دكتور/ محمد فؤاد منصور
10/15/2010, 08:13 AM
أيام جزائرية
( الجزء الثاني )
(1)
كان سي لخضر مايزال واقفاً بالردهة التي تفصل منطقة المطابخ عن منطقة الإدارة في انتظار أن ننهي إفطارنا الذي طال أكثر مماينبغي ، فقد تسابق الطهاة على الحفاوة بنا وتقديم كميات إضافية كلما أنهينا ما أمامنا من طعام ، هل لاحظوا حاجتنا للمزيد بفعل مامر بنا من أيام عجاف ؟ .. ربما ، وربما لأنها كانت المرة الأولى منذ أكثر من أسبوع التي نتناول فيها طعاماً متنوعاً وطازجاً بعيداً عن العلب والمعلبات .
سألني صلاح وهو يقذف إلى جوفه آخر كمية من القهوة الممزوجة بالحليب :
- هذا هو الإفطار ، فماذا عن الغذاء ؟ ..
كنت سارحاً ببصري في الأفران الضخمة التي تتوسط القاعة التي نجلس على طاولة بجانب منها .. كان جلياً أن وجبة إفطارنا قد أعدت على عجل وربما لنا بشكل خاص ، ولعل ذات الفكرة التي عبر عنها صلاح كانت تراودني وأنا أستقبل ابتسامات الحفاوة والترحاب من الطهاة كلما التقت عيناي بأحد منهم..
- لاتتعجل الأمور .. سيتضح لنا كل شئ حين نلتقي السيد بختي.
راق له أن يمزح وهو يرمي بالفوطة على المائدة ويهم بالنهوض فقال لي هامساً وهو يميل ناحيتي بقامته الطويلة :
- انا عارف بختي زي الزفت .
أسرعت أضع سبابتي على فمي وأنا ادير البصر فيمن حولي وأهمس حتى لايكون هناك من التقط هذه القفشة السخيفة :
- ششششششششش
وبالرغم من أن معرفتنا بسي لخضر مقتصد المستشفى لم تتجاوز دقائق معدودة مابين لحظات الاستقبال بحجرة العسّاس وإدخالنا إلى شقة الاستراحة ، ثم لحظات توصيلنا إلى مطبخ المستشفى إلا أنه بدا سعيداً بوجودنا وقد أقبل يضمنا إليه بكلتا ذراعيه ويحاول جاهداً الوصول إلى كتف صلاح جاذباً إياه إلى الأسفل قليلاً لتلتقي رؤوسنا جميعاً عند نقطة واحدة من الدائرة التي شكلها بامتداد ذراعيه وكأننا لاعبون يقرأون الفاتحة قبل المباراة الهامة ثم يقول في صوت خفيض وكأنه يأتمننا على سر
- سي المدير راه ينتظركم في المكتب ، تكلموا معه ، هو صعيب شوية ، بس ماتخمموا في والو ...
" ماتخمموا في والو ..."
عبارة جديدة أضفتها إلى قاموسي الجزائري، تحمل لهجتها نوعاً من الطمأنة والألفة، لم أفهم مقصده بالضبط وهو يحاول دمج اللهجتين المصرية والجزائرية معاً بقصد تييسير فهمنا لمايقول .. بدأت الفئران تسعى في صدري من جديد ، فتلك الضمة وذلك الحديث الودود الهامس مع الإشارة إلى أن المدير "صعيب" كلها قد خلقت لدينا إحساساً بالتوتر رغم أنه كان يسعى لإزالة شعورنا بغربة المكان.
وقد زاد شعوري بالقلق حين وجدته يفتح باب غرفة المدير في هدوء ويشير إلينا بالدخول ثم ينسحب من المكان تاركاً إياناً على مدخل الغرفة الفسيحة التي يتصدرها مكتب المدير ..
شاهدت سي محمد بختي للمرة الأولى ، كان رجلاً في العقد الخامس ملامحه جامدة وقد شكلت مع بشرته البيضاء وشعره المصفف بعناية وأناقته الواضحة برباط عنقه الأحمر صورة رجل فرنسي لايشبه سي لخضر ولا العسّاس ولا حتى مخيلفة الذي كان يشفع له وجوده بمقر الوزارة بالعاصمة أن يكون مختلفاً ، وقد عمّق إحساسي بالقلق إشارته لنا بالجلوس أمام مكتبه دون أن يكلف نفسه عناء الوقوف للترحيب بنا ، بداية لم تكن مبشرة قط ، وقد ظل الرجل لحظات متشاغلاً بمراجعة الأوراق أمامه لكنها مرّت علينا كدهر كامل بينما أنا وصلاح نترامق بين الحين والحين وفي أعيننا عشرات الأسئلة بلا إجابة ، ثم رفع رأسه ونظر إلينا من خلف نظارته الطبية التي منعها الأنف المقوس قليلاً من السقوط وقال :
- محمد وصلاح ..
