المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لقرية وآليات متجددة للمقاومة


محمود الديدامونى
06/24/2010, 09:07 PM
القرية وآليات متجددة للمقاومة
قراءة في شعر العامية
بقلم / محمود الديداموني

ربما يكون العنوان المطروح قد أراد أن نبحث في العملية التأثيرية للمكان على الإنسان ، ومدى التأثر بمعطيات ذلك المكان وقدرته على إنتاج الفعل وإحداث الديناميكية اللازمة لمواصلة الحياة ، ومن هنا نحاول الخروج من مكان ليس من منطلق ذلك الحيز الروائي الذي يرتبط بالأشخاص والأحداث والأطر المادية المكونة له ، بل سيكون الأمر أقرب للبحث فى المؤثرات الخفية والمعلنة لشبكة العلاقات الإنسانية ، لتنكشف أمامنا أهمية المكان ( لقرية ) فى شكلها المعقد ، حينما يلامس التفسير والتأويل مناطق تكون فيها الدلالة أكثر ارتباطا بالمكان وإيحاءاته ، وكأن المكان لا يكتسب أبعاده القصوى إلا إذا استرفد المكان ، واستخلص منه محمولاته الدلالية .
فالمكان هو ذلك الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه ، ولذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءا من أخلاقية وأفكار ووعي ساكنيه ، وعبر التاريخ يظل المكان هو القرطاس المرئي والقريب الذي سجل الإنسان عليه ثقافته وفكره وفنونه ، مخاوفه وآماله ، وأسراره وكل ما يتصل به وما وصل إليه من ماضيه ليورثه إلى المستقبل " 1 "..فبدون الانتماء إلى مكان يصبح الشاعر مسخا لا قيمة له فلسفيا وفكريا ، كون المكان هو الجغرافية الخلاّقة فى العمل الفني شعرا كان أم غيره من الأعمال الأدبية ..
ولأن الشعر يعد شعرا مكانيا فى ارتباطه بالبيئة التي أنتجته والإنسان الذي أبدعه ، فإننا هنا نبحث عن ارتباط حقيقي بين فكرة المقاومة وبين المكان ( القرية ) التي منحت مبدعها أو إنسانها تلك القدرة على فعل المقاومة ..
لا أريد الخروج بعيدا عن فكرة الترابط تلك بين الفعل والمكان ، لأن البحث فى المكان قد يأخذنا إلى آفاق أوسع وأبعد وأكثر تشعبا .. ولتكن القراءة لتلك النصوص التى هى لمبدعينا من شعراء الشرقية قراءة إشعاعية ..بمعنى أن لا نستغني عن الاستفادة من المعارف المختلفة ، وربما يكون القارئ أكثر مشاركة فى عملية إنتاج النص ... بما يتخيله ويقرأه من بين السطور والأبيات الشعرية ..
ولنا أن نبحث فى فعل المقاومة على بعض مستوياته الدلالية ، بمعنى أن لا نحده فى المقاومة للعدو ، ربما تكون المقاومة على المستوى النفسي ، وربما يكون الأمر معبرا عن الحد الأدنى للكلمة دلاليا كالامتعاض مثلا أو ما إلى ذلك من مضامين تتعلق بهذا الفعل دلاليا ..
" إن التعبير عن المواقف مجابهة للواقع، واتخاذ "موقف" إزاءه. لأن المجابهة تقتضي الإفصاح عن رأي، أو قرار، أو سلوك. عندها ندرك أن المواقف تشكيلات خاصة ضمن الواقع، تتضمن زمانا ومكانا يعطيان للموقف بعدا مأساويا، تتلون فيه المشاعر بحسب طبيعة الزمان والمكان. كما أن المجابهة لا تكتسب بعدها الإنساني التراجيدي إلاّ من خلال تشابك عناصر الموقف مع عنصري الزمان والمكان، في إطار وعي خاص باللحظة القائمة. لأنه :» على قدر وعي الأديب بالواقع الذي يعايشه، وإدراكه لطبيعة الصراعات والعلاقات فيه، يتضح موقفه الفكري إزاءه، وتتحدد فلسفته في التعبير الفني معه. فالموقف – إذن – ليس معطى خارجي صرفا، إنما هو من خلال التعبير الفني إنشاء ذاتي، لا يتكرر أبدا في ذات الصفة والشكل.ما دامت الإدراكات لطبيعة الصراعات تتبدل وتتغير تبعا لتبدل الوعي وتجدد أسس انبنائه. " 2"










د. محمود عبدالحفيظ " من فوق سطوح خمسين سنة "" 3 " :

