجلس، وكل مجلس يسع مجموعةً من الرجال! وكان عدة مَنْ بالإسكندرية من الروم مائتى ألفٍ من الرجال، فلحق بأرض الروم أهلُ القوت، وركبوا السفن، وكان بها مائة مركب من المراكب الكبار، فحُمل فيها ثلاثون ألفاً مع ما قدروا عليه من المال والمتاع والأهل، وبقى مَنْ بقى من الأسارى، ممن بلغ الخراج (الرجال الذين عليهم سداد الضريبة العامة)، فأحصى يومئذ ستمائة ألفٍ سوى النساء والصبيان.

ولا شك عندى فى أن «الإسكندرية» كانت آنذاك مدينة عظمى، لكنها لم تكن بهذا الحجم الهائل، الذى ذكره ابن عبدالحكم، وإلا فإن سكانها قبيل دخول عمرو بن العاص كان عددهم يصل إلى ثلاثة ملايين من البشر، وهو عدد لم تكن المدن القديمة (ولا العشوائيات المحيطة بها) تبلغه بأىِّ حال من الأحوال.

ويشير ابن عبدالحكم إلى الخلاف الواقع بين الرواة العرب المسلمين فى «فتح مصر» هل كان عنوةً أم صلحاً؟ فيقول: ذكرُ من قال إن مصر فُتحت بُصلح.. كان يزيد بن أبى حبيب يقول: مصر كلها صُلح، إلا الإسكندرية فإنما فُتحت عنوة.. عن شيخ من كبراء الجند (= قادة المسلمين) إن عهد أهل مصر (= كتاب الأمان العام) كان عند كبرائهم.. وكان صلحهم على دينارين (سنوياً) ولهم ستة شروط: لا يُخرَجون من ديارهم، ولا تُنـزع نساؤهم ولا أطفالهم، ولا كُفورهم، ولا أراضيهم، ولا يزداد عليهم (فى الضرائب) ويُدفع عنهم موضع الخوف من عدوهم.. وعن يحيى بن ميمون الحضرمى، قال: لما فتح عمرو بن العاص مصر، صُولح على جميع مَنْ فيها من الرجال.. وقال آخرون (من الرواة): بل فتحت عنوة، بلا عهدٍ ولا عقد .. وعن ابن شهاب أنه قال: كان فتح مصر بعضها بعهدٍ وذمة، وبعضها عنوة، فجعلها عمر بن الخطاب جميعاً ذمةً.

■ ■ ■

وكان العربُ يكرهون كَنْز المال، لأنهم أهل تجارة، وقد جاء الإسلامُ مؤكِّداً كراهة الكَنْز. وفى كتاب ابن عبدالحكم، نقرأ القصة التالية: لما فتح مصر، قال عمرو بن العاص لقبط مصر: «مَنْ كتمنى كنـزاً عنده، فقدرتُ عليه، قتلتُه»، وأن نبطياً من أهل الصعيد يقال له «بطرس» ذُكِر لعمرو أن عنده كنـزاً فأرسل إليه وسأله، فأنكر وجحد، فحبسه فى السجن وراح يسأل عنه: «هل يسمعونه يسأل عن أحد؟» فقالوا: سمعناه يسأل عن راهبٍ فى الطور (= دير سانت كاترين) فأرسل عمرو إلى بطرس، فنـزع خاتمه من يده ثم كتب إلى ذلك الراهب، أن ابعثْ إلىَّ بما عندك، وخَتَمَه. فجاءه رسوله بقُلَّة شامية مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو، فوجد فيها صحيفة مكتوباً فيها: «ما لكم تحت الفسقية الكبيرة.» فأرسل عمرو إلى الفسقية، فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذى تحتها، فوجد فيه اثنين وخمسين إردباً ذهباً مضروبة (عملات ذهبية) فضرب عمرو رأسه عند باب المسجد.

وكان الخليفة عمر بن الخطاب، حسبما مَرَّ قبل قليل، قد حَظَر على الفاتحين تقسيم مصر كغنيمةٍ لهم، ومنع اتخاذ الأرض إقطاعيات. وعلى ضوء هذا، نقرأ فى كتاب ابن عبدالحكم القصة التالية: وكان عمر بن الخطاب قد أقطع «ابن سندر» مُنية الأصبع، فحاز لنفسه منها ألف فدان، ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب أقطع أحداً من الناس شيئاً من أرض مصر، إلا ابن سندر .. وكان سبب ذلك، أنه كان لزِنْباع الجذامى غلام يقال له «سَنْدر» فوجده يقبِّل جاريةً له، فحجبه وجَدَع (قطع) أذنيه وأنفه، فأتى سندر إلى رسول الله (يشكو) فأرسل إلى زنباع وقال صلَّى الله عليه وسلم: لا تحمِّلوا العبيد ما لا تطيقون وأطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، فإن رضيتم فامسكوا (احتفظوا بهم) وإن كرهتموهم فبيعوا، ولا تعذَّبوا خَلْق الله، ومن مُثِّل به أو أُحرق بالنار، فهو حُرٌّ، وهو مولى الله ورسوله.

فأُعتق سَنْدر، فقال: أوصِ لى يا رسول الله. قال: أُوصِى بك كلَّ مسلم. فلما تُوفِّى رسول الله أتى سندر إلى أبى بكر الصديق، فقال احفظ فىَّ وصية الرسول. فعاله (تكفَّل به) أبوبكر حتى تُوفِّى، ثم أتى إلى عمر فقال: احفظْ فىَّ وصية النبىّ. فقال: نعم، إن رضيتَ أن تقيم عندى أجريتُ عليك ما كان يُجرِى عليك أبوبكر، وإلا فانظرْ أىَّ المواضع أكتب لك. فقال سندر: مصر، فإنها أرض ريف. فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظْ فيه وصية رسول الله، فلما قدم على عمرو، قطع له أرضاً واسعة وداراً، فجعل سَنْدر يعيش فيها، فلما مات قُبضت فى مال الله (بيت المال= الخزانة العامة).

■ ■ ■

.. ومن الوقائع الإنسانية التى نجدها فى كتاب ابن عبد الحكم، قصة الفتاة «بُسيسة بنت حمزة بن ليشرح»، التى ذكرناها فى المقالة السابقة، وقصة الأسقف الذى جاء (يقاول) عمرو بن العاص على مقدار الجزية فرفض عمرو قائلاً: لو جئت لى بملْء الكنيسة ذهباً ما أخذته منك، فإنما أنتم خزانة لنا.. وقصة وفاة عمرو بن العاص، على الهامش الأخير الذى نختتم به هذه المقالة. قال ابن عبد الحكم، نقلاً عن سابقيه:

تُوفِّى عمرو بن العاص سنة ثلاثٍ وأربعين (هجرية) ولما حضرته الوفاة دمعت عيناه، فقال له ابنه «عبدالله» هل تجزع من الموت؟ فقال: لا، ولكن مما بعد الموت.. قد كنتُ على أطباق (مراحل) ثلاث، لو متُّ على واحدة منهن علمتُ ما يقول الناس! فعندما بعث الله محمداً، كنتُ أكرهَ الناس (أكثرَهم كراهيةً) لما جاء به، وأتمنى لو أنى قتلتُ النبىَّ! فلو مِتُّ على ذلك، لقال الناس : «مات عمرو مُشركاً، عدواً لله ولرسوله، فهو من أهل النار». ثم قذف الله الإسلام فى قلبى، فأتيتُ رسول الله فبسط إلىَّ يده ليبايعنى، فقبضتُ يدى وقلت: «أبايعك على أن يُغفر لى ما تقدَّم من ذنبى» وأنا أظن حينئذٍ أننى لا أُحدث فى الإسلام ذنباً،

فقال رسول الله «يا عمرو، إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من خطيئة» فلو متُّ على هذا الطبق (المرحلة) لقال الناسُ: «أسلم عمرو، وجاهد مع رسول الله، نرجو لعمرو عند الله خيراً كثيراً». ثم أصبتُ إمارات وكانت فتنٌ (يقصد: حرب علىِّ بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان) فأنا مشفقٌ من هذا الطبق.. فإذا متُّ فاغسلنى وتراً، وإذا أدخلتنى فى القبر فسُنَّ علىَّ التراب سناً، واعلمْ أنك تركتنى وحيداً خائفاً. اللهم، لا أعتذر ولكنى أستغفر. اللهم إنك أمرتَ بأمورٍ فتركنا، ونهيتَ عن أمور فركبنا، فلا أنا برىء فأعتذر، ولا عزيز فأنتصر، ولكن لا إله إلا أنت، لا إله إلا أنت.. فلم يزل يردِّدها حتى مات، ودُفن بجبل المقطم.

■ ■ ■

وإلى لقاء، الأربعاء بعد القادم، مع سباعيةٍ جديدة.. لم أستقر بعدُ على موضوعها الرئيسى

ابراهيم عبد المعطى داود
12/30/2010, 07:49 PM
صندوق الدنيا
قبول التوبة
بقلم: أحمد بهجت

يحدثنا حجة الإسلام الغزالي في كتابه‏(‏ إحياء علوم الدين‏)‏ في باب بعنوان‏(‏ بيان أن التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة‏),‏

يقول‏:‏ إن الملك لايقبل الثوب المتسخ ليكون لباسه‏,‏ وكذلك القلب المظلم لايقبله الله تعالي لأن يكون في جواره‏.‏
وكل قلب زكي طاهر فهو مقبول‏,‏ كما ان كل ثوب نظيف فهو مقبول وإنما عليك التزكية والتطهير‏,‏ وقد قال تعالي‏:‏قد أفلح من زكاها‏.‏
يحدثنا الإمام الغزالي إن من توهم أن التوبة تصح ولا تقبل‏,‏ كمن يتوهم ان الشمس تطلع والظلام لايزول‏,‏ وهو ينصح بالتوبة الفورية لأن تراكم الذنوب دون توبة يرين علي القلب‏,‏ فإذا رانت الذنوب علي القلب صارت طبعا له‏,‏ ومثل هذا القلب لايرجع ولايتوب‏,‏ قد يقول باللسان‏:‏ تبت‏,‏ كما يقول إنسان قد غسلت الثوب وهو لم يفعل‏,‏ ومثل هذا قول ومثل ذلك قول لاينظف الثوب أصلا‏.‏
والتوبة عبارة عن ثلاثة أمور علم‏..‏وحال‏..‏ وفعل‏..‏ أما العلم فهو معرفة ضرر الذنوب وكونها سموما مهلكة تبعد الإنسان عن الله‏..‏ أما الحال فهو إرادة القلب وعزمه علي ترك الذنوب‏,‏ أما الفعل فهو عمل الحسنات وجبر المظالم‏.‏
ومن الثابت ان الحسنات يذهبن السيئات‏..‏ قال صلي الله عليه وسلم‏:‏أتبع السيئة الحسنة تمحها رواه الترمذي‏.‏
وقد حدثنا سعيد بن المسيب عن سبب نزول قول الله تعالي‏:‏إنه كان للأوابين غفورا‏.‏
نزلت الآية في الرجل يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب‏..‏ وقال بعض الصالحين‏:‏رب ذنب أدخل صاحبه الجنة قيل كيف؟ قال‏:‏ لايزال نادما منه عاملا الحسنات حتي يدخل الجنة فيقول إبليس ليتني لم أوقعه في الذنب‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ إن للجنة أبوابا كلها تفتح وتغلق إلا باب التوبة فإن عليه ملكا موكلا به لايغلق‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/02/2011, 07:44 PM
هكذا حدثنى الزمان

بقلم د. أيمن الجندى ٢/ ١/ ٢٠١١
اليوم الأول: (يتقدم فى دهشة وبراءة، وبصوت طفولى مسرسع يقول) ليس عندى الكثير لأحكيه، فقد وُلدت لتوى هذا الصباح. لم أتصور أن الكون بهذه الروعة. ألوان الشروق الجميلة تتبدل كل لحظة، وأنا أحب الألوان!. والشمس ناعمة رقيقة، والعصافير تشدو مبتهجة وتصلى لخالقها المجيد. والنسيم يوقظ الزهور المبتلة بندى الصباح. والفراش يسبح فى أثير الضوء. والقطة تتمطى فى كسل.

خلاصة خبرتى أن الحياة جميلة جدا، وأنا سعيد لأننى جئت الحياة. لكن ربما يمتلك الأسبوع خبرة أكبر منى. الأسبوع شىء كبير جدا! (يعد على أصابعه) تصوروا! سبعة أيام.

الأسبوع (يتقدم ضاحكا ويقول بصوت صبيانى) أخى الصغير لطيف جدا، لكنه لم ير إلا روعة البدايات. (متفاخرا) لو كان كبيرا مثلى لعرف أن الغروب يلى الشروق، وبعده الليل الطويل. لكن ربما يعرف الشهر أكثر منى.

شهر يناير (يتكتك من البرد): خبرتى تقول إن الحياة ثلاجة كبيرة جدا، وإننى أتكتك. لكن أشياء صغيرة تجعلنى أحتمل: السحلب الدافئ فى الفراش!!. هناك أيضا البيض بالعجوة! ومتعة مشاهدة المطر البارد خلف الشباك. اسألوا العام على كل حال.

العام (يتقدم ضاحكا وهو يضرب كفا بكف): مسكين الشهر!. خبرته ضئيلة جدا. يتصور أن الشتاء هو العام كله!. لا يعرف صهد الصيف الذى يصهر الدماغ!. (فى خيلاء)، أما أنا فعرفت كل شىء: حزن الخريف، رومانسية الشتاء، بهجة الربيع، والسمر الممتد فى ليالى الصيف.

القرن: (يتقدم حزينا متثاقلا ويزيح السنة فى غلظة) ما أعجب هذا المغرور الذى يظن أنه عرف كل شىء!. اسألونى أنا. أسألوا شعرى الأبيض وتجاعيدى المُرهقة وعينى الذابلتين. أسألوا الأشجار التى تثمر وتذوى، والأعمار التى تمتد وتنقصف، والطفل الذى يتحول إلى شيخ محنىّ، والبنت التى تصبح عجوزا، والحسناء التى يذبل جمالها. اسألونى عن البيوت التى صارت قبوراً، والإمبراطوريات التى أصبحت أطلالاً. آه ما أتعس المعرفة!، وأثقل الحزن الذى يحمله المائة عام!.

الألف عام: (يتقدم فى تؤدة ويحتضن القرن فى مواساة) لن أتكلم كثيرا، فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، وحيثما توجد الحكمة تقل الكلمات. وما أكثر الذى شاهدته فى ألف عام!. الحق أقول لكم: الحياة صعود ثم هبوط. ثم بعد الهبوط صعود. لا شىء يدوم على حال. الحياة ليست بالروعة التى يصوّرها اليوم، ولا بالسوء الذى يظنه القرن. الحياة تصلح نفسها بنفسها والظلم لا يدوم. الحياة عمل جليل متجه إلى الخالق عز وجل. وكما قال ربنا سبحانه وتعالى: «فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض». صدقت يا إلهنا ومولانا وخالقنا العظيم.

وتقدم الألف عام خطوة، أحنى رأسه فى خشوع، ثم خر ساجدا. فسجد من خلفه اليوم والشهر والعام والقرن. سجد الزمان لخالق الزمان، وأعلن الكون خضوعه لرب العالمين.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/03/2011, 10:41 PM
صرخة على هامش المجزرة

بقلم بلال فضل ٣/ ١/ ٢٠١١
توقفوا عن اللعب بالألفاظ، توقفوا عن الضحك على الذقون، توقفوا عن الكذب، كم عدد الضحايا اللازم لكى تكونوا على قدر المسؤولية وتدركوا أننا أمام مسألة حياة أو موت لهذه البلاد، ولن تزيدها تصريحاتكم البلاغية إلا عكاً وتعقيداً. لا تكذبوا على أنفسكم وعلينا بكلامكم الكبير، مجزرة الإسكندرية كانت موجهة إلى المسيحيين المصريين، ولا تتصوروا أنكم عندما تطلقون تصريحات طنانة رنانة ستخفون تلك الحقيقة المرة، لا تتحججوا بوجود مسجد مواجه للكنيسة لتدعوا أن المجزرة كانت تستهدف المسلمين والمسيحيين، فأنتم تعلمون أنه لا توجد كنيسة فى مصر كلها غير محاطة بمسجد وأكثر، صارحوا أنفسكم ولو لمرة لكى لا تغرق هذه البلاد بنا جميعاً.

كنت قد كتبت مراراً وتكراراً عن دور «اليد الثالثة» فى إشعال الفتنة الطائفية فى مصر، لكننى أعتقد أن هذه المجزرة، أياً كان المستفيد منها أو المخطط لها أو الممول لها، فالذى نفذها على الأغلب شاب يائس يظن أنه يتقرب إلى الله، يريد أن يدخل الجنة لأنه على مدى أشهر متواصلة تعرض لشحن مهول من عشرات الجهات والشخصيات المسلمة والمسيحية كل على طريقته، أصوات تحدثه عن ضرورة التحرك لإنقاذ الأسيرات فى الكنائس، وأصوات تدعى أن الكنائس مليئة بأسلحة مهربة من إسرائيل دون أن يتحرك أحد لمحاسبتها، وأصوات تدعى أن المسلمين ضيوف على مصر وأن «القرآن» محرف، دون أن يتحرك أحد لمحاسبتها ويجبرها على الاعتذار، وأصوات تتحدث فى ميكروفونات المساجد عياناً بياناً عن تحريف الإنجيل ومؤامرات التنصير وتستصرخ الشباب لنصرة الإسلام، كل هذا الخليط من الأصوات المتطرفة كان هو الوقود الذى فجر القنبلة.

أما مكونات القنبلة فلم تكن مسامير ولا باروداً، بل كانت تعليماً منحطاً، وثقافة مشوشة، وتديناً منقوصاً، ووطنية مهزومة، وسلطة مختلة الأولويات، ونفوساً ضائعة مكبوتة الشهوة مقموعة الأحلام منعدمة الخيال. لم يرتكب الجريمة شاب وحيد أو ثلاثة أو أربعة، بل ارتكبها تشكيل عصابى يتزعمه ساسة انشغلوا بمصالحهم الضيقة وكراسيهم ومستقبل أبنائهم، ولذلك سمحوا باستخدام الدين فى لعبة السياسة، وتركوا الكنيسة تتحول إلى دولة للمسيحيين، وسمحوا للمتطرفين المسلمين بأن يعيثوا فى مصر جهلا وتطرفاً، قتلوا السياسة خوفاً على كراسيهم فهرب الناس إلى الدين، احتكروا مباهج الدنيا فلاذ الناس بأحلام الخلاص فى الآخرة، كَرّهوا الناس فى الوطن فبدأوا يهتفون باسم الصليب تارة وباسم القرآن تارة أخرى.

الأخطر من المجزرة هو ما تلاها، أعتقد أن المتآمرين ربما اندهشوا مما حدث، لأن ما حلموا به جاء أسرع مما توقعوه، لعلهم قبل حدوث المجزرة تحسبوا أنها ربما أدت إلى عكس هدفها، فيبادر المسلمون والمسيحيون فور وقوع المجزرة ليتحدوا صفا واحدا وينقذوا بلادهم من الضياع، لكنهم ربما لم يتوقعوا أننا لم نعد شركاء فى الوطن بقدر ما بتنا شركاء فى التخلف، لعلهم اندهشوا وهم يرون كيف جرى المسيحيون الغاضبون إلى المسجد المجاور لينفسوا برعونة عن غضبهم وإحباطهم، لعلهم لم يصدقوا كيف تحول الأمر بسرعة مذهلة إلى معركة بين المسيحيين وقوات الأمن المرتبكة والمسلمين الذين جروا بالشوم لكى يحموا المسجد، كل هذا قبل أن تجف الدماء التى سالت على الأسفلت.

ما أسهل أن نكذب على أنفسنا، ما أسهل أن ندعى أن كل شىء على ما يرام، ما أسهل أن نستسلم لراحة البلاغة الرسمية وخدر الشعارات الشعبية، ما أسهل أن ينشكح المسؤولون لأن كل واحد منهم طلع فى نشرة الأخبار وضرب عيارين استنكار وعاد إلى قصره المنيف مستريحا، لكن ما أصعب أن نتحمل مرارة تنظيف الجراح الملوثة المتعفنة، ما أصعب أن نواجه أنفسنا بالحقيقة المرة أننا لم نعد كما كُنّا، وأن التطرف نخر فى البنية التحتية للمجتمع المصرى، وأن مواجهته أصبحت مسألة حياة أو موت، وأن خلاصنا الوحيد فى التغيير، تغيير أفكارنا المتعصبة ومفاهيمنا البائسة للكون والحياة، والأهم من ذلك كله تغيير ساستنا الفشلة.

رحم الله شهداء الإسكندرية، ويا بخت المستبدين بالإرهابيين، ولا خلاص لمصر إلا بالخلاص من الاثنين.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/05/2011, 09:52 PM
لسلفية بين الهائمين بها والناقدين لها (٢ - ٤)

بقلم جمال البنا ٥/ ١/ ٢٠١١
فى المقال السابق أشرنا إلى أن السلفية هى الفهم السائد للفكر الإسلامى بلا استثناء، وعرضنا كنموذج لكتابات معاصرة «السلفية المجددة» للأستاذ الدكتور سليم العوا والسلفية للإصلاح التى ينادى بها التايلندى رضا صمدى فى تايلند، ولاحظنا أن الكتابات الجديدة حتى عندما تصدر عن مفكر بارز مثل الدكتور سليم العوا فإنها تسلم بالسلفية كمنهج وقصارى ما نصل إليه أن هذا لا يقتضى تقليد الأئمة السلفيين، ولكن أن يبدع المجددون ولكن فى إطار المنهج السلفى. وليس أدل على تجذر السلفية من أن ناقدًا من أحدث ناقديها بدأ نقده بعبارة «لا مساس بالإسلام.. لا مساس بالسلف» لينفى أى ظن للسلفية حول المساس بالإسلام، وليؤكد أنه لا ينقد الأسلاف ولكن ينقد من سماهم المتمسلفين، فكأنه بدوره لم يبعد عما ذهب إليه الدكتور سليم العوا.

والناقد الذى أعنيه هو الشيخ أبوعمر المحمدى الذى كتب ست مقالات مسهبة تحت عنوان «مقالات فى حقيقة السلفية» وأرسلها إلىَّ حتى أنشرها فى «المصرى اليوم» أو غيرها من الصحف، فقلت له إن هذا متعذر، ولكن يمكن أن أطبعها فى كتيب ونسلم إليه أى عدد يريده من نسخها، وفى الوقت نفسه فإنى سأكتب عنها فى «المصرى اليوم»، وسُـر الرجل بهذا. فى المقالة الأولى عُنى الشيخ أبوعمر المحمدى بنقده «اسم» السلفية لأنها تسمية بديلة من الاسم الذى اختاره الله لنا وهو «المسلمين»، فقال «هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ»، وأورد ما قاله المفسرون، كما أورد ما قاله ابن عباس «من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام»،

وقال ميمون بن مهران «إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام»، وقال مالك بن مغول: إذا تسمَّى الرجل بغير الإسلام والسُـنة، فألحقه بأى دين شئت». وفرق الكاتب ما بين التسمية والانتساب، أما التسمية فلا خروج مطلقاً عما سمانا الله تعالى فى كتابه العظيم، أما الانتساب فلا محيص للأمة عن انتسابها إلى منهج السلف الصالح رضى الله عنهم، إذ هو منهج الإسلام منذ الدعوة الأولى. والتفرقة بين التسمية والانتساب ملاحظة دقيقة، كما أنها كانت المناسبة التى أظهر فيها الكاتب أنه لا يقل ولهًا وهيامًا بالأسلاف عن غيره من الذين حملوا اسمهم، بل إنه يخصص فقرة كبيرة يشيد فيها بالأسلاف فيقول: إن السلف الصالح، رضى الله تعالى عنهم، هم خير القرون على الإطلاق، كما أنهم عدول بتعديل الله تعالى لهم، حيث قال تعالى: (لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا). [الفتح: ١٨].. بل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما صحَّ عنه: «خير الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجىء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته».. إلخ. وهكذا يتضح أن نقد السلفية لا يمس الأسلاف ولا يقل حبًا وتمسكاً بالأسلاف وأنه لا يقصد بنقده السلفية الحقيقية، ولكن فئة أساءت استخدام هذا الاسم .

ولعل من حقنا أن نقول رأينا فى السلف والأسلاف، فنحن أيضًا لا نغمطهم حقهم ولا ننقصهم قدرهم، بل إننا كذلك نشعر نحوهم بالحب والتقدير، ولكن هذا لا يجعلنا نقلدهم ، ولا حتى نتبع منهجهم، إن الحب والتقدير شىء، والتقديس والاتباع والتقليد شىء آخر، فنحن لا نقلد مخلوقين ولكن نعمل عقلنا. وأوضح الشيخ أبوعمر المحمدى، فى آخر مقالته الثانية عن سبب كتابته لها، فقال: إن هؤلاء المتمسلفين اتصفوا بصفات ذميمة هى:

١- سوء الأدب: فهم متطاولون، سبابون شتامون، إلا أنَّ سبهم وشتمهم لا يعرفه أى أحد، ذلك أنه متوارٍ ومختفٍ خلف اللغة العربية الفصحى.