هززنا رؤوسنا معاً في صمت بينما نفخ هو بكلمة خرجت من الأنف والفم معاً كطلقة .. bon.. أي جيد ، ولم أتبين لحظتها ماالجيد في أن اكون أنا محمد وأن يكون صاحبي هو صلاح ، لكن هكذا جرت العادة حين يبدأ حوار من ذلك النوع المتحفظ بين أغراب ، أدار بعدها عينين حائرتين فيمابيننا وكأنه يحاول الاكتشاف بنفسه دون سؤال :
- أشكون صلاح ؟
رفع صلاح يده حتى حازت رأسه فأدار وجهه ناحيتي متسائلاً :
- أنت محمد ؟
لم يكن السؤال يحمل أي معنى فهززت رأسي موافقاً دون حركة ، فعاد يسأل من جديد .
- ماتهدروا الفرنسية شوية ؟ .
كان مستوانا في اللهجة الجزائرية قد مكننا من معرفة أن "أشكون" تعني من يكون وأن " يهدر" تعني يتحدث ، وقد وجدتها فرصة لاستعراض مهارتي لافي الفرنسية هذه المرة وإنما في اللهجة الجزائرية ذاتها التي بدأت التعود على مفرداتها فقلت:
- شية مو بالزاف..
أي القليل وليس الكثير .. خيل إلي أنني لمحت لوناً من الضيق يكسو ملامح وجهه حين عاد يطلق من جديد تلك الزفرة القوية التي تعني جيد بلا ضرورة أو هكذا قدّرت قبل أن أتبين أنها زفرات أو محطات صوتية تفصل بين موضوع وآخر..
كانت تلك بداية متحفظة نوعاً ما ، وكنا ننتهز فرصة انشغاله بالأوراق لنطيل النظر في أرجاء الغرفة الواسعة وقد شغلت جانباً منها منضدة اجتماعات ضخمة تحلقت حولها مقاعد تشي بأهمية المكان وشاغله .
تحدث معنا حديثاً طويلاً خلط فيه الفرنسية بالعربية باللهجة المحلية الدارجة ، قال كلاماً كثيراً عن أهمية دورنا سواء بالمستشفى أو العيادات أو الزيارات الميدانية للمواقع البعيدة التي تقع ضمن مسؤوليات المستشفى وكنا في كل المراحل نكتفي بهز الرؤوس كعلامة للفهم والمتابعة ، لكنه توقف فجأة ودون تمهيد وسأل وكأنه تذكر امراً هاماً للتو :
- شفتم محفوظ ..
- محفوظ من ؟
- الدكتور محفوظ .. زميلكم المصري.
لم نكن نعلم حتى اللحظة أن لنا زميلاً مصرياً بنفس المستشفى فقلت أنبهه لما يكون قد غاب عنه:
- نحن هنا منذ أربع ساعات فقط قضيناها في النوم ، ولم نلتق سوى سي لخضر ..
قال في حزم لايناسب الموقف:
- هي غلطة لخضر ...
زفرت في ضيق لهذا التغابي الواضح ، وتصويره لموقف لخضر كمتهم حين تذكرت سي لخضر وكيف أيقظناه من نومه عند وصولنا فجاء على عجل وحفاوته الزائدة بنا فقلت
- ليس هناك غلط .. نحن وصلنا بعد الفجر بقليل ، تقريباً لم يشعر بنا أحد.
تجاهل ردي عامداً وقال وكأنه ينهي المقابلة:
- سأبلغكم بموعد الاجتماع الذي نناقش فيه تقسيم العمل ، ومعكم الدكتور محفوظ والدكتور سعدي .
ثم ضغط الجرس فجاء السكرتير ،طلب منه استدعاء سي لخضر الذي جاء على الفور وكأنه كان يقف امام الباب انتظاراً لهذا الأمر .
قال في نبرة هادئة نسبياً :
- شوف الحكما وين هايسكنوا وعرفهم بمحفوظ وسعدي ، واليوم عشية واللا غدوة ندير اجتماع للكل.
