محسن العويسي
09/02/2010, 12:35 PM
المتنبي على لسان الجواهري
مهدي محمد علي
تحدى الموتَ واختزلَ الزمانا=فتىً لوّى من الزمنِ العِنانا
فتىً خبطَ الدُنى والناسَ طُراً=وآلى أن يكونَهما فكانا
من الوهلة الأولى، حتى التأمل العميق، ظللتُ، وأنا أدرس هذه القصيدة مذهولاً أقول: كيف يمكن أن يكون هذان البيتان مطلعاً لقصيدة، أو مدخلاً لموضوعها مهما يكن.. مدحاً، أو رثاء، أو تأملاً، أو تأريخاً، أو ما شابه ذلك، أو حتى ما خالف ذلك.. مطلعاً لقصيدة عدادها ثلاثةٌ وثمانون بيتاً (!!) إذ ليس ثمة ما يشعر بكون هذين البيتين مطلعاً سوى التصريع في الأول منهما.
كيف يكون مطلع قصيدة طويلة كهذه مفاجئاً، ومتفجّراً هكذا، من أول وهلة، ومحتدماً؟!
كيف يكون المطلع هكذا، ولدى الشاعر عشرات الأبيات القادمة؟!
ثم إذا كان الشاعر يبدأ بمثل هذا المطلع المتفجّر، فماذا تُراه سيفعل في ما يلي ذلك من أبيات..
إنني أقول ذلك قصداً وعمداً من أجل ما أحسستُ به من حميمية بين الصنوين العظيمين: متنبِّينا وجواهريِّنا.. إذ المطلع ينبئ ـ قبل أي كلام ـ بأن القائل والمقول عنه متلاحمان حدَّ التفجّر، وأن القائل ينحو، منذ البدء، نحو التماهي الخارق، رغم إطار الإشادة والمديح، إذ أن كل ما يرد وصفاً أو مديحاً للمتنبي على لسان الجواهري، هو وصف ومديح للجواهري ذاته.. ولا أريد ـ هنا ـ أن أشدّد على هذه الوجهة، فهي ـ إذا صحّت ـ أمر سيكولوجي المنشأ عند الجواهري، مثلما هي عندي باعتباري متذوقاً ومحللاً، وذلك أمر غير ملزم لأحد سواي، وسوى النص.. نص الجواهري.
.. ونعود ثانية، وعلى نحو من الموضوعية النقدية، إلى ذلك المطلع العجيب.. المطلع المفاجئ والمتفجّر منذ الكلمة الأولى وكأنْ لا بيتَ بعده، ولا كلام.. «تحدّى».. ثم «الموت».. ثم «الزمان» وعنان الزمان!
أيكون ذلك خلاصة مثل المقدمة، أو هو «فَرْشُ الكتاب» كما اعتاد أسلافنا أن يقولوا، ثم يأتي بعده التفصيل؟! إن ذلك ممكن ووارد، ولكنه لن يطفئ تساؤلنا الإبداعي حول هذا المفتتح العجيب لقصيدة تجاوزت الثمانين بيتاً، إذ غالباً ما يكون الافتتاح لقصيدة كلاسيكية طويلة بالغزل التقليدي، أو بالحكمة، أو بالوصف.. أما أن يكون المفتتح هكذا، وبهذا البيت، فماذا ـ إذن ـ سيكون، بعد هذا التفجر الخارق والهائل، من كلام في أكثر من ثمانين بيتاً؟!
أقول هذا، ومازلت لم أتطرق إلى ثاني البيتين في هذا المطلع:
فتىً خبطَ الدُنى والناسَ طُراً=وآلى أن يكونهما فكانا
إن مفردات هذا البيت الثاني لا تقلّ خطورة عن مفردات البيت الأول، بل إن مضمون هذا البيت إنما هو تصعيد بعيد المدى لما ورد تمهيداً في البيت الأول الذي اعتبرناه تفجيراً مفاجئاً، ندر أن يأتي في المطالع عموماً، فكيف يأتي هكذا في مديح للمتنبي الذي ندر عنده أن يمدح بدون الغزل، رغم أنه فوق الغزل (فيما هو سيّد الغَزِلينَ شعراً)؟!
كيف إذن يكون ما كان لمحمد مهدي الجواهري، وهو يخاطب صنوه المتنبي، مادحاً بعد ما يزيد على الألف عام؟.. كيف يخاطبه هكذا، وبلا مقدمات.. بل نقول كيف يحكي عنه، وفي قصيدة طويلة كهذه، بلا مقدمات، ولا غزل، ولا ما شابه.
أليس في ذلك مدعاة للقول بأن (فتى الفتيان.. المتنبي) هو في نظر صنوه الجواهري، شاعر فوق الغزل التقليدي:
أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتيّمُ!
ألم يقلها المتنبي؟ فهل يغفلها الجواهري، حتى لو أغفلها خلق الله أجمعين؟!
إن الجواهري يفجّر نفسه على نحو تفجير المتنبي لروحه، فيوقع فأسَ الإبداع المراد في جذع المعنى المراد.
ونمضي مع شاعرنا.. بل نحن ماضون مع الشاعرين: الجواهري والمتنبي.. بل مع المتنبي على لسان الجواهري الذي يتابع ذلك التفجر المقصود، ودون مقدمات.. يتابعه قائلاً:
أرابَ الجنَّ إنسٌ عبقريٌ = بوادي (عَبقَرَ) افترش الجنانا
إن انتقال الجواهري إلى هذه الصورة ـ المعنى يأتي امتداداً طبيعياً ومدهشاً لما ورد في بيتي المطلع، ذلك أن الذي «تحدّى الموت» والذي «اختزل الزمانا» والذي «لوّى» عنان الزمان، والذي «خبطَ الدنى والناس» والذي قرر أن يكون الدنى والناس، فكان له ذلك.. إن هذا الذي حقق كلّ ما تقدم، لا يكون مكانه، إذن، إلا (وادي عبقر)، ولكنه بدلاً من أن يكون في «رعاية» الجن في (عبقر) صار جنُّ ذلك الوادي في «ريبة» منه، هو الإنسيّ، لما له من عجائب أدهشَتِ الجنَّ وأدخلتْهم في «الريبة».. فيروح الجواهري يهزج بما صار يلقاه (أبو محسَّد) وينعم به في وادي العبقرية:
تطوفُ الحورُ زِدْنَ بما تغنّى = ـ وهنّ الفاتناتُ ـ به افتتانا
وبعد ذلك ـ وعبر سبعة أبيات ـ نرى (حور عبقر) قد «ضفرن جدائلاً» و«.. ناوَحْنَ عوداً..» و«صَفَفْنَ له المشارب..».. و«ذوَّبْنَ اللُغى..» إلى آخر ما في ذلك من ترحاب يليق بمن «أرابَ الجِنَّ»!
