المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أيام جزائرية (الجزء الثاني )


دكتور/ محمد فؤاد منصور
10/15/2010, 08:13 AM
أيام جزائرية
( الجزء الثاني )
(1)
كان سي لخضر مايزال واقفاً بالردهة التي تفصل منطقة المطابخ عن منطقة الإدارة في انتظار أن ننهي إفطارنا الذي طال أكثر مماينبغي ، فقد تسابق الطهاة على الحفاوة بنا وتقديم كميات إضافية كلما أنهينا ما أمامنا من طعام ، هل لاحظوا حاجتنا للمزيد بفعل مامر بنا من أيام عجاف ؟ .. ربما ، وربما لأنها كانت المرة الأولى منذ أكثر من أسبوع التي نتناول فيها طعاماً متنوعاً وطازجاً بعيداً عن العلب والمعلبات .
سألني صلاح وهو يقذف إلى جوفه آخر كمية من القهوة الممزوجة بالحليب :
- هذا هو الإفطار ، فماذا عن الغذاء ؟ ..
كنت سارحاً ببصري في الأفران الضخمة التي تتوسط القاعة التي نجلس على طاولة بجانب منها .. كان جلياً أن وجبة إفطارنا قد أعدت على عجل وربما لنا بشكل خاص ، ولعل ذات الفكرة التي عبر عنها صلاح كانت تراودني وأنا أستقبل ابتسامات الحفاوة والترحاب من الطهاة كلما التقت عيناي بأحد منهم..
- لاتتعجل الأمور .. سيتضح لنا كل شئ حين نلتقي السيد بختي.
راق له أن يمزح وهو يرمي بالفوطة على المائدة ويهم بالنهوض فقال لي هامساً وهو يميل ناحيتي بقامته الطويلة :
- انا عارف بختي زي الزفت .
أسرعت أضع سبابتي على فمي وأنا ادير البصر فيمن حولي وأهمس حتى لايكون هناك من التقط هذه القفشة السخيفة :
- ششششششششش
وبالرغم من أن معرفتنا بسي لخضر مقتصد المستشفى لم تتجاوز دقائق معدودة مابين لحظات الاستقبال بحجرة العسّاس وإدخالنا إلى شقة الاستراحة ، ثم لحظات توصيلنا إلى مطبخ المستشفى إلا أنه بدا سعيداً بوجودنا وقد أقبل يضمنا إليه بكلتا ذراعيه ويحاول جاهداً الوصول إلى كتف صلاح جاذباً إياه إلى الأسفل قليلاً لتلتقي رؤوسنا جميعاً عند نقطة واحدة من الدائرة التي شكلها بامتداد ذراعيه وكأننا لاعبون يقرأون الفاتحة قبل المباراة الهامة ثم يقول في صوت خفيض وكأنه يأتمننا على سر
- سي المدير راه ينتظركم في المكتب ، تكلموا معه ، هو صعيب شوية ، بس ماتخمموا في والو ...
" ماتخمموا في والو ..."
عبارة جديدة أضفتها إلى قاموسي الجزائري، تحمل لهجتها نوعاً من الطمأنة والألفة، لم أفهم مقصده بالضبط وهو يحاول دمج اللهجتين المصرية والجزائرية معاً بقصد تييسير فهمنا لمايقول .. بدأت الفئران تسعى في صدري من جديد ، فتلك الضمة وذلك الحديث الودود الهامس مع الإشارة إلى أن المدير "صعيب" كلها قد خلقت لدينا إحساساً بالتوتر رغم أنه كان يسعى لإزالة شعورنا بغربة المكان.
وقد زاد شعوري بالقلق حين وجدته يفتح باب غرفة المدير في هدوء ويشير إلينا بالدخول ثم ينسحب من المكان تاركاً إياناً على مدخل الغرفة الفسيحة التي يتصدرها مكتب المدير ..
