المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : محنة الرئيس


دكتور/ محمد فؤاد منصور
07/12/2010, 06:42 AM
محنة الرئيس
يظن أغلب الناس أن الرئاسة تحقق لصاحبها امتيازات خاصة تجعله يتميز عن بقية الناس ، بل تجعله المتحكم الوحيد في رقاب الناس وأرزاقهم .. وأنه الوحيد – بعد الله – الذي بإمكانه أن يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.. ذلك الظن في مجمله صحيح لولا أن للأمر جانباً آخر يلفت النظر إلى أن الرئيس وبمجرد تربعه على سدة الحكم فإنه ينزلق طوعاً أو كرهاً إلى قدر محتوم يجعله غير قادر على الفكاك من أسر الرئاسة والسلطة حتى لو أراد ذلك ومن ثم يصبح كمن سلك طريقاً بلا عودة أودخل باباً لايمكنه الخروج منه .
يحدث هذا تحديداً في بلادنا العربية ، بل لعله لايحدث إلا في بلادنا العربية كنتيجة طبيعية للحكم الشمولي وسيادة النزعة الفردية والغياب المخجل للديمقراطية كما يفهمها ويطبقها الغرب أو للشورى كما يدعو إليها الإسلام .
ولعل نظرة سريعة على الخريطة العربية تؤكد لنا أن عمق الأزمة وفداحتها واحد في كل بلدان العرب ، بل إن محنة الرئاسة واحدة في تونس كما هو الحال في تونس واليمن مروراً بليبيا ومصر والسودان .. فليس من باب المصادفة أن تكون كل تلك البلدان تنعم بنظم رئاسية أبدية محتمل تطورها إلى رئاسية أبدية وراثية كذلك .
ولعل سيناريو الرئاسات العربية يكاد يكون واحداً لايتغير ، إذ يبدأ عادة برئيس يصل مصادفة إلى كرسي الرئاسة أو عنوة عن طريق انقلاب عسكري يطيح بمن سبقه .. لكن بكل الأحوال فإن الرئيس حين يبدأ حكمه يكون سجله ناصع البياض سواء على مستوى آدائه الوظيفي كما حدث في مصر ،أو آدائه الثوري كما هو الحال في ليبيا والسودان .
لكن سرعان مايكتشف الرئيس الموظف والثوري على السواء ، أن تولي مقاليد الحكم في البلاد له آلياته التي يجهلها مهما بلغ تفوقه وتميزه في أعماله السابقة ، فهناك فرق كبير بين أن تعمل تحت رئاسة آخرين وبين أن تكون المتصرف الوحيد في البلاد والعباد دون مراجعة من أحد .. هنا تحديداً تكمن محنة الرئيس الذي يجد نفسه لأول مرة قادراً على أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في أمور لايعلم عنها شيئاً لأن لها سدنتها وحوارييها ، وهنا ينزلق الرئيس باختياره إلى الطريق المفروش بالابتسامات المهذبة والطاعة المؤكدة إلى حيث لايمكنه العودة من حيث أتى كما تسقط ذبابة تعيسة إلى خيوط العنكبوت الدقيقة والناعمة..
ففجأة يجد نفسه صاحب الكلمة العليا – او هكذا يصور له سدنة نظامه - في كل مايخص البلاد من أول التوقيع على صفقات السلاح وبيع المصانع وتشريد العمال إلى بيع أجزاء من أراضي البلاد ذاتها ، وفي كل الأحوال فإنه يشعر دائماً بالرضى لأن من حوله يصورون له الأمر وكأنه مصلحة عليا تقتضيها ظروف البلاد أو رفاهية العباد أو دواعي الأمن .. على حين أنها تكرس القطيعة الأبدية بين الرئيس ورعاياه وتلوث ثوبه الذي كان ناصعاً ..
يكتشف الرئيس أنه قد جاء وحده بسجل نظيف وانتهى به الأمر إلى أن صار جزءاً من نظام فاسد ، سد عليه المخارج كلها ولم يعد أمامه من حل سوى التشبث بالسلطة والدفاع عن النظام الذي ساقه إلى الخطيئة وغمره بالخطايا ...
هنا تبدأ مرحلة جديدة من التفكير في توريث الحكم لأحد أبنائه لاطمعاً في مزيد من المال أو الجاه وإنما خوفاً من سقوط النظام الذي صار راعياً له والذي أحكم قبضته عليه من حيث أظهر له الاحترام والتبجيل ، وخوفاً من مواجهة حتمية قد تفتح الملفات التي يحرص على إحكام غلقها في حياته وإن استطاع بعد مماته.
يكتشف الرئيس كذلك - وهو مالك كل شئ – أنه ليس حراً تماماً حتى فيما يخصه ، فهو لايستطيع أن يلقي خطاباً عاماً ولايمكنه ركوب سيارة غير مصفحة ، ولايمكنه التلويح بيديه للجماهير لأنه عادة ليس ثمة جماهير ، إن كل شئ يخصه مرسوم بدقة تجعله بعيداً تماماً عن الشعب الذي يحكمه ، والحجة الأبدية والدائمة هي أمن الرئيس وكثرة الأعداء ، ولن يدعه المحيطون به يشعر بتأنيب الضمير فالشوارع خالية من الجماهير تماماً وبالتالي فلاضرورة للتلويح ، والبيوت والعمائر التي يمر أمامها تبدو كبيوت الأشباح لأن الأمن يحتلها ويمنع ساكنيها من الظهور في الشرفات حتى جنود الأمن المركزي الذين يصطفون في طريقه تكون ظهورهم ناحيته ووجوهم ناحية الأعداء المحتملين الذين قد يهاجمون الموكب في أي نقطة ..
إنه باختصار يحكم شعباً من الأعداء ولذلك فعليه أن يحكمه من بعيد لبعيد .
تلك هي محنة كل الرؤساء في منطقتنا العربية تقريباً ، ولأن العقلية العربية يحكمها منطق القبيلة فإن النظم الملكية تكون أقرب وأنسب لشعوب لم تتعود سوى على السمع والطاعة ، فالديمقراطية على النسق الغربي أكذوبة كبرى لأن شعوبنا لاتستسيغها ولاتعرف آليات تطبيقها وستظل تفرز لنا على الدوام ملوكاً في إهاب رؤساء.