ثم يأتينا المورد الأول من قصيدة الجواهري عن المتنبي، مَورداً «غير مصَرَّع» مثلما ستأتي كل الموارد حتى نهاية النص.. إنه يقول عن المتنبي قول الشاعر المتماهي في عبقرية الإنسي الذي أراب الجن:
دماً صاغَ الحروفَ مجنَّحاتٍ = رهافاً، مشرئباتٍ، حسانا
إنه مورد اعتيادي فيه تمهيد، على الرغم من الوقع السيئ لكلمة «الدم» هنا! ويستمر الجواهري في تأسيس المورد الذي يُعنى بالحروف التي عالجها المتنبي، فيمضي في القول:
فُوَيقَ الشمسِ كنَّ له مداراً = وتحت الشمس كنَّ له مكانا
وآبَ كما اشتهى يشتطُّ آناً = فيعصفُ قاصفاً ويرِقُّ آنا
وفي حاليه يَسحَرنا هواهُ = فننسى عبر غمرتهِ هوانا
.. بعد هذا التغني بمواهب (أحمد) في اللغة وشعرها، لا يجد الجواهري لشاعره إلا القول:
فتىً دوّى مع الفلكِ المدوّي = فقال كلاهما: إنّا كلانا!
إنه ـ حقاً ـ لبيت عجيب، وإنه لأعجب خاتمة لمورد قصير في قصيد طويل.. وإنه لبيت فريد في ما هو موقَّع لصالح أمور عديدة، رغم كونها باسم (فتى الفتيان.. المتنبي).
.. ترى كيف يكون دويُّ الفتى؟ ثم كيف يكون هذا الدويّ موازياً لدويّ الفلَك، أو متناغماً معه؟.. إنهما يتماهيان: دوي المتنبي مع دوي الفلَك (الكون)، حتى يقولا كلاهما: «إنّا كلانا»! إنه التصعيد المثالي والمدهش الذي يكاد أن يُخرجَ هذا البيت من مضمار المديح، ليضعه في مضمار ظاهرة طبيعية أو تكاد، رغم أنها في منتهى الخيال، ونحن هنا لا نملك إلا «الدهشة الموافِقة» إزاء تعبير لغوي غير مسبوق، بل هو نتيجُ خيالٍ خارق، استخدم أبسط صياغة للجملة الاسمية: «إنا كلانا» التي هي صحيحة لغوياً، غير أنها مخالفة، على نحو خارق، للمنطق وطبيعة الأشياء والأحياء.. فكيف ـ إذن ـ نتعقّب هذا البيت الطائر حتى لانهاية الخيال، والمستقرَّ حدَّ وضوح الجملة الاسمية النموذجية (مبتدأ وخبر).
إن هذا البيت ليضعنا في محنة نرضاها بنشوة لانهائية، وحيرة محبَّبة، بين عظمة المتنبي الذي استحقّ هذا الوصف، وعظمة الجواهري الذي اجترح هذا التعبير.. إن هذا البيت الشعري العربيَّ لآيةٌ أشدُّ وقعاً في نفسي من الخسوف والكسوف، لأن كلا الأخيرين ظاهرة طبيعية، بينما الحال مع بيت الجواهري هذا هو كونه ظاهرة خيالية خارقة، تمظهرت من خلال الصيغة اللغوية الأبسط، والنحوية الأيسر، ولكن كيف تحمّلت حروف المباني وحروف المعاني في هذا البيت ما تحمل من كل ما تقدّم من دهشتنا؟!
ترى أيّ زند قدحه الجواهري فجاء هذا التعبير؟!
وأيةُ مخيلة طرقَتْهُ، أو طرقَها.. أم أنهما (المخيلة والجواهري) قد تطارقا، فتماهيا، فكان هذا المنجز المدهش.. هذا التعبير الموطَّأ له بالقول:
فتىً دوّى مع الفلَكِ المدوّي
وتلك توطئة مدهشة بحد ذاتها، ولا يباريها، ولا يبزّها سوى:
فقال كلاهما: إنّا كلانا!
* * *
يحسُنُ بنا ـ الآن ـ أن نشير إلى «ظاهرة» معروفة في شعر المتنبي، ألا وهي فخر المتنبي، متى مدح ممدوحاً مهما يكن، وعلى رأس ممدوحيه (سيف الدولة) الذي هو ما هو في تجربة المتنبي وتاريخ العرب والمسلمين، ولكن الجواهري، في هذا النص، يجترح خطوة غير معلنة، ولكنها محسوسة، فتكون كل أبياته مدحاً للمتنبي، فيما تتضمن معظمها فخراً بالنفس، ولكنه ـ وكما أحسسته ـ فخر خفيٌ، ودودٌ، وفيه فيض من محبة:
فيا ابن «الرافدين» ونِعمَ فخرٌ = بأنّ فتى بني الدنيا فتانا
المتنبي هو ابن الرافدين، مثلما هو الجواهري.. وكلاهما مفخرة لنا ـ نحن أبناء العربية ـ تالِداً وطارِفاً.. إن حرارة المدح هنا، من حرارة الفخر عند الجواهري، والعكس صحيح، إذ حرارة الفخر، أججت عمق المحبة التي يحسها إزاء سلفه العظيم، بل يمكننا القول إن الجواهري الذي يقول روحه من خلال المتنبي، إنما يقولها للمشتَرَك الذي بينهما.. المشترَك الذي تعمّق بعد إرهاصات ألف عام من الانتصار والاندحار، فكان المشترك أعمق بألف عام، حصة المتنبي منه محفوظة بما بلغته حوادثه المعاصرة وبلاغته المعبّرة. أما حصة الجواهري فهي باهظة بما جرى بعد أبي الطيب، وبما رآه الجواهري، ساكن القرن العشرين طولاً وعرضاً.