٢- المراوغة: فهم أحسن من يتلاعب بالألفاظ ويراوغ بها، ويستعملون لذلك باب المعاريض، متمثلين: (إن فى المعاريض لمندوحة).

٣- العُجب والغرور: فإنهم معجبون بأنفسهم جدًّا، وازداد هذا العُجب بكثرة الأتباع من الشباب الغـر، وإن كانوا يُظهرون فى تصاريحهم خلاف ذلك، مثل أن يقول قائلهم: (ما أنا إلا طويلب علم).. يكفى يا حوينى أن تروح وتجىء فى بلدك، وأنت تعتقد فى نفسـك: أنه ليس على أديم الأرض عالم مثلك.. وإنى أسـتغرب ذلك جدًّا،

وأتساءل: ما أمارة ذلك وعلامته؟! أهو كَمُّ المحفوظات الذى تحفظه من قصص وحكايات التراجم المبثوثة فى «سير أعلام النبلاء» وكتب الرجال، فهذا هو الغالب عليك فى أحاديثك ومحاضراتك وخطبك، فأنت بارع جدًّا فى استعمال التراجم، وما حولها من قصص وحكايات مبهرة، وأنت تعلم حقيقة ما أقول، ولو أنك جلست مع نفسك جلسة إنصاف، وراجعت تاريخك وتاريخ محاضراتك، ستجد أن ما يقرب من ثمانين فى المائة قصص وحكايات التراجم.. وها أنت ذا لست مستقيمًا على طريقة، إذ إنك مرات تنفى أن يكون للأحكام علل وحِكَم، وتأتى بالترهات العظيمات فى إثبات ذلك.. ونجدك فى وقت آخر- وهو يوم ظهرت أول مرة فى قنـاة «الناس»- تهرف، وتبرر تنازلك وظهورك فى شاشات التلفـاز، وتبين أن الصور ليست محرمة لذاتها، وإنما حُرمت لعــلة التعظيم والمضاهاة.

إنكم تشبهون السحرة الذين يأخذون بأبصار الناس بحيلهم وألاعيبهم، وأنتم تأخذون بأسماع الناس بقصصكم وحكاياتكم، والتى للأسف تجعلونها أهم أبواب الأدلة والاستدلالات، لذا أبشركم بأنه لا يستطيع أحد أن يصمد أمامكم حين المناظرة، أتدرون لماذا؟ لأنه ذا رصيد فقير فى القصص والحكايات، وإنما تقرير الأحكام الشرعية عنده قائم على أدلة الكتاب والسنة بمقتضى القواعد الأصولية والفقهية.. وأنتم تعلمون أن الناس لا يروقها مثل هذا النوع فى الكلام، إنما يروقها سرد القصص والحكايات. وفى المقالة الثالثة يشير الأستاذ أبوعمر المحمدى إلى مصادر المتمسلفين: «إن ابتلاء الأمة بهؤلاء المتمسلفين بات ظاهرًا وواضحًا من خلال الفضائيات، والتى كشفت كثيرًا من جهالاتهم المضحكة والمبكية فى الوقت نفسه».

والعجيب أنهم خالفوا هدى السلف رضى الله تعالى عنهم، وذلك واضح فى ظاهرة الثرثرة التى ابتلوا بها الناس ليل نهار بحجة الدعوة إلى الله تعالى، بل إنهم قد خالفوا هدى النبى صلى الله عليه وسلم نفسه، فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى فى صحيحه عن أبى وائـل قال: كان عبدالله- يعنى ابن مسعود- يذكِّر الناس فى كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم؟ قال: أما أنه يمنعنى من ذلك أنى أكره أن أملكم، وإنى أتخولكم بالموعظة كما كان النبى صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا».

إلا أن أدعياء السلفية لهم رأى آخر، وهو: إن الناس يمسون ويصبحون فى جهل وضلال، ولابد من أن نأخذ بأيديهم لنخرجهم من الظلمات إلى النور.. ألستم أنتم الذى تملأون الدنيا صياحًا بوجوب اتباع السنن واجتناب البدع؟! ألستم أنتم الذين تنادون بالعودة إلى خير الهدى؟! وبالجملة: فكما يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى فى «فضل علم السلف على الخلف»: (فمن عرف قدر السلف: عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه، من ضروب الكلام، وكثرة الجدال والخصام، والزيادة فى البيان على مقدار الحاجة، لم يكن عيًّا، ولا جهلا، ولا قصورًا، وإنما كان ورعًا وخشية لله، واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع».

هل يمكن عقد قداس الأحد فى الأزهر الشريف ؟؟ الرسول سمح لنصارى نجـران بالصلاة فى المسجد ..

ابراهيم عبد المعطى داود
01/07/2011, 10:11 AM
رسول الحب والسلام

بقلم د. أيمن الجندى ٦/ ١/ ٢٠١١
كانت مريم جميلة كالقمر، طاهرة كالمطر، رقيقة كزهرة الياسمين. وكان كل من حولها يحبها. شجرة الورد تحبها، بساتين البرتقال تحبها، أسراب السنونو والبلابل تحبها. وكانت مريم مندمجة فى صميم الكون، تسبح مثلما يسبح، وتسجد مثلما يسجد، وحيثما نظرت لا ترى إلا الله.

■ ■ ■

فى هذا اليوم كانت مريم فى المحراب تناجى ربها، وتركع وتسجد. فجأة لاحظت أن العصافير سكتت، وفاح خليط من شذا التفاح وعبير السوسن وزهور البرتقال. شعرت أن محرابها يضىء بنور خفى، أسطع من ضياء الشمس، وأنقى من نور القمر. ابتسمت مريم فى صمت. عرفت أن الملائكة حضرت. نادتها الملائكة:

«يا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَّاكِعِينَ».

وفاحت رائحة المسك فعمت الأرض كلها، وازدهرت بساتين الشام. وفاض النيل بالخير، وفرح الإسكيمو بدفء شمس مفاجئة، ولمعت لؤلؤة فى أعماق البحر، مكنونة فى صدفتها، لن تخرج إلى النور إلا بعد ألف عام.

تلقت مريم البشارة. أحست أنها تحب الله حبا يفوق الوصف، وأن قلبها المسكين لا يتحمل كل هذا الحب. الجبل خر دكا حين تجلى الله له، فكيف تتحمل مضغة من لحم ودم ما عجز الجبل عن أن يتحمله؟!.

سالت دموعها فى صمت، وأحست أنها تريد أن تقول لله كلاما فى الحب لم يقُله أحد من قبلها. فكرت فتحيّرت. كيف أحمدك يا رب وحمدك نعمة تستحق الحمد؟. شعرت مريم بالعجز فخرت ساجدة.

■ ■ ■

وعادت الملائكة تقول: «إنَّ اللّه يُبشرك بكلمة منه اسمُهُ المسيح عيسى بن مريـم وجيهاً فى الدُّنيا والآخرة ومن المقرَّبين. ويُكلِّم النّاس فى المهد وكهلاً ومن الصالحين».

اتسعت عيناها فى دهشة. كيف تنجب بغير زواج؟!. نظر إليها الروح الأمين فى حنان، وربت على كتفها. أخبرها أن طاقة الحب الإلهى داخلها تجسدت فى هيئة إنسان، ينمو الآن فى أحشائها. يسير على الأرض هونا وينشر الحب. اسمه المسيح عيسى بن مريم، رسول السلام.

■ ■ ■

شاء الله وما شاء كان. قال لعيسى «كن» فكان. أمره بين الكاف والنون. بمجرد توجه مشيئته يكون ما يشاء بلا أسباب. سبحانه هو خالق الأسباب!.

حملت مريم وليدها النفيس بمشاعر متضاربة. كانت المفاجأة فوق ما تحتمله العذراء المرهفة. تشعر بالخوف من كلام الناس، ثم تتأمل وجه الوليد فى رقة وحنان. رباه! كيف تحتمل الأرض كل هذا البهاء؟

كان المسيح أجمل طفل فى العالم، وجهه يضىء بنور ذاتى، وقد ظهر عليه الطهر والنقاء، والجمال والجلال. جاء إلى العالم ليعلّمه المحبة، وتكون حياته درسا عمليا فى التسامح، ومقابلة الشر بالخير، والقسوة بالرحمة، والعنف بالسلام.

■ ■ ■

سلام على الصدّيقة الزكية، التقية النقية، سيدة نساء العالمين «مريم بنت عمران». وسلام على المسيح عيسى بن مريم، فى يوم مولده المبارك، رسولا للمحبة والسلام.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/09/2011, 01:36 PM
حمام الحرم

بقلم د. أيمن الجندى ٩/ ١/ ٢٠١١
أقدم لكم نفسى.. واحدة من حمام الحرم النبوى الشريف، لا اسم لى أشتهر به وسط زملائى الحمام، فى الحقيقة نحن لا نحتاج أسماء، نحن جنس متواضع بسيط، هم يعرفوننى وأنا أعرف نفسى، فما حاجتنا إلى أسماء؟!

يوجد عدة أماكن لتجمع حمام الحرم. بالنسبة لى فأنا متواجدة معظم الوقت فى الساحة الرخامية أمام النفق الذى يؤدى إلى مواقف السيارات. يمكنكم زيارتى فى أى وقت دون التقيد بمواعيد مُسبقة. فنحن كائنات بسيطة نعيش حياتها فى رضا وانشراح. سوف تعرفوننى بسهولة: وجهى جميل، ولونى رمادى فاتح متدرج مع لمسات من الرمادى العميق. متناسق مع لون الرخام الأبيض والقبة الخضراء والسماء الزرقاء.

ننحدر نحن الحمام من نسب عريق: أمى الحمامة التى باضت على باب غار ثور عند تجمع المشركين ليقتلوا الرسول. جاءها الأمر الإلهى بأن ترقد على باب الغار، وتضع بيضها، ليظن المشركون أن أحدا لم يدخل الغار منذ عهد بعيد. عرفت الحمامة أنها تشارك فى إنقاذ نبى، وإنقاذ الدعوة إلى الله، وإنقاذ الأرض كلها، فشعرت بالسرور والتهيب والفخر العميق. وضعت جناحها خشوعا لله، وسجدت لأنه اختصّها بذلك الشرف العظيم.

جدتى ركبت فى سفينة النبى نوح عليه السلام. حينما أغرق الطوفان الأرض، أرسلها لترى هل غيض الماء وانتهى الطوفان؟ حينما عادت بغصن الزيتون، عرفوا أن الأرض جفت، وصارت صالحة للسُكنى من جديد. ارتفعت صيحات الفرح، صارت جدتنا بطلة، وأصبح جنس الحمام منذ ذلك الحين رمزا للصفاء والنقاء والسلام.

المدينة المنورة هى جنة الحمام فى الأرض، نقترب من الناس، نحط عند أقدامهم بلا خوف، وتقف لنا السيارات. أهل المدينة يحبوننا، نحن حمام الحرم، يضعون لنا الحبّ والذرة والماء. لا يمسونا بسوء، ولا يُفزعونا ولا يأكلون لحومنا. فنحن فى أمان الله، وفى جوار رسول الله، الذى عاش على هذه الأرض فى سلام. المدينة مكان طيب، تسكنه طاقة روحية هائلة، المكان الأجمل فى الأرض، الذى عُبد فيه الله بإخلاص.

نحن مخلوقات بسيطة طيبة. لذلك نشاهد ما لا يشاهده البشر ولكننا ممنوعون من الكلام. نشاهد أنوارا تومض وأرواحا طيبة تصعد وتهبط، يكسوها السلام. ونشاهد الملائكة الأبرار كثيرا فنغُطُّ فى ترحيب ونحنى رؤوسنا ونقرؤهم السلام.

كقاعدة، لا يوجد مخلوق واحد فى الكون لا يصلى أو يكف عن الدعاء. حتى العصارة الخضراء تصعد فى عروق النباتات وهى تسبح بحمد ربها، ونسمع دعاء الماء وهو يجرى فى باطن الأرض، ونشاهد سجود الظلال. حتى الزهور، ألوانها صلاة ترفعها لخالقها. هذه أشياء تعرفها جميع الكائنات فيما عدا الإنسان.

وحين يقترب الأجل، ونعرف أن أعمارنا انتهت، نطير إلى مكة المكرمة، نطوف حول البيت العتيق سبع مرات، نرفع صلاة شكر لله على نعمه الكثيرة، ثم نعود إلى المدينة فى انتظار الأجل، لنرقد فى جوار خاتم المرسلين.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/09/2011, 02:01 PM
صندوق الدنيا
شوق الحياة
بقلم: أحمد بهجت

ليس الشعر صومعة عاجية يطل منها الشاعر علي مباهج الحياة أومآسيها‏,‏ ويتأمل من نوافذها الكائنات بحياد بارد‏

‏قد يكون هناك شعر تأملي أو فلسفي‏,‏ ولكن الأصل في الشعر أنه لسان جماعي يعبر عن أحلام الناس ورؤاهم‏,‏ والعلاقة بين الشعر والحياة كالعلاقة بين الضمير والعقل‏.‏
أحيانا يكون الضمير هو المحرك للعقل‏,‏ وأحيانا يصمت الضمير أو يستسلم لإرادة العقل النفعية‏.‏
والناس يحسون جيدا بفطرتهم السليمة متي ينفصل الشاعر عن ضميره‏,‏ ومتي تتوحد كل قواه في وهج واحد ينصهر فيه القلب والعقل والضمير‏,‏ ويتحول هذا كله الي كلمات‏.‏
أذكر في الخمسينيات‏,‏ حين كنا طلبة في المدارس‏,‏ إننا كنا نحفظ أشعار أبي القاسم الشابي ونعلقها علي جدران غرفنا في البيوت‏..‏ يقول الشابي‏:‏ إذا الشعب يوما أراد الحياة
فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
ولقد كنا نعرف جميعا ان الشاعر كان مريضا ضعيفا يعاني من قلبه كإنسان‏,‏ برغم ضعف الشاعر ومرضه وإشارته الي هذا المرض في كثير من أبياته مثل قوله‏:‏
ياموت قد مزقت صدري
وقصمت بالإرزاء ظهري
برغم ذلك كان الشاعر بالنسبة إلينا هو قوة الإرادة التي تقول‏:‏
سأعيش رغم الداء والأعداء
أرنو الي الشمس المضيئة
لا أرمق الظل الكئيب ولا أري
كالنسر فوق القمة الشماء
بالسحب والامطار والأنواء
مافي قرار الهوة السوداء
كان الشاعر يومئذ قوة تستعصي علي المرض والخوف والاعياء والموت‏.‏
كان قوة من قوي الكلمة‏..‏ وهذا شأن الكلمة إذا صدق ضمير صاحبها‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/14/2011, 11:53 AM
السـلفية بين الهائمين بها والناقدين لها (٣ - ٤)

بقلم جمال البنا ١٢/ ١/ ٢٠١١
يواصل الشيخ أبوعمر المحمدى نقده للمتمسلفين فيقول:

أما هؤلاء الأدعياء فإنهم وقعوا فيما يحذرون الناس منه، والذى هو اجتناب البدعة.. أليست هذه على ميزانكم بدعة؟ إنكم تتنقلون بين القنوات.. وهذا يُسلِّم ذاك.. وكأنهم أصيبوا بداء الثرثرة وكثرة الكلام، ويا ليته كان كلامًا منضبطاً، ولكنه والله كلام ينبئ عن جهل، وإن كان الأتباع لهم مبهورين به، فلأنهم لا يملكون من الأدوات ما يحققون ويفرقون به بين الكلام الهذر والكلام النافع.

وشغلوا الناس بما يرفع قدرهم ومكانتهم عند الناس، فأدخلوا فروض الكفايات فى فروض الأعيان، فما ازداد الناس إلا تحيرًا وتخبطًا واضطرابًا، وهذا سمعته من أناس كثيرين، إذ يقول القائل منهم: والله احنا اتحيرنا.. ويقول الآخر: والله إحنا ما عارفين الصح فين والغلط فين.. إلى غير ذلك من الأقوال.

ويؤكد فى المقالة الرابعة أن هؤلاء المتمسلفين ليسوا علماء.. وإن كانوا دعاة كما يزعمون.. إنهم وعاظ قصاص، يحسنون الحفظ جيدًا.. كما يحسنون فن الإلقاء لمحفوظاتهم جيدًا.

وإن أهل العلم الحقيقيين ليتلوى الواحد منهم مما يسمع من فتاواهم على الهواء مباشرة، فإن فتاواهم منبئة عن حالهم فى التدين، كما أنها منبئة عن عظيم جهلهم.

فهذا أحدهم يسأل قائلاً: إن أبى يمنعنى من إعفاء اللحية؟ فيأتيه الجواب: لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.. وهذا يسأل عن مسألة فى يمين الطلاق؟ فيأتيه الجواب: امرأتك طالق.. وهذه تسأل عن حكم النقاب ولبسه؟ فيأتيها الجواب مائعًا.. وامرأة تسأل محدثهم قائلة: إن زوجها يأمرها أن تخلع النقاب، وإلا طلقها ؟ فيجيبها بإيثار الطلاق على خلع النقاب؛ فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق.

إلى غير ذلك من البرامج المتضمنة لجهالاتهم.. فإنهم يتناولون المسائل بما اقتنعوا هم به، دون أن يوضحوا فيها أوجه الخلاف المتباينة، فيفرضون على الأمة مذاهبهم الأخيرة فى المسألة.. وإذا حدثهم أحد بأن هذه المسألة من المسائل الخلافية، والذى يسعهم الخلاف فيها، فلا داعى للتضييق والحرج والعنت.. تراهم يتكلمون فى الخلاف وأصوله، فيأتون بالطامات العظيمات.

ولو أنك أمعنت النظر فيما يريدونه من الناس فى الدين، لوجدت أن حقيقة الدين الذى يدعـون الناس إليه لا يتجاوز: إعفاء الرجال لحاهم.. وارتداء النسـاء النقاب.. هذه هى حقيقة الدين عندهم.

إنهم خلطوا باب الوعظ والقصص والحكايات والافتراضات بالعلم، فوقعت الجناية أيضًا على قطاع عريض من الشباب، فإن كثيرًا من الشباب يحبونهم ويعظمونهم، ومن ثَمَّ فإنهم مبهورون بما يتلقونه منهم، ولما كان هؤلاء الشباب لا عهد لهم بالعلم، ولا بصر لهم بطرق استخراج الأحكام، وليس معهم ما يفرقون به بين ما من أصله أن يكون علمًا، وما من أصله أن يكون وعظًا، ظنوا أن هذا هو العلم بتمامه.

إن طريقتكم فى التعلم والتعليم طريقة سقيمة، مفادها: (اعتقد.. ثم استدل)، فإذا أراد أن يعمل أحدكم فى مسألة ما، فإن ترتيبها لديه يكون هكذا:

(١) اعتقاد الحكم فيها مسبقًا.

(٢) حشد الاستدلالات- وليس الأدلة- لما اعتقده من حكم فيها.

(٣) حشد أقوال الأئمة الموافقة لاعتقاده فى حكم المسألة.

(٤) عدم اعتبار ما عدا ذلك، ومن ثَمَّ كتمه وعدم إظهاره.

(٥) التلبيس على الناس بأن هذا هو القول الفصل، والحكم الشرعى فى المسألة، ولا قول بعده.

والشيخ أبوعمر المحمدى واضع هذه المقالات يعتب على الأزهر لأنه سكت على جهالة هؤلاء الأدعياء حتى ازداد إعجابهم بأنفسهم وظنوا أن ما هم فيه هو العلم، فكثر ظهورهم وقويت شوكتهم وازداد الناس بهم انبهارًا.

وأكد أن هؤلاء الدعاة يدلسون ويشوهون الوقائع، ويستدل بذلك على تعريفهم بالبدعة بأنها أى شىء لم يحدث فى عهد رسول الله أو السلف، ويدعون الاستشهاد بالشاطبى الذى رفض تعبير بدعة حسنة، ولكنهم لم يذكروا أن الشاطبى ضيق نطاق البدعة بحيث إن غيرها لا يكون ذميمًا، كما تجاهل ما قاله الشافعى، وهو بالطبع أوثق من الشاطبى «المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتابًا أو سُـنة أو أثرًا أو إجماعًا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر فى قيام رمضان: نعمت البدعة هذه، يعنى أنها محدثة لم تكن، وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى».

اتق الله- تعالى- يا حوينى واسكت، ولا تغتر بكثرة الأتباع، وكثرة المتصلين بكم على الهواء مباشرة، فأنت تعلم يقينًا أنهم لا عهد لهم بالعلم، ولا بصر لهم بطرق الاستدلال والاستنباط، وإنما هو فقط شدة الانبهار بلغة جديدة فى الوعظ غلفها وجمَّلها سرد القصص والحكايات.

ويتحدث الشيخ أبوعمر المحمدى فى المقالة الخامسة عن حقيقة الثلاثى المشهور حسان، ويعقوب، والحوينى- قد ابتُلى ببلية عظيمة، ألا وهى: تشبعه بما لم يُعط، ثم أكد هذا التشبع: كثرة المصفقين له بطريق المدح والثناء من قِبَلِ أناس ليس لهم بصر بالعلم، ولا معرفة لهم بطرق الاستخراج والاستنباط، اللهم إلا الانبهار بطريقتهم التى لا يقف على حقيقتها إلا العلماء المحققين. إن هذا الثلاثى المخدوع ظنوا فى أنفسهم أنهم حُرَّاس الحق، وأنهم يتناوبون حراسته فيما بينهم، وحتى يتربعوا على عرش الوهم هذا؛ رموا مخالفيهم بقلة العلم، وعدم الفهم، وأن صناعتهم- أى المخالفين- هى الوعظ والتذكير فحسب، ولا أرى ههنا إلا انطباق هذا المثل على هذا الثلاثى، وهو: (رمتنى بدائها وانسلت).

إن هذا الثلاثى المخدوع تجمع بينهم على المستوى الدينى صفات مشتركة؛ لابد أن نوفيهم حقهم فيها، وهى: شدة تدينهم.. وقوة عاطفتهم الدينية.. وعلو التزامهم بما يحبون الالتزام به.. بل وصدقهم.. وأمانتهم.. وورعهم.. وسمتهم الظاهر بالسنن.

أما على المستوى العلمى: فهاك حقيقة كل واحد منهم، كلٌّ على حدة. أما فضيلة الشيخ محمد حسان: فهو إعلامى بارع، تجلت براعته هذه فى عدة أمور ظاهرة، ومنها:

(١) قوة الحفظ التى أوتيها موهبة من عند الله تعالى، فوظفها أحسن توظيف فى طرح ما يناسب حاله من حُسن تدين على الناس، غير مراعٍ الفوارق المختلفة فى الأحكام الشرعية المختلفة، وكذلك غير مراعٍ ما يناسب حال الناس من رخصة وعزيمة.

(٢) براعته العالية جداً فى فن الإلقـاء، فإنَّا نحسب أنه (أمير فن الإلقاء) فى زماننا هذا؛ فهو لا يُضاهى ولا يُبارى فى لباقته وإلقائه، بل غير مدافعٍ ولا منازعٍ فى ذلك.

(٣) غزارة محفوظاته التى لا تنفك مطلقًا عن الأمرين السابقين، فلابد لمن هذه حاله من النظر فى كل ما يقع تحت يده، ومن ثَمَّ الاجتهاد والجِدّ الحثيث فى حفظه (لدرجة الابتلاع).

(٤) انتقاء ما يناسب منهجه وطريقته التى اخترعها اختراعًا ونسبها للسلف الصالح- رضى الله- تعالى- عنهم.

ثم هو أخذ يحفظ جملة وافرة مما سطره علماء السلف من قواعد أصولية، وقواعد فقهية، وقواعد حديثية، وقواعد لغوية، ولسان حاله يقول : أرأيتم، إنى أضرب فى كل فن من فنون العلم بسهم؛ ثم أعطى لنفسه الحق فى أن يتصدَّر للإفتاء، وظن فى نفسه أنه عالم علامة، وحبر فهامة.. ثم تراه يكذب ويقول: (أنا لم أدَّعِ أنى من العلماء ولا من أهل العلم)، فإن كنت صادقاً فلماذا تفعل نقيض ما تقول؟ فهلا سكت لئلا يكون ذلك حجة عليك عند الله تعالى.

يا فضيلة الشيخ حسان: أنت واعظ مؤثر، كما أنك متحدث مفوه، وخطيب بليغ، وأديب فصيح، ومذكِّر مؤد، ووالله ليس هذا من باب السب أو إثبات النقيصة، وإنما هو من باب إيقافك على الحقيقة؛ وإلا فاقعد مع نفسك قعدة إنصاف، ثم انظر فى بضاعتك، فإنها لا تعدو هؤلاء الأمور: الحفظ.. الإلقاء.. الغزارة.