يقول سمير الفيل عن د. محمود عبدالحفيظ فى ديوانه "من فوق سطوح خمسين سنة " عن الحياة ، وتقلباتها يكتب محمود عبدالحفيظ . عن عشق الأرض وأوجاع المواطنة يتحرك القلم في يد هذا المصري الأصيل الذي ما إن تطالع قصائده حتى يمسك هذا الفيض النوراني فتشعر أنك تعرف هذا الرجل تمام المعرفة . قد يكون خالك أو عمك أو أباك أو أنت ذاتك في مرحلة من تلك المراحل التي تتبرعم فيها الأحزان فلا يجد البشر بدا من لعق جراحهم ، والتغني بمواويل تعاتب الزمن ،وتنتظر الخلاص بصبر أيوب .. والحقيقة أن جل شعر د. محمود عبدا لحفيظ يحتفي بالمكان وبفعل المقاومة تحديدا .. لأنه يرى فى المقاومة حياة .. وما دامت القدرة على المقاومة .. إذن فهو حي ..
وأنا يستحيل ..
بعد الرايات الحمرا أرفع راية بيضا وارتمى ..
أو خلف أسواري القديمة أحتمي ..
أو كلما جف الصهيل ..
أجتر أحزانى وأقول : حان الرحيل ..
ويستمر الشاعر فى الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام ، هذه الروح التى جعلته يكتب ويستمر فى الكتابة ، تلك الصور المعبرة عن العناق عند الشاعر البطل بين الأمس واليوم ، وضرورة أن يكون الحاضر استكمالا لمسيرة الأمس الناجحة ، ليتسنى له عبور الحاضر إلى الغد بغير سقطات لحركة حياته ، هذا هو المنطق الذى انطلق منه الشاعر محمود عبدالحفيظ ليواصل مسيرة الحياة منتصرا على كل العقبات التى تعترضه ، لأنه فارس ، والفارس لابد أن يكون رابط الجأش .. هكذا عبر الشاعر هنا ، ونعود لديوانه " من فوق سطوح خمسين سنة "
يقول :
أوصيك يا أمه ف زمن ...
زادت قباحاته:
غنّي لي :
كان الولد فارد جناحاته ..
الصبح كانت ضحكته .. والدنيا ساحاته
طلعت عليه فى السّكة ندّاهة..
- ودّيني يا ابني فى الناحية دي ..
ودّاها ..
- عدّيني يا ابنى من الترعة دي ..
عّدّاها ..
وهو راجع لقى الترعة بتقلب دم
ميت الف إيد شدته..
والبوم عليه التم
ع البر كانوا كتير ...
لكن ما حد اهتم
ولما عم الضلام ... كترت مناحاته ..
من هنا يمكن الدخول لعالم د. محمود عبدالحفيظ الشعري .. مكانا وفعلا .. ومن خلال مجموعة من الوصايا يخاطب فيها أمه ( الرمز ) ليعبر بنا إلى مفازات الحياة التى يأملها له ولأمه ولقريته .. تلك القرية الوطن وكذلك الأم الوطن فكلاهما مرادف للآخر ..ويعلن موقفه ويجابه الواقع المرير الذي يعيشه بكل قوة فيقول :
" من أى عهد فى القرى تتدفق" ؟
وتنافق ؟
وتسيب ولاد ا(...) ياخدوك منّنا 0
مع أننا
احنا اللى بنحبّك ..
ومطلعين حبّك
وبنقرا فى كتبك
ماشييين على دربك
حبينا مين حبّك
وحاربنا من حاربك
لاخفنا من أيبك
ولا من الهكسوس00
يا أيها الممصوص
من الذى مصك ؟
العيب من فصك؟
أم أنّه فى السوس؟
هل يمكن أن نخرج من تلك المقارنات العميقة التي قدمها الشاعر فى هذا الديوان بين الماضي والحاضر كونه شاهدا على العصر .. وكونه أحد المفردات التي أثرت وتأثرت بالحركية الزمنية ، ومعطيات متجددة ومتطورة للقرية التي عاشها .. ولنقرأ معا هذا المقطع من نفس الديوان حين يقول معبرا عن حالة القرية عندما يهطل المطر :
لما نص الليل وجب
الفرن ساكن والكانون ..
ولا كهربا ولا يحزنون ..
والأغنيا همّ اللى تلقى عندهم ..
القش بالكوم والحطب
والحيط قديم ....
والعرش كان حبة جريد ..
مرمية فوق عرقين خشب
هل يمكن أن تكون هناك صورة وصفية للمكان أبلغ من هذا الوصف الذي يصل حد الدقيق الذي نلمحه بين ثنايا النصوص الروائية أو القصصية ، يرصد الشاعر بعدها صورة أخرى للحاضر ، وهو يؤكد أن الدنيا عندما تمنح لابد أن تأخذ .. وربما تأخذ أكثر مما تمنح فيقول :
دى لوقت لما البيت على وأصبح دورين ..
والبالكونات أربع جهات ..
وجنينة تشغى برتقال ..
رمان .. عنب ..
قال إيه تموت !!
والسؤال هنا ليس اعتراضا ، بل هو من قبيل التفكر فى حال هذه الدنيا ، يمنحنا الشاعر في هذا النص الشعري مجموعة من المقابلات الفلسفية بين الماضي والحاضر .. بين الموت والحياة .. بين المقاومة والاستسلام .. وهو يحن إلى الماضي ويمتح منه لينطلق إلى حاضر أفضل ، وينتصر على الموت بمحاكاة الحاضر والمستقبل ، فيقاوم ولا يستسلم فيقول موضحا حالة المعاناة التى عاشها : وقالت لى أمى ..
ما يشهد للعروسة إلا ..
لكن بصراحة يا كبدي كنت باسم الله ..
ثم الصلا ة على النبي
( ولا جرن إلا بعده فرن )
دار الزمن ..
وبدون إنذار قطع نحبي
ويستمر الشاعر فى توضيح الآلية التي منحته الحياة واستمراريتها من خلال آليات للمقاومة .. أنتجتها تلك الأم القروية التي اتضحت من خلال هذا النموذج الذي ساقه الشاعر بالأم المثال .. والمرأة التي لديها طاقة على مجابهة الألم والخوف والفقر والحسد متسلحة بتراكم معرفي من الزوج ( الأب ) ، إنها تدعو فى كل لحظة للمقاومة والفعل فيقول :
وقالت له أمي هربت بيكم ..
من عيون الفقر ..
والخوف ..
والحسد ..
علمنى أبوك إن الجسد ..
أول محطات الألم
والله أقسم بالقلم ..
قول كلمتك
طول نجمتك
وان حد حاول يمنعك ..
خزق عينيه ..
يا تبوس إيديه
يا تقول له ليه؟
وأعود إلى ذلك التمسك بالماضي من أجل مستقبل أجمل .. فربما يكون من الصعب العيش فقط فى الماضي بدون حاضر .. فالشاعر يعي الأمر برمته .. يتمسك بالماضي من خلال حاضر يمثله هو ومتطلعا لمستقبل يمثله الأولاد والأحفاد فيقول :
صعبان عليّ البيت ..
وغربة الحواديت ..
وحرقة العادة ..
صعبان علىَّ ابريق وسجادة
وركعتين لله
"يكبر انس وينول كل اللى يتمنى "
صعبان علىَّ تروحى ...واستنى ..
لا ضل يفرد على سكة ..
ولا ايديك
تاخدنى لمة ..
وتسيبنى لمة ..
وفين على اما يسيبونى
اختلى بيك ..
تلمى جرحى ..
وتلمى دمعى ..
وتلمى ياامة عيالى حواليك
ولنختم الحديث عن شعر د . محمود عبدالحفيظ عند هذا الحد .. لأنه بصراحة يحتاج إلى صفحات ودراسات كثيرة لاتساع رقعة الفن داخل نصوصه الشعرية ، و لا يمكن أن نختم بدون الاستشهاد بهذا المقطع من نفس الديوان فيقول :
مصري ..
ونيلك رغيف .. ( يا ما اطعم رغيفك ) ..
والانبيا ضيوفك ..
داير تصحى الخلايق فى ضلام الليل ..
نملكش إلا الرضا ..
والصبر..
والمواويل ..
والأغنية سيفك ..
والدق على كل باب ..
نبت ورود العشق فى كفوفك ..