* * *
.. ويتابع الجواهري سيرة روح المتنبي، عبر سيرة روح الجواهري الحاصلة بعد أكثر من ألف عام، فيقول وكأنه يخاطب نفسه بالخشوع ذاته، وهو يخاطب أبا الطيب:
حَبَتْكَ النفسُ أعظمَ ما تحلّتْ = به نفسٌ مع المحنِ امتحانا
وذقتَ الطعمَ من نكباتِ دهرٍ = يَمُدُّ لكل مائدةٍ خُوانا
وجهّلكَ المخافةَ فرطٌ علمٍ = بكُنهِ حياةِ من طلبَ الأمانا
وأعطَتْكَ الرجولةُ خَصْلتَيْها = مع النوب: التمرّسَ والمَرانا
فكنتَ إذا انبرى لكَ عنفوانٌ = من الغمراتِ أفظعَ عنفوانا
إنه (الجواهري) يفصّل في روح المتنبي وتجربته ومعاناته تفصيلاً واجباً، تفصيلاً ينطبق على روح أبي فرات الجواهري، وتجربته ومعاناته انطباقاً مؤثراً، حتى يختم المورد ببيت يجعل الطودين يعتنقان:
وكنتَ كِفاءَ معمعةٍ طحونٍ = لأنّكَ كنتَ وحدَكَ مَعْمَعانا
هذا ما كان من أمر المتنبي، وهو الذي كان من شأن الجواهري، وربما كانت حصة الجواهري من ذلك مضاعفة وأشد مرارة، لأنه عاش مقدار عمرين من عمر المتنبي، وكان الجواهري بحد ذاته معمعاناً منذ عشرينات هذا القرن العشرين.. منذ خرج من (النجف) كمن يخرج من الكوفة «الحمراء»، كوفة المتنبي.. الكوفة التي ورثها الجواهري من المتنبي، كما لم يرثها أيُّ شاعر فراتي المشرب غيره. صحيح أن الجواهري نجفي، ولكن خروجه من النجف كان مثل خروج المتنبي من الكوفة، فكلاهما غادر مكانه، وهو في عهد الفتوة، وكلاهما لم يعد إلى مكانه، لأنه مطلوب حيث تكون المعمعات. ومثلما كان المتنبي لا يمدح إلا عن قناعة، كان الجواهري كذلك، مهما يكن رأينا حول تلك القناعة، أو حول أولئك الممدوحين.. إن الجواهري، عندي، كوفيُّ المزاج، كوفي الشعر، كوفي الثورة، إذ لا اعتراض على من يقرنه ـ أو يقارنه ـ بالمتنبي الكوفي مزاجاً وثورة وإبداعاً.
.. ويتابع الجواهري نشوته في مخاطبة أبي الطيب، مثل نشوةِ مَنْ يحدّث نفسه:
أسَلتَ الروحَ في كَلِمٍ مَواتٍ = فجلّى غامضٌ منها وبانا
وطاوعَكَ العَصيُّ من المعاني = وكم غاوٍ ألحّ به فخانا
ولا شك أن أبا فرات، وهو يقول الشطر الأخير، كانت تلحّ عليه صورٌ من منافسيه غير الجديرين بمنافسته، بل هم كأولئك الحساد الذين كان يضيق بهم أبو الطيب حين قال:
أنام ملءَ جفوني عن شواردها = ويسهرُ القومُ جرّاها ويختصمُ
والأكثر إيجاعاً من أولئك هم الزعانف، أدعياء الشعر الذين شكا منهم أبو الطيب قائلاً:
أفي كل يومٍ تحت ضِبْني شُوَيعِرٌ = ضعيفٌ يقاويني، قصيرٌ يُطاولُ
لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ = وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازلُ
وأتعَبُ مَنْ ناداكَ من لا تجيبهُ = وأغيظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ
وما التّيهُ طبّي فيهمو غيرَ أنني = بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
.. ولكن دعونا من هذا الاستطراد ـ على أهميته ـ من أجل المضي مع أبي فرات، وهو يماشي روح أبي الطيب قائلاً:
فكم من لفظةٍ عَفٍّ حَصانٍ = سحَرْتَ بلطفِها العَفَّ الحصانا
فيا للجواهري من معبّر خارق، عن روح مبدع خارق، يتجلى من خلال هذا البيت المدهش في البناء، والذي يقول لنا إن ثمة لفظةً عفيفاً يستخدمها المتنبي على نحو من اللطف الخارق بحيث تَسحَر المرأة العفّ الحَصان، وتستخفها، فتخرجها من وقارها.
تُرى كيف يتأتى اللفظ الوقور أن يخرج الإنس الوقور من وقاره؟!
لا شك أن جواب ذلك ليس بالأمر الهيّن، بل الهيّن في هذا الشأن هو أن نستعير قولاً للجواهري ذاته، حين يسعفنا في المورد نفسه، مفسراً ومجيباً عن تساؤلنا، بقوله:
وسرُّ الخَلقِ ذهنٌ عبقريٌّ = أتى حَجَراً ففجّره بيانا
لغاية هذا البيت الذي يحمل الرقم (30) في قصيدته، والجواهري مازال ماضياً في التغني ببلاغة المتنبي، غير أنه لن يظل ماضياً هكذا، إذ ليس الجواهري «البليغ» يُعنى بالبلاغة من أجل «البلاغة»، مثلما هو الأمر مع سلفه المتنبي، لذا فإننا نرى أن المسار في قصيدة الجواهري هذه، ينتقل من «سحر الكلام» إلى «حرارة الموقف»، وشرفه العالي. نرى كيف ينفض الجواهري «غبار البلاغة»، من أجل «غبار الموقف» العنيد الذي اجترحه المتنبي، ويتبناه الجواهري (وقد اجترح أمثاله)، فيخاطب خَدنَه أبا المحسَّد ببلاغة أخرى، فنراه قائلاً، منشداً، ومنتشياً:
ويا ذا «الدّولةِ» الكبرى تعالتْ = ـ وقد سحَقَ البلى دولاً ـ كيانا
بحَسبِكَ أن تهزّ الكونَ فيها = فتستدعي جَنانَكَ واللسانا
وأن تُطري الشجاعةَ في شُجاعٍ = فتُعجِبَ ـ حين يُعجبُكَ ـ الجبانا
وأن تعلو بِدانٍ لا يُعَلّى = وأن تَهوي بِعالٍ لا يُدانى
بعد هذا يتساءل شاعرنا تساؤلاً استنكارياً، وبالمحبة الشديدة:
فماذا تبتغي؟ أعلوَّ شأنٍ؟!= فمن ذا كان أرفعَ منكَ شانا؟!