يتكلم ببراعة فائقة فى تبيين: فقه الدليل، ومناطاته، والوقوف على علومه من حيث الخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمتقدم والمتأخر.. وأشياء يوهم بها أنه على دراية بها، وما هو كذاك، إذ عند التطبيق والتحقيق ليس له قوة على ذلك، فدون ذلك خرط القتاد بالليل.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/14/2011, 12:16 PM
. يوسف زيدان يكتب: الأُفق الأندلسى (١/٧) .. تمهيداتٌ ضرورية

١٢/ ١/ ٢٠١١
زرتُ إسبانيا مرتين، الأولى بدعوة من الملكة »صوفيا« لأشارك معها فى افتتاح الجناح الكبير الذى أُقيم فى المكتبة الوطنية الإسبانية بمدريد، احتفالاً بافتتاح مكتبة الإسكندرية وعودتها للحياة بعد قرونٍ طوال من اندثارها وتدميرها على يد المتعصِّبين دينياً، فى بداية القرن الخامس الميلادى، وللعلم، فإن «الملكة صوفيا» من أهمِّ الشخصيات العالمية، التى تحمَّسَتْ لبعث مكتبة الإسكندرية، لأنها من عُشَّاق الإسكندرية الساحرة! وهى من ناحية، ابنةُ آخر ملوك اليونان (وللإسكندرية وجهٌ يونانى) ومن ناحية أخرى، نشأت فى هذه المدينة وتخرَّجتْ فى مدارسها..

وفى هذه الزيارة الأولى، دُعِيتُ إلى زيارة الدَّير الملكى (الإسكوريال) الذى يحتفظ بثلاثة آلاف مخطوطة عربية نادرة، فكنتُ من القلائل، الذين دخلوا دهاليز الدير وخزائن المخطوطات المحفوظة هناك، كما دُعِيتُ فى تلك الزيارة، إلى جولةٍ خاصة فى المكتبة القومية الإسبانية بمدريد، فكنتُ من المحظوظين الذين أخرجَ لهم مديرُ المكتبة من خزانةٍ عتيقة قصةَ «الأَلِف» بخطِّ مؤلِّفها الشهير: خورخى لويس بورخيس، وعرفتُ منه يومها أن النسخة الكاملة من مخطوطات دير الإسكوريال، التى أهدتها الملكة صوفيا لمكتبة الإسكندرية، هى النسخة الوحيدة فى العالم. حتى إن المكتبة القومية الإسبانية، ذاتها، ليس لديها نسخةٌ مما لدينا اليوم بالإسكندرية.

وكانت زيارتى الأخرى لإسبانيا بدعوةٍ من عمدة مقاطعة «أليخانتى» الساحرة، لأشارك فى افتتاح الميدان، الذى أقاموا فيه النصب التذكارى (التمثال الكبير) للعالم العربى والصيدلانى الشهير «ابن البيطار» الذى ترك لتاريخ العلم الإنسانى، مجموعة أعمال فى الطب والصيدلة، أشهرها كتابه: الجامع لمفردات الأغذية والأدوية.

وخلال الزيارتين، بدأتُ أعيد النظر فى (تصوُّرنا) نحن العرب والمسلمين، للمرحلة الأندلسية من تاريخ إسبانيا، ففى المرتين رأيتُ صورةً صادقةً من اعتزاز الإسبان المعاصرين بالزمان العربى الإسلامى فى (الأندلس)، وشاهدتُ كثيراً من العمائر والآثار الباقية إلى اليوم من ذاك الزمان، وعرفتُ أشياءَ كثيرة، خاصةً أن الزيارة الأولى صحبنى فيها الدكتور «محمد أبوالعطا» الذى كان آنذاك مستشاراً ثقافياً لمصر فى إسبانيا، وهو خبير باللغة الإسبانية، ومترجم بارع لنصوصها إلى اللغة العربية.. وفى الزيارة الأخرى، صحبنى الدكتور «محمود على مكى» الذى يعدُّ اليوم، أهمَّ متخصِّص فى التاريخ الأندلسى على مستوى العالم، فكان الصاحبان فى المرَّتين، خيرَ مَنْ ينطبق عليهم قولهم: الرفيق قبل الطريق.

ولاحظتُ فى الزيارتين تشابهاً شديداً بين العرب والإسبان، خاصةً فى الجنوب القريب من المغرب، حتى إنهم يقولون هناك: لو حَكَّ الإسبانىُّ المعاصر جلده، لظهر تحته الجلد العربى! فإذا لم يتكلَّمْ أحدهُما لغتَه الخاصَّة، فإنك لا تستطيع تمييز الشخص العربىِّ من الإسبانى. والتشابُه بينهما لا يقتصر على تلك الملامح الشرقيَّة لكليهما، ولا يتوقَّف عند صيحة (الله/أُلِّله) التى يطلقها كلٌّ منهما إذا اشتدَّ انفعالُه، حيث يتنهَّد العربى المعاصر قائلاً (الله) عند مشاهدة لوحةٍ فنيَّة أو منظر جميل، والإسبانُ المعاصرون يتصايحون (أوليه) عند كلِّ حركة لافتة فى حلبات مصارعة الثيران، بعد تحريف طفيف للكلمة العربية.. لكنَّ الأمرَ لا يقفُ عند هذه التشابهات الظاهريَّة، فالصلة بين العرب والإسبان تتعدَّى ذلك إلى تشابه أعمق، فى: الشخصيَّةِ العامة، الروح الباطنة، التكوين الثقافى، التراث المشترك. وغيرِ ذلك من أوجه الشبه الذى ترسَّخ عبر قرون طوال، فلم تستطع القرونُ الخمسة الأخيرة (قرون العُزْلة) أن تفصل العرب عن الإسبان، وأن تمحو من بنية الإسبانى المعاصر، هذه الجيناتِ الوراثيَّة والثقافيَّة.

ومع أن إسبانيا تقع جغرافيا فى نطاق القارة الأوروبيَّة، إلا أنها مع ذلك، تبدو كما لو كانت امتداداً طبيعياً لبلاد المغرب العربى، التى لا يفصلها عنها إلا (مضيقُ) جبل طارق.. أو بالعكس، تبدو بلاد المغرب كامتدادٍ للأرض الإسبانيَّة التى فصلتها عنها، فى الأزمنة السحيقة، الزلازلُ التى سمحت لمياه المحيط بالدخول إلى المنطقة المسمَّاة اليوم: البحر المتوسط (أى المتوسط بين جماعات وشعوب العالم القديم ).

وقد لعب «التاريخُ» كما لعبت «الجغرافيا» دوراً مهماً فى التقريب بين العرب والإسبان، وهو الأمر الذى نجحت (السياسة) فى القضاء عليه، وهى على كلِّ حال، مسألةٌ كثيرة الوقوع، فلطالما نجحت السياسةُ فى فصم المتَّصل (الجغرافى/التاريخى) بين البلاد والعباد.

وللعرب والإسبان، أو بالأحرى: للعرب الإسبان (الأندلسيين) قصةٌ إنسانيَّةٌ مجيدة، استمرت زمناً طويلاً فى نطاق الثقافة البحر أوسطيَّة، وأثَّرَت فى تاريخ الحضارة الإنسانيَّة أثراً ملموساً.. وهى أيضاً قصةٌ مليئة بالمزعجات والمبهجات! فقد دخل العربُ المسلمون إلى إسبانيا سابحين فى بحار من الدماء، وخرجوا منها يخوضون فى أنهارٍ من الدَّم. وما بين بحار الدم وأنهاره، عاشت إسبانيا زمناً أندلسيّاً بديعاً، لا تزال أطيافُه تلوحُ فى خيال المعاصرين، كما يلوح باقى الوشم فى ظاهر اليد.

وحين فكَّرتُ فى كتابة هذه «السباعية» تماوجتْ فى ذاتى ذكرياتُ الزيارتين السابقتين، وتجلَّت على مرآة باطنى وقائعُ كثيرة (تاريخية) فعاودتُ النظر فى موسوعة الدكتور «محمد عبدالله عنان» ذات الثمانية أجزاء، وعنوانها: دولة الإسلام فى الأندلس.. وحين شرعتُ فى الكتابة، تردَّدَتْ فى نفسى أصداءُ النواح المعتاد فى ثقافتنا المعاصرة، والنبرة المتباكية على ضياع (زمان الوصل بالأندلس) وسخرية محمود درويش من الأمر كله حين قال فى أنشودته البديعة «مديح الظل العالى» ما نصُّه:

وأنا التوازنُ بين ما يجبُ

كُنا هناك ومن هنا،

ستسافر العربُ

لعقيدة أخرى، وتغتربُ

قَصَبٌ هيَاكلنا، وعُروشُنا قَصَبُ

فى كل مئذنةٍ حاوٍ ومغتصبُ

يدعو لأندلس

إن حُوصرت حلبُ.

وحين أُحبك، أحتاجُ تشكيل الخرائط والخطط

أحتاجُ ما يجبُ

يجبُ الذى يجبُ:

أدعو لأندلسٍ إن حُوصرت حلبُ

يرتبط دخول العرب المسلمين إلى شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا، البرتغال) بحكاية خرافية لا تخلو من الطرافة، وإن كانت تفتقر إلى المصداقية، وهى الحكاية المشهورة التى تقول إن «طارق بن زياد» عبر من المغرب إلى إسبانيا بجيشٍ إسلامىٍّ قوامه سبعة آلاف مقاتل، سنة ٩٣ هجرية (= ٧١١ ميلادية) وقد أحرق السفن التى عبر بها المضيق الذى سُمِّى باسمه لاحقاً، ثم قال لجنوده: «أين المفرُّ، العدوُّ من أمامكم والبحر من خلفكم..»، وهى الحكاية الأسطورية اللطيفة التى يهواها معاصرونا، ولا يكفُّون عن ترديدها، مع أننا سنرى فى هذه السُّباعية، أنها محض حكايةٍ خرافيةٍ لا تصلح إلا لتسلية الأطفال.

وقبل الدخول إلى (الأفق الأندلسى) على أجنحة التأريخ الحقيقى للوقائع، والفهم العقلانى العميق لها، دعونا نتوقف قليلاً، أولاً، عند معانى الكلمات المشهورة المرتبطة بهذا الموضوع، مثل: أندلس، إسبانيا، قوط، بربر، غزو، فتح.

أما كلمة «الأندلس» التى أطلقها العربُ على شبة جزيرة أيبيريا، فإن هناك تفسيرات عديدة لها، بعضها خيالىٌّ مضحكٌ، مثل قول بعض المؤرِّخين العرب إنها سميت بذلك، نسبةً إلى رجل يسمى (أندلوش) كان يسكنها فى الزمن القديم، أو نسبةً إلى أحد أحفاد «نوح» هو: الأندلس بن يافث بن نوح، والأرجح، أن الكلمة العربية (أندلس) مأخوذة من اللفظ الدال على البلاد آنذاك، وهو «فاندالوسيا» أى بلاد: الوندال، وهو اسم القبائل التى كانت تعيش هناك، قبل مجىء العرب المسلمين.

وأما كلمة «إسبانيا» فقيل إنها نسبةً إلى ملك اسمه (أشَبان) وقال بعض المؤرخين: بل كان اسمه «أصبهان» فوقع فيه التحريف! وليس عندى قولٌ راجح فى سبب هذه التسمية، ولكن الأقرب مأخذاً هو الأصل الفينيقى للتسمية التى تعنى حرفياً فى اللغة الفينيقية (جزيرة الأرانب)، لأن المكان كان مليئاً بها أيام اتخذها الفينيقيون مستعمرةً.. أما تاريخ وتسمية «القوط» فأمران يعودان إلى زمن مبكر، حيث وقعت حروب بين الرومان وتلك القبائل التى عاشت فى جزيرة أيبيريا، واستطاعت فى بداية القرن الخامس الميلادى أن تقتحم أسوار (روما) المنيعة، لكنها ما لبثت أن عادت إلى موطنها الأصلى، وظلت تحكمها حتى جاء إليها العرب المسلمون، بدعوةٍ من أحد ملوك القوط، حسبما سنرى لاحقاً.. والبربر هو اسم سكان شمال أفريقيا، خاصة المغرب، عند وصول العرب المسلمين إلى هناك، وكانت أهم قبائلهم هى قبيلة: زناتة.. والغزو هو الاقتحام العسكرى.. والفتحُ استقرار الغازى فى البلاد، وسكناه فيها جيلاً بعد جيل.

كان الغزو (الفتح) العربى الإسلامى أفريقيا، امتداداً لفتح (غزو) مصر، فبعدما استقرت الأمور المصرية بيد عمرو بن العاص، خرج من الإسكندرية غرباً، بجيش قليل العدد والعُدَّة، ليفتح المدن الخمس الغربية (ليبيا) فغزاها، لكنه لم يفتحها ويستقر فيها، وبعد خمس سنوات خرج أمير مصر «عبدالله بن أبى سرح» إلى إفريقية (تونس) فاتحاً، على رأس جيش قوامه أربعون ألف محارب.. وهنا لا بد لنا من وقفة أمام دلالة هذا العدد، مقارنةً بعدد الجيش الذى خرج مع عمرو بن العاص لفتح مصر، وهو ثلاثة آلاف وخمسمائة (وقيل، بل أربعة آلاف) ويأتى السؤالُ: كيف يدخل المسلمون صحراء أفريقيا الخالية نسبياً، بالمقارنة مع مصر، بهذا الجيش الجرَّار. بينما كان الجيش الإسلامى الذى خرج إلى مصر غازياً لا يزيد عدده، على عشرة بالمائة من مجموع الجيش الذاهب لغزو الصحراء الخالية. علماً بأن جند الروم، كانوا يتحصَّنون بقلاع مصر والإسكندرية، وكان عددهم بحسب التقديرات المختلفة، يتراوح ما بين الأربعين ألفاً والمائة ألف مقاتل!

إذن، من المنطقىِّ فى زمن الفتوح، أن يخرج المسلمون إلى ساحل أفريقيا بجيش قوامه أربعون ألفاً، ومن المنطقىِّ أن يحاصر المسلمون بلدةَ دمشق بأربعة جيوش كاملة، ومن المنطقىِّ أن يفتح المسلمون العراق بعد حروبٍ طاحنةٍ قُتل فيها من الجانبين الألوف.. ومن غير المنطقىِّ، أن يشرع »عمرو بن العاص« فى فتح مصر، بهذا الجيش (القليل) الذى جاء معه، اللهم إلا إذا نظرنا إلى الأمر من ناحيةٍ أخرى، وفهمناه فى ضوء الرؤى التى طرحناها فى السُّباعية السابقة.. وعلى كل حال، ففى المقالة التالية من هذه السُّباعية، سوف نستكمل (الأربعاء القادم) ما بدأناه اليوم، لنرى: كيف فتح المسلمون ساحل أفريقيا، ووصلوا إلى المغرب، ثم الأندلس.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/14/2011, 02:21 PM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏*‏ أحب البشرية‏:‏ ولكني اكره الكثير من البشر‏!‏ ‏*‏ ان كراهيتي للناس جعلتني اؤيد استخدام القنبلة الذرية‏!‏ ‏*‏ هناك الاشرار والطيبون‏..‏ الطيبون ينامون طويلا وبسهولة ‏*‏ أما الاشرار فيستمتعون بكل ساعات الارق‏!‏

‏*‏ يجب الا نتعامل مع المرأة علي انها شيء ـ انها دون ذلك بكثير‏!‏
‏*‏ الرجل يتحدث مع المرأة وهدفه الجنس ولكن المرأة تتحدث عن الجنس لأن هدفها أن تتحدث‏!‏
‏*‏ المرأة مثل أجهزة التنبيه في السيارات‏:‏ دوشه ولكن احدا لايسمعها‏!‏
‏*‏ المرأة اذا اكتشفت ان ملابسها ملتصقة بها تقول ان وزنها زاد‏,‏ والرجل اذا وجد ملابسة قد التصقت به يقول ان القماش قد انكمش‏!‏
‏*‏ في عالم بلا رجال‏:‏ تزيد الجريمة وتزداد النساء وزنا وتعاسة‏!‏
‏*‏ رجل من غير امرأة‏:‏ رأس بلا صداع‏!‏
‏*‏ رجل في البيت أفضل من اثنين في الشارع‏!‏
‏*‏ المرأة كالفيل احب ان اتفرج عليها‏,‏ ولكن لامكان لها في البيت‏!‏
‏*‏ انت لاتعرف حقيقة المرأة الا اذا وقفت امامها في المحكمة‏!‏
‏*‏ المرأة الذكية هي التي تضع القليل من السكر فيما تقوله للرجل‏.‏
‏*‏ والقليل من الملح فيما يقوله الرجل‏!‏
‏*‏ لم يحدث ان أطلقت سيدة الرصاص علي زوجها اذا كان يغسل الصحون‏!‏
‏*‏ اذا كان لابد ان تختار بين الجاذبية الجنسية والفلوس‏,‏ اختر الفلوس لانها في شيخوختك ستكون هي الجاذبية الجنسية‏!‏
‏*‏ المرأة كالسيارة‏:‏ كلنا نريد المرسيدس فاذا لم نستطع رضينا باللوريات‏,‏ فاذا لم نستطع رضينا بالتوك توك‏!‏
‏*‏ أول مايجذب الرجل في المرأة‏:‏ عيناها‏,‏ وأول مايجذب المرأة في الرجل‏:‏ أكاذيبه‏!‏
‏*‏ علاقته بزوجته‏:(‏ أوليمبية‏):‏ مرة كل اربع سنوات‏!‏
‏*‏ طبيعي جدا الا يعرف الجنس‏:‏ لانه متزوج‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/17/2011, 11:13 AM
فى حضرة «أبى القاسم الشابى»

بقلم د. أيمن الجندى ١٧/ ١/ ٢٠١١
شاهدته فجأة يتجسد أمامى، قادماً من ليالى الفرحة وأزمنة الصفاء، قادماً من النور والبللور والنقاء. عرفته على الفور. عرفت وجهه الجميل الحالم، عرفت شَعْره الهائج الثائر، عرفت جبينه النبيل الواسع، عرفت عينيه المتوهجتين كجمر، العميقتين كبئر، الصافيتين كنهر، الواسعتين كبحر. إنه بطل صباى وشاعرى المُفضّل «أبوالقاسم الشابى» الذى أحببت تونس من أجله، بلاد الزان والسنديان والزيتون، تونس الخضراء، وجامع الزيتونة، تونس الفروسية والعراقة والتقاليد الحميمة.

■ ■ ■

كانت هذه هى المرة الأولى التى يتجلى لى فيها. بالضبط كما كنت أتخيله. أبوالقاسم الشابى، الشاعر الرقيق الحالم، الذى قضى نحبه فى عمر الزهور. خمسة وعشرون عاما!!. العاشق الذى صنع مراهقتى، وجعلنى أحب (الحب) قبل أن أحب. والشاعر الذى حفظت ديوان أشعاره كاملا، وحلمت - حينما أكبر - أن أصبح مثله: نبيلا مثله، عاشقا مثله، وطنيا مثله.

وقفت فى حضرته، أترنم بأشعاره الرومانسية:

«ها هنا فى خمائل الغاب، تحت الزان والسنديان والزيتون

أنت أشهى من الحياة، وأبهى من جمال الطبيعة الميمون

ما أرق الشباب فى جسمك الغض وفى جيدك البديع الثمين!

وأدق الجمال فى طرفك الساهى، وفى ثغركِ الجميل الحزين».

■ ■ ■

ترى ما شكل هذه المرأة الحلم؟ حبيبته التى أنشد من أجلها «صلوات فى هيكل الحب»، هذه الأبيات التى خلّدها الدهر، وصارت عنوانا للعذوبة:

«عذبة أنت كالطفولة، كالأحلام، كاللحن، كالصباح الجديد

كالسماء الضحوك، كالليلة القمراء، كالورد، كابتسام الوليد».

كان- كعادة الفرسان- يحترم جنس النساء، ويُثمّن معدن الأنوثة. يرفع المرأة إلى آفاق من الطهر والنقاء على عادة الشعراء الرومانسيين.

«أنتِ.. أنتِ الحياة فى قدسها السامى وفى سحرها الشجىّ الفريدِ

أنتِ.. أنتِ الحياة فى رقة الفجرِ وفى رونق الربيع الوليدِ

أنتِ فوق الخيال والشعر والفن وفوق النُهى وفوق الحدودِ

أنتِ قدسى ومعبدى وصباحى وربيعى ونشوتى وخلودى».

■ ■ ■

كان شعوراً مدهشاً أن أراه بعد هذه السنين، بعد ما كبرتُ وانتشر الشعرُ الأبيضُ فى مفرقى. تصوروا: المراهق الذى كان مُتيّماً بأبى القاسم الشابى صار أكبر منه! أنا أكبر! وجهى يكبر! حزنى يكبر! وأبوالقاسم الشابى مستعصٍ على الزمن، محتفظ بنضارته. فهل نحن بحاجة إلى أن نموت حتى نحتفظ بصفاء وجوهنا القديمة؟

قلت هامساً: «أخيراً ظهرتَ لى يا نبع الطهر والصفاء، يا رمز النبل والنقاء، يا فارس الحب والرومانسية، يا سيد الثورة والوطنية».

قال فى غضب: «هل هذا وقته؟ تتحدث عن قصص الحب والوطن يغلى؟ أهذا الذى تعلمته منى؟ من ذا يذكر الحب الأصغر فى حضرة الحب الأكبر؟ أعرفتَ ما حدث بتونس؟».

البقية غداً.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/17/2011, 01:12 PM
رضوي عاشور وملحمة الطنطورية‏1‏ ـ‏2‏
بقلم: د‏.‏ صلاح فضل

تتصدي المبدعة المصرية الكبيرة رضوي عاشور‏,‏ بأستاذيتها الصارمة‏,‏ وطاقتها البحثية الجبارة‏,‏ لمهمة ناءت بها كواهل الكتاب العرب‏,‏ وهي التسجيل الفني الموثق لملاحم الهجرة الفلسطينية المتتابعة‏,