******

أحمد حسن محمد
06/25/2010, 12:35 AM
دراسة جميلة، تستحق الاحترام والقراءة أيها الناقد القدير الأستاذ محمود..

عن قيمة المقاومة في الشعر القروي المرتبط بمكان القرية..

والزمان المتردد بين الماضي والحاضر والمستقبل

لكن لم أدرك صفة الجدة أو التجدد الذي تكرمتَ بذكره في العنوان في آليات المقاومة، فما ورد من معانٍ أحسبه موجودًا في قصائد شعرائنا المصريين الفصحى، وإن اختلفت الصياغة..

وكثير منه في عندما يتحدث الطمي لمطر

وعمومًا فهي دراسة رائعة

وأرجو أن تكملها لنا وتنشر بقيتها..

مع المحبة والاحترام

محمود الديدامونى
06/25/2010, 10:03 PM
شكرا لك مبدعنا البديع أحمد حسن
التجدد في المقاومة هناك تحولات مستمرة يختلقها الشعب ليقاوم سواء كانت المقاومة للعدو أو لظلم اجتماعى أو للرذيلة
إن الإنسان دائما في حالة صراع ومقاومة
ومن هنا سوف أورد ما تبقى من الدراسة ليتضح الأمر
شكرا لك قد قرأت بجد وحميمية معهودة يا صديقى الجميل