ويمضي الجواهري مخاطباً مادحاً، مثلما هو الراوي والمعاتب، فيدخلنا في التفصيلات الأخطر في حياة المتنبي، وكيف صار «الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعان» أمراً مصيرياً بالنسبة لأبي المحسَّد:
ولما استيأسوا من مُستَميتٍ = فلا أرضاً أراح ولا ظِعانا
ولا أبقى على صَعَداتِ رمحٍ = ولا أعفى من الفَرسِ اللَّبانا
أناروا خلف رحْلِكَ عاوياتٍ = ضباعاً تستفزُّ الدّيدَبانا
إن الجواهري ينتقل بنا انتقالة نوعية في موضوعه، إذ يتصاعد الزخم الدرامي في ما يريد إثارته من موضوعات ساخنة: هناك في أيام أبي الطيب، في القرن الرابع للهجرة، وهنا في أيام الجواهري، أواخر السبعينات من القرن العشرين، فينتصر له قائلاً:
فكنتَ الحتفَ يدركهُم عبيداً = وأرباباً إذا استوفى وحانا
بعد هذا الانتصار المدحي المنتشي، يدخل الجواهري، ويُدخلنا معه في حماسةِ المُوجَع بما يجري في دهرنا الحاضر، ولا سبيل ـ من شدة البلوى ـ إلا باللجوء إلى أمثال المتنبي، بل المتنبي بالذات، وهذا الأمر بقدر ما يحمل من المديح للمتنبي، والاعتزاز به، فإنه يحمل، في الوقت ذاته، مقدار هشاشة ما نحنُ فيه:
تَمَنَّ أبا المحسَّد تَغْلُ فينا = مطامحنا وتستشري مُنانا
وضَوِّ لنا، فقد تِهنا ضَياعاً = وخِبَّ بنا فقد شلّتْ خطانا
وأدْرِكْنا فقد طالتْ علينا = مقاييسٌ قصُرْنَ على سوانا
وقد غُصْنا فلا الأعماقُ منّا = ولا نَسَمٌ يهبُّ على ذرانا
وقد شمَخَتْ ملاعبنا علينا = وقد أكلَتْ أباطحُنا رُبانا
إن الجواهري يجسد، في ما سبق من أبيات، حال العارف بكل شيء، والعاجز عن أي فعل.. العاجز حدَّ التخبّط: «تمَنَّ أبا المحسَّدِ تغلُ فينا..» تليها أبيات لا تدل إلا على عجزنا: «ضوّ لنا.. أدرِكنا..».
إنه الاستنهاض الذي جوهره الشكوى وقلة الحيلة، وهو ترجمة لما آلت إليه أمة العرب من التمزق والضعف:
مضَتْ حِقَبٌ وهنّ ـ كما تراها ـ = فقاقيعٌ، ونحنُ كما ترانا
تمزَّقْنا دُوَيلاتٍ تلاقَتْ = بها الراياتُ ضَماً واحتضانا
تُرَقَّعُ رايةٌ منها بأخرى = وتستبقي أصائلُها الهجانا
وتكذِبُ حين تصطفقُ اعتناقاً = وتصدقُ حينَ تفترقُ اضطغانا
وتفخرُ أنّها ازدادتْ عِداداً = وتعلمُ أنها ازدادتْ هَوانا
.. ولا تظنّنَّ الجواهري الكبير قد غاب عن ذهنه أن أمة العرب والإسلام، أيام أبي الطيب، لم تكن إلا دويلات، ولكنه ـ لا شك ـ يستحضر، في ذهنه ذاته، دولةَ الحمدانيين وآلاءها في الدفاع عن الأمة في وجه الروم الطامعين في فيئها الممزَّق!
إن شاعرنا يصرّ بأن لا أملَ بأحد ما في هذا الزمان، لذا فهو يستنجدُ بذلك الذي في الزمان الماضي.. ذلك الذي أثاروا خلف رحله الضباع العاويات، فكيف له أن يُنجدنا؟! إنها ـ إذن ـ الصرخة التي لابد منها.. الصرخة التي يطلقها الجواهري ـ المتنبي الذي يصرّح بأنه ابن الكوفة:
أنا ابنُ كوفتك «الحمراء»!
إنه الشاعرُ المُعنّى، المُضطرُّ لأن يقول:
حلَفْتُ أبا المحسَّد بالمثنّى = من الجبروتِ والغضَبِ المعانى
وبالسُّلَعِ النوافرِ في عُروقٍ = كأنّ بكلّ واحدةٍ سنانا
وبالوجهِ الذي صبَغَ الرزايا = ببسمةِ ساخر، فقسا ولانا
بأنّك مُوقدُ الجمراتِ فينا = وإنْ كُسِيَتْ ـ على رغم ـ دخانا
ثم يؤكد مأساتنا ويأسه بقوله مخاطباً روح من يستأنس بروحه:
تُنفِّضُ ما تلبَّد من كرانا
وأنّك سوف تُبعَثُ من جديدٍ = تُنفِّضُ ما تلبَّد من كرانا
إن الجواهري يهزّ أبا الطيب، من أجل أن يهزَّنا، كي نحسّ ونشعر، فننهض. إنه يطلب من المتنبي أن يستنهضنا، ويعرّفنا بما يمكن من مصيرنا إذا ما عرفنا قدْرنا.