‏ والمقام في الشتات‏,‏ خاصة في لبنان‏,‏ وحروب بيروت الطاحنة‏,‏ وكنت أعجب خلال قراءتي لروايتها الضخمة الطنطورية وهي قرية فلسطينية ساحلية احتفظ اهلها مثل غيرهم بمفاتيح بيوتهم وورثوها لأولادهم ـ كيف استطاعت هذه الكاتبة المثابرة ان ترمم ذاكرة وطن يضيع بأكمله وتقيم له هذا النصب التذكاري المهيب‏.‏
لا تكفي معايشتها الطويلة لقرينها الشاعر المبدع مريد البرغوثي‏,‏ وهي تهدي له عملها الشامخ لتفسير هذا الفيض المتدفق من المعلومات التاريخية والانسانية والجمالية التي تعج بها الرواية‏,‏ فهناك عشرات النماذج البشرية من النساء والأطفال والرجال‏,‏ عرفت كيف تلدهم مكتملي الخلق وتدفع بهم في اللحظة المناسبة الي تيار الأحداث المنهمر في مرحلتين‏:‏
احداهما باكرة عندما كانت الراوية رقية لاتزال صبية يافعة قبيل نكبة‏1967,‏ يقذف لها بحر قريتها بشاب وسيم يلقي عليها تحية عابرة ويسألها عن اسمها‏,‏ ثم لا يلبث ان يتقدم لخطبتها قبل ان يجتاحهم طوفان النكبة ويشتتهم تنسي ملامحه وخطبته‏.‏
أما المرحلة الثانية فتجري بعد ثلاثة عقود‏,‏ وقد استقر بها المقام في صيدا ثم بيروت مع زوجها الطبيب قرب مخيمات صبرا وشاتيلا‏,‏ حتي تشهد ملاحم الغزو الصهيوني وصراع المقاومة الفلسطينية مع اليهود والكتائب وحلفائهم‏,‏ كنت احتار في تحديد مصدر المادة الأولية التي اعتمدت عليها الكاتبة حتي وجدتها قد أدرجتها في سياقها الملائم وذوبتها في عشرات المواقف ومئات التفاصيل الانسانية الحميمة‏,‏ باقتدار فني مدهش‏,‏ وأشارت اليها بذكاء بعد ما يربو علي مائتي صفحة حيث تقول رقية ما المطلوب مني؟ أنقل مشاعري آنذاك أم مشاعري الآن؟ أم أسجل ما سجله من هم ادري وأقدر مني في مقالات وشهادات وكتب؟ قبل عشرين عاما‏,‏ اتصلت بي الست بيان نويهض زوجة شفيق الحوت مدير مكتب المنظمة في لبنان‏,‏ قالت لي انها تجمع شهادات الناجين من المجزرة‏,‏ أهالي شاتيلا وصبرا والأحياء المتاخمة‏,‏ أرادت أن اجمعها بمن أعرف منهم ففعلت‏,‏ استمعت الست بيان الي هنية هنا في بيتي‏,‏ واستمعت الي عبد واخرين واخريات غيرهما رتبت لقاءها بهم‏,‏ وبعد عشرين عاما اتصلت بي الست بيان وقالت لي انها انتهت من الكتاب وانه صدر‏,‏ واخذت عنواني في الاسكندرية وأرسلته لي‏,‏ وصل الكتاب‏,‏ فضضت المظروف‏,‏ كان للكتاب غلاف خارجي رقيق يحيط بغلافه السميك‏,‏ عليه صورة ملونة لثلاثة قتلي‏,‏ فتي بالكاد خط شاربه ممدد علي الارض كاملا بملابسه‏,‏ استقرت رأسه علي كتف قتيل آخر واستقرت علي فخذه الأيسر قدما قتيل ثالث‏,‏ لم أطق الغلاف نزعته وخبأته في الدرج‏,‏ بقي الكتاب الضخم بغلافه المقوي الأزرق قابلا للاحتمال لكن ما تفعله الكاتبة في هذه المادة التوثيقية هي تحويل رمادها وأحبارها الي حيوات نابضة زاخرة بالمعني‏.‏
اقتناص المتخيل‏:‏
عندما تشرع رضوي عاشور في اقتناص متخيل النكبة بكل ملامحها تمهد لها بألوان زاهية ومشاهد طبيعية بهيجة‏,‏ ترسم ايقاع الأفراح حتي تبرز في ظلها عتمة النكبة السوداء‏,‏ فالأشياء تتميز بأضدادها‏,‏ وكانت صورة الشاب يحيي الذي طلع من البحر وتعرف علي الراوية رقية هي التي تسمح لها بأن تتمثل البحر وهو يفترش العرس شاطئه‏,‏ يتوسع‏,‏ الزغاريد والأهازيج وحلقات الدبكة ورائحة الخراف المشوية والمشاعل‏,‏ تنفلت ردات العتابة والأوف من صدور الرجال‏,‏ أي والله تنفلت انفلاتا وتحلق‏,‏ كأنها تصل الي رب العرش فوق أو تطير متجاوزة الجيران في القري القريبة لتؤنس سكان الساحل كله من رأس الناقورة الي رفح‏,‏ ثم يقبل الفرسان يتبارون في الركض والقص‏,‏ كل علي ظهر أصيلته‏,‏ ترجم رمل الشاطئ رجما بحوافرها فينخطف جسمها وقوائمها مقبل وهي تولي‏,‏ الشاب علي متنها يميل خفيفا للأمام كأنه مثلها يطير‏,‏ يسرق المشهد قلوبنا‏,‏ ننسي البحر‏,‏ وربما يكون البحر مثلنا مأخوذا بالفرجة فينسي نفسه ويستكين‏..‏ استرجع المشهد ثم أعود استرجعه علي خلفية صوت الأمواج والأهازيج والزغاريد الآتية في اتجاهنا‏:‏
سبل عيونه ومد ايده يحنونه‏/‏ غزال صغير وكيه أهله يبيعونه
يا أمي يا أمي عبيلي مخداتي‏/‏ وطلعت م الدار ما ودعت حياتي
لكن الدار التي تتحدث عنها لن تشهد أعراسا في هذه الفترة‏,‏ بل سيكون الرحيل عنها في سلسلة من الهزات المتتالية لصميم بنيانها النفسي والعائلي هو مشهد الخروج الذي يذهل كل مرضعة عما أرضعت‏,‏ ستصوره الكاتبة القديرة من زوايا عدة قبل أن تركز بؤرة منظورها في حالة الذهول الفاجع الذي أصاب أمها وهي في طريقها الي لبنان في طولكرم والخليل‏,‏ وفي الطريق الي صيدا‏,‏ ستكرر أمي بلا كلل ولا انقطاع ان ولديها هربا الي مصر‏,‏ وأن أبا الصادق زوجها اعتقل مع من اعتقلوا من رجال البلد‏,‏ ولا تعرف ان كان قد أفرج عنه ولا يدري اين نحن أم انه مازال في الأسر‏.‏
همست إحدي النساء أن ام الصادق فقدت عقلها‏,‏ اجابتها الأخري‏:‏ عجيب غريب‏,‏ إنها عاقل راشدة فيما عدا موضوع زوجها وأولادها‏,‏ عادت الأولي تقول‏:‏ ورب العرش‏,‏ أنا كذبت عيني وقلت ان قلب الأم أدري وربما اشتبه علينا الأمر ولم يكونوا بين من رأيناهم من القتلي‏,‏ لولا ان الشباب الذين اخذوهم لحفر المقبرة الجماعية شهدوا ان أبو الصادق وولديه كانوا بين الجثث التي دفنوها لحظة استلاب الوعي وذهاب العقل أبلغ في التعبير عن هول الكارثة وتجسيد وقعها من عشرات الصفحات الوصف المستضني والمضني لمشاهد حشد الضحايا وسوقهم الي حتفهم في لحظات هستيرية ارتكبت فيها العصابات اليهودية أبشع المذابح التي سجلها تاريخ النكبة‏.‏
ستكون الفتاة الرقيقة رقية هي الرواية التي تحكي كل ذلك بمنظور الأنثي الحساس‏,‏ وسيكون عليها ان تجاري أمها في خداع الذات حتي تبقي علي كيانها خشية ان يتفتت‏,‏ وتسر الي أعمامها وأقربائها بأن يجاورها ايضا في لحظات مفعمة بالشجن والوجيعة‏,‏ وعندما يحرضها ابنها حسن بعد سنوات طويلة من استقرارها في لبنان علي ان تحكي ما شهدته ينفجر في وجدانها هذا التيار اللاهب الشجن العذب والهشاشة المحترقة‏,‏ قال لها‏:‏ احك الحكاية‏,‏ اكتبي ما رأيته وعشته وسمعته وما تفكرين فيه‏,‏ وإن صعبت الكتابة عليك احك شفاهة وسجلي الكلام‏,‏ بعدها ننقله علي الورق‏,‏ هذا مهم يا أمي‏,‏ أهم ما تتخيلين‏,‏ كررت‏:‏ لست بكاتبة‏,‏ كل حرفة لها أصحابها‏,‏ لم أكن حتي وأنا تلميذة صغيرة في المدرسة متفوقة في الانشاء ـ يا أمي ما أطلبه منك ليس إنشاء بل شهادة‏,‏ تذكرين ذلك اليوم الذي طلبت منك فيه تسجيل شهادتك عما حدث في بلدنا‏,‏ وقلت لك استجمعي التفاصيل واسعدي‏,‏ مرضت ولم يتح لنا ذلك لأنني بعدها سافرت‏.‏
ليتني أعرف كيف‏,‏ ثم ان الحكاية لا تحكي‏,‏ متشعبة‏,‏ ثقيلة‏,‏ كم حربا تتحمل حكاية واحدة‏,‏ كم مجزرة‏,‏ ثم كيف اربط الأشياء الصغيرة علي أهميتها بأهوال كبري عشناها‏.‏ هذا هو الحوار الداخلي للكاتبة الذي يمثل تحديا باهظا تواجه بالكتابة وتبسطه داخلها‏,‏ كيف تعيد تخليق مئات الحيوات وبعث آلاف اللحظات الهاربة لتحضرها في ذاكرة الكاتبة وهي مشدودة الي مفاصل مصيرية واحداث سجلها التاريخ من السطح فقط‏,‏ والمطلوب من الابداع ان يجرح سطح التاريخ ليجري الدم في عروقه ويتصل بنهر الحياة الزاخر بتياراته ومكنونه الانساني الدافق‏,‏ وان يمنح كل ذلك معني كان يفتقده ودلالة لابد ان يجسدها‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/18/2011, 08:31 PM
فلسفة الشابى

بقلم د. أيمن الجندى ١٨/ ١/ ٢٠١١
قلت فى خجل: فعلا.. هذا ليس وقت الحديث عن الرومانسية، وتونس تمر الآن بمخاض عنيف.

قال حالما: لابد من المخاض قبل الولادة، والألم قبل السعادة، لابد أن تدفع ضريبة الحرية من دمائك.. تلك خلاصة العِبر وحكمة السنين.

قلت باسما: تتحدث وكأنك عجوز فيما لم تعش أكثر من خمسة وعشرين عاما. الشباب عندنا فى سنك يقضون أوقاتهم على الفيس بوك، ويلبسون بنطلون وسطه واقع، يظهر من تحته البوكسر، و...

قال مستغربا: يعنى إيه بوكسر؟

قلت وقد احمر وجهى: مممم. خلينا فى تونس أحسن.

أنشد مترنما: «إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلابد أن يستجيب القدر».

قلت فى خجل: أعترف بأنه بيت رائع، ولكننا ابتذلناه من فرط ترديده.

قال فى كبرياء: هذا البيت ثمرة فلسفة عميقة، ونظرة متأملة متأنية فى الحياة.

قلت متملقا ومحاولا إرضاءه: كان عمرك قصيرا كالشهاب، كالبرق الخاطف. ولكنك فى هذه الفترة القصيرة قلت كل شىء.

قال فى جِد: كان عمرى قصيرا ولكننى أنفقته فيما يفيد. تأملتُ فعرفت. يقولون إننى تأثرت بالفيلسوف الألمانى «نيتشه»، مع أننى تأثرت بالطبيعة أكثر. لقد جُبتُ مع والدى تونس من أولها لآخرها، وجلست فى مقعد الحياة، أصغيتُ لدروسها، بحتُ ببعض أسرارها، والبعض الآخر احتفظتُ به لنفسى.

قلت وقد اقشعر جسدى: خبّرنى عما حدثتك الحياة.

قال: قالت لى إن الغلبة للقوة والموت للضعيف، والكون حى يحب الحياة.. قالت إن القدر يستجيب لمن استجمع إرادته.. قالت إن الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش، لا كما تعيشها الدواب وإنما كما ينبغى أن يعيشها الإنسان الذى كرمه الله بالعقل.. قالت إن الحرية تُؤخذ ولا تُمنح.

قلت وأنا أرتجف: كانت أشعارك تلهب الشعوب. ألست القائل: خُلقتَ طليقاً كطيف النسيم/ وحرّاً كنور الضحى فى سماه. فمالك ترضى بذلّ القيود/ وتُحْنى لمن كبلوك الجباه؟».

قال فى رضا: نصف ديوانى على الأقل يدعو للثورة: «أيها الشعب! ليتنى كنتُ حطّاباً فأهوى على الجذوع بفأسى».

قلت مبتسماً: اسمح لى. شعبكم لم يكسر جذعا فحسب، وإنما كسر أنف الطغاة. مازلت لا أصدق حتى الآن: بائع متجول فجّر الثورة عندكم لأنهم صادروا بضاعته فأحرق نفسه، وعندنا يشنق الشباب العاطل أنفسهم علانية على كوبرى النيل، وينقلون سوق روض الفرج بأكملها ثم لا يحدث شىء!

قال غاضبا: أمنعك أن تتحدث عن مصر باستخفاف. ألا تعرف أن والدى، مَثلى الأعلى فى الحياة، والأكثر تأثيراً فى حياتى، قد درس بالأزهر سبع سنوات.. هل تعلم أن انطلاقتى الكبرى كانت من مصر، ولم أشتهر إلا بعد أن احتفى بى أحمد زكى أبوشادى، مؤسس مجلة «أبوللو»، ولولاه لمتُ مجهولا وما عرفنى أحد؟!

قلت مذهولا: يا خبر! معقول الكلام ده؟! أرجوك ترفع من روحنا (المعدنية) شوية، لأن منظرنا بقى وحش آخر حاجة.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/18/2011, 08:37 PM
الإبداع المتمرد لا يموت

بقلم نوال السعداوى ١٨/ ١/ ٢٠١١
أصحاب وصاحبات الفكر الجديد لا يموتون، وإن ماتوا ودفنوا.. لا يمكن لصاحبة أو صاحب فكر جديد أن ينال فى حياته سلطة أو مالا أو منصبا، الإبداع والتمرد طريق شاق صعب، أتذكر مقولة كان أبى يرددها فى طفولتى: «احترمت نفسى حين خيّرتها بين السهل والصعب فاختارت الصعب»، للإبداع والتمرد ثمن باهظ هو ثمن الحرية والعدالة والكرامة، لا يوجد فكر جديد دون التمرد والثورة على القديم، أصحاب السلطة والمال يخافون الفكر الجديد، لهذا يسعون دائما للقضاء على أصحاب الفكر الجديد، بالتجاهل أو تشويه السمعة والتشريد، بالنفى أو السجن أو الموت، لكن يعيش الفكر الجديد، رغم أنف أى جبروت.

قد يشعر المبدع المتمرد بالتعب أو اليأس، لكنها لحظة عابرة تمر سريعاً، لأن الإنسان يكتسب بالإبداع قوة نفسية وعقلية كبيرة، مع قوة الأمل فى المستقبل، وإن كان وحيدا داخل زنزانة السجن أو العزلة فى البيت، بعد أن يتخلى عنه الأهل والأصدقاء خوفا من بطش السلطة، أنا أعيش طالما أكتب أفكارى، إن لم تُنشر اليوم فسوف تُنشر فى المستقبل القريب أو البعيد، لا أفقد الأمل فى المستقبل إلا نادرا، حين تشتد الظلمة ويعم الفساد فى الدولة والعائلة، كما هو الواقع فى بلادنا اليوم، حين أعيش بالمنفى داخل الوطن، حين تهرب النخبة إلى السلطة والمال والمناصب.

كنت جالسة فى بيتى بالقاهرة أتابع الأخبار فى الإذاعات، مرت بى لحظة حزن عميق، تشبه اليأس، أخبار الوطن كلها سيئة، من سيئ إلى أسوأ، مزيد من استبداد السلطة الحاكمة، مزيد من نفاق النخبة، مزيد من القهر الطبقى الأبوى للفقراء والنساء، لا شىء يبعث على البهجة فى أى بلد من العالم شرقا وغربا، لا إبداع جديداً، لا تمرد، لا ثورة.. بعض احتجاجات معارضة لا تؤثر، نخب مثقفة تدعم الحكم القائم، هل ماتت الشعوب من القهر والفقر والمرض؟.. فجأة دوت أصوات الملايين ترج الكون: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر..انتفضت واقفة منتصبة القامة أردد معهم كلمات الشاعر أبى القاسم الشابى، الذى مات ودفن منذ ٧٧ عاما، لكنه عاد حيا يقود الملايين من وطنه فى تونس، خرجت الملايين يهتفون بأبياته، أصبح الشاعر قائدا للثورة الشعبية رغم موته، خرجت كلماته إلى النور، دوى صوته مع الملايين.. نساء ورجال وأولاد وبنات وأطفال، وأنا أيضا فى بيتى بالقاهرة أصبحت أهتف معهم بكلماته.. صوتى يختنق بدموعى وقلبى ينتفض: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر، ولابد لليل أن ينجلى ولابد للقيد أن ينكسر.. عاد الأمل يرج كيانى بقوة كبيرة، عاد الدم الحار يجرى فى عروقى، كسر الشعب قيده وانطلق تلقائيا، ثورة شعبية تجاوزت الحكومة والأحزاب الشرعية والنخب السائدة المسيطرة، أحيا الشعب شاعره المبدع المتمرد، بعد أن دفنته السلطات الحاكمة فى القبر ثمانية عقود، استلهم الشعب ثورته من إبداعه الشعرى المتمرد، أسقط الشعب رأس الدولة والحكومة الفاسدة والأحزاب الشكلية والنخبة المنافقة ولصوص الأموال والأراضى، فتح الشعب أبواب السجون للمناضلين، وأعاد المبدعين المتمردين من المنفى خارج تونس.. تتوالى الأخبار من الإذاعات وقلبى لا يكف عن الخفقان تحت ضلوعى، دموعى لا تكف عن التدفق، تغسل أحزانى المتراكمة، منذ ولدت طفلة فى عالم طبقى أبوى تحكمه القوة المستبدة فى الدولة والعائلة والمدرسة ودور العبادة، تصفعنى كلمة «بنت» فى كل مكان كأنها عاهة ولدت بها، أما موهبتى الإبداعية المتمردة فقد أصبحت عاهة أخرى دفعت بى إلى المنفى خارج الوطن وداخله.

الفرحة تغسل الأحزان القديمة والجديدة، ثم تتبدد الفرحة لحظة، حين تنطلق عصابات الشرطة التابعة للحكم لإجهاض الثورة الشعبية فى تونس، تنهب وتقتل فى ظلام الليل، بعد أن رفضت قيادات الجيش ضرب الثورة الشعبية، رفض الجيش التونسى أوامر الرئيس قبل هربه، هدد الرئيس بإقالة رئيس هيئة أركان الجيش، رشيد عمار، لكن القائد العسكرى الوطنى فضّل الإقالة عن أن يضرب الشعب.. نموذج نادر من قائد جيش، موقف إبداعى متمرد على السلطة لا يقل قوة عن كلمات الشاعر أبى القاسم الشابى، فالإبداع هو الإبداع وإن كان كلمات شعرية أو مواقف حاسمة ضد السلطة المستبدة، الكلمة المبدعة المتمردة موقف، كما أن الموقف المتمرد إبداع، لا يقل عن أى إبداع آخر، ثم نزل الجيش إلى الشوارع ليحمى الثورة الشعبية، قبض الجيش على قيادات الشرطة التى امتنعت عن حماية الشعب أو التى شاركت فى النهب وتحويل الثورة المنظمة إلى فوضى، هذا الجيش التونسى نادر الوجود فى عالمنا العربى.

كم يشبه الحكم الساقط فى تونس الكثير من الحكومات العربية التى تحكم شعوبها بالحديد والنار والديكتاتورية!.. كيف تزور الانتخابات بالطريقة نفسها تحت اسم الديمقراطية، كيف تشكل الأحزاب المعارضة التى تعمل سرا مع الحكومة، كيف تولد المعارضة بعملية قيصرية من بطن الحزب الحاكم نفسه، فيصبح زعيم المعارضة فى البرلمان رجلا من أقرب الرجال لرأس الحكم؟!

تستخدم الكلمات الثورية المزيفة ذاتها مثل كلمة «ثورة التصحيح»، وتعنى تصحيح مسار الأموال لتصب فى جيوب الحكام وعائلاتهم، عرفنا تاريخ الرئيس التونسى المخلوع وزوجته السيدة الأولى المخلوعة مع زوجها، وهى زوجته الثانية، تزوجها بعد أن تخلى عن زوجته الأولى أم أولاده التى أخلصت له طوال السنين التى عاشتها معه، خيانة الوطن لا تنفصل عن خيانة شريكة العمر، ضرب الشعب مثلما ضرب زوجته الأولى، صوب فى ظهرها خنجرا فطلقها فى كهولتها بإرادته المنفردة، ليتزوج من امرأة شابة كانت تشتغل بالحلاقة ثم بالتجارة وقبض عليها البوليس فى عملية غير قانونية، كان هو مديرا للأمن فأنقذها ثم تزوجها، قبلت الزواج من رجل له زوجة وأولاد، هل مات ضميرهما؟

كان يحتل مناصب كبيرة قبل أن يقفز على الحكم بعد خلع الحبيب بورقيبة، تحت اسم حركة التصحيح، أصبح الرئيس التونسى المخلوع وزوجته السيدة الأولى (الزوجة الثانية) وعائلتهما بعد حركة التصحيح يملكون كبرى الشركات فى تونس، من الطيران إلى الهاتف المحمول، إلى كل ما يربح البلايين، سيطروا على قطاعات الاقتصاد واختلسوا الأموال والأراضى، حتى شركة «ماكدونالد» رفضوا التصريح لها، حين أراد غيرهم امتلاكها.. جشع بلا حدود هو سمة الحكم المستبد، وبرلمان مزور لا يقوم بدور الرقابة على الحكومة، لا ينفذ قانون: «من أين لك هذا؟»، بل يشترك أعضاء البرلمان فى نهب الشعب، مثل نواب القروض ونواب أراضى الدولة ونواب المخدرات والنساء والفساد بشتى أنواعه.

بعض الرجال فى بلادنا يقولون إن رأس الفساد فى تونس كان السيدة الأولى زوجة الرئيس المخلوع، وهذا اتجاه يلصق الخطيئة بالأنثى، بحواء الآثمة، زوجها آدم برىء.. إنه انفصال السلطة عن المسؤولية، يصبح الأكثر سلطة أقل مسؤولية، إنه قانون الحصانة الطبقى الأبوى، رئيس الدولة كان يقبض على السلطة وبالتالى هو المسؤول الأول عن فساد الحكم وليس زوجته.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/19/2011, 07:42 PM
. يوسف زيدان يكتب: الأُفق الأندلسى (٢/٧) .. اختلافُ التسمية وتسمية المخالفين

١٩/ ١/ ٢٠١١
عندما علَّم اللهُ آدم (الأسماءَ كلَّها)، حسبما جاء فى القرآن الكريم، من دون توضيح طبيعة «اللغة» التى جاء منها هذه الأسماء. فقد كان ذلك (حسبما أعتقدُ) نوعاً من الانتقال بالأشياء «المعلومة» من حالة الوجود العام، أو انعدام الوعى بها، إلى حالة الإدراك الإنسانى للشىء المسمَّى، وحضوره فى الوعى الإنسانى. فالاسم فى واقع الأمر، هو شهادة وجود الشىء فى وعينا وإدراكنا الإنسانى، وغير المسمَّى هو حالة وسطى بين العدم الكلى للشىء والإدراك الأول له.. لعل هذا الكلام فلسفىٌّ، لا يناسب (حسبما يعتقد البعض) المقالات المنشورة فى الصحف! فلنقدم أمثلةً عليه، كى نقترب به إلى الأفهام:

نعرف جميعاً، أن فى السماء أجساماً سابحةً فى الكون اللانهائى، منها ما ندركه ونعطيه اسماً «القمر ، الشمس، عطارد.. إلخ» فيصير (موجوداً) فى أذهاننا، ومنها ما لا ندركه فلا نعطيه اسماً محدَّداً، فيصير كأنه غير موجود، أو هو فى مرتبةٍ وسطى بين الوجود والعدم. ولذلك، فإن فى سيناء (مثلاً) جبالاً كثيرة، لكننا خصَّصنا جبلاً منها باسم (جبل موسى) وجبلاً آخر باسم (جبل الربَّة) وهكذا، وما لم نعطه اسماً فهو مجرد جبل، ليس له «مستند وجود» فى وعينا، حتى نعرفه ونميِّزه باسمٍ من الأسماء، فنخرجه بذلك من التأرجح بين حالتىْ الوجود والعدم الذهنى .

واختلافُ أسماء وصفات المواضع عينها، والجماعات ذاتها، من المشكلات «المشوِّشات» للإدراك، وهى مشكلاتٌ من شأنها أن تُحدث ارتباكاً فى الوعى، سواءٌ بالنسبة للناظر فى التاريخ أو للمتأمل فى الواقع، فالكثير منا على سبيل المثال، لا يعرفون أن «بيزنطة» التى تُنسب إليها مرحلة مهمة من التاريخ (العصر البيزنطى) هى ذاتها مدينة «إستانبول» الحالية، وهى أيضاً «الآستانة» و«القسطنطينية وإسلام بول» و«إسطنبول».. والبلدة المصرية التى وقعت عندها أولى المواجهات العسكرية بين جيش عمرو بن العاص القادم لفتح مصر، والجيش البيزنطى (جيش الروم) لها ثلاثة أسماء! فالروم يسمُّونها باسمها اليونانى «بيلوز»، والعرب الفاتحون يسمُّونها «الفرما» بينما سكان مصر يعرفونها باسم: البَرَمون، ونهرنا المسمَّى فى التوراة «نهر مصر الكبير» اسمه عند العرب «النيل» وهى تسميةٌ مشتقةٌ من اسمه اليونانى «نيلوس»، بينما كان سكان مصر القدماء لا يعرفون له إلا اسم: يارو.

وفى الحالات السابقة، ومثيلاتها، يأتى اختلافُ التسميات بسبب اختلاف اللغات المتجاورة والمتفاعلة، وبسبب اشتقاق الأسماء عبر اللغات. وهو الأمر الذى تحدث معه أسماءٌ مخايلة، غير دقيقة، مثلما هو الحال حين نسمِّى المنطقة الأثرية الواقعة جنوب الأردن (البتراء) وهى كلمة عربية تبدو فصيحة، لكنها فى واقع الأمر تعريبٌ للكلمة اليونانية (بترا)، التى تعنى «الصخر» وهو أنسب الأسماء لهذه المنطقة الصخرية التى حفر فيها الأنباط بطون الجبال، وجعلوها عاصمةً لهم منذ القرن الأول الميلادى، أما اسمها العربى الفصيح، فهو «سَلْع» وهى تسميةٌ أصيلة لكنها غير مشهورة، والبعض من العرب يسمِّيها «الحجَر» ويُقال إنها الموضع المشار إليه فى القرآن الكريم باسم: الكهف والرَّقيم.

ومن أسباب اختلاف التسميات، الأسماء الواصفة التى يُطلقها المخالفون على بعضهم البعض. كأن يُسمِّى المسلمون ما سبقهم زمناً «الجاهلية» ويسمُّون أهل قريش «الكُفَّار»، بينما كانت قريش تطلق على النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه، تسميات ليس من اللائق أن نذكرها هنا.. وبالمثل، كان المسيحيون الذين يرون أنهم أصحاب (الإيمان القويم) يسمون مخالفيهم «هراطقة»، وكان اليهود يسمون غيرهم «الأمم» بينما يجعلون لأنفسهم أسماء وصفات من نوع «أبناء الله»، وهو الاسم الواصف الذى أطلقه المسيحيون، أيضاً، على أنفسهم «أبناء الربّ» ورَدَّ القرآن الكريم على كليهما بقوله تعالى (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قُلْ فلِمَ يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خَلَق).