شاهدت سي محمد بختي للمرة الأولى ، كان رجلاً في العقد الخامس ملامحه جامدة وقد شكلت مع بشرته البيضاء وشعره المصفف بعناية وأناقته الواضحة برباط عنقه الأحمر صورة رجل فرنسي لايشبه سي لخضر ولا العسّاس ولا حتى مخيلفة الذي كان يشفع له وجوده بمقر الوزارة بالعاصمة أن يكون مختلفاً ، وقد عمّق إحساسي بالقلق إشارته لنا بالجلوس أمام مكتبه دون أن يكلف نفسه عناء الوقوف للترحيب بنا ، بداية لم تكن مبشرة قط ، وقد ظل الرجل لحظات متشاغلاً بمراجعة الأوراق أمامه لكنها مرّت علينا كدهر كامل بينما أنا وصلاح نترامق بين الحين والحين وفي أعيننا عشرات الأسئلة بلا إجابة ، ثم رفع رأسه ونظر إلينا من خلف نظارته الطبية التي منعها الأنف المقوس قليلاً من السقوط وقال :
- محمد وصلاح ..
هززنا رؤوسنا معاً في صمت بينما نفخ هو بكلمة خرجت من الأنف والفم معاً كطلقة .. bon.. أي جيد ، ولم أتبين لحظتها ماالجيد في أن اكون أنا محمد وأن يكون صاحبي هو صلاح ، لكن هكذا جرت العادة حين يبدأ حوار من ذلك النوع المتحفظ بين أغراب ، أدار بعدها عينين حائرتين فيمابيننا وكأنه يحاول الاكتشاف بنفسه دون سؤال :
- أشكون صلاح ؟
رفع صلاح يده حتى حازت رأسه فأدار وجهه ناحيتي متسائلاً :
- أنت محمد ؟
لم يكن السؤال يحمل أي معنى فهززت رأسي موافقاً دون حركة ، فعاد يسأل من جديد .
- ماتهدروا الفرنسية شوية ؟ .
كان مستوانا في اللهجة الجزائرية قد مكننا من معرفة أن "أشكون" تعني من يكون وأن " يهدر" تعني يتحدث ، وقد وجدتها فرصة لاستعراض مهارتي لافي الفرنسية هذه المرة وإنما في اللهجة الجزائرية ذاتها التي بدأت التعود على مفرداتها فقلت:
- شية مو بالزاف..
أي القليل وليس الكثير .. خيل إلي أنني لمحت لوناً من الضيق يكسو ملامح وجهه حين عاد يطلق من جديد تلك الزفرة القوية التي تعني جيد بلا ضرورة أو هكذا قدّرت قبل أن أتبين أنها زفرات أو محطات صوتية تفصل بين موضوع وآخر..
كانت تلك بداية متحفظة نوعاً ما ، وكنا ننتهز فرصة انشغاله بالأوراق لنطيل النظر في أرجاء الغرفة الواسعة وقد شغلت جانباً منها منضدة اجتماعات ضخمة تحلقت حولها مقاعد تشي بأهمية المكان وشاغله .
تحدث معنا حديثاً طويلاً خلط فيه الفرنسية بالعربية باللهجة المحلية الدارجة ، قال كلاماً كثيراً عن أهمية دورنا سواء بالمستشفى أو العيادات أو الزيارات الميدانية للمواقع البعيدة التي تقع ضمن مسؤوليات المستشفى وكنا في كل المراحل نكتفي بهز الرؤوس كعلامة للفهم والمتابعة ، لكنه توقف فجأة ودون تمهيد وسأل وكأنه تذكر امراً هاماً للتو :
- شفتم محفوظ ..
- محفوظ من ؟
- الدكتور محفوظ .. زميلكم المصري.
لم نكن نعلم حتى اللحظة أن لنا زميلاً مصرياً بنفس المستشفى فقلت أنبهه لما يكون قد غاب عنه:
- نحن هنا منذ أربع ساعات فقط قضيناها في النوم ، ولم نلتق سوى سي لخضر ..
قال في حزم لايناسب الموقف:
- هي غلطة لخضر ...
زفرت في ضيق لهذا التغابي الواضح ، وتصويره لموقف لخضر كمتهم حين تذكرت سي لخضر وكيف أيقظناه من نومه عند وصولنا فجاء على عجل وحفاوته الزائدة بنا فقلت
- ليس هناك غلط .. نحن وصلنا بعد الفجر بقليل ، تقريباً لم يشعر بنا أحد.
تجاهل ردي عامداً وقال وكأنه ينهي المقابلة:
- سأبلغكم بموعد الاجتماع الذي نناقش فيه تقسيم العمل ، ومعكم الدكتور محفوظ والدكتور سعدي .
ثم ضغط الجرس فجاء السكرتير ،طلب منه استدعاء سي لخضر الذي جاء على الفور وكأنه كان يقف امام الباب انتظاراً لهذا الأمر .
قال في نبرة هادئة نسبياً :
- شوف الحكما وين هايسكنوا وعرفهم بمحفوظ وسعدي ، واليوم عشية واللا غدوة ندير اجتماع للكل.
كان بادياً أنه تعمد وضع هذه العبارات العربية الدارجة حتى يصلنا معناها ، وقد استخلصتها هنا من بين سيل جارف من الحديث بالفرنسية وكان يثق لفرط سرعته من أننا لن نفهم مايقول لسي لخضر الذي اكتفى بهز رأسه سمعاً وطاعة متجنباً الرد بأي من اللغتين حرصاً على مشاعرنا ،ذلك ماأسره إلينا بعد انتهاء المقابلة فقد أدرك الرجل حين شاهد ملامحنا أننا لن نتمكن من متابعة مايقوله "سي بختي" فاكتفى بهز الرأس ولم يشأ أن يضاعف معاناتنا.
كانت هذه العبارة إيذاناً بانتهاء مراسم استقبالنا من مدير المستشفى ، لم أكن مرتاحاً تماماً لهذه العنجهية البادية على ملامحه الجامدة ، كنت أؤمن دائماً بالمثل القائل "لاقيني ولاتغديني" .. وبالرغم من أن إعداد مائدة الإفطار الشهية لي ولصلاح لم يكن بعيداً عن موافقته إلا أن مقابلته لنا تركت انطباعاً لدينا معاً بأننا أمام شخص لايحب العرب عموماً ، وربما المصريين خصوصاً ،وربما أدركت وانا أخرج من باب الغرفة متبوعاً بصلاح وسي لخضر مغزى قوله لنا قبل اللقاء " ماتخمموا في والو " .. أي لاتشغلوا أنفسكم بالتفكير أو قوله "هو صعيب شوية ".. كأن الرجل كان على علم بما سيتركه في نفوسنا لقاء مدير لايعرف الابتسام في وجوه الغرباء فلايهش ولايبش ولايبحث عن نقاط الالتقاء مع محدثيه إنما يتعمد أن يوضح نقاط الخلاف منذ البدء بسؤالهم إن كانوا يجيدون الفرنسية التي يفضل هو أن يدور الحديث بها .
أنا من الذين لايجيدون العمل إلا في جو من الحب والمودة ، ولعل تلك المقابلة السريعة مع سي بختي قد اصابتني بحالة من التوجس والقلق كنت أجاهد لأتخلص منها حتى يمكنني البدء دون منغصات نفسية ، استرجعت حديث الرجل مراراً محاولاً إيجاد مايشي بالمودة والترحيب ، لكن أقصى ماأمكنني الوصول إليه أن الرجل كان متحفظاً وجاداً كمايليق بمدير يقدم نفسه لموظفين جدد وهو يعلم أنهم يقيّمونه من هذه الناحية كما يقيّمهم سواء بسواء ، وأن الرسالة على هذا النحو ليس فيها مايكدر الخاطر.