.. وأخيراً، لا يستطيع الجواهري إلا أن ينهي قصيدته ببارقة الأمل المبتغى، مخاطباً صنوه المتنبي:
وأنّا أمةٌ خُلِقَتْ لتبقى = وأنتَ دليلُ بُقياها عَيانا
مهدي محمد علي
تحدى الموتَ واختزلَ الزمانا=فتىً لوّى من الزمنِ العِنانا
فتىً خبطَ الدُنى والناسَ طُراً=وآلى أن يكونَهما فكانا
من الوهلة الأولى، حتى التأمل العميق، ظللتُ، وأنا أدرس هذه القصيدة مذهولاً أقول: كيف يمكن أن يكون هذان البيتان مطلعاً لقصيدة، أو مدخلاً لموضوعها مهما يكن.. مدحاً، أو رثاء، أو تأملاً، أو تأريخاً، أو ما شابه ذلك، أو حتى ما خالف ذلك.. مطلعاً لقصيدة عدادها ثلاثةٌ وثمانون بيتاً (!!) إذ ليس ثمة ما يشعر بكون هذين البيتين مطلعاً سوى التصريع في الأول منهما.
كيف يكون مطلع قصيدة طويلة كهذه مفاجئاً، ومتفجّراً هكذا، من أول وهلة، ومحتدماً؟!
كيف يكون المطلع هكذا، ولدى الشاعر عشرات الأبيات القادمة؟!
ثم إذا كان الشاعر يبدأ بمثل هذا المطلع المتفجّر، فماذا تُراه سيفعل في ما يلي ذلك من أبيات..
إنني أقول ذلك قصداً وعمداً من أجل ما أحسستُ به من حميمية بين الصنوين العظيمين: متنبِّينا وجواهريِّنا.. إذ المطلع ينبئ ـ قبل أي كلام ـ بأن القائل والمقول عنه متلاحمان حدَّ التفجّر، وأن القائل ينحو، منذ البدء، نحو التماهي الخارق، رغم إطار الإشادة والمديح، إذ أن كل ما يرد وصفاً أو مديحاً للمتنبي على لسان الجواهري، هو وصف ومديح للجواهري ذاته.. ولا أريد ـ هنا ـ أن أشدّد على هذه الوجهة، فهي ـ إذا صحّت ـ أمر سيكولوجي المنشأ عند الجواهري، مثلما هي عندي باعتباري متذوقاً ومحللاً، وذلك أمر غير ملزم لأحد سواي، وسوى النص.. نص الجواهري.
.. ونعود ثانية، وعلى نحو من الموضوعية النقدية، إلى ذلك المطلع العجيب.. المطلع المفاجئ والمتفجّر منذ الكلمة الأولى وكأنْ لا بيتَ بعده، ولا كلام.. «تحدّى».. ثم «الموت».. ثم «الزمان» وعنان الزمان!
أيكون ذلك خلاصة مثل المقدمة، أو هو «فَرْشُ الكتاب» كما اعتاد أسلافنا أن يقولوا، ثم يأتي بعده التفصيل؟! إن ذلك ممكن ووارد، ولكنه لن يطفئ تساؤلنا الإبداعي حول هذا المفتتح العجيب لقصيدة تجاوزت الثمانين بيتاً، إذ غالباً ما يكون الافتتاح لقصيدة كلاسيكية طويلة بالغزل التقليدي، أو بالحكمة، أو بالوصف.. أما أن يكون المفتتح هكذا، وبهذا البيت، فماذا ـ إذن ـ سيكون، بعد هذا التفجر الخارق والهائل، من كلام في أكثر من ثمانين بيتاً؟!
أقول هذا، ومازلت لم أتطرق إلى ثاني البيتين في هذا المطلع:
فتىً خبطَ الدُنى والناسَ طُراً=وآلى أن يكونهما فكانا
إن مفردات هذا البيت الثاني لا تقلّ خطورة عن مفردات البيت الأول، بل إن مضمون هذا البيت إنما هو تصعيد بعيد المدى لما ورد تمهيداً في البيت الأول الذي اعتبرناه تفجيراً مفاجئاً، ندر أن يأتي في المطالع عموماً، فكيف يأتي هكذا في مديح للمتنبي الذي ندر عنده أن يمدح بدون الغزل، رغم أنه فوق الغزل (فيما هو سيّد الغَزِلينَ شعراً)؟!
كيف إذن يكون ما كان لمحمد مهدي الجواهري، وهو يخاطب صنوه المتنبي، مادحاً بعد ما يزيد على الألف عام؟.. كيف يخاطبه هكذا، وبلا مقدمات.. بل نقول كيف يحكي عنه، وفي قصيدة طويلة كهذه، بلا مقدمات، ولا غزل، ولا ما شابه.
أليس في ذلك مدعاة للقول بأن (فتى الفتيان.. المتنبي) هو في نظر صنوه الجواهري، شاعر فوق الغزل التقليدي:
أكلُّ فصيحٍ قال شعراً مُتيّمُ!
ألم يقلها المتنبي؟ فهل يغفلها الجواهري، حتى لو أغفلها خلق الله أجمعين؟!
إن الجواهري يفجّر نفسه على نحو تفجير المتنبي لروحه، فيوقع فأسَ الإبداع المراد في جذع المعنى المراد.
ونمضي مع شاعرنا.. بل نحن ماضون مع الشاعرين: الجواهري والمتنبي.. بل مع المتنبي على لسان الجواهري الذي يتابع ذلك التفجر المقصود، ودون مقدمات.. يتابعه قائلاً:
أرابَ الجنَّ إنسٌ عبقريٌ = بوادي (عَبقَرَ) افترش الجنانا
إن انتقال الجواهري إلى هذه الصورة ـ المعنى يأتي امتداداً طبيعياً ومدهشاً لما ورد في بيتي المطلع، ذلك أن الذي «تحدّى الموت» والذي «اختزل الزمانا» والذي «لوّى» عنان الزمان، والذي «خبطَ الدنى والناس» والذي قرر أن يكون الدنى والناس، فكان له ذلك.. إن هذا الذي حقق كلّ ما تقدم، لا يكون مكانه، إذن، إلا (وادي عبقر)، ولكنه بدلاً من أن يكون في «رعاية» الجن في (عبقر) صار جنُّ ذلك الوادي في «ريبة» منه، هو الإنسيّ، لما له من عجائب أدهشَتِ الجنَّ وأدخلتْهم في «الريبة».. فيروح الجواهري يهزج بما صار يلقاه (أبو محسَّد) وينعم به في وادي العبقرية:
تطوفُ الحورُ زِدْنَ بما تغنّى = ـ وهنّ الفاتناتُ ـ به افتتانا
وبعد ذلك ـ وعبر سبعة أبيات ـ نرى (حور عبقر) قد «ضفرن جدائلاً» و«.. ناوَحْنَ عوداً..» و«صَفَفْنَ له المشارب..».. و«ذوَّبْنَ اللُغى..» إلى آخر ما في ذلك من ترحاب يليق بمن «أرابَ الجِنَّ»!