وفى حالات كثيرة، يتشارك اسمان أو أكثر للشىء الواحد. مثلما هو الحال، مثلاً، فى قولنا «المغول» و«التتار» على الجماعة نفسها، أو نقول «الفاطميون» و«العبيديون» على الدولة ذاتها، أو نسمِّى الموضع المشهور الآن بالقاهرة «حصن بابليون» وهو الموضع الذى كان المصريون قبل الفتح يسمونه «القصر»، وكان العرب الفاتحون يسمونه: باب إليون.

وتظهر هذه المشكلة «المشوِّشة» بوضوح، فيما يتعلق بفتوح شمال أفريقيا، والأندلس من بعد.. حسبما سيظهر لنا فى بقية هذه المقالة.

فى زمن الفتوح، كانت المنطقة المسماة اليوم (ليبيا) تسمى «المدن الخمس الغربية» أى الواقعة غرب الإسكندرية، التابعة لأُسقفها. وكانت البلد المضطربة هذه الأيام (تونس) تُسمَّى عند العرب «أفريقية»، وما يقع غربها من الأرض الواسعة التى تُسمَّى اليوم (الجزائر) كان يُشار إليه باسم «المغرب». أما المملكة المغربية، التى نعرفها اليوم، فكانت تسمَّى «المغرب الأقصى» لأنها أقصى ما يقع إلى جهة المغرب، من ناحية (عاصمة) الخلافة الإسلامية آنذاك: دمشق، وقد ساد الاعتقادُ قديماً، بأن المغرب الأقصى، هو «أقصى» ما يمكن أن يصل إليه الناسُ، ولذلك فإن الفاتح المسلم (عُقبة بن نافع الفهرى) بعدما استكمل فتوح المغرب، حتى وصل إلى البحر المحيط دخل بحصانه إلى بحر الظلمات (= المحيط الأطلنطى) حتى بلغ الماء رقبة حصانه، وقال هناك: «اللهم إنى أُشهدك أنه لا مجاز (عبور) ولو وجدتُ مجازاً، لجزتُ».

وكانت النواحى المغاربية الشاسعة، الممتدة من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر إلى المغرب، مسكناً لمجموعة من القبائل الكبرى التى من أشهرها: زَنَاتة، هَوَّارة، كُتَامة، غمارة، جَرَاوة، صِنْهاجة.. وهى القبائل التى سيدخل أفرادها الإسلام، بعد حين، ويكون لهم دورٌ كبيرٌ فى تاريخ الإسلام بأفريقيا، وتاريخ الفاطميين بمصر.

وكانت شبه جزيرة «أيبيريا» المسماة اليوم (إسبانيا، البرتغال) وما يقع إلى الشمال منهما (فرنسا= بلاد غالة) تُسمَّى جميعاً: بلاد القوط، وبلاد الوندال. وكلتاهما (القوط، الوندال) من الجماعات التى نزحت من شمال أوروبا إلى جنوبها، واستقرت فيه، ويقال إنهما فى الأصل جماعة واحدة، وكان الرومان يسمُّون القوط والوندال (البرابرة) بينما كان العربُ يسمون قبائل شمال أفريقيا (البربر).

وقد استقرَّ «البرابرةُ» فى القرون الميلادية الأولى بإسبانيا، واستطاعوا بمعاونة «البربر» أن يدكُّوا حصون المدينة العظمى (روما) فى بداية القرن الخامس الميلادى، واقتحموها، ثم عادوا إلى بلادهم أعزاء، مرهوبى الجانب، مسيحيى الديانة على المذهب الآريوسى (كان آريوس قد نُفى إلى إسبانيا، وطاب له المقام هناك بأحد أديرتها) وهو الأمر الذى سيقرِّب لاحقاً بينهم وبين المسلمين، لأن العقائد الآريوسية قريبة «لاهوتياً» من المعتقدات الإسلامية.

ولما ورثت بيزنظة (القسطنطينية، إستانبول) الحكم من «روما» وصار الرومان يُسَمَّوْنَ الروم (كان الرومان وثنيين، وصار الروم مسيحيين) فرضتْ بيزنطة سلطانها على بلاد غالة (فرنسا) وعلى بلاد الوندال (إسبانيا) وعلى شمال أفريقيا (بلاد المغرب) وبقى الحالُ هناك مستقراً، إلى حين، حتى ضعف سلطان بيزنطة وتراخت قبضتها على الأطراف البعيدة، فصارت النواحى الإسبانية والبرتغالية بيدِ أمراء وملوك الوندال، الذين سيطروا أيضاً على نواحى الجزائر والمغرب، وعاشوا فيها (حسبما يقول المؤرِّخون) فساداً وظلماً وقهراً لسكانها.

والمتأمل فى وقائع التاريخ، فى ذاك الزمان، يلاحظ أن انتشار المسيحية واستقرارها، كان نكبة على اليهود. فالمسيحيون ينظرون إلى اليهودية باعتبارها مقدمةً لديانتهم أو (عهد قديم) لم يعد لها بعد ظهور بشارة المسيح (العهد الجديد) مبرر للوجود. فضلاً عن الاعتقاد المسيحى الجازم، بأن اليهود هم الذين سلَّموا السيد المسيح للرومان، ليصلبوه، وبالتالى فهم أسوأ الخلق أجمعين

ومن الناحية الأخرى، يرى اليهود أن المسيحيين ليسوا على شىء، ويعيشون على الخرافات! لأن المسيح (الماشيح) المنتظر لايزال منتظراً، ولم يأتِ بعدُ إلى هذا العالم ليجعل اليهود ملوكاً على الناس (من ألقاب المسيح: ملك اليهود).. وبالتالى، توترت العلاقة دوماً بين أولئك وهؤلاء، وكان الحالُ يجرى دوماً على المنوال ذاته: إذا قويتْ الدولة المسيحية، عانى اليهود من الاضطهاد، وهو الأمر الذى بلغ غايته قبيل انتشار الإسلام، إذ أصدر الإمبراطور البيزنطى «هرقل» فى حدود سنة ٦٣٠ ميلادية، مرسوماً إمبراطورياً يقضى بإجبار اليهود على اعتناق المسيحية، وإلا صارت دماؤهم مباحة لمن يريد قتلهم.. وقد قُتل من اليهود آنذاك عشرات الآلاف، وفرَّ الباقون من عاصمة الديانة اليهودية (أورشليم)، التى صار اسمها فى القرون الستة الأولى للميلاد (إيليا) وأصبحت عاصمةً روحية للمسيحيين، قبل أن يصير اسمها (القدس، بيت المقدس) وتصبح عند المسلمين مدينة مقدسة: أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين. وهو الأمر الذى يذكِّرنى، ثانيةً، بالشاعر الفلسطينى الراحل محمود درويش، حين قال فى قصيدة أخيرة له:

ومصادفةً ، صارتِ الأرضُ

أرضاً مقدسةً

ليس لأنها نسخةٌ من فراديسَ عُلوية

بل، لأن نبياً تمشَّى هناك

وصلَّى على صخرةٍ

فهَوَى التلُّ من خشية الله

مغمىً عليه.

وكان كثيرٌ من اليهود قد فرُّوا من العذاب والقتل والقهر الدينى، إلى أبعد المواضع من قلب الدولة المسيحية (قبل انتشار الإسلام) فسكنوا من جهة «أواسط آسيا»، ومن الجهة المقابلة «أقاصى المغرب» والأندلس.. لكنهم لم يسلموا مع ذلك من الاكتواء بالويلات التى يثيرها التعصب الدينى، ففى عصر الملك الإسبانى «سيزبوت» جرى ما يقصُّه علينا العلامة د. محمد عبدالله عنان، بعبارة مؤثرة، حين يقول فى الفصل الثانى من الجزء الأول من موسوعته (دولة الإسلام فى الأندلس) ما نصُّه:

«كان يهود الجزيرة (إسبانيا) كتلة كبيرة، لكنهم كانوا موضع البغض والتعصُّب والتحامل، يعانون أشنع ألوان الجور والاضطهاد، وكانت الكنيسة منذ اشتدَّ ساعدها، تحاول تنصير اليهود وتتوسَّل إلى تحقيق غايتها بالعنف والمطاردة، وفى عصر الملك سيزبوت فُرِض التنصير على اليهود أو النفى والمصادرة، فاعتنق النصرانيةَ كثيرٌ منهم كَرْهاً ورياءً سنة ٦١٦ ميلادية، ثم توالت عليهم مع ذلك صنوف الاضطهاد والمحن، فركنوا إلى التآمر وتدبير الثورة، وتفاهموا مع إخوانهم يهود المغرب على المؤازرة والتعاون.

ولكن المؤامرة اكتشفت قبل نضجها فى عهد الملك إجيكا (سنة ٦٩٤ ميلادية)، فقرر معاقبة اليهود باعتبارهم خوارج على الدولة، ومرتدين عن النصرانية. فنـزع أملاكهم فى سائر الولايات الإسبانية، وضمَّها إلى ممتلكاته، وشرَّدهم وجعلهم عبيداً للنصارى إلى الأبد، لا يسمح لهم باسترداد حريتهم، وأَمَرَ بتحرير عبيدهم من النصارى، ونَزَعَ أبناءهم منذ السابعة لتربيتهم على دين النصرانية، وقَرَّرَ ألا يتزوَّج عبدٌ يهودىٌّ إلا بجاريةٍ نصرانية، ولا تتزوَّج يهوديةٌ إلا بنصرانى، وهكذا عصفت يدُ البطش والمطاردة باليهود أيمَّا عَصْفٍ، فكانوا قُبيل الفتح الإسلامى ضحية ظلمٍ لا يُطاق، وكانوا كباقى طوائف الشعب المهيضة (البربر، الآريوسيين) يتوقون إلى الخلاص.

وقد بدأت الغزواتُ الإسلامية للشمال الأفريقى، كما ذكرنا فى المقالة السابقة، عقب فتح المسلمين لمصر. فقد غزا عمرو بن العاص الصحراء الليبية، ثم غزا عبدالله بن أبى سرح تونس، وقتل حاكمها الأسقف العسكرى جريجورى (جُرجير) وغنم من هناك غنائم كثيرة.. وقد انشغل المسلمون حيناً من الدهر، فيما بينهم، بسبب النـزاع بين الإمام علىّ بن أبى طالب والأمير معاوية بن أبى سفيان. ودارت بين المسلمين حروب، آل السلطان بعدها لمعاوية بن أبى سفيان الذى حرص على (توريث الحكم) لأول مرة فى تاريخ الإسلام، فأورث العرش لابنه «يزيد» الملقَّب عند بعض المؤرخين: الفاجر.. وقد ورد فى الحديث الشريف، «إن الله قد ينصر هذا الدين (الإسلام) بالرجل الفاجر!».

وإلى مقالة الأربعاء القادم، حيث سنرى معاً حروب المسلمين فى شمال أفريقيا (ومن أهمها: حرب الكاهنة) وعبورهم إلى الشاطئ الأوروبى ، فى مغامرةٍ لم يكن أحد يتوقع لها أن تسفر عن استقرار الإسلام فى (الأندلس) لقرون طوال من الزمان.

ابراهيم عبد المعطى داود
01/21/2011, 10:07 AM
بعـــــــد فــــــوات الأوان
بقلم: فاروق جويدة

لم يكن الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يتصور في يوم من الأيام

أن صرخة شاب عاطل في مدينة سيدي بوزيد سوف تطيح بمنصب الرئاسة الذي جلس عليه ما يقرب من ربع قرن من الزمان‏..‏ الشاب الجامعي العاطل الذي لا يجد عملا كان يبيع الخضراوات علي عربة صغيرة أطاح بها أحد رجال الشرطة‏..‏ وفي لحظة حزن ويأس وقف الشاب محمد بن عزيزة وسط الشارع وأشعل النيران في نفسه‏..‏
كانت صرخة هذا الشاب هي الشرارة التي انطلقت في كل المدن التونسية تحمل غضب الشارع التونسي الذي اختزنه ثلاثة وعشرين عاما وربما أكثر‏..‏ لم تهدأ الأحداث ولم تسكت الصرخات والحناجر وأيضا لم تسكت طلقات الرصاص الحي التي تدفقت في صدور الأبرياء ليسقط الشهداء وترتفع صيحات الغضب ويجد الرئيس بن علي نفسه محاصرا في قصره فلا هو قادر علي حماية نفسه أو إسكات الجماهير الغاضبة وقد استخدم كل ما يملك من مظاهر القوة والردع ابتداء بالرصاص الحي وانتهاء بالجلادين في حزبه وبلاطه‏,‏ وأمام الشارع الثائر والشعب الرافض تسلل بن علي ليلا إلي مطار تونس لتحمله الطائرة هاربا من نفس الشعب الذي صفق له يوما وهتف باسمه وهو يحمل له الأمل في الأمن والرخاء والاستقرار‏..‏
لم يكن درس الرئيس بن علي جديدا علي أحد لقد عشنا أحداثا مشابهة في كل تفاصيلها مع رؤساء آخرين أفاقوا في اللحظات الأخيرة من سكرة المنصب وجبروت السلطان ولكنهم أفاقوا بعد فوات الأوان‏..‏
يوم الجمعة الماضي وقبل أن ينتصف الليل كان الرئيس بن علي ينسحب من قصره تاركـا خلفه كل شيء‏..‏ ترك الوطن والأرض والذكريات لينجو ببدنه مثل كل الهاربين‏..‏ في لحظة ضعف رهيبة سلم رجل الأمن القوي ومحترف السلطة كل أسلحته وأعلن استسلامه أمام غضبة شعبه الذي لم يحافظ علي ثقته ومشاعر كثيرة من الحب وهبها له هذا الشعب يوما‏..‏
لم يقرأ الرئيس بن علي التاريخ قراءة جيدة وفي دوامة المنصب ومواكب المنافقين من رجال السلطة حوله نسي الرجل دروسا كثيرة‏..‏ نسي صورة شاه إيران رجل الغرب الأول وهو يطوف باسرته وزوجته وأبنائه في أخريات أيامه وخريف عمره باحثا عن ملاذ ولكن الإدارة الأمريكية رفضت أن تستضيف رجلها وحامي مصالحها ولم يجد شاه إيران مكانا يأويه غير ضفاف نيلنا الخالد ليموت في مصر ويدفن في ترابها‏..‏
لم يقرأ الرئيس بن علي حكاية الرئيس شاوشيسكو وكيف أطاح به شعبه‏..‏ كان رئيس رومانيا الطاغية يخطب كعادته في الناس حينما خرجت صيحة من الصفوف الخلفية تصرخ يسقط شاوشيسكو وحملت أمواج البشر نفس الصيحة لتصبح براكين غضب اندفعت نحو ساحة القصر العتيق وتندفع جماهير الشعب لتضع نهاية لواحد من أكبر الطغاة في تاريخنا المعاصر‏..‏
لم يقرأ الرئيس بن علي هذه الدروس حتي أصبح وأحدا منها وحينما وقف أمام شعبه يقول له لقد فهمت الرسالة أعترف أنني فهمت الرسالة‏..‏ كان الفهم بعد فوات الأوان‏..‏
أطاح الرئيس زين العابدين بالزعيم التونسي الحبيب بورقيبه في انقلاب سلمي في عام‏1987‏ كان يومها رئيسا للوزراء وزيرا للداخلية ووقف أمام الجماهير يعلن أن الحبيب بورقيبه الزعيم التونسي والأب الشرعي للاستقلال غير قادر أمام ظروفه الصحية أن يمارس مسئوليات الحكم‏..‏ ووافق الشعب التونسي علي هذا الانقلاب الصامت في السلطة أمام حلم كبير في الاستقرار والرخاء‏..‏ ولم يبخل الشعب التونسي علي رئيسه الجديد بدورتين رئاسيتين وبالتزكية في عام‏1989‏ و‏1994‏ وفي عام‏1999‏ أجريت أول انتخابات رئاسية بين الأحزاب السياسية في تونس ليفوز الرئيس بن علي بدورة رئاسية ثالثة ثم كانت الدورة الرابعة في عام‏2004‏ ثم جاءت الخامسة بنسبة‏94%‏ في عام‏2009‏ ثم كان الحديث عن استمراره رئيسا لتونس مدي الحياة‏..‏
لقد صبر الشعب التونسي علي رئيسه ربع قرن من الزمان وأعطاه الفرصة بعد الفرصة ولكن للأسف الشديد أن الرئيس لم يقدر ثقة شعبه ولم يحاول أن يأخذ موقفا حاسما لحساب الفقراء والبسطاء والجوعي‏..‏
شهر واحد فصل ما بين عهدين‏..‏ كان العهد الأول يقف فيه الرئيس بن علي محتميا بأجهزة أمنه وحزبه ورجاله والمستفيدين به‏..‏ وكان في العهد الثاني واقفا يدافع عن ملكه وسلطانه وتاريخه في مسيرة هذا الشعب‏..‏
انطلقت مظاهرات الشارع التونسي في شهر ديسمبر الماضي وكان أغرب ما فيها أنها بدأت بين جموع الشباب العاطلين عن العمل‏..‏ مئات الآلاف من الشباب الذين تخرجوا في الجامعات ومرت عليهم سنوات طويلة دون أن يجدوا عملا وكان الملاحظ في السنوات الأخيرة أن أعداد الخريجين من الجامعات التونسية قد ارتفعت بدرجة كبيرة وبدأت مع المظاهرات سلسلة انتحارات بين الشباب في الشوارع والميادين العامة‏..‏ اتسعت دائرة الاحتجاجات بين الشباب الغاضب واستخدموا أحدث أساليب التكنولوجيا في التواصل مع بعضهم حتي ان أعدادهم تجاوزت‏560‏ ألفا علي شبكة الفيس بوك رغم الحظر الحكومي‏..‏ نزل الشعب التونسي يقف وراء أبنائه الشباب‏..‏ واتسعت دوائر الغضب‏..‏ وأعلن الرئيس بن علي أنه قرر ميزانية قدرها‏15‏ مليون دولار للمناطق الفقيرة‏..‏ وكان قرارا سيئا فماذا يفعل هذا الرقم الهزيل‏!..‏ ثم زادت حدة الغضب فقرر خمسة مليارات دولار للمناطق المهمشة التي يسكنها فقراء تونس وفي هجوم مضاد سرعان ما أطلق الرئيس التونسي السابق اتهاماته لقادة المظاهرات بأنهم مجموعة من الملثمين والإرهابيين والغوغاء الذين اعتدوا علي ممتلكات المواطنين‏..‏ ولم يستجب الشارع التونسي لكلمات رئيسه‏..‏ وهنا يمكن أن يقال أن التواصل بين بن علي وشعبه كان قد انتهي منذ زمن بعيد والرجل لا يدرك ذلك أمام حاشية القصر والمنتفعين من المسئولين في الحزب والحكومة والأقارب والأصهار وأن هناك غشاوة أحاطت بالرجل فلم يعد يري شيئا حوله مثل كل الجلادين في التاريخ‏..‏
أمام الشارع الغاضب بدأت قوات الأمن تطلق الرصاص الحي علي الشباب الثائر وسقط عشرات بل مئات من الشهداء ثم كان نزول قوات الجيش إلي الشارع وهنا أيضا ارتفعت درجة الغليان وزاد عدد الشهداء ثم كانت الصرخة الأخيرة للشعب التونسي خبز وماء‏..‏ لكن بن علي لا‏..‏
في اللحظات الأخيرة حاول الرئيس بن علي إنقاذ نفسه أمام الطوفان فأقال وزير الداخلية‏..‏ ثم أقال الحكومة كلها‏..‏ ثم أقال أهم المستشارين في قصره ولكن هذه القرارات جاءت متأخرة في كل شيء‏..‏ ان أغرب ما حدث في ثورة الشعب التونسي أنها لم تخرج من الأحزاب السياسية ولم يقم بها زعماء سياسيون رغم أن في تونس قوي سياسية إسلامية وشيوعية ويسارية وليبراليه لها تاريخ طويل في السرك السياسي ولكن لا يستطيع تيار من هذه التيارات أن يدعي أنه كان وراء ثورة الشعب التونسي‏..‏ انها ثورة الشباب الواعي‏..‏ لم يستطع الرئيس بن علي أن يتخلص من مواكب الفساد التي حاصرته في قصره‏;‏ ربما نجي بنفسه‏..‏
ولم يستطع أن يتعامل مع الموقف بقدر من الحسم والحزم والشجاعة وينزل إلي الشارع مؤيدا مطالب شعبه ويتجنب المواجهة الصعبة‏..‏ لم تنفع الرئيس المخلوع قوات الأمن التي كانت دائما مصدر حمايته وأمنه‏..‏ ولم تنفع مواكب المسئولين الذين نهبوا ثروة شعبة‏..‏
كان الوقت قد فات‏..‏ وكان الرئيس التونسي السابق يقف وحيدا في قصره يواجه قدره الذي جاء خارج كل الحسابات‏....‏ لم تنقذه تجربة طويلة في حياته كرجل أمن محنك‏..‏ ولم ينقذه جهاز أمن رادع استخدمه طوال سنوات حكمة ضد معارضيه ولم تنقذه قوي الغرب التي استخدمته زمنا طويلا كأداة لها حتي أن الرئيس ساركوزي رفض هبوط طائرته في باريس رغم كل ما قدمه بن علي لفرنسا من أدوار وهو موقف لا يختلف كثيرا عن الموقف الأمريكي مع شاه إيران فما أشبه قصة بن علي بالشاه في آخر أيامه‏..‏ أنها دروس التاريخ التي لا يقرؤها أحد‏..‏
‏<<<<‏
تحية للشعب التونسي العظيم وشبابه الرائع وثورته التي أعادت الروح لهذه الأمة ونرجو أن تكون بداية عهد جديد أكثر رخاء واستقرارا وحرية للأشقاء في تونس الخضراء‏..‏
‏..‏ ويبقي الشعر
يوما أتيت
لكي أغنـي الحب في هذا الوطن
قد جئت كالعصفور
لا أدري حدود الأرض‏..‏ لون النـاس
أو دمع الشجن
كم كانت الأحلام تمنـحني
عناد القلب‏..‏ إن وهن البدن
قد عشت كالأطفال
تبدو فرحة الأيام في عيني سكن
ومضيت كالقديس أنشر دعوتي
وأقمت مملكتي بسيف الطهر
في زمن العفن
أعلنت عصياني لعصر القهر‏..‏ واللقطاء
ثم دفعت للحلم الثمن
ورفضت أن أمضي أبيع الوهم
كالسفهاء في سوق المحن
وحملت حلمي في سباق العمر
لم أحسب حسابا‏..‏ للزمن
حطمت كل معابد الأصنام في وطني وشيدت الجمال
وبنيت في زمن القمامة جنة خضراء تزهو بالظلال
وجعلت شعري كعبة للعشق
يغمرها الجلال
غنيت للإنسان في زمن يعيش
بلا ضمير أو شعور أو خيال
إني حلمت ولم أكن أدري
بأن السفح أبعد ما يكون عن الجبال
إني حلمت ولم أكن أدري
بأن قطائع الغربان ترقص
كلما سقط الغزال
لكنني أيقنت أن لصوص هذا العصر
قد سرقـوا الحرام مع الحلال
أيقنت أن الأرض تجهض نفسها
إن ساد في الأوطان أشباه الرجال
وطن يبيع الأرض‏..‏ والتاريخ
في سوق النخـاسة‏..‏ والضلال
في كل يوم يحمل الدجال مبخرة‏..‏ ومسبحة
ويبصق في عيون الناس
ثم يصيح‏..‏ فليحيا النضال
في كل يوم يركب الدجال ظهر الشعب‏..‏
ترتعد الجماجم تحت أصوات النعال
في كل يوم‏..‏
يستباح الطهر في وطني‏..‏
وينتحر الجمال
‏<<<<‏
في كل يوم يأكل الجلاد لحم الشعب‏..‏
يلقي ما تبقي في صناديق القمامه
ويطوف يسأل في الشوارع
أين يا شعبي طقوس الحب‏..‏
عنـدك والزعامه ؟
وعلي رصيف القهر‏..‏
ماتت أمة ثكلي‏..‏ وودعت الكرامة
أطفالنا بين المقابر يأكلون الصبر‏..‏
يرتعدون في زمن الندامة
والناس ضاعت خلف قضبان السجون
ولا تريد سوي السلامة
ياكل جلاد تنطع فوق ظهر الشـعب
لن تنجو‏..‏ وإن أخفيت رأسك كالنعامة
هذي الجماجم سوف تصبح
في سواد الليل نيرانـا تقوم بها القيامة
ونري لصوص العصر كالفئـران‏..‏
تصرخ‏..‏ في صناديق القمامة

ابراهيم عبد المعطى داود
01/21/2011, 02:07 PM
حالة تقمّص

بقلم د. أيمن الجندى ١٩/ ١/ ٢٠١١
قلت للشابى: لقد فُتنتُ بك وأنا فى سن الثانية عشرة، الكاتب العظيم هو الذى تعرفه حينما تقرأه، وأنا عرفتك حينما قرأتك. عرفتُ علاقتك الفريدة بوالدك، وكيف أخفيتَ عنه حالة قلبك المتأخرة، وتزوجتَ رغم تحذير الأطباء لك، من أجل إدخال السرور على قلبه. لذلك كسرتك وفاته المفاجئة كسرا لم تبرأ منه حتى الموت.