انتظروني

دكتور/ محمد فؤاد منصور
10/15/2010, 08:16 AM
(2)

في طريق خروجنا من مكتب سي بختي ، وبينما كنا نتجه ناحية قسم السكرتارية لإنهاء إجراءات استلام العمل صحبة سي لخضر ، استرعي انتباهنا جلبة وضجيجاً قادمان من ناحية غرفة في نهاية الممر ، سرعان ماتبين لنا أنها مشادة كلامية تجري بين شخصين وقد هدأت وخفت نبراتها حين لمحانا قادمين في الممر الطويل .
كان هناك شاب في ثلاثينيات العمر ، طويل القامة نحيف الجسم ، يرتدي معطفاً أبيض ، تقف في مواجهته فتاة في العشرين تقريباً ، شديدة الحسن في ملابس التمريض البيضاء ، جمالها من ذلك النوع الصارخ الذي يستوقف العين لتبقى تتأملها دون أن تغادرها ، كانت ثورة الشاب شديدة ، يلوح بيده حيناً ويضرب الأرض بقدمه حيناً آخر، لم يستطع التخلص من الانفعال الذي لازمه حتى بعد وصولنا إلى حجرة السكرتارية ، وكان يجاهد ليسيطر على انفعالاته وحركاته المتوترة بينما لاذت هي بالصمت التام ،واتجهت ببصرها ناحية الأرض وهي تعتمد في وقفتها على أحد المكاتب بالحجرة، كان وجهها مايزال مضرجاً بحمرة قانية ، زادتها ولاشك تلك المشادة الكلامية ولم يفلح صمتها المفاجئ في إزالتها ،بل لعل تلك الحمرة التي كست ملامحها قد عكست بياض بشرتها الشديد فبدت بملابسها البيضاء وتاجها الأبيض المستقر فوق شعرها الأصفر المعقوص في حنو يليق بنعومته كتمثال مرمري ساطع يكاد من حسنه يضيء .
كان جمالها صاعقاً لم يفلح الغضب البادي في ملامحها أن ينال منه ، إنه من ذلك النوع الذي يأسرك فلاتملك منه فكاكاً ، ولايمكنك مقاومته ولعلي أقول إنه ليس من الصواب أن يقاوم ، لكن ترى من يكون ذلك الشاب الغاضب ، جرت عيني سريعاً بحثاً عن أصابعها لعلي اجد فيها إجابة للسؤال ، ربما كانت خطيبته أو زوجته ، لكنها كانت تعقد ذراعيها حول صدرها بشكل لايسمح برؤية أصابعها فارتد البصر إليّ دون أن يحمل إجابة.
أيكون أحد أطباء المستشفى ؟
أليس تراثنا الصحي عامراً بقصص العشق التي تجمع بين الأطباء والممرضات ، إنهم يواجهون الضعف البشري طول الوقت ،يتعاملون معه ، يقضون ليالي الشتاء الطويلة حيث السكون والوحدة والأنين وفي النهاية يشملهم الضعف الذي يحيط بهم ، والحب حالة من حالات الضعف ولذلك يقعون في الحب كرهاً أو طوعاً ،فإذا توفر الضعف مع كل هذا الحسن الذي لايقاوم فكيف لايقع بين براثنه أكثر الأطباء حصانة وحكمة ؟
استغرقني التفكير بينما سي لخضر يوجه تعليماته لفتاة السكرتارية حتى بدأ صوت الشاب يعلو من جديد ولم تفلح مجاهدته في السيطرة على انفعاله لخفض الصوت فتناثرت كلماته الدارجة غير المفهومة لي حتى صدم أذني اسم محفوظ يتردد في الحديث ،لم أصدق ماسمعته أول الأمر حتى بدأ الاسم يتردد من جديد تارة مجرداً من أي لقب وتارة موصوفاً بالحكيم ..
الحكيم؟!.. مرة ثانية ألتقي هذا الوصف الأخاذ للطبيب في هذه البلاد ، الأطباء هم حكماء كل بلد يتواجدون فيه ، ألأن عملهم يتطلب الحكمة والصبر؟..أم لأن صنعتهم لايتقنها سواهم وسرهم لايعلمه إلا الله ، أم لأنهم ارتبطوا عبر الزمان بقدس أقداس المعابد القديمة فصاروا هم والحكمة صنوين لاينفصلان ؟.
وأي حكمة يمكن أن تصمد أمام هذا الجمال الطاغي الذي يُذهِب كل عقل ، ويذوب في حضرته أي التزام.
ولما علت النبرة حتى غطت على صوت سي لخضر،انتفض في غضب واضح ليقول:
- ويش بيك يامسعود ؟.. راك هنا تحوّس وخليت الراديو وحيدها؟
ثم مشيحاً بيده في تأفف وضيق ارتسم على ملامحه وأردف :
- خلينا يرحم والديك .
لم يكن من الصعب علي أن أعرف أن الراديو المقصود في عبارة سي لخضر هو قسم الأشعة وأن يحوّس تعني يتجول أو يبحث أو يفتش أو أي لفظ قريب من هذا ، وبالتالي لم يكن صعباً أن أستنتج أن مسعوداً هذا هو أحد الفنيين بقسم الأشعة ، وأن سي لخضر يطلب منه مغادرة المكان حتى يمكننا استكمال إجراءات استلام العمل في هدوء.