كان بادياً أنه تعمد وضع هذه العبارات العربية الدارجة حتى يصلنا معناها ، وقد استخلصتها هنا من بين سيل جارف من الحديث بالفرنسية وكان يثق لفرط سرعته من أننا لن نفهم مايقول لسي لخضر الذي اكتفى بهز رأسه سمعاً وطاعة متجنباً الرد بأي من اللغتين حرصاً على مشاعرنا ،ذلك ماأسره إلينا بعد انتهاء المقابلة فقد أدرك الرجل حين شاهد ملامحنا أننا لن نتمكن من متابعة مايقوله "سي بختي" فاكتفى بهز الرأس ولم يشأ أن يضاعف معاناتنا.
كانت هذه العبارة إيذاناً بانتهاء مراسم استقبالنا من مدير المستشفى ، لم أكن مرتاحاً تماماً لهذه العنجهية البادية على ملامحه الجامدة ، كنت أؤمن دائماً بالمثل القائل "لاقيني ولاتغديني" .. وبالرغم من أن إعداد مائدة الإفطار الشهية لي ولصلاح لم يكن بعيداً عن موافقته إلا أن مقابلته لنا تركت انطباعاً لدينا معاً بأننا أمام شخص لايحب العرب عموماً ، وربما المصريين خصوصاً ،وربما أدركت وانا أخرج من باب الغرفة متبوعاً بصلاح وسي لخضر مغزى قوله لنا قبل اللقاء " ماتخمموا في والو " .. أي لاتشغلوا أنفسكم بالتفكير أو قوله "هو صعيب شوية ".. كأن الرجل كان على علم بما سيتركه في نفوسنا لقاء مدير لايعرف الابتسام في وجوه الغرباء فلايهش ولايبش ولايبحث عن نقاط الالتقاء مع محدثيه إنما يتعمد أن يوضح نقاط الخلاف منذ البدء بسؤالهم إن كانوا يجيدون الفرنسية التي يفضل هو أن يدور الحديث بها .
أنا من الذين لايجيدون العمل إلا في جو من الحب والمودة ، ولعل تلك المقابلة السريعة مع سي بختي قد اصابتني بحالة من التوجس والقلق كنت أجاهد لأتخلص منها حتى يمكنني البدء دون منغصات نفسية ، استرجعت حديث الرجل مراراً محاولاً إيجاد مايشي بالمودة والترحيب ، لكن أقصى ماأمكنني الوصول إليه أن الرجل كان متحفظاً وجاداً كمايليق بمدير يقدم نفسه لموظفين جدد وهو يعلم أنهم يقيّمونه من هذه الناحية كما يقيّمهم سواء بسواء ، وأن الرسالة على هذا النحو ليس فيها مايكدر الخاطر.
انتظروني
( الجزء الثاني )
(1)
كان سي لخضر مايزال واقفاً بالردهة التي تفصل منطقة المطابخ عن منطقة الإدارة في انتظار أن ننهي إفطارنا الذي طال أكثر مماينبغي ، فقد تسابق الطهاة على الحفاوة بنا وتقديم كميات إضافية كلما أنهينا ما أمامنا من طعام ، هل لاحظوا حاجتنا للمزيد بفعل مامر بنا من أيام عجاف ؟ .. ربما ، وربما لأنها كانت المرة الأولى منذ أكثر من أسبوع التي نتناول فيها طعاماً متنوعاً وطازجاً بعيداً عن العلب والمعلبات .
سألني صلاح وهو يقذف إلى جوفه آخر كمية من القهوة الممزوجة بالحليب :
- هذا هو الإفطار ، فماذا عن الغذاء ؟ ..
كنت سارحاً ببصري في الأفران الضخمة التي تتوسط القاعة التي نجلس على طاولة بجانب منها .. كان جلياً أن وجبة إفطارنا قد أعدت على عجل وربما لنا بشكل خاص ، ولعل ذات الفكرة التي عبر عنها صلاح كانت تراودني وأنا أستقبل ابتسامات الحفاوة والترحاب من الطهاة كلما التقت عيناي بأحد منهم..
- لاتتعجل الأمور .. سيتضح لنا كل شئ حين نلتقي السيد بختي.
راق له أن يمزح وهو يرمي بالفوطة على المائدة ويهم بالنهوض فقال لي هامساً وهو يميل ناحيتي بقامته الطويلة :
- انا عارف بختي زي الزفت .