وعرفت أيضا الصراع الناشب فى أعماقك بين حبك للحياة وشبح الموت الذى يدنو رويدا. وعرفتُ حبك الخارق للطبيعة وافتتانك بها.

قال الشابى وقد دمعت عيناه تأثرا: الشاعر الحق لا يموت. لقد قرأتنى فعرفتنى.

قلت محاولا إضحاكه: لكن المشكلة أننى تقمصتك، كنت وقتها على أعتاب المراهقة، وقد أصبح عندى هدف واحد وهو أن أصبح مثلك: وحيدا مثلك، حزينا مثلك، مرتميا فى أحضان الطبيعة مثلك، وكلها أمانٍ لم تتحقق للأسف الشديد.

سألنى: لماذا؟

قلت وأنا أعد على أصابعى: بالنسبة للوحدة كان عسيرا أن أشعر بها ونحن أربعة أشقاء حوّلنا بيتنا إلى جبلاية قرود. كنا بحاجة إلى عسكرى مرور لينظم السير فى الصالة حتى لا نصطدم ببعض. فمن أين تأتى الوحدة؟!

ضحك وقال: والحزن؟ أعتقد أن أسبابه لا تنتهى!

قلت فى حزن: لطالما تمنيت أن أكتشف أننى مريض مثلك، وفى حالة خطرة، كنت أصغى لدقات قلبى محاولا أن أجد شيئا مريبا. (فى يأس) يبدو أنه صعب جدا، أن يصبح الواحد شاعرا فى هذا البلد.

قال مبتسما: والطبيعة؟

قلت: وهل توجد طبيعة فى المدينة؟ لذلك قررت أن أذهب للريف المجاور بحثا عن الإلهام، بمجرد أن انتهيت من امتحانات الإعدادية، ذهبت للريف المجاور ومعى قلم وكراسٍ كى أدوّن أشعارى. كان يوما أسود!

ماذا حدث؟

مازلت أذكر هذا اليوم بوضوح: اخترقت الحقول، كان الفلاحون يراقبوننى فى ريبة، والبقرة تنظر لى فى دهشة وكأنها تتساءل: «ما الذى جاء بهذا الولد إلى هنا؟»، والشمس تضرب رأسى بسياط من لهب، والتراب يردمنى، وكلب فضولى يتبعنى وهو يهز ذيله فى حماس، وفى النهاية أُصبت بضربة شمس ورقدت يومين.

- وهل كتبت شعراً بعد هذه المعاناة؟

- كتبت أبياتاً ساذجة متأثرا بأشعارك دون أن أفهم معناها. أذكر أننى كتبتُ شيئا عن فتاتى اللعوب، ولم أكن أدرى معنى الكلمة بالضبط. ذهبت إلى أبى فى غرفته، كان راقدا فى فراشه، فسألته أن يسمع القصيدة. أستمع لى فى صبر حتى جاءت كلمة « لعوب» تلك، فانفجر فى الضحك، وسألنى: «إنت عارف يعنى إيه (لعوب)»؟

ابراهيم عبد المعطى داود
01/25/2011, 11:13 AM
ماذا يجري حولنا؟‏!‏
بقلم: د. مصطفى الفقى

جاء عام‏2011‏ صاخبا منذ بدايته‏,‏ فبعد دقائق قليلة من ميلاده حدث التفجير الإجرامي في كنيسة القديسين في الإسكندرية وتتابعت الأحداث بعده مقلقة تنذر بأن الجزء الظاهر من كرة الجليد

التي تطفو علي سطح الماء أقل بكثير مما خفي منها‏,‏ وبعد ذلك بأيام قليلة جري الاستفتاء علي تقرير مصير جنوب السودان ليؤدي الي ميلاد الدولة‏193‏ في منظومة الأمم المتحدة ثم كانت أحداث تونس وسقوط النظام القمعي الذي كمم الأفواه وأمسك بقبضة قوية علي مقاليد الأمور لما يزيد علي ثلاث وعشرين سنة وهي كلها أمور يتأثر بها الاستقرار في المنطقة عموما لذلك فإنها تدعو الي مراجعة أمينة للحسابات ودراسة دقيقة للمواقف بشفافية وأمانة وتجرد‏,‏ دعونا نرصد الملاحظات التالية‏:‏
أولا‏:‏ إن المخاطر الخارجية مهما تفاقمت علي بلد معين إلا أن خطورتها لا تعادل القلاقل الداخلية فالأخيرة سريعة الانتشار شديدة العدوي لأنها تنبع من الجسد ذاته وتصيبه مباشرة‏,‏ ولقد تعرضت مصر لضغوط خارجية في عصر الرئيس عبدالناصر نتيجة مواجهته الحادة مع قوي دولية وإقليمية في وقت واحد بينما‏,‏ تزايدت الانتقادات الداخلية وظهرت إرهاصات التوتر في عصر الرئيس السادات أما الآن فالضغوط خارجية وداخلية في آن واحد إذ سوف تكون علي حدودنا الجنوبية مباشرة جمهورية إسلامية متشددة تليها جمهورية يتزايد فيها النفوذ الغربي والوجود الإسرائيلي بينما قد تتكون علي حدودنا الشمالية الشرقية إمارة إسلامية في غزة تحيط بها دولة عبرية تستهدف مصر دائما وتري فيها الجائزة الكبري مهما طال الانتظار‏,‏ لذلك فإننا أمام وضع غير مسبوق يحتاج الي قرارات رشيدة تقاوم الفقر بقوة وتضرب علي الفساد بشدة وتحشد المصريين في اتجاه مستقبلهم الصحيح بالديمقراطية الكاملة والطهارة السياسية المطلوبة وهو أمر يدعونا الي مراجعة الكثير مما جري مؤخرا علي أرض الوطن‏.‏
ثانيا‏:‏ إن الأغلبية الحزبية الطاغية هي مؤشر حسابي ناجح ولكنها أيضا مؤشر سياسي خطير لا يعكس صحة المجتمع ولا سلامة الحياة الحزبية فيه‏,‏ فالأصل في الديمقراطية هو التوزان الضمني داخل المؤسسات النيابية دون طغيان الأغلبية أو عناد الأقلية‏,‏ فالمجتمعات العصرية تعيش بالتوزان القائم علي القوانين الحديثة لصنع القرار السياسي الرشيد الذي تشارك فيه قوي المجتمع المختلفة بقدر حصة كل منها في الشارع السياسي‏,‏ ولست أظن أن التفرد علامة صحية بقدر ماهي دليل علي خلل في النظام الحزبي القائم‏.‏
ثالثا‏:‏ إن اختناق المعارضة السياسية في دولة مايؤدي الي احتمالات الانفجار غير المحسوب ويفتح أبواب التطاول والعنف بل والتمرد في النهاية‏,‏ والدروس من تاريخ الأمم وواقع النظم تؤكد ذلك فلابد من توافق قرارات النظم مع خيارات الشعوب حتي تكون تمهيدا صالحا لسيناريوهات المستقبل فإذا وضعت الغطاء علي الإناء وفيه ماء يغلي قد يؤدي ذلك الي انفجاره إذا لم يكن هناك متنفس للبخار الصاعد‏,‏ ولا يظن البعض أن المعارضة فيما تكتب أو تقول لا تحقق جزءا من ذاتها يؤدي الي درجة من الإشباع السياسي حتي وإن لم تكن له نتائجه الكامل‏.‏
رابعا‏:‏ إن التطرف الديني هو المسئول ـ في رؤيتي علي الأقل ـ عن تقسيم السودان وشق صف حركة المقاومة الفلسطينية وإحداث اضطرابات وقلاقل علي امتداد خريطة العالم الإسلامي كله بما صنعه من إيقاظ للعداءات النائمة والحساسيات الكامنة فحرض علينا بالعنف والإرهاب حشودا ضخمة في العالم الغربي كله‏..‏ ألسنا نحن المرفوضين أمام التأشيرات؟ في المطارات؟ عند الاغتيالات؟ المذنبين عند حدوث الانفجارات؟ قولوا لي أين هذا من صحيح الإسلام؟ ذلك الدين العظيم الذي بهر الإنسانية في فجره وضحاه بما قدمه من روح للتسامح واحترام للآخر ورغبة في التعايش المشترك‏.‏
خامسا‏:‏ إن إغفال إرادة الشعوب أو الاستهانة بمطالبها تشبه الي حد كبير عملية العوم ضد التيار لأنها تعني محاولة قهر الإرادة الشعبية وقمع الاتجاهات الإصلاحية وقديما قال شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي‏:‏ إذا الشعب يوما أراد الحياة‏..‏ فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي‏..‏ ولابد للقيد أن ينكسر‏.‏
سادسا‏:‏ إن مصر نسيج بشري يختلف عن سواه لأنها دولة متصلة بلا انقطاع علي امتداد آلاف السنين‏,‏ لذلك فإنها بلد لا يتحمس للعنف ويسعي للتغيير المنظم خصوصا وأنها تملك أكبر حشد من الموارد البشرية في المنطقة والكفاءات القادرة علي طرح منظومة إصلاحية شاملة بشرط تمكينها من ذلك مع الأخذ في الاعتبار أن درجة الانصهار الاجتماعي في المجتمع المصري تكاد تكون الأعلي في المنطقة بأسرها وليعلم المسلمون في مصر أن المسيحيين فيها أو من نطلق عليهم الأقباط هم أهلنا الأصليون بمنطق التاريخ والميراث الإنساني‏,‏ لذلك فإن اختلاف الديانة لا يستقيم مبررا أبدا للصدام مع من ينتمون الي قومية مصرية واحدة ألهمت الدنيا وشيدت الحضارة وصنعت التاريخ‏.‏
سابعا‏:‏ إن العالم يتغير حولنا والدنيا تجري بسرعة أمامنا ولم يعد ممكنا ولا مقبولا أن نعيش في أطر مغلقة أو نتصور إمكانية الاستمرار خارج روح العصر‏,‏ فالمفردات الجديدة تفرض نفسها بقوة علي الساحة السياسية والفكرية ابتداء من رعاية الأقليات وحماية حقوق الإنسان والاهتمام بالديمقراطية والتنمية البشرية ودفع عجلة المشاركة مع إعمال مبدأ المواطنة دون النظر للفوارق العرقية أو اللونية أو العقائدية أو الدينية‏.‏
ثامنا‏:‏ إن التلازم بين التنمية والديمقراطية قضية محسومة وحتي الدول التي حققت معدلات عالية في النمو الاقتصادي الوطني دون ديمقراطية كاملة افتقدت تلقائيا لمفهوم العدالة الاجتماعية بحيث اقتصر العائد الجديد علي الشرائح العليا من المجتمع بينما ظل الفقر ينهش في أنحاء الوطن يغطيه فساد ناجم عن عملية الزواج غير الشرعي بين بعض رموز السلطة ورجال الأعمال وأصحاب رؤوس المال‏,‏ بل إنني أضيف الي ذلك أن المشهد السياسي كله يتأثر بقضية العدالة الاجتماعية والبعد الإنساني في توزيع عوائد التنمية علي نحو يخلق حالة من الاستقرار الطبقي ويحقق درجة عالية من السلام الاجتماعي‏.‏
تاسعا‏:‏ إن المنطقة تموج حولنا باضطرابات لا تنتهي‏,‏ فاليمن ـ علي سبيل المثال ـ بموقعه الجغرافي وأهميته الإستراتيجية الحساسة في منطقتي البحر الأحمر والخليج العربي يدخل مرحلة معقدة من المواجهة مع الإرهاب الدولي الذي يحاول أن يجعل من اليمن باكستان ثانية يرتع فيها تنظيم القاعدة متي شاء وكيفما يريد‏,‏ كذلك فإن الأوضاع في الجزائر والأردن والمغرب لاتبدو في أفضل صورها فضلا عن جراح العراق وآلامه وغموض مستقبله‏,‏ لذلك فإنني أدعي أن العالم العربي يعيش مرحلة ترقب وقلق تعكسه تلك الحالة المتمثلة في الدولة اللبنانية حيث يبدو الصدام متوقعا بين أطراف اللعبة السياسية بينما تحاول الحرب الأهلية أن تطل بوجهها الكئيب علي ذلك البلد العربي الرائع‏.‏
عاشرا‏:‏ إن مشكلات المسيحيين العرب يجب أخذها بالجدية اللازمة والاحترام المطلوب لأنهم شركاء مباشرون في قضايا التغيير والتنمية داخل المجتمعات العربية المتطلعة الي الإصلاح الجذري والتطور الحقيقي بديلا عن السياسات الهلامية والشعارات الجوفاء والاستطراد وراء مظاهر الدولة الدينية علي حساب الأصول الفكرية للدولة المدنية الحديثة التي نتطلع إليها ونسعي نحوها‏.‏
هذه قراءة سريعة في ملفات طارئة بعضها داخلي ومعظمها خارجي ولكنها تؤكد في مجملها حالة الاستهداف الذي يطوق المنطقة ويبعث في أعصابها الحساسة ومفاصلها الهامة في محاولة لتعطيل التطور وضرب حركة الإصلاح في مقتل وتعويق عملية الانتقال السلمي للسلطة بما يتيح الفرصة أمام من يسرقون حركة النضال الوطني ويركبون موجات التغيير وهم من أشد أعدائه‏..‏ تلك هي معضلة العصر التي تطلب منا دائما اليقظة والانتباه لأن منظومة الإصلاح تقوم علي الرؤية الشاملة والإرادة الكاملة من أجل حياة أفضل لأجيالنا القادمة‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/25/2011, 12:10 PM
مواقف
بقلم: أنيس منصور

‏4-‏ تجربة نجيب محفوظ‏..‏ قال لي إنه بسبب مشاحنات في البيت لم يفلح في حلها أو التوسط في حلها هانت عليه الدنيا‏..‏ وأظلمت وانسحبت كل الألوان لتخلق له الجو المناسب لهذا القرار القوي الذي لم تقو أية فكرة أخري علي الوقوف أمامها‏.

‏ كل الأشياء وكل الأفكار تراجعت أمام قرار الانتحار وتركته وحده يفعل بنفسه ما يشاء في ذلك الوقت كان نجيب محفوظ طالبا في قسم الفلسفة بآداب القاهرة‏.‏
ولم تظهر نظرية فلسفية واحدة تساعده علي أن يرجع في قراره‏..‏ حتي الفلاسفة المتشائمون دعاة الانتحار مثل شوبنهاور ونيتشه لم يرد ذكرها ولا أفكارها في دماغ نجيب محفوظ‏.‏
وأختار نجيب محفوظ جانبا من كوبري أبوالعلا ونظر إلي الماء ونظر حوله‏..‏ ولم يجد أحدا‏.‏
وعندما وقف نجيب محفوظ ليقفز ظهر زميل له في قسم الفلسفة وسأله‏:‏ بتعمل إيه هنا يانجيب‏..‏ فقال له نجيب‏:‏ اتفرج علي السمك‏!‏
ثم اقترح عليه أن يذهبا معا إلي قارئ الكرة الكريستال الراهب فردي في شارع‏26 يوليو‏.‏
وهو يضع بينك وبينه كرة كريستال ويقرأ مالا نعرف‏..‏ فدخل نجيب محفوظ وجلس قباله وفجأة صرخ فيردي قائلا‏:‏ أنت مجنون أنت كنت عاوز تموت نفسك‏..‏ يامجنون يابنت الكلب‏..‏ أنت حتبقي أعظم واحد في مصر‏..‏ أمشي اطلعي بره‏!‏
ونشرت هذه التجربة فغضب نجيب محفوظ‏..‏ فأنا لم أتذكر أن لديه ابنتين وكان لا يحب أن يعرفا هذه القصة‏..‏ فأعتذرت له‏!‏

ابراهيم عبد المعطى داود
01/26/2011, 09:45 PM
د. يوسف زيدان يكتب: الأُفق الأندلسى (٣/٧) .. حربُ الكاهنة وثورات البربر

٢٦/ ١/ ٢٠١١
لا يمكن الكلام عن دخول المسلمين إلى الأندلس، بمعزلٍ عن «السياق التاريخى» والأحداث الكبرى التى جرت على «الساحة الدولية» فى ذاك الزمان.. وقد أشرنا فى المقالتين السابقتين إلى أن فتوح الشمال الأفريقى، والأندلس من بعد، بدأت بغزوتين للأراضى الليبية والتونسية، قام بهما تباعاً عمرو بن العاص وعبدالله بن أبى سرح. وفى الغزوتين، كان القتال يدور بين العرب والروم، العرب المسلمين والروم المسيحيين (الملكانيين) ولم تكن «القبائل» المنتشرة فى شمال أفريقيا، قد دخلت بعدُ فى المواجهات العسكرية النظامية.

وكان من المفترض أن تنشط حركة (الفتوح) بعد سنة ٣٤ هجرية، لأنها السنة التى انتصر فيها المسلمون على الروم فى الموقعة البحرية، المسماة من كثرة صوارى السفن المشاركة فى القتال: ذات الصَّوارى. غير أن اندلاع الخلاف على خلافة المسلمين بين الإمام علىِّ بن أبى طالب (رجل الدين) ومعاوية بن أبى سفيان (رجل الدولة) سنة ٣٥ هجرية، أدى إلى توقفٍ تام لحركة الفتوح شرقاً وغرباً، بل أدى إلى ضياع بعض البلاد من يد المسلمين، ومنها (تونس) التى كانوا يسمونها: إفريقية.

■ ■ ■

وبعد خمس سنوات من مقتل الإمام علىٍّ (سنة ٤٠ هجرية) غدراً على يد «الخوارج» وفشلهم فى اغتيال معاوية بن أبى سفيان الذى صار آنذاك (خليفة) للمسلمين، أو بالأحرى (ملكاً) يتوارث بنوه الحكم من بعده.. عادت مع سنة ٤٥ هجرية حركةُ الفتوح إلى سابق عهدها، فقام «معاوية بن خديج» بغزو ليبيا وتونس، واستطاع أن يهزم جيش الروم هناك. وقام «عبدالله بن الزبير بن العوام» بفتح (سوسة) وما حولها، وصار على المسلمين فتح بقية الشمال الأفريقى، بحرب الروم والبربر معاً.. وبالمناسبة، فإن اسم (البربر) لا يرتبط من قريب أو بعيد، بوصف (البرابرة)، الذى أطلقه الرومان ومن بعدهم الروم (البيزنطيون) على القبائل العنيفة التى كانت تسكن شمال وغرب أوروبا. فالبربر اسم لقبائل سكنت الشمال الأفريقى الممتد من ليبيا إلى المغرب، من قبل مجىء الإسلام بقرون.. وبعض المؤرخين يذهب إلى أنهم فى الأصل، قبائل عربية هاجرت من الجزيرة العربية، أو هجرتها بسبب الكلأ الشحيح، وحطت بها يد الترحال فى تلك النواحى النائية. ولكن هذا الرأى، فيما أرى، يفتقر إلى الدلائل المؤكدة.

المهم، أن المسلمين استكملوا فتوحاتهم غرباً، وهو الأمر الذى قام به «عقبة بن نافع» الذى وصل إلى أقصى المغرب الأقصى (المملكة المغربية حالياً) وأوقفه المحيط الأطلنطى عن التقدم غرباً.

وكان البربر قد بدأوا الدخول فى دين الله أفواجاً، غير أن زعيماً منهم اسمه «كُسَيْلَة بن لمزم» ارتدَّ عن الدين الجديد، وجمع جيشاً حارب به المسلمين، وانتصر عليهم سنة ٦٢ هجرية، وانتزع من أيديهم (القيروان) وقتل عقبة بن نافع. غير أن الجيش الإسلامى بقيادة «زهير بن قيس» عاد للكرِّ على البربر، وهزمهم سنة ٦٩ هجرية، واستردَّ القيروان وقتل كُسَيْلَة بن لمزم.. ولكن حروباً أخرى كانت تنتظر المسلمين، أهمها حربُ قرطاجنة وحربُ الكاهنة.

■ ■ ■

استغل الإمبراطور البيزنطى توغُّل المسلمين غرباً، ودَعَمَ عاملَه الرومىّ (حاكم قرطاجنة) بأسطولٍ كبيرٍ من جزيرة صقلية، فاجتاح الجيشُ الرومى منطقة «برقة» وقطع الطريق بين عاصمة الخلافة الإسلامية (دمشق) وجيش المسلمين الذى كان قد توغَّل غرباً.. واضطر القائد المسلم «زهير» للعودة شرقاً للدفاع عن «برقة»، لكنه انهزم على يد الروم، وقُتِل (استشهد!) ومعه معظم القوَّاد والجند. وبذلك، فقد المسلمون الشمال الأفريقى، والجيش الذى كان قبل سنوات يمضى قُدُماً إلى جهة المغرب.. وعن هذه الهزيمة (النكسة) يقول د. عبدالله عنان فى موسوعته (دولة الإسلام فى الأندلس) ما معناه:

«كان وقع هذا الخطب شديداً فى حكومة دمشق (الخلافة الأموية) وكانت مشغولة آنذاك بمحاربة ابن الزبير وصَحْبه الخوارج عليها (الثائرين)، فمضت أعوامٌ أخرى قبل أن تتمكَّن من العناية بشؤون إفريقية (تونس)، فلمَّا انتهت الثورة وقُتِل ابن الزبير، وجَّه عبدالملك بن مروان عنايته إلى استعادة إفريقية، فولَّى عليها حسَّان بن النعمان الغسانى سنة ٧٣ هجرية (٦٩٢ميلادية) وسيَّره إليها بجيشٍ ضخمٍ كان أعظم قوة (عسكرية) سيَّرتها الخلافة الأموية إلى إفريقية، فاخترق حَسَّان «برقة» وقصد قرطاجنَّة عاصمة إفريقية الرومانية، التى كانت لا تزال فى يد الروم، ولم يغزُها المسلمون لحصانتها واتصالها بالبحر وقُربها من صقلية، حيث كانت تُرسل إليها الإمدادات البيزنطية، بسرعة.

وحاصر «حَسَّان» قرطاجنة (قرطاج) حصاراً محكماً، ثم اقتحمها واستولى عليها، ولكن إمبراطور الروم (البيزنطيين) سيَّر إليها جيشاً بقيادة حاكمها «يوحنا» يعاونه أسطول من صقلية، وقوة من القوط أرسلها ملك إسبانيا القوطىُّ الذى أزعجه اقتراب العرب من بلاده. فانسحب العربُ وارتدوا إلى القيروان، حتى إذا جاءتهم الإمدادات أعادوا الكرَّة على قرطاجنة، وهزموا الروم والقوط هزيمةً شديدة ففرَّوا إلى سفنهم، وخُرِّبت قرطاجنة وهُدِّمت حصونها القوية، ثم سار «حَسَّان» غرباً وهزم الروم والبربر فى عدة مواضع، واستعاد الإسلام سلطانه بين برقة والمحيط (= ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب)».

وقد نقلتُ الفقرة السابقة، على طولها، من هذا المصدر المعتمد، لأنها تشير بوضوح إلى ثلاث نقاطٍ مهمة تتعلق بالفتوح الإسلامية، وفَهْمنا لها نحنُ المعاصرين.. النقطة الأولى، أن فتح المسلمين لقرطاجنة (قرطاج) احتاج «أضخم جيش إسلامى دخل أفريقيا» ومعروف أن مدينة الإسكندرية (عاصمة مصر، مدينة الله العظمى) كانت أهم وأكبر وأمنع من قرطاجنة، فكيف استطاع عمرو بن العاص فتحها قبل ذلك بعقودٍ قليلة من الزمان، إذا كان جيشه قليلاً فى العدد والعُدة؟ إذن، فإن صورة فتح الإسكندرية (مرتين) فى أذهاننا، غير كاملة وغير سليمة. فالجيش الذى «حاصرها» به عمرو بن العاص، لم يكن بهذا العدد القليل الذى نظنه، لأنه ضمَّ معه عشرات الآلاف من العرب الذين كانوا يسكنون مصر من قبل الإسلام. وعمليةُ الفتح ذاتها (فى المرتين) تشوبها ظلالٌ قوية نتجت عن العلاقة «الخفية» بين المقوقس والمسلمين، حسبما عرضنا فى السباعية الماضية، وهو ما يفسِّر وَصْفى لفتح مصر بأنه كان، بحسب التعبير المعاصر: «تسليم مفتاح». ويفسِّر فى الوقت ذاته، العدد الضئيل جداً الذى خسره المسلمون فى حرب الإسكندرية (اثنان وعشرون رجلاً) قد يكون بعضهم قد مات أثناء «الحصار» بسبب البرد ونزلات الأنفلونزا! فى زمنٍ لم تكن فيه المضادات الحيوية التى نستعملها اليوم، قد اكتُشفت بعد.

والنقطة الثانية، هى ظهور «القوط» لأول مرة فى حرب المسلمين والروم، وقد ظهروا كحلفاء للروم ومعاونين لهم، لاعتقادهم بأنهم ما عادوا بمنأى عن الأخطار (الإسلامية) التى تجتاح الأقطار الأفريقية الشمالية، ولا بد لها فى نهاية الأمر من تهديد سلطانهم بإسبانيا.. وهو الأمر الذى وقع بالفعل بعد سنوات قليلة، كما سنرى بعد قليل.