ناديةالملاح
07/12/2010, 06:46 AM
مميزٌ ماطرحت سيدي

هي فعلاً محنةٌ لا خروج منها إلأا بالدخول في ما هو أسوأ، وكثيرون من أطراف المعارضة ينادون بتغيير الحاكم وتنصيب أحدهم في مكانه، فإذا ماحدث وتغيّر الحاكم، انتقلت المشاعر نفسها أوتوماتيكيًّا وكأنّ الحقد والضغينة والكره والنكران حكرٌ على من يعتلي عرش الحكم

الأغرب من ذلك أننا في بلادنا العربية بالذات نصنع التماثيل والأساطير وما أن تتهدم حتى نكون أول الراكضين لرجمها، نخلق ما يوازي أهواءنا التي لا وجهة لها ولا هدف سوى أن نعترض

سيدي
راق لي الموضوع وطرحك الماتع له
وقد أعود عما قليل


صباحك مودّة

دكتور/ محمد فؤاد منصور
07/12/2010, 06:12 PM
عزيزتي الراقية نادية الملاح
شرفت صفحتي بوجودك ، هي محنة كما قلت سيدتي ، وماتفضلت به من تعليق صحيح تماماً ، نحن نصنع أصنامنا ثم نحطمها بعد ذلك ، أو ربما نحن لانعرف ماذا نريد بالضبط ربما لغياب النظم الواضحة والقواعد الثابتة التي تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم .. عندنا في مصر على سبيل المثال كانوا يضعون لافتة على كل قسم شرطة تدعي أن الشرطة في خدمة الشعب ، فلما صار الشعب يكره أن يذهب إلى أقسام الشرطة لسوء المعاملة التي يلقاها هناك ، قرروا تغيير الشعار إلى " الشرطة والشعب في خدمة سيادة القانون " ولما صار القانون الساري هو قانون الأهواء صار المطبق فعلياً شعار " الشرطة والشعب والقانون في خدمة سيادة الرئيس "
صباحك أبيض .. ومودة لقلبك.