انسحب إذن مسعود خارجاً من الغرفة بينما تباطأت الممرضة حتى لاتلحق به خارجها فيحاصرها بغضبه من جديد ، ولعل سي لخضر أراد أن يبقيها حتى يضمن ابتعاد مسعود عن المكان ، أو لعله لمس فينا رغبة في أن تبقى أمامنا لأطول فترة ممكنة وهو يعلم حتما ًأنها خير دعاية للمستشفى الذي نوشك أن نكون ضمن هيئة أطبائه ، كان وجهها مايزال مضرجاً بحمرة الغضب فنظر إليها ملاطفاً ومبتسماً وقال:
- راك زعفانة بالزاف ياسكينة .. ويش بيك ؟
- والو..
- راني نشوف فيك زعفانة
- ماكان والو...
يالها من لغة !.. زعفانة إذن تعني غضبانة أو زعلانة كما نقول في مصر ، أما والو فتعني لاشيء..
هكذا قدر لي في فترة وجيزة أن ألم إلماماً سريعاً باللهجة الدارجة بل وصرت أتقن الكثير من مفرداتها وهو ماسيكون زاداً لي في الأيام المقبلة..
من تكون سكينة ؟ .. ومن يكون مسعود ؟ .. وماعلاقة الدكتور محفوظ زميلنا المصري الذي لم نقابله بعد بمايجري هنا؟ .. ولماذا تناثر اسمه على لسان سكينة ومسعود في حديث غاضب ؟ .. تقافزت الأسئلة في رأسي حتى أوشكت أن أستوقف سكينة لطرحها عليها دفعة واحدة ، ورغم أن الأمر لم يكن يعنيني إلا انني كنت أتعجل الوصول إلى إجابات ، ولم لا ؟.. ألم نعد من نسيج ذلك الطاقم الغامض الذي تكتنفه الأسرار ؟.
لم أكن قد تعرفت على محفوظ بعد حتى إنني وضعت احتمالا بعيداً لأن يكون طبيباً جزائرياً آخر بنفس الاسم غير ذلك الذي أشار له سي بختي في حديثه إلينا..عشرات الأسئلة يثيرها فضول اللحظة ، كنت أتوق للعثور على إجابات لها ، لولا انشغالنا باستكمال إجراءات التعيين .
انسحبت سكينة بعد تصريحها المقتضب " والو ..." دون أن تزول حمرة وجنتيها ، ولا مسحة الغضب والجدية التي زادت وجهها بهاءً وفتنة ،وبعد أن اطمأنت على مايبدو إلى ابتعاد مسعود عن منطقة الإدارة.
قبيل مغادرتها للغرفة وطوال فترة وقوفها متكئة باستقامة على حرف المكتب وإطراقها الرزين إلى الأرض كنت مستغرقاً في أفكاري ،فلم ألحظ أن "صلاح" هو الآخر قد اندمج في الأمر وراح يتابع سكينة بعينيه وقد عقدت الدهشة لسانه ، ولم يكن لديّ شك في أنه يود بدوره أن يطرح ذات الأسئلة التي تدور في نفسي ، ولم يكن صلاح ليكف عن التعليق في مثل هذه المواقف ، بل ربما لم يكن ليفوته التدخل بأي صورة من الصور ، كنت قد نسيته تماماً ،فلم انتبه إلى أنه فاغر الفاه إزاء الحسن الطازج ، الماثل بين أيدينا ، ولعله كان أكثر مني استغراقاً في الموقف ، فقد صاح سي لخضر فجاة لينبهه وهو يغالب ضحكة لم يفت علي مغزاها..
- هيا ياحكيم .. سينيه.
أمسك صلاح بالقلم ليوقع الأوراق ، بينما اتجهت ببصري ناحية السقف تارة وناحية باب الغرفة تارة أخرى حتى لايضبطني سي لخضر متلبساً بالحملقة في سكينة التي وقفت بلامبالاة ، وقد اكتست ملامحها جدية ممزوجة ببقايا غضب.
أما بعد مغادرتها للحجرة، فقد تحولنا بجدية لمتابعة ماتقوم به السكرتيرة ، تنقرعلى الطابعة حيناً وتناول سي لخضر بعض الأوراق حينا آخر، كان بادياً أن مايشغلني وصلاح قد صرفنا عن متابعة مايقوم به سي لخضر والسكرتيرة وكأن الأمر لايعنينا ، كنا نود لوأتيحت لنا الفرصة لنسأل عشرات الأسئلة التي لاعلاقة لها باستلام العمل في ذلك المستشفى الكبير ،استغرقنا التفكير تماماً بعد انصراف سكينة من الغرفة ، ولعل ذلك التفكير قد شرد منا خلفها ولم يرده إلى الغرفة إلا النداء المتكرر لسي لخضر وهو يناولنا الأوراق بالتناوب
- هيا ياحكيم ..
هذه المرة لم يطلب منا التوقيع ، بل أخذ يمرر لنا اوراقاً عدة ، وكلما ناولنا ورقة مرر معها لغزاً يحتاج لإيضاح ، فهذه للأفانس ، وتلك للسيسي بي ، وثالثة للكوميساريا ..
وكنا نتناول الأوراق واحدة تلو أخرى دون أن نعرف ماهو السيسيبي ولا ماهي الأفانس ، وكنت أعرف أن "صلاح" سيمطرني بأسئلة كثيرة بمجرد أن ينفرد بي، والأغلب أن إجاباتي ستكون اجتهادية تماماً ، فلا أنا أعرف الأفانس ، ولاسمعت عن السيسيبي.. كان ذهني مشغولاً بمحاولة العثور على إجابات لأسئلة أخرى بعيدة تماما عن السكرتارية ومايدور فيها.