ثم يأتينا المورد الأول من قصيدة الجواهري عن المتنبي، مَورداً «غير مصَرَّع» مثلما ستأتي كل الموارد حتى نهاية النص.. إنه يقول عن المتنبي قول الشاعر المتماهي في عبقرية الإنسي الذي أراب الجن:
دماً صاغَ الحروفَ مجنَّحاتٍ = رهافاً، مشرئباتٍ، حسانا
إنه مورد اعتيادي فيه تمهيد، على الرغم من الوقع السيئ لكلمة «الدم» هنا! ويستمر الجواهري في تأسيس المورد الذي يُعنى بالحروف التي عالجها المتنبي، فيمضي في القول:
فُوَيقَ الشمسِ كنَّ له مداراً = وتحت الشمس كنَّ له مكانا
وآبَ كما اشتهى يشتطُّ آناً = فيعصفُ قاصفاً ويرِقُّ آنا
وفي حاليه يَسحَرنا هواهُ = فننسى عبر غمرتهِ هوانا
.. بعد هذا التغني بمواهب (أحمد) في اللغة وشعرها، لا يجد الجواهري لشاعره إلا القول:
فتىً دوّى مع الفلكِ المدوّي = فقال كلاهما: إنّا كلانا!
إنه ـ حقاً ـ لبيت عجيب، وإنه لأعجب خاتمة لمورد قصير في قصيد طويل.. وإنه لبيت فريد في ما هو موقَّع لصالح أمور عديدة، رغم كونها باسم (فتى الفتيان.. المتنبي).
.. ترى كيف يكون دويُّ الفتى؟ ثم كيف يكون هذا الدويّ موازياً لدويّ الفلَك، أو متناغماً معه؟.. إنهما يتماهيان: دوي المتنبي مع دوي الفلَك (الكون)، حتى يقولا كلاهما: «إنّا كلانا»! إنه التصعيد المثالي والمدهش الذي يكاد أن يُخرجَ هذا البيت من مضمار المديح، ليضعه في مضمار ظاهرة طبيعية أو تكاد، رغم أنها في منتهى الخيال، ونحن هنا لا نملك إلا «الدهشة الموافِقة» إزاء تعبير لغوي غير مسبوق، بل هو نتيجُ خيالٍ خارق، استخدم أبسط صياغة للجملة الاسمية: «إنا كلانا» التي هي صحيحة لغوياً، غير أنها مخالفة، على نحو خارق، للمنطق وطبيعة الأشياء والأحياء.. فكيف ـ إذن ـ نتعقّب هذا البيت الطائر حتى لانهاية الخيال، والمستقرَّ حدَّ وضوح الجملة الاسمية النموذجية (مبتدأ وخبر).
إن هذا البيت ليضعنا في محنة نرضاها بنشوة لانهائية، وحيرة محبَّبة، بين عظمة المتنبي الذي استحقّ هذا الوصف، وعظمة الجواهري الذي اجترح هذا التعبير.. إن هذا البيت الشعري العربيَّ لآيةٌ أشدُّ وقعاً في نفسي من الخسوف والكسوف، لأن كلا الأخيرين ظاهرة طبيعية، بينما الحال مع بيت الجواهري هذا هو كونه ظاهرة خيالية خارقة، تمظهرت من خلال الصيغة اللغوية الأبسط، والنحوية الأيسر، ولكن كيف تحمّلت حروف المباني وحروف المعاني في هذا البيت ما تحمل من كل ما تقدّم من دهشتنا؟!
ترى أيّ زند قدحه الجواهري فجاء هذا التعبير؟!
وأيةُ مخيلة طرقَتْهُ، أو طرقَها.. أم أنهما (المخيلة والجواهري) قد تطارقا، فتماهيا، فكان هذا المنجز المدهش.. هذا التعبير الموطَّأ له بالقول:
فتىً دوّى مع الفلَكِ المدوّي
وتلك توطئة مدهشة بحد ذاتها، ولا يباريها، ولا يبزّها سوى:
فقال كلاهما: إنّا كلانا!
* * *
يحسُنُ بنا ـ الآن ـ أن نشير إلى «ظاهرة» معروفة في شعر المتنبي، ألا وهي فخر المتنبي، متى مدح ممدوحاً مهما يكن، وعلى رأس ممدوحيه (سيف الدولة) الذي هو ما هو في تجربة المتنبي وتاريخ العرب والمسلمين، ولكن الجواهري، في هذا النص، يجترح خطوة غير معلنة، ولكنها محسوسة، فتكون كل أبياته مدحاً للمتنبي، فيما تتضمن معظمها فخراً بالنفس، ولكنه ـ وكما أحسسته ـ فخر خفيٌ، ودودٌ، وفيه فيض من محبة:
فيا ابن «الرافدين» ونِعمَ فخرٌ = بأنّ فتى بني الدنيا فتانا
المتنبي هو ابن الرافدين، مثلما هو الجواهري.. وكلاهما مفخرة لنا ـ نحن أبناء العربية ـ تالِداً وطارِفاً.. إن حرارة المدح هنا، من حرارة الفخر عند الجواهري، والعكس صحيح، إذ حرارة الفخر، أججت عمق المحبة التي يحسها إزاء سلفه العظيم، بل يمكننا القول إن الجواهري الذي يقول روحه من خلال المتنبي، إنما يقولها للمشتَرَك الذي بينهما.. المشترَك الذي تعمّق بعد إرهاصات ألف عام من الانتصار والاندحار، فكان المشترك أعمق بألف عام، حصة المتنبي منه محفوظة بما بلغته حوادثه المعاصرة وبلاغته المعبّرة. أما حصة الجواهري فهي باهظة بما جرى بعد أبي الطيب، وبما رآه الجواهري، ساكن القرن العشرين طولاً وعرضاً.