زينة عادل
07/12/2010, 07:59 PM
دكتورنا الحبيب محمد

أوتعلم حينما قرأت نصك دون قصد مني خرجت تنهدات كثيرة ربما لأنك وضعت اصبعك على الجرح فنزف دماً وخرج صديدا

تذكرني بفلم مصري لخالد زكي اسمه طباخ الريس اظهر الكثير من الامور الواقعية التي تحدث عندنا

لن اطيل عليك يا غالي لكن ما أقوله أعان الله الرئيس في كل البلدان العربية وعليه اختيار البطانة الصالحة ليصلح أمره ويصلح شأن دينه ودنياه

قال تعالى: ‏{‏لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا‏)

والحديث الاخر (حَدَّثَنَا أَصْبَغُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ

عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيٍّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ

وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى

فنسأل الله أن يلهمهم اختيار البطانة الصالحة لتصلح الأمة الاسلامية فقد تعبنا ورب الكعبة


لقلبك باقات من الجوري

دكتور/ محمد فؤاد منصور
07/13/2010, 06:42 AM
سندريللا الحكايا وزينتها
زينة عادل
أشكرك على وجودك بمتصفحي لإثراء النقاش حول الموضوع فالطاولة كما أرى هادئة تماماً .. ويبدو أن لاأحد يرى أن الرئيس يمكن أن يكون في محنة .. أشكرك على شجاعة التعليق ..
مودة لقلبك.

زينة عادل
07/13/2010, 09:37 AM
بل يا دكتورنا الحبيب أنت وضعت يدك على الجرح فنزّ من الدم والصديد

والجميع بات له عائلة يخاف عليها ويخاف على لقمة العيش

فنحن هنا تعودنا أن هناك خط أحمر فلا نتكلم والصمت واجب وأولى وإلا أصبحت أرهابي بتهمة استخدام لسانك بطريقة غير شرعية

لقلبك كل الجوري

مريم علي
12/24/2010, 03:47 AM
فليس من باب المصادفة أن تكون كل تلك البلدان تنعم بنظم رئاسية أبدية محتمل تطورها إلى رئاسية أبدية وراثية كذلك .

لكنها قد تكون مصادفة أن تخرج من بين ألوف العائلات في بلد معيّن عائلةٌ واحدة لا ثانيَ لها تنال رضى الشعب بالإجماع...!

بعد قراءة هذا المقال، يحضرُني القول أن من لا يملك شيئاً هو سيّد نفسه
لا يملك ما يخسره إذن لا يخضع لأيّ تهديد وهو حرٌ حقيقي-
وهذا في الواقع سرّ السّعادة أن يكون المرء سيّد نفسه لا عبداً لها
أما من نال شهرةً وسِعةً وسلطاناً فإن لم يروّض ذاته / وإخضاعُها يتنافى مع الطبيعة البشرية
ستسوده هذه الأهواء ليكون عبداً يصلّي، يركع ويسجد لها على الدوام
فهو في محنة لأن هاجسه ينحصر في الحفاظ على هذه القدرات..
فكيف بها إن كانت واسعة النطاق تكاد تساوي حجم بطنه وتفوق حجم عقله أضعافاً..؟؟

مع تحفّظي على كثرة ورود لفظ (العربي/العربية) إذ حالُ الغرب ليس بأفضل منا
رغم أن الحكم عندهم لا يكون وراثياً ويُخيَّل للسيد المواطن أن الديمقراطية هي الحاكمة
إلا أن الفرق في الحالتين هو المَشاهد عندنا مفضوحة وعندهم خلف ستار .. ويبقى رئيسهم كما رئيسنا في محنة..!

العزيز د.منصور،
لكَ تحيّة بعبق الورد
وكثيرٌ من الودّ