انتظروني

إبتسام إبراهيم تريسي
10/15/2010, 04:20 PM
مساؤك قرنفل دكتور ....
ننتظرك ...
سردٌ جميل كالعادة ...

خليف محفوظ
10/15/2010, 11:16 PM
مسرورون جدا يا دكتور بعودتك و عودة الأيام الجزائرية

أصدقك القول إني أقرأها بمتعة منقطعة النظير ، سلمت أناملك ، ولكم أضحك و أنت تتحدث اللهجة الجزائرية و تشرحها شرحا دقيقا .

وصفك لجمال المرضة نم عن ذوق رفيع أدخل المسرة على النفوس المحبة للجمال .


هناك بعض الهفوات ألفت انتباهك إليها حتى تأخذها بعين الاعتبار عند التحرير النهائي للرواية :

1 " ... استرعى انتباهنا جلبة و ضجيجا قادمين ..." ... و ضجيج قادمان ...

2 " ... صاروا هم و الحكمة صنوان ..." ... صنوين ...

3 " ... حتى أنني ..." ... إنني ...

تقبل فائق التحية و التقدير أديبنا العزيز

زينة عادل
10/16/2010, 10:31 AM
وها نحن عدنا معك نتابع وكلنا شوق .......

ننتظرك فلا تطيل الغياب ........

لقلبك الجوري والفل

إيمان الدرع
12/11/2010, 10:21 AM
عثرتُ هنا ...على كنزٍ ثمينٍ ..
كنت أفتقده ...
سعيدةٌ أنا بالأيّام التي حملتْ عبق قلمٍ سامقٍ لا نملّه ...
سي محمّد ../.كنتُ زعفانة والو .../
والآن .../ راني فرحانة زاف مو شيّة /
ومع أطيب أمنياتي ...تحيّاتي ...حكيمنا الغالي ...
نتابعك ...وننتظر ..

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/19/2011, 04:43 PM
عزيزتي ابتسام
أشكر حضورك وسعادتي لاتوصف بثنائك على النص فهي شهادة أعتز بها أيما اعتزازلأنها تصدر عن روائية كبيرة لها في نفوسنا كل التقدير ..
نتمنى أن تسطعي على الحكايا من جديد.
لك كل المودة

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/09/2012, 08:08 PM
أخي الحبيب خليف محفوظ
كل الشكر لك على مرورك هنا ،الذي أقدره تماماً وأنتظره بشغف وأرجو المعذرة للتاخر في الرد كل هذه المدة فقد كنت ومازلت موزعاً بين أن أدرج بقية فصول هذه الرواية أو أن أستبقيها للبنشر الورقي والنتيجة أنني اهملت الأمر تماماً .. شكراً كثيراً على التصويبات وقد قمت بالتصحيح المطلوب . أشكر عينك الحارسة وقلبك النقي وأخوتك الصادقة وانتظرك هنا على الدوام وربما تفيدني برأيك في هذه الحيرة التي أوقعت نفسي فيها فأنت أخ أثق به واعتز بحكمته وبصره الثاقب .. تقبل محبتي ومودتي على الدوام.

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/09/2012, 08:10 PM
زينة حكايانا وزينة الأيام
كل الشكر لك على حضورك الطيب ومتابعتك الدائمة .. كل الشكر لك حيثما تواجدت فمرورك يضفي على صفحاتي دفئاً خاصاً انتظره بشغف ..
مودتي التي تعرفين.

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/09/2012, 08:15 PM
صديقتي الأقرب إلى نفسي وعقلي
إيمان الدرع
لايمكنني أن أصف حجم سعادتي بوجودك هنا .. ولعلك تشاركينني الحيرة التي منعتني من استكمال فصول هذه الرواية هنا وإن كنت سأضع إكراماً لك فصلاً أو فصلين جديدين ثم أنتظر الفرصة المناسبة للنشر الورقي ومازلت أحفظ وعدي لك بأن تصلك نسختك حيثما كنت بإذن الله .. لك الود كمايليق .. ومحبة لاتنقضي.