* * *
.. ويتابع الجواهري سيرة روح المتنبي، عبر سيرة روح الجواهري الحاصلة بعد أكثر من ألف عام، فيقول وكأنه يخاطب نفسه بالخشوع ذاته، وهو يخاطب أبا الطيب:
حَبَتْكَ النفسُ أعظمَ ما تحلّتْ = به نفسٌ مع المحنِ امتحانا
وذقتَ الطعمَ من نكباتِ دهرٍ = يَمُدُّ لكل مائدةٍ خُوانا
وجهّلكَ المخافةَ فرطٌ علمٍ = بكُنهِ حياةِ من طلبَ الأمانا
وأعطَتْكَ الرجولةُ خَصْلتَيْها = مع النوب: التمرّسَ والمَرانا
فكنتَ إذا انبرى لكَ عنفوانٌ = من الغمراتِ أفظعَ عنفوانا
إنه (الجواهري) يفصّل في روح المتنبي وتجربته ومعاناته تفصيلاً واجباً، تفصيلاً ينطبق على روح أبي فرات الجواهري، وتجربته ومعاناته انطباقاً مؤثراً، حتى يختم المورد ببيت يجعل الطودين يعتنقان:
وكنتَ كِفاءَ معمعةٍ طحونٍ = لأنّكَ كنتَ وحدَكَ مَعْمَعانا
هذا ما كان من أمر المتنبي، وهو الذي كان من شأن الجواهري، وربما كانت حصة الجواهري من ذلك مضاعفة وأشد مرارة، لأنه عاش مقدار عمرين من عمر المتنبي، وكان الجواهري بحد ذاته معمعاناً منذ عشرينات هذا القرن العشرين.. منذ خرج من (النجف) كمن يخرج من الكوفة «الحمراء»، كوفة المتنبي.. الكوفة التي ورثها الجواهري من المتنبي، كما لم يرثها أيُّ شاعر فراتي المشرب غيره. صحيح أن الجواهري نجفي، ولكن خروجه من النجف كان مثل خروج المتنبي من الكوفة، فكلاهما غادر مكانه، وهو في عهد الفتوة، وكلاهما لم يعد إلى مكانه، لأنه مطلوب حيث تكون المعمعات. ومثلما كان المتنبي لا يمدح إلا عن قناعة، كان الجواهري كذلك، مهما يكن رأينا حول تلك القناعة، أو حول أولئك الممدوحين.. إن الجواهري، عندي، كوفيُّ المزاج، كوفي الشعر، كوفي الثورة، إذ لا اعتراض على من يقرنه ـ أو يقارنه ـ بالمتنبي الكوفي مزاجاً وثورة وإبداعاً.
.. ويتابع الجواهري نشوته في مخاطبة أبي الطيب، مثل نشوةِ مَنْ يحدّث نفسه:
أسَلتَ الروحَ في كَلِمٍ مَواتٍ = فجلّى غامضٌ منها وبانا
وطاوعَكَ العَصيُّ من المعاني = وكم غاوٍ ألحّ به فخانا
ولا شك أن أبا فرات، وهو يقول الشطر الأخير، كانت تلحّ عليه صورٌ من منافسيه غير الجديرين بمنافسته، بل هم كأولئك الحساد الذين كان يضيق بهم أبو الطيب حين قال:
أنام ملءَ جفوني عن شواردها = ويسهرُ القومُ جرّاها ويختصمُ
والأكثر إيجاعاً من أولئك هم الزعانف، أدعياء الشعر الذين شكا منهم أبو الطيب قائلاً:
أفي كل يومٍ تحت ضِبْني شُوَيعِرٌ = ضعيفٌ يقاويني، قصيرٌ يُطاولُ
لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ = وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازلُ
وأتعَبُ مَنْ ناداكَ من لا تجيبهُ = وأغيظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ
وما التّيهُ طبّي فيهمو غيرَ أنني = بغيضٌ إليَّ الجاهلُ المتعاقلُ
.. ولكن دعونا من هذا الاستطراد ـ على أهميته ـ من أجل المضي مع أبي فرات، وهو يماشي روح أبي الطيب قائلاً:
فكم من لفظةٍ عَفٍّ حَصانٍ = سحَرْتَ بلطفِها العَفَّ الحصانا
فيا للجواهري من معبّر خارق، عن روح مبدع خارق، يتجلى من خلال هذا البيت المدهش في البناء، والذي يقول لنا إن ثمة لفظةً عفيفاً يستخدمها المتنبي على نحو من اللطف الخارق بحيث تَسحَر المرأة العفّ الحَصان، وتستخفها، فتخرجها من وقارها.
تُرى كيف يتأتى اللفظ الوقور أن يخرج الإنس الوقور من وقاره؟!
لا شك أن جواب ذلك ليس بالأمر الهيّن، بل الهيّن في هذا الشأن هو أن نستعير قولاً للجواهري ذاته، حين يسعفنا في المورد نفسه، مفسراً ومجيباً عن تساؤلنا، بقوله:
وسرُّ الخَلقِ ذهنٌ عبقريٌّ = أتى حَجَراً ففجّره بيانا
لغاية هذا البيت الذي يحمل الرقم (30) في قصيدته، والجواهري مازال ماضياً في التغني ببلاغة المتنبي، غير أنه لن يظل ماضياً هكذا، إذ ليس الجواهري «البليغ» يُعنى بالبلاغة من أجل «البلاغة»، مثلما هو الأمر مع سلفه المتنبي، لذا فإننا نرى أن المسار في قصيدة الجواهري هذه، ينتقل من «سحر الكلام» إلى «حرارة الموقف»، وشرفه العالي. نرى كيف ينفض الجواهري «غبار البلاغة»، من أجل «غبار الموقف» العنيد الذي اجترحه المتنبي، ويتبناه الجواهري (وقد اجترح أمثاله)، فيخاطب خَدنَه أبا المحسَّد ببلاغة أخرى، فنراه قائلاً، منشداً، ومنتشياً:
ويا ذا «الدّولةِ» الكبرى تعالتْ = ـ وقد سحَقَ البلى دولاً ـ كيانا
بحَسبِكَ أن تهزّ الكونَ فيها = فتستدعي جَنانَكَ واللسانا
وأن تُطري الشجاعةَ في شُجاعٍ = فتُعجِبَ ـ حين يُعجبُكَ ـ الجبانا
وأن تعلو بِدانٍ لا يُعَلّى = وأن تَهوي بِعالٍ لا يُدانى
بعد هذا يتساءل شاعرنا تساؤلاً استنكارياً، وبالمحبة الشديدة:
فماذا تبتغي؟ أعلوَّ شأنٍ؟!= فمن ذا كان أرفعَ منكَ شانا؟!