والنقطة الثالثة الأخيرة، هى أن المسلمين خَرَّبوا أسوار قرطاجنة. ونحن نعرف أن عمرو بن العاص، كان من قبلها بعقود قد خرَّب أسوار الإسكندرية.. ومن المفترض (نظرياً) أن هذه الحصون تحمى الجيوش، والغالبُ المنتصرُ إذا كان هدفه عسكرياً مجرداً، فمن مصلحته أن يحتفظ بهذه الأسوار ليتحصَّن فيها.. لكن المسلمين كانوا يأتون إلى البلاد، ليمكثوا! لا ليجنوا خيراتها باعتبارها «مغانم» تحرسها الجيوش التى تحرسها الحصون والقلاع.. فتأمل.

■ ■ ■

أما حرب «الكاهنة» التى كانت حلقةً من حلقات «ثورات البربر» على الحكم الإسلامى، فقد وقعت فى المغرب الأقصى. فهناك اجتمعت قبيلة (جراوة) وقبائل أخرى من البربر، تحت قيادة امرأةٍ قيل إنها كانت تشتغل بالسحر والكهانة، هى: دهيا بنت ماتية بن تيفان. والمصادر البيزنطية (اللاتينية) تسميها «داميا» والمصادر العربية تلقِّبها بالكاهنة.. وبعض المصادر، من هنا ومن هناك، تشير إلى أن هذه المرأة الزعيمة، كانت تدين باليهودية! وهو الأمر الذى أشكُّ فيه كثيراً، لأن الديانة اليهودية، فى أصلها التوراتى وتطورها التلمودى؛ تنظر إلى المرأة نظرةً لا تسمح لها بالزعامة والقيادة، فضلاً عن «الكهانة» وعن رئاسة الجيوش.

كانت الكاهنة تحكم المنطقة المسماة (جبل أوراس) فلما جاء حسَّان بن النعمان الغسَّانى بجيشه الجرَّار، خرجت إليه بجيش أشدَّ استطاع أن يهزم جيش العرب المسلمين، ويضطره إلى الفرار شرقاً بعد موقعةٍ هائلة انتصرت فيها الكاهنة وارتد «حسَّان» إلى برقة، فسارت وراءه الكاهنة بجيشها وسيطرت فى طريقها على بلاد كثيرة، حتى صارت معظم نواحى تونس والجزائر تحت حكمها.. وظل الحال على ذلك لخمسة أعوام، حتى دَعَم الخليفة عبدالملك بن مروان جيشَ المسلمين بجماعات كبيرة من الجند، فتقهقرت الكاهنة غرباً وأحرقت فى طريقها المدن والنواحى، ليصعب على جيش المسلمين استكمال الطريق غرباً، فى تلك الصحراوات القاحلة.

لكن المسلمين لم يتوقفوا عن ملاحقتها، حتى التقى الجمعان (الجيشان) عند جبل أوراس، فظهر المسلمون على الكاهنة، وقتلوها، وانتصروا على جموعها من قبائل البربر.. والظاهر أن نصر المسلمين لم يكن ساحقاً، لأنهم ارتضوا بأن يبقى ابن الكاهنة حاكماً على منطقة جبل أوراس، على أن يدين للمسلمين بالولاء والطاعة، ويمدَّهم باثنى عشر ألف مقاتل، لدعم جيشهم وتحقيق بقية الفتوحات، تعويضاً عَمَّا فقده المسلمون فى حروبهم الدامية بشمال أفريقيا.. أتذكَّر الآن محمود درويش، حين يقول:

ألوفٌ من الجند ماتت هناك

دفاعاً عن القائدين اللذين يقولانِ:

هيَّا

وينتظرانِ الغنائم فى خيمتين حريريتين

من الجانبين

.. يموت الجنودُ مراراً،

ولا يعلمون إلى الآن

مَنْ كان منتصراً.

■ ■ ■

وراحت النواحى المغاربية تدلف تباعاً فى دائرة الدولة الإسلامية، ويصير البربر رويداً من المسلمين. وإن كانوا قد ظلوا يرون فى أنفسهم شرفاً ومكانةً، ليست للعرب! وبالمناسبة، فهم لايزالون إلى اليوم فى دول الشمال الأفريقى، يستعلون بأصولهم على العرب (الحاكمين)، باعتبار أن قبائل «البربر» فى ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، هم أصحاب البلاد الأصليون.. وهم لا يقبلون فكرة أن البلاد لمن يسكنها ويتوالد فيها جيلاً من بعد جيل، وأن «النقاء العِرْقى» محض خرافة اجتماعية يكذِّبها التاريخُ الطويل، وتدحضها ملامحُ الناس المتشابهة فى كل قُطر.

■ ■ ■

وفى الوقت الذى كانت فيه البلاد المغاربية (الشمال الأفريقى) تدخل فى نطاق دولة العرب المسلمين، كانت البلاد المشرقية (فارس وأواسط آسيا) تدخل فى النطاق ذاته.. وفى قلب دولة الإسلام، كانت هناك مشكلات كثيرة، وقلاقل، وحكايات. وكان هناك رجلٌ من التابعين (الجيل الثانى بعد الصحابة) اسمه «موسى بن نصير» يقال إن مولده كان سنة ١٩ هجرية، وإن أصله من قبيلة «بكر بن وائل» الذين غلبهم خالد بن الوليد وأخذ منهم أسرى، كان منهم والده «نصير» الذى صار من موالى قبيلة «لخم»، وصار لاحقاً واحداً من حرس معاوية بن أبى سفيان. وقد نشأ ابنه «موسى» فى بلاط الأمويين، وخدمهم فى عدة وظائف عسكرية ومدنية حتى لاحقته فى الشام اتهاماتٌ باختلاس أموال، فكاد «الحجَّاج بن يوسف الثقفى» يفتك به، لولا تدخُّل «عبدالعزيز بن مروان» أمير مصر الأُموىّ، الذى أنقذه من بطش الحجَّاج وجعله حاكماً على المغرب، فثار عليه البربر من جديد، لكنه غلبهم بعدما اتخذ منهم هناك معاوناً عسكرياً هو طارق بن زياد الليثى.. الذى عبر بالجيش الإسلامى إلى الأندلس، حسبما سنذكر فى مقالتنا القادمة.

ابراهيم عبد المعطى داود
02/02/2011, 03:53 PM
إلا أنت ياوطن‏!‏
بقلم: د. مصطفى الفقى

جاءت نظم ثم ذهبت وسادت حضارات ثم بادت وبرز زعماء ثم انصرفوا ولكن بقيت دائما هي الأوطان تطل علي مواكب التاريخ وترصد دورات الزمان وبعضها لا يختفي أبدا

ومصر من هذا النوع المتواصل منذ فجر الانسانية حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا لذلك فإن جراح الوطن تدمي القلوب وعندما تشتعل النيران في منشآته تحترق معها الأفئدة خصوصا أن حرائق يناير‏2011‏ تعيد إلي الذاكرة تلقائيا حريق يناير‏1952‏ كما أن أحزان المصريين عندما غابت الشرطة عن الشارع فجأة في يناير‏2011.‏
وخلال ظرف عصيب وأيام مضطربة فإنها تشبه الي حد بعيد الانسحاب المفاجيء للجيش المصري في يونيو‏1967‏ فلقد كانت النكسة هزيمة خارجية أما الفوضي فهي طعنة داخلية ويهمني هنا أن أوضح بأن حق الشعوب في الثورة الشعبية مكفول في كل زمان ومكان كما أن صوت الشباب يجب الاستماع إليه بل ويتحتم ذلك لأنه صاحب الحق في المستقبل الذي قد لانعيشه فمن غير المؤكد أن نشارك فيه‏,‏ وليس مقبولا أبدا أن نضع نحن خطوطه ونفرض علي الأجيال القادمة أسلوب حياتها ولست أنكر أن ما بدأ في ميدان التحرير كان انتفاضة شبابية لها احترامها وهي جديرة بأن نأخذها بالجدية والاهتمام اللازمين ولكنه لا يخفي علينا أيضا أن عناصر كثيرة اندست فيها وحاولت استثمارها لصالح أهدافها ولقد سألت أحد أقطاب جماعة الإخوان المسلمين ـ الذي أختلف معه فكريا مائة وثمانين درجة ولكنني أعتز بصداقته الشخصية في كل الظروف ـ عن مدي مشاركة الجماعة في تلك المظاهرات خصوصا بعد أن تفاقمت وأحدثت تأثيرها في الشارع المصري فأجابني الرجل بصراحة ووضوح قائلا إن الشباب النقي الجديد علي الحياة السياسية يمثل الثلث وأن جماعة الإخوان تمثل الثلث الثاني وأن الحركات الاحتجاجية المنظمة وبعض كوادر أحزاب المعارضة يشكلون الثلث الباقي وإذا صح هذا التحليل أو لم يكن فإننا أمام ظاهرة احتجاجية عامة تعيد في جزء منها الي الأذهان حركة الطلاب التي انطلقت من شوارع باريس عام‏1968‏ لتجتاح غرب أوروبا كلها بعد ذلك إيذانا بتحول كبير انتقلت به دول من عصر النجوم اللامعة والقيادات التاريخية الي عصر الحكام المقيدين بأطر ديمقراطية لا مجال لنزعات الفرد في التأثير عليها‏,‏ ويهمني هنا أن أسجل الملاحظات التالية‏:‏
أولا‏:‏ إنه رغم بعض سلبيات ما جري إلا إنني أري فيه إيجابيات أكبر فلقد جددت شباب الروح المصرية التي لم تتنسم رياحا جديدة منذ انتصار أكتوبر العظيم وأثبتت التماسك القوي لفئات الشعب المصري وطبقاته وطوائفه فلم نسمع عن اعتداء علي كنيسة أو استغلال لمسجد مما كنا نسمع عنه في الأوقات العادية بما يؤكد أن الفتنة الطائفية فيروس عارض وليس مرضا مزمنا في جسد الأمة المصرية كما أن التحام المصريين من مختلف شرائح العمر والمستويات الثقافية والطبقات الاجتماعية للدفاع عن ممتلكاتهم وسلامة أسرهم من عصابات السلب والنهب والهاربين من السجون تؤكد هي الأخري صلابة المعدن المصري وتذكرنا بجماعات الصحوة التي تشكلت ذاتيا في المدن العراقية لتواجه سطوة الجماعات الارهابية والجريمة المنظمة والعنف المخطط‏.‏
ثانيا‏:‏ إن المشاعر العربية الدافئة التي عبرت بها شعوب المنطقة عن حبها للشقيقة الكبري وحرصها عليها سوف تظل علامة فارقة تؤكد مكانة مصر لدي شقيقاتها العربيات وقربها الشديد من قلب أمتها ومزاجها القومي‏,‏ فمن الطبيعي أن تستدعي القلاقل التي تجري في مصر كل اهتمام الجيران بقوة الجغرافيا ومنطق التاريخ وعنصر المصلحة المشتركة ولكن الواضح أن الأمر قد تجاوز ذلك لكي يطفو بشدة متجاوزا المنطقة الاقليمية ليطرح نفسه علي الساحة الدولية كلها‏,‏ فالرئيس الأمريكي يتحدث عما يجري في مصر أكثر من مرة في اليوم الواحد والسيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية تتحول الي متحدث رسمي عن الموقف الأمريكي تجاه أحداث مصر كلما ظهر جديد فيها أما المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض فقد كانت بعض معلوماته عما يجري في مصر أشبه بمعلوماتي في علوم الفضاء فالواقع يسبقه بكثير‏.‏
ثالثا‏:‏ لقد تأكد للجميع أن استقرار مصر هو ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط وصدق بالفعل من قال‏(‏ اذا عطست مصر فقد أصيب الشرق الأوسط بـ الانفلونزا‏)‏ بل لقد بدا واضحا وظهر جليا من مشاورات الادارة الأمريكية مع الدول المجاورة ـ عربية أو غير عربية أن مصر هي بحق عمود الخيمة في الحرب وفي السلام معا‏,‏ ففي الأولي لها القيادة وفي الثانية لها الريادة بل إنني أظن أن الشعور المصري بالانتماء العربي قد تعزز في الأحداث الأخيرة خصوصا عندما رفع بعض المتظاهرين صور الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في حنين واضح إلي سنوات المجد القومي والدور الاقليمي والعدل الاجتماعي‏.‏
رابعا‏:‏ إن الشباب النقي الذي لم تلوثه الحزبية ولم تحركه دوافع شخصية كان هو القادر دائما علي إعطاء القدوة وضرب المثل وتحقيق المصلحة لوطنه ولجيله بعيدا عن الأهواء الذاتية والأغراض الشخصية والمنفعة العابرة لذلك فإننا حين نستدعي تلك الظروف الصعبة التي عاشها المصريون في الأيام الأخيرة فإننا نستدعي تلقائيا إرادة الشعوب التي تحتاج إلي من يعززها ويثقل معدنها ويستخرج منها أفضل مافيها‏.‏
خامسا‏:‏ إن المعادلة الصعبة بين الأمن في ظل أوضاع يسود فيها الفساد ويشيع الفقر وتختفي العدالة الاجتماعية لايمكن أن يكون أبدا جزءا من معادلة متكافئة مع مجتمع رشيد يستمتع بمظاهر الحكم الديمقراطي وسيادة القانون ولكنه يعاني أحيانا من الانفلات الأمني لأن قبضة الدولة ليست قوية بالقدر الكافي‏,‏ إننا في الحقيقة نطلب وضعا متوازنا فيه الحرية والاستقرار فيه الديمقراطية والأمان فيه التنمية والعدالة وليس ذلك أمرا مستحيلا علي المجتمعات المعاصرة بل إنه يبدو ممكنا أن يسود الاستقرار بمنطق العدل وأن تنتعش الحرية في ظل الشعور بالأمن والأمان ولابد أن أسجل هنا أننا قد شعرنا بقيمة الأمن وأهميته وضرورته في الأيام الماضية وإذا كانوا قد قالوا من قبل‏(‏ إن الصحة تاج علي رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضي‏)‏ فإنني أقول إن الأمن تاج علي رءوس الآمنين لا يراه إلا المهددون‏.‏
‏..‏ لقد كنت أنوي أن أكتب هذا الأسبوع تعليقا علي بيان أصدره مكتب الدكتور حسن الترابي في الخرطوم تحت عنوان‏(‏ أفكار عامة للرد علي د‏.‏ مصطفي الفقي في التصريح المنسوب إليه في جريدة الأهرام الدولية‏)‏ ولكن سلم الأولويات تغير وأطلت علينا أزمة الوطن الأول‏,‏ فأجلت محنة الوطن الثاني ولعلي أؤكد في النهاية أن مصر الزراعة والحضارة الآثار والتاريخ النيل والبحار والجغرافيا والمكان سوف تبقي كلها لكي تمثل سبيكة فريدة في شخصية مصر وهويتها التي لن تضيع أبدا بل سوف تظل مركز إشعاع يطل علي الدنيا من حولها دولة لسيادة القانون واحترام الدستور ورعاية مبدأ المواطنة في شموخ وكبرياء وكأن دلتا النيل في الشمال تفتح يديها للدنيا من حولها تلهم التاريخ وتعلم الأمم وتوقظ الشعوب‏.‏

ابراهيم عبد المعطى داود
02/03/2011, 04:22 PM
العلامة* ‬عائض* ‬القرني* ‬يراسل* ‬الشعب* ‬التونسي* ‬عبر* ‬الشروق
*"‬أزلتم* ‬الاستبداد* ‬وحطمتم* ‬الصنم*.‬*.‬*. ‬وعليكم* ‬بالوحدة*"‬
2011.01.23
د*. ‬عائض* ‬القرني* ‬ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، تحية إجلال وتقدير وإعزاز إلى الشعب التونسي العظيم الذي صنع أعظم وأنبل ثورة في عصرنا الحاضر القريب.

شكراً لشباب وفتيان تونس ورجال تونس ونساء تونس، شكراً لكبارهم وصغارهم، والحمد لله الذي حقق النصر* ‬وأزال* ‬المستبد* ‬الطاغية،* ‬وهنا* ‬وقفات* ‬أحبّ* ‬أن* ‬أتحدّث* ‬فيها* ‬للشعب* ‬التونسي* ‬العظيم*.‬
أولاً: أناديكم وأدعوكم للوحدة والاتفاق ونبذ الفرقة والخلاف حتى لا تذهب ثمار هذه الثورة المجيدة وهذه الانتفاضة الشريفة هباءً منثوراً، فاجمعوا صفوفكم ووحّدوا أمركم واجمعوا شملكم ولا تتفرقوا أو تختلفوا خاصة أنه سرّني انعقاد لجان شعبية في كل مدن تونس، وهذا مما* ‬يحقق* ‬لكم* ‬النصر* ‬والمكاسب* ‬المنشودة* ‬إن* ‬شاء* ‬الله*.‬
ثانياً: أرجو أن تستمروا في مطالبكم الشريفة من الحرية وتمام الاستقلال وإعطاء الحقوق ورد الأموال المنهوبة والمسلوبة ولا يتأتّى ذلك إلا بزوال أذيال وبقايا النظام البائد، فلا بد من مجلس تأسيسي ومن دستور جديد.
ثالثاً*: ‬أن* ‬لا* ‬تُستثنى* ‬طوائف* ‬من* ‬طوائف* ‬تونس* ‬وإنما* ‬يشارك* ‬الجميع* ‬في* ‬مرحلة* ‬بناء* ‬واستتباب* ‬أمن* ‬ورقيّ* ‬وازدهار* ‬وصنع* ‬حضارة* ‬وحياة* ‬كريمة*.‬
رابعاً: تونس بلد إسلامي، فهي بلد عقبة بن نافع وابن خلدون وابن عاشور وهي بلد الزيتونة والقيروان، فنريد في تونس بقاء واستمرار الإسلام المعتدل الوسطي إسلام الرحمة والتسامح والحكمة. فأحيي في التونسيين تمسّكهم بدين الله عز وجل الخالد؛ لأن رسالتهم للعالم هي رسالة* ‬الإسلام* ‬الدين* ‬العظيم* ‬الذي* ‬قام* ‬على* ‬العدل* ‬والمحبة* ‬والسلام*.‬
خامساً: آمل من شباب تونس وفتيات تونس أن يستمروا في مطالبتهم بحقوقهم فإنّ الحقوق تؤخذ ولا تُعطى، ولولا أنَّ الله سبحانه وتعالى ألهمهم وسدّدهم وأيّدهم لما استطاعوا إزالة هذا الطاغية الذي كبت على صدورهم أكثر من عقدين من الزمان وعطّل الحياة وأغلق منافذ الوعي ودمّر* ‬كل* ‬شيء* ‬في* ‬الذهنية* ‬التونسية*.‬
سلامي لكم وقريباً إن شاء الله ألقاكم في تونس وأنقل لكم تحية حب وإعجاب كل من رأيته من المسلمين والمؤمنين سواء في السعودية أو دول الخليج أو كل بلد اتصلنا به؛ لأنه يعيش معكم ويحيَّيكم ويدعو لكم. فمزيداً من الصبر والاتفاق والاعتصام بحبل الله، وفّقكم الله وسدّد* ‬على* ‬طريق* ‬الحق* ‬خُطاكم،* ‬وأثابكم* ‬وبارك* ‬فيكم،* ‬مع* ‬شكري* ‬الجزيل* ‬لجريدة* ‬الشروق* ‬الجزائرية* ‬لنقلها* ‬الفكرة* ‬الصائبة* ‬والرأي* ‬السديد* ‬وبارك* ‬الله* ‬في* ‬الجميع*.‬

ابراهيم عبد المعطى داود
02/04/2011, 08:38 AM
يحيا شباب الحرية
بقلم: فاروق جويدة

في حياة الشعوب لحظات يكتبها الشهداء بعطر دمائهم الطاهرة وهي أغلي ما يملكون وفي صخب المزادات والصفقات ومواكب الانتهازيين والأفاقين

يسقط كل شيء وتبقي علي وجه التاريخ سطور قليلة تحمل أسماء هؤلاء الشهداء الذين قدموا لأوطانهم أغلي وأعظم ما يملك الإنسان وهي حياته
كانت ثورة شباب مصر يوم‏25‏ يناير واحدة من هذه الأحداث التاريخية الفريدة التي تغيرت معها كل الأحداث والحقائق والمزايدات ومواكب التدليس والاحتيال والنهب‏..‏ سقطت منظومة كاملة من الفساد والخيانة والدجل‏..‏ وظهر وجه مصر وهي تعانق شبابها القادم بعد سنوات عجاف طالت بين القهر والإذلال والاستبداد والتسلط‏..‏
لاح وجه مصر أمام العالم كله وأطلت بشموخها العريق الذي أسقطته مواكب الفساد وعادت لها ريادتها التي أطاحت بها مواكب الأقزام والسفهاء وحملة المباخر‏..‏ واستردت دورها الذي تاجر فيه السماسرة والعملاء‏..‏
خرجت مصر وعلي رأسها تاجها القديم تتناثر دماء الفرحة علي وجهها الجميل وهي تودع زمنا كئيبا جاحدا سفيها وتستقبل زمنا آخر وهي تحمل شهدائها الإبرار بين يديها تقدمهم قربانا للحرية وثمنا للشموخ والعدل‏..‏
في لحظة تاريخية فريدة تشبه المعجزات رغم أن زمان المعجزات قد مضي خرجت مصر بشبابها لتصبح حديث العالم كله‏..‏ كانت صيحات الشباب في ارجاء الكنانة تهز عروش العالم شرقه وغربه والشعوب تنظر إليها بكل مظاهر العرفان للملايين الذين زحفوا بجوعهم وفقرهم وأمراضهم يواجهون الطاغوت‏..‏
كانت الإرادة أقوي من صرخات البطون‏..‏ وكانت العزائم أقوي من الرصاص الحي وقنابل الدخان ومصفحات الأمن‏..‏
في هذه المحنة فقد الأمن ضميره وصوابه وعقله ومسئولياته‏..‏
عادت مصر العظيمة تبهر العالم كله وتبعث رسائل مجدها وشموخها من جديد‏..‏ ملايين البشر خرجوا إلي الشوارع يطالبون بالحرية والعدالة وهل هناك شيء أعظم من العدل والحرية والعدالة‏..‏إنها صرخة الأوطان والشعوب في كل زمان ومكان‏..‏ لقد خلقنا الله أحرارا‏..‏ وجعل لنا العدل ميزانا ولن يستوي إنسان حر يحلق في سماء الله مع إنسان آخر حصدت السجون سنوات عمره‏..‏
في بعض الأحيان تفقد الكلمات بريقها وتختفي وتصبح طيفا باهتا أمام الحقيقة‏..‏ وما حدث في ميدان الحرية وليس ميدان التحرير كما كنا نسميه كان أكبر من كل الكلمات وأعظم من كل الصفحات فحين تسيل الدماء يخبو كل شيء الكلام والسلطان والأموال والصفقات والنصابون والدجالون والقتلة‏..‏
خرجت مصر من سجنها وهي تعانق علي أبوابه المتهاوية وجوه شبابها الذي استطاع في لحظة دامية أن يخلصها من قيود العبودية‏..‏ والتسلط والطغيان‏..‏
ماذا أقول عن هؤلاء الشباب وهم أعظم هدية قدمتها مصر لنا ونحن نعيش خريف أيامنا ووحشة ليالينا‏..‏
ماذا أقول عن هذا السجن الكئيب الذي قضينا عمرنا نحاول الخروج منه وكان دائما يحطم أحلامنا‏..‏
ماذا أقول عن أجيال تساقطت أمام هذا الهيكل المتهاوي وعجزت عن اقتحامه أو الإطاحة به‏..‏ ماذا أقول عن هذا الطاغوت الذي غير ألوانه ووجهه الاف المرات ليبقي جاثما علي أحلامنا وأمانينا وزهرة شبابنا‏..‏
في منتصف ليل يوم الجمعة الدامي كانت حشود الأمن المركزي تقتحم صفوف الشباب وهم يتساقطون كأوراق العمر لتكتب مصر بدمائهم الطاهرة حياة جديدة لأجيالها القادمة بعد سنوات عقم طالت‏..‏
تذكرت يوم أن كنت في عمر هؤلاء الشباب في مظاهرات طلاب جامعة القاهرة في عام‏1968‏ واقتحام قوات الأمن المركزي لقاعة المحاضرات الكبري ونحن نتظاهر ضد نكسة‏67‏ ومن صنعوها كان أول ظهور لهذه القوات وكان استخدامها لأول مرة ضد شباب ثورة يوليو في كل جامعات مصر وسقط منا الشهداء وصعد منا الوزراء بينما توارينا نحن خلف أطياف الذكري نسترجع لحظات عشناها خارج الزمن‏..‏
ومن يومها وأنا أحلم أن أري يوم سقوط هذا الطاغوت الأمني الرهيب‏..‏ من يومها وأنا أنظر حولي كلما عبرت حشود الأمن المركزي وأقول متي أري هذا اليوم وهل أعيش لكي أراه‏..‏ وعشت ورأيته علي كوبري قصر النيل والمصفحات والعربات والحشود تتهاوي وتتراجع أمام ثورة الشباب المصري الغاضب انهارت حشود القهر علي رؤوس كهانها وانتهي السباق وتهاوي الطاغوت لتتعانق في سماء ميدان الحرية التحرير سابقا مواكب جيش مصر العظيم مع أرواح شهدائها الذين ماتوا تحت مجنزرات الأمن المركزي‏..‏
اندفعت حشود جيش مصر الذي شيدناه علي عيوننا ليبقي الدرع والأمن والكرامة والضمير كم كنت فخورا بيني وبين نفسي أن هذا الجيش يردد كل صباح نشيده الذي أهديته له منذ سنوات‏..‏
حين خلت الشوارع من قوات الأمن‏..‏ وحل الظلام علي مدينتنا الشامخة كان شباب الأحياء من المدنيين يقيمون المتاريس والحواجز ويقفون علي دبابات قواتنا المسلحة يحلمون بالحياة والأمن والكرامة‏..‏
لا أحد يعرف ـ وأن كان الحساب سيأتي ـ من الذي سحب قوات الأمن من الشوارع‏..‏
من أطلق اللصوص علي المحلات التجارية‏..‏
من الذي فتح أبواب السجون بكل ما فيها من التحصينات والأبواب الحديدية لتنطلق منها مواكب المجرمين في كل الشوارع والمدن‏..‏
من الذي أمر بإطلاق الرصاص الحي المحرم دوليا علي صدور شبابنا الثائر ليسقط‏300‏ شهيد كما ذكرت وثائق الأمم المتحدة‏..‏
من الذي أقام مذبحة كوبري قصر النيل ليسجل التاريخ واحدة من أكبر المذابح التي لم تشهدها مصر في أي عصر من العصور‏..‏ هل هي قيادات الأمن ام حكومة النهب والسرقة السابقة أم أن هناك أسماء أخري تنتظر حسابها مع التاريخ‏..‏
كانت آخر هدايانا لشهداء شبابنا الثائر قطيعا من الجمال والحمير والخيول وعربات الكارو التي اقتحمت ميدان الحرية بأعداد رهيبة من بلطجية الحزب الوطني لتسجل إحدي قصص التخلف بين من يركبون الجمال ومن يعيشون العصر‏..‏
كانت صور الجمال والحمير علي شاشات الفضائيات العالمية فضيحة مدوية في كل أرجاء الدنيا
لقد كتبت آلاف المقالات ومئات القصائد ولكنني أشعر اليوم بضآلة غريبة وإحساس بالعجز أمام هذا التاريخ العظيم الذي كتبه شباب مصر في ميدان الحرية أشعر أن ما حلمت به كل سنوات عمري قد تحقق في ليلة أسطورية كتبها هؤلاء الشباب بالدم علي وجه مصر الشامخ أشعر الآن أنني استعدت شبابي الذي قضيته وأنا أحارب أشباح الفساد والجهل والتخلف فشكرا لهؤلاء الذين‏..‏ ويبقي الشعر
نشيد الجيش
رسمنا علي القلب وجه الوطن
نـخيـلا ونيـلا وشعبـا أصيـلا
وصناك يا مصر طول الزمن
ليـبقـي شـبـابـك جيـلا فـجيـلا
علي كل أرض تركنا علامه
قلاعا من النور تحمي الكرامـه
عروبتنا تفتديك القلوب
ويحـميـك بـالـدم جيـش الكنـانـه
وتنساب يا نيل حرا طليقا
لتـحكـي ضفافـك معنـي النضـال
وتبقي مدي الدهر حصنا عريقا
بصـدق القـلـوب وعـزم الرجـال
يد الله يا مصر ترعي سماك
وفـي سـاحـة الحـق يـعـلو نـداك
ومادام جيشك يحمي حماك
ستمضي إلي النصر دوما خطاك
سلام عليك إذا ما دعانا
رســول الجـهــاد لـيــوم الفــداء
وسالت مع النيل يوما دمانا
لنـبنـي لمـصـر العـلا والرخــاء