أسرعت أضع سبابتي على فمي وأنا ادير البصر فيمن حولي وأهمس حتى لايكون هناك من التقط هذه القفشة السخيفة :
- ششششششششش
وبالرغم من أن معرفتنا بسي لخضر مقتصد المستشفى لم تتجاوز دقائق معدودة مابين لحظات الاستقبال بحجرة العسّاس وإدخالنا إلى شقة الاستراحة ، ثم لحظات توصيلنا إلى مطبخ المستشفى إلا أنه بدا سعيداً بوجودنا وقد أقبل يضمنا إليه بكلتا ذراعيه ويحاول جاهداً الوصول إلى كتف صلاح جاذباً إياه إلى الأسفل قليلاً لتلتقي رؤوسنا جميعاً عند نقطة واحدة من الدائرة التي شكلها بامتداد ذراعيه وكأننا لاعبون يقرأون الفاتحة قبل المباراة الهامة ثم يقول في صوت خفيض وكأنه يأتمننا على سر
- سي المدير راه ينتظركم في المكتب ، تكلموا معه ، هو صعيب شوية ، بس ماتخمموا في والو ...
" ماتخمموا في والو ..."
عبارة جديدة أضفتها إلى قاموسي الجزائري، تحمل لهجتها نوعاً من الطمأنة والألفة، لم أفهم مقصده بالضبط وهو يحاول دمج اللهجتين المصرية والجزائرية معاً بقصد تييسير فهمنا لمايقول .. بدأت الفئران تسعى في صدري من جديد ، فتلك الضمة وذلك الحديث الودود الهامس مع الإشارة إلى أن المدير "صعيب" كلها قد خلقت لدينا إحساساً بالتوتر رغم أنه كان يسعى لإزالة شعورنا بغربة المكان.
وقد زاد شعوري بالقلق حين وجدته يفتح باب غرفة المدير في هدوء ويشير إلينا بالدخول ثم ينسحب من المكان تاركاً إياناً على مدخل الغرفة الفسيحة التي يتصدرها مكتب المدير ..
شاهدت سي محمد بختي للمرة الأولى ، كان رجلاً في العقد الخامس ملامحه جامدة وقد شكلت مع بشرته البيضاء وشعره المصفف بعناية وأناقته الواضحة برباط عنقه الأحمر صورة رجل فرنسي لايشبه سي لخضر ولا العسّاس ولا حتى مخيلفة الذي كان يشفع له وجوده بمقر الوزارة بالعاصمة أن يكون مختلفاً ، وقد عمّق إحساسي بالقلق إشارته لنا بالجلوس أمام مكتبه دون أن يكلف نفسه عناء الوقوف للترحيب بنا ، بداية لم تكن مبشرة قط ، وقد ظل الرجل لحظات متشاغلاً بمراجعة الأوراق أمامه لكنها مرّت علينا كدهر كامل بينما أنا وصلاح نترامق بين الحين والحين وفي أعيننا عشرات الأسئلة بلا إجابة ، ثم رفع رأسه ونظر إلينا من خلف نظارته الطبية التي منعها الأنف المقوس قليلاً من السقوط وقال :
- محمد وصلاح ..
هززنا رؤوسنا معاً في صمت بينما نفخ هو بكلمة خرجت من الأنف والفم معاً كطلقة .. bon.. أي جيد ، ولم أتبين لحظتها ماالجيد في أن اكون أنا محمد وأن يكون صاحبي هو صلاح ، لكن هكذا جرت العادة حين يبدأ حوار من ذلك النوع المتحفظ بين أغراب ، أدار بعدها عينين حائرتين فيمابيننا وكأنه يحاول الاكتشاف بنفسه دون سؤال :
- أشكون صلاح ؟
رفع صلاح يده حتى حازت رأسه فأدار وجهه ناحيتي متسائلاً :
- أنت محمد ؟
لم يكن السؤال يحمل أي معنى فهززت رأسي موافقاً دون حركة ، فعاد يسأل من جديد .
- ماتهدروا الفرنسية شوية ؟ .
كان مستوانا في اللهجة الجزائرية قد مكننا من معرفة أن "أشكون" تعني من يكون وأن " يهدر" تعني يتحدث ، وقد وجدتها فرصة لاستعراض مهارتي لافي الفرنسية هذه المرة وإنما في اللهجة الجزائرية ذاتها التي بدأت التعود على مفرداتها فقلت:
- شية مو بالزاف..
أي القليل وليس الكثير .. خيل إلي أنني لمحت لوناً من الضيق يكسو ملامح وجهه حين عاد يطلق من جديد تلك الزفرة القوية التي تعني جيد بلا ضرورة أو هكذا قدّرت قبل أن أتبين أنها زفرات أو محطات صوتية تفصل بين موضوع وآخر..
كانت تلك