ويمضي الجواهري مخاطباً مادحاً، مثلما هو الراوي والمعاتب، فيدخلنا في التفصيلات الأخطر في حياة المتنبي، وكيف صار «الرأيُ قبل شجاعةِ الشجعان» أمراً مصيرياً بالنسبة لأبي المحسَّد:
ولما استيأسوا من مُستَميتٍ = فلا أرضاً أراح ولا ظِعانا
ولا أبقى على صَعَداتِ رمحٍ = ولا أعفى من الفَرسِ اللَّبانا
أناروا خلف رحْلِكَ عاوياتٍ = ضباعاً تستفزُّ الدّيدَبانا
إن الجواهري ينتقل بنا انتقالة نوعية في موضوعه، إذ يتصاعد الزخم الدرامي في ما يريد إثارته من موضوعات ساخنة: هناك في أيام أبي الطيب، في القرن الرابع للهجرة، وهنا في أيام الجواهري، أواخر السبعينات من القرن العشرين، فينتصر له قائلاً:
فكنتَ الحتفَ يدركهُم عبيداً = وأرباباً إذا استوفى وحانا
بعد هذا الانتصار المدحي المنتشي، يدخل الجواهري، ويُدخلنا معه في حماسةِ المُوجَع بما يجري في دهرنا الحاضر، ولا سبيل ـ من شدة البلوى ـ إلا باللجوء إلى أمثال المتنبي، بل المتنبي بالذات، وهذا الأمر بقدر ما يحمل من المديح للمتنبي، والاعتزاز به، فإنه يحمل، في الوقت ذاته، مقدار هشاشة ما نحنُ فيه:
تَمَنَّ أبا المحسَّد تَغْلُ فينا = مطامحنا وتستشري مُنانا
وضَوِّ لنا، فقد تِهنا ضَياعاً = وخِبَّ بنا فقد شلّتْ خطانا
وأدْرِكْنا فقد طالتْ علينا = مقاييسٌ قصُرْنَ على سوانا
وقد غُصْنا فلا الأعماقُ منّا = ولا نَسَمٌ يهبُّ على ذرانا
وقد شمَخَتْ ملاعبنا علينا = وقد أكلَتْ أباطحُنا رُبانا
إن الجواهري يجسد، في ما سبق من أبيات، حال العارف بكل شيء، والعاجز عن أي فعل.. العاجز حدَّ التخبّط: «تمَنَّ أبا المحسَّدِ تغلُ فينا..» تليها أبيات لا تدل إلا على عجزنا: «ضوّ لنا.. أدرِكنا..».
إنه الاستنهاض الذي جوهره الشكوى وقلة الحيلة، وهو ترجمة لما آلت إليه أمة العرب من التمزق والضعف:
مضَتْ حِقَبٌ وهنّ ـ كما تراها ـ = فقاقيعٌ، ونحنُ كما ترانا
تمزَّقْنا دُوَيلاتٍ تلاقَتْ = بها الراياتُ ضَماً واحتضانا
تُرَقَّعُ رايةٌ منها بأخرى = وتستبقي أصائلُها الهجانا
وتكذِبُ حين تصطفقُ اعتناقاً = وتصدقُ حينَ تفترقُ اضطغانا
وتفخرُ أنّها ازدادتْ عِداداً = وتعلمُ أنها ازدادتْ هَوانا
.. ولا تظنّنَّ الجواهري الكبير قد غاب عن ذهنه أن أمة العرب والإسلام، أيام أبي الطيب، لم تكن إلا دويلات، ولكنه ـ لا شك ـ يستحضر، في ذهنه ذاته، دولةَ الحمدانيين وآلاءها في الدفاع عن الأمة في وجه الروم الطامعين في فيئها الممزَّق!
إن شاعرنا يصرّ بأن لا أملَ بأحد ما في هذا الزمان، لذا فهو يستنجدُ بذلك الذي في الزمان الماضي.. ذلك الذي أثاروا خلف رحله الضباع العاويات، فكيف له أن يُنجدنا؟! إنها ـ إذن ـ الصرخة التي لابد منها.. الصرخة التي يطلقها الجواهري ـ المتنبي الذي يصرّح بأنه ابن الكوفة:
أنا ابنُ كوفتك «الحمراء»!
إنه الشاعرُ المُعنّى، المُضطرُّ لأن يقول:
حلَفْتُ أبا المحسَّد بالمثنّى = من الجبروتِ والغضَبِ المعانى
وبالسُّلَعِ النوافرِ في عُروقٍ = كأنّ بكلّ واحدةٍ سنانا
وبالوجهِ الذي صبَغَ الرزايا = ببسمةِ ساخر، فقسا ولانا
بأنّك مُوقدُ الجمراتِ فينا = وإنْ كُسِيَتْ ـ على رغم ـ دخانا
ثم يؤكد مأساتنا ويأسه بقوله مخاطباً روح من يستأنس بروحه:
تُنفِّضُ ما تلبَّد من كرانا
وأنّك سوف تُبعَثُ من جديدٍ = تُنفِّضُ ما تلبَّد من كرانا
إن الجواهري يهزّ أبا الطيب، من أجل أن يهزَّنا، كي نحسّ ونشعر، فننهض. إنه يطلب من المتنبي أن يستنهضنا، ويعرّفنا بما يمكن من مصيرنا إذا ما عرفنا قدْرنا.
.. وأخيراً، لا يستطيع الجواهري إلا أن ينهي قصيدته ببارقة الأمل المبتغى، مخاطباً صنوه المتنبي:
وأنّا أمةٌ خُلِقَتْ لتبقى = وأنتَ دليلُ بُقياها عَيانا