أعادوني لشبابي‏..‏
تقف مصر اليوم بين عهدين‏..‏ عهد ما كان قبل‏25‏ يناير‏2011‏ وعهد ما بعد هذا التاريخ‏..‏ أشياء كثيرة تغيرت‏..‏ أصبح النيل أكثر شموخا وأصبح الوطن أكثر إيمانا‏..‏ حتي هواء الوطن أصبح أكثر نقاء بعد أن تكدست تلال التلوث في عيوننا وصدورنا وعقولنا زمنا طويلا‏..‏
أجيال توارت وراء أجيال‏..‏ ووجوه عبرت علي صفحة النهر الخالد وأحلام كثيرة في الحرية والعدل والمساواة سطرها قبلنا أبناء الشرفاء لهذا الوطن لتحمل لنا هذه الثورة المباركة التي أعادت لمصر وجها شامخا تصور البعض أنه انتهي‏..‏ وتعيد لنا إحساسا قديما بالكرامة تخيل البعض أنه رحل‏..‏ ليقف كل مصري الآن علي أبواب التاريخ رافعا رأسه ليكتب علي معابدها وآثارها وكنائسها ومساجدها وطرقاتها ومبانيها يحيا شهداء الحرية‏..‏ يحيا شهداء العدل‏..‏ يحيا شباب مصر العظيم‏..‏

ابراهيم عبد المعطى داود
02/07/2011, 08:52 PM
هل حان موعد الحساب‏,‏ حساب أنفسنا‏,‏ من الذي وضع قيودا في أيدي وأقدام رجال الشرطة ومصر في أشد الحاجة اليهم؟ من الذي أطلق السجناء ثم سجن رجال الشرطة وهو يعلم أن الجيش لا يستطيع أن يحل محلهم؟

من الذي جعل مصر كلها تعيش ثلاث ليال سوداء؟ من الذي نشر الخوف في كل بيت؟‏..‏ من الذي أنزل الشبان الصغار وفي أيديهم الشوم ليحرسوا بيوتهم؟‏!‏
من الذي أراد أن يضع نقطة سوداء علي الثوب الأبيض لحسني مبارك؟ من الذي أراد أن تكون النقطة في حجم ميدان التحرير؟ من الذي جعل ميدان التحرير ميدان حرب؟ حرب ضد من؟ ضد مصر‏!‏
لماذا انقلب البوليس علي الشعب؟ من الذي اختار للبوليس أن يتخلي عن واجبه المقدس ويترك مصر وحدها عارية لا أنياب ولا أظافر ـ إلا أظافر أبنائنا الصغار وفي أيديهم النبابيت‏,‏ يواجهون من لا يعرفون هذه الأسلحة التي في أيدي المجرمين واللصوص؟
إننا ندافع عن المركزية المطلقة‏..‏ المركزية الفرعونية بأن يكون الوزير هو وحده لا شريك له‏,‏ الذي يقول‏:‏ لا ويقول‏:‏ نعم‏.‏ فلما ذهب الوزير أخذ معه كل الأوامر والنواهي‏,‏ فمن الذي جعل الوزير فرعونا مطلقا؟ ولما تواري الفرعون توارت معه الأوامر والنواهي‏.‏ فكأن الشلل الذي أصاب البوليس والعار الذي لحقنا‏..‏ لأن البوليس لا يخدم الشعب وإنما يخدم الوزير‏..‏ وهذه هي النهاية والتي يجب أن نطالب بتغييرها‏,‏ فلا تتوقف الوزارة لغياب الوزير‏,‏ ولا تنقطع المياه لغياب وزير الري والغاز لغياب وزير البترول‏..‏ فالدولة يجب أن تعتمد علي أجهزة لا تتوقف‏!‏
وليس الآن وقت محاسبتنا لأنفسنا فكفانا ما أصابنا وجرحنا وأبكانا علي أنفسنا حتي جفت الدموع‏.‏
وكلما حاولنا أن نجفف الدموع ونضمد الجراح طلعت علينا القنوات‏(‏ الشقيقة‏)‏ تقول‏:‏ إن بطانة مبارك هي التي خانته وهي التي انتصرت عليه في موقعة‏(‏ ميدان التحرير‏)!‏
وأكاذيب أخري كثيرة‏!‏ انيس منصور

ابراهيم عبد المعطى داود
02/09/2011, 09:08 PM
د. يوسف زيدان يكتب: الثورةُ على الاحتقار

٩/ ٢/ ٢٠١١
لم يكن بإمكانى استكمال «السباعية» الحالية فى ظل الأحوال الجارية فى مصر الآن، وهى الأحوال التى تتقلَّب كل حين وتتدحرج معها البلاد إلى ناحيةٍ لا يعلمها إلا الله. ولذلك، فسوف أقطع اليوم كلامى عن (فتح الأندلس) للكلام عن «سر» الثورة الحالية التى تملأ ربوع مصر، وتتردد أصداؤها فى أنحاء عالمنا المعاصر، شرقاً وغرباً.

■ ■ ■

فى إحدى الليالى التى نقضيها فى نقاشٍ متواصلٍ حتى اقتراب الصباح، كلما جاء د. أحمد زويل إلى الإسكندرية، سألنى عن أخطر المشكلات التى تواجه مصر، هل هى انهيار التعليم أم ضعف الاقتصاد أم الفساد الإدارى . إلخ، فقلت له ولمن يجلس معنا (د. ممدوح حمزة، هانى الكيخيا، وسيم محيى الدين) وقد توغَّل بنا الليل، ورقَّت نسماته الآتية من بين أشجار منطقة المنتزه، ما ملخصه:

المشكلة الأهم والأخطر فى مصر المعاصرة، هى هيمنة «البنية الاحتقارية» على المجتمع بأسره، بحيث تنتظم العلاقات كلها على قاعدة (الاحتقار) الذى يعم المجتمع، ابتداءً من رأسه الأعلى، حتى أطراف قدميه، وهو الأمر الذى يفسِّر، كما سنرى بعد قليل، كثيراً من الظواهر المعلنة والخفية فى حياتنا الحالية، ومن بينها «الثورة» الحالية التى يحلو للبعض تسميتها: حركة، انتفاضة، عصياناً.. إلى آخر هذه التسميات السخيفة.

■ ■ ■

يبدأ «الاحتقار» فى الاستيطان بالبلاد، والغوص فى أرضها، مع شعور الحاكم الأعلى بأنه وصل إلى كرسيه مصادفةً، أو حسبما يقال بالعامية: فلتة (وهى أيضاً كلمة فصيحة، وصفوا بها وصول بعض الخلفاء إلى الحكم) فإذا استطال زمنُ استيلاء هذا الحاكم الذى تولى الأمر على نحوٍ «فجائىٍّ» غير خاضع للنظم المعتادة (الوراثة الملكية، الانتخابات الديمقراطية) يترسَّخ فى أقصى القاع السيكولوجى (النفسى) لهذا الحاكم، أنه أقل قيمة من الكرسى الذى يجلس عليه، وبالتالى فإن موضعه الحالى فى حقيقة الأمر، أمرٌ لا يعُوَّل عليه.. يقول شيخ الصوفية الأكبر، محيى الدين بن عربى: المكان إذا لم يُؤنث، فيصير مكانةً، لا يُعوَّل عليه.

ولكى يتخلَّص الحاكم المستولى على الأمور، فلتةً، من هذا الشعور المرير العميق، غير المعلن، يسعى بشكلٍ تلقائىٍّ غير واعٍ فى معظم الأحيان، للتخلص من الإحساس بالاحتقار الذاتى، من خلال احتقار الآخرين. فيحيط نفسه بالأشخاص أنفسهم طيلة مدة حكمه، حتى يبذلوا له من تحقير أنفسهم ما يساعده على التخلص من احتقاره لذاته. وبالطبع، فالعلاقة بين الحاكم ومن حوله، لا تقوم على التصريح بأنه يحتاج هذه (الحاشية) التى تحقِّر نفسها أمامه، لتعويض شعوره العميق بالاحتقار الذاتى، وإنما تُصاغ هذه العلاقة على هيئةٍ كاذبةٍ يوصف معها المحيطون بالحاكم بأنهم: أهل الثقة، أصحاب الولاء، جماعة المماليك.. إلخ.

■ ■ ■

وقد تولَّى الرئيس حسنى مبارك الحكم، فجأةً، وما كان كثيرٌ من المصريين يعرفه يوم مقتل الرئيس السادات (مع أنه كان نائبه) لكن جموع الشعب يومها، نسيت كل مشاكلها مع السادات ومع الجماعات الدينية التى أطلقها فى قلب البلاد، ونهشت قلبه فجأة. وارتضى الناسُ حرصاً على البلاد، بحكم مبارك الذى اعتلى الكرسى فلتةً، ووعد الناس بالكثير لكنه لم يفعل إلا القليل.. وكان مما وعد به الناس ولم يفعله، تأكيده على أن مصر (دولة القانون) وأنها (دولة المؤسسات) وأنها (كيان ديمقراطى) بينما كان ترزية القوانين ومرقعو الدساتير يعبثون سراً وعلانية بنصوص القانون والدستور، بما يضمن بقاء الرئيس رئيساً مدى حياته، وبما يمهِّد لرئاسة ابنه من بعده.

وبالطبع، فإن الرئاسة مدى الحياة، ووراثة الابن لحكم أبيه «الجمهورى، الديمقراطى، الدستورى» بالإضافة إلى بقاء الحاشية ذاتها حول الرئيس لعشرات السنين، مع عمل تغييرات شكلية فى مواضعهم وفق ما يسمى بلعبة (الكراسى الموسيقية) وهى اللعبة التى يخرج فى كل دورة منها أحدُ اللاعبين، غير أن لعبة (الكراسى الحكومية) لا يخرج فيها اللاعب إلا بالموت أو بالعجز الكلى الشامل.. ومن هنا، بقيت تلك الأسماء (الأبدية) التى عرفناها طيلة العقود الثلاثة الماضية، من دون تغيير.

ومع ما سبق، بالإضافة إلى عمليات التهليل الإعلامى الدائم، والإخفاء المتعمد للحقائق، والكذب والتدليس. يتخلَّص الرئيس (أىُّ رئيس) من شعوره الدفين بالاحتقار، بأن يحتقر الذين حوله على اعتبار أنهم «خدم» له مؤبَّدون، ولا يحتمل الاحتكاك بوجوه جديدة لا تنظر إليه بالإنكسار الذى اعتاده من هؤلاء المحيطين به.. ولذلك، فقد فزع السادات يوم ناقشه الشاب حمدين صباحى على الملأ، وصاح فيه بعصبية: الزم حدود الأدب! وهو الموقف الذى حرص المحيطون بالرئيس مبارك على عدم تكراره، بانتقاء الذين يتحدثون مع الرئيس فى المناسبات المختلفة، ولما خرج د. حسن حنفى يوماً عن السياق، فى لقاء مبارك بالمثقفين فى معرض القاهرة للكتاب، صار واحداً من المغضوب عليهم، ومن الضالين. وبعد حين، أُلغى لقاء الرئيس مع المثقفين فى معرض الكتاب، وعُهد بهذه المهمة غير المأمونة لرئيس الوزراء، الذى ما لبث بدوره أن تشاغل عن عقد مثل هذه اللقاءات، وصارت نسياً منسياً.

غير أن الحاشية الملازمة للحاكم، لا يلبث الاحتقار الذاتى أن يتسلل إلى نفوسهم شيئاً فشيئاً، فيحتاجون إلى دفعه بعيداً عنهم، بالطريقة ذاتها التى دفعوا بها الاحتقار الذاتى عن ربهم الأعلى (الرَّبُّ هنا بالمعنى الاجتماعى لا الدينى) فيحيطون أنفسهم بجماعات من أهل الثقة والولاء والتذلل الذى يخفِّف من شعورهم الذاتى العميق، المؤلم.. ومن هنا، يستلسل الأمر ويتسلَّل إلى الجهاز الحكومى كله، بكل ما فيه من مؤسسات، فيغدو المجتمع كله غارقاً فى البنية الاحتقارية، التى يتم فيها التخلّص من وطأة الاحتقار بالاحتقار، ومن مرارة الشعور بالاحتقار الذاتى بتحقير الآخرين. وهو الأمر الذى يتجلَّى فى الوقائع اليومية التى من نوع: قطع الطرق على الناس بالساعات لمرور الحاكمين، السخرية العلنية من الجمهور ومن المعارضين، الاستخفاف بعقول الناس عبر أداء إعلامى ساذج، التلويح الدائم بأن البلاد مستهدفة ولن ينقذها إلا العسكريون.. أتذكر الآن قول «أمل دنقل»:

قلتُ لكم فى السنة البعيدة

عن خطر الجندى، وعن همَّته القعيدة

يحرس مَنْ يمنحه راتبه الشهرىَّ

وزيه الرسمىَّ

كى يرهب الخصومَ بالجعجعة الجوفاء

والقعقعة الشديدة

لكنه إن يحن الموتُ فداء الوطن المقهور

والعقيدة،

فَرَّ من الميدان

وحاصر السلطان

وأعلن الثورة فى المذياع والجريدة

قلت لكم، لكنكم

لم تسمعوا هذا العبثْ

ففاضتِ النارُ على المخيمات،

وفاضتِ الجثثْ.

■ ■ ■

استولت على المجتمع المصرى البنية الاحتقارية، رويداً، مع الانقلاب العسكرى الذى قام به الضباط الأحرار (لاحظ التناقض بين الضبط والتحرُّر) الذين احترم الملك السابق نفسه معهم، وأخلى لهم الساحة، فكان منهم ما كان من تعطيل القوانين والاستعلاء عليها، والجرى وراء الليالى الحمراء (نسبة إلى الراقصات والفنانات) والليالى الزرقاء (نسبة إلى تدخين الحشيش) والليالى البيضاء (نسبة إلى جهل جماعة حكموا البلاد من قبل أن يتموا تعليمهم) والليالى السوداء (نسبة إلى الهزائم المتوالية على يد الدويلة المسماة إسرائيل) والليالى الغبراء (نسبة إلى سلب أموال الأغنياء ومنحها الفقراء لكسب رضاهم) والليالى الرمادية (نسبة إلى احتراق الرموز الفكرية وإيداع المثقفين فى المعتقلات).

وقد تحوَّل الرئيس السادات عن التوجهات التى أرساها سلفه الكبير عبد الناصر، وطرح نفسه علينا باعتباره «بطل الحرب والسلام» وكأنه كان يحارب إسرائيل وحده، ثم استخفَّ بنا بأن لبس مسوح الرهبان والمتصوفة، وصار يختلى مع ربه فى الوادى المقدس بسيناء.! فلما قُتل بغتةً، وصار الرئيس «مبارك» رئيساً فجأةً، صارت صورته الإعلامية النمطية الأبدية، تقوم على أنه «صاحب الضربة الجوية» فى إلماحٍ مباشر بأنه صاحب الفضل فى نصر السادس من أكتوبر، وهو تحقيرٌ لقُرابة مليون شخص كانوا يحاربون، ويموتون (ولا يعلمون إلى الآن، مَنْ كان منتصراً) وتحقيرٌ للتفكير المنطقى القائل بأن «العبور» هو إنجازٌ لسلاح المهندسين، لا الطيران، وأن «الثغرة» التى وقفت فى حَلْق انتصارنا، نتجت عن تقصير الطيران المصرى فى قصف المدرعات الإسرائيلية المتسللة إلى الدفرسوار..

المهم، ظل الرئيس مبارك فى الحكم ثلاثين عاماً، يهلِّل له الحقراء والخفراء، الذين راحوا مؤخراً يمهِّدون الأمر لابنه الذى ما أنزل الله به من سلطان (فليس هو بالشخصية الكاريزمية المؤثرة، ولا بالعقلية الخارقة الباهرة) وبعد أن كانت جموع المصريين تعيش على ظلال «العزة» التى منحتها لهم بلادهم، فى بلادهم وفى الدول العربية المجاورة. راح الاحتقار يتسرَّب إلى صورة المصرى فى وطنه، وفى ديار هجرته الخليجية وغير الخليجية، وصار معظم المصريين مهاجرين من بلادهم، أو ساعين للهجرة منها (والمهاجر المقيم أكثر بؤساً من المهاجر الذى رحل! حتى إن بعضهم قال: لو لم أكن مصرياً، لوددتُ أن أكون مصرياً بالخارج).

ولما عمَّت الطامة الاحتقارية، ورفرفت أجنحتها فوق البلاد وقلوب العباد، ظنت مؤسسة الحكم فى مصر أن القياد قد انتظم تماماً بين أصابعها، وبالغت فى الاستعلاء على الناس.. فعلى سبيل المثال: قال الرئيس قبل انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، إنه «يتمنى» أن تكون الانتخابات نزيهة! وقال بعد الفضيحة التزويرية المدوية، إن إجراء الانتخابات مَرَّ ببعض «التجاوزات» لا أكثر ولا أقل، والمعارضون «يتسلّون» بالكلام فى هذا الموضوع!

■ ■ ■

فلما ابتدأ انفجار الأحداث الأخيرة، التى تعامل معها الإعلام المصرى (الحكومى) على قاعدة الاحتقار العام، فسماها تسميات احتقارية من مثل: «غضب الجياع، الانتفاضة الشبابية، المتظاهرون ضد الرئيس..إلخ» احتقرت مؤسسة الرئاسة الأمر، وتأخَّر الرئيسُ عن الردِّ والمواجهة، لأن الذين حوله من كهنة ودهاقنة البنية الاحتقارية، أقنعوه بأنها «شوية دوشة»، لا ترقى إلى مستوى خروجه للرد عليها. فلما خرج متأخراً، ألقى لمن قالوا له إنهم مجرد كلاب تنبح فى الشارع، بعظمة تلهيهم، هى «التغيير الشكلى للوزارة» فلما ظهر أن الملايين الثائرة ليست كلاباً تنبح، وأن العظام لا تلهيهم، وأنهم يقومون بأول ثورة شعبية فى تاريخ مصر منذ آلاف السنين (على اعتبار أن حركة الضباط الأحرار كانت انقلاباً عسكرياً، أيَّده الشعب، فسُمى تجاوزاً: ثورة) وأن الثائرين ليسوا فى حقيقة الأمر جياعاً، وليسوا كلهم شباباً عاطلاً عن العمل، وليسوا حقراء.. جاء الظهور الثانى للرئيس، وقد ارتضى أن يجعل له نائباً (مع أنه قال قبل سنوات قليلة، إنه لا يجد أحداً لهذا المنصب)، فوجد فجأة نائباً كان أصلاً ينوب عنه خفية فى أمورٍ مهمة، ووقائع مدلهمة (منها الملف الفلسطينى) وجعل للوزراء رئيساً جديداً منهم، كان فيما سبق وزيراً (لم تعلق به شوائب الحزب الحاكم) .. ثم بلغ تجلى «البنية الاحتقارية» غايته، مع قول الرئيس فى خطابه الثانى، إنه: بصرف النظر عن الأحداث الجارية، فإنه لم يكن ينتوى الترشح للرئاسة.

■ ■ ■

غير أن الثائرين، ومعظم المصريين المعاصرين، كانوا قد كسروا الجدران الكثيفة (الموهومة) التى غرستها البنية الاحتقارية فى ربوع البلاد طيلة الستين سنة الأخيرة، بسبب اتصالهم بالعالم الخارجى وتفاعلهم (الإنترنتى) مع العالم المتقدم، وتجرعهم كؤوس المرارة الاحتقارية فى بلادهم وفى مواضع هجراتهم، ولأسباب أخرى يضيق المقام هنا عن استعراضها جميعاً، لكنها جميعاً هى أسباب (الثورة) الحالية، التى لا يعلم إلا الله، مداها.

وخلال الساعات الأخيرة (كتبتُ هذه المقالة فجر يوم الأحد الماضى) بدأت بوادر انفراجةٌ تلوح فى الأفق.. فقد احترم نائبُ الرئيس ورئيسُ الوزراء، الناس (لأول مرة منذ زمن طويل) وتحدَّثوا إليهم باعتبارهم مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، وعلى الحكام أيضاً واجبات، ولهم حقوق (الطاعة)، ما داموا يعملون لصالح الناس. وهو ما يعرف فى الفكر السياسى المعاصر، بنظرية: «العقد الاجتماعى».. وكان غريباً على مسامع الناس أن «يعتذر» رئيس الوزراء عن الممارسات البائسة التى منها إطلاق (البلطجية) والسجناء على الناس، لإشاعة الشعور بأن «مصر مستهدفة»..

وكان غريباً على أنظار الناس أن يروا دهاقنة الحزب الحاكم وكهنة النظام (الاحتقارى) قد تم اقصاؤهم عن كراسيهم التى اعتقد كثيرون أنها أبدية لا تزول إلا بالوفاة (مثلما حدث مع كمال الشاذلى).. وكان غريباً على عقول الناس أن يعرفوا مقادير الثروات التى بيد أقطاب النظام السابق، وهى مبالغ تفوق ديون مصر، وتكفى بأن تضاعف الميزانية العامة للبلاد عدة أضعاف.. وكان غريباً على نفوس الناس أن يستعيدوا احترامهم لأنفسهم كمصريين متمردين (لأول مرة) على البنية الاحتقارية.

وهذا هو المعنى الحقيقى، والأصيل، لـ«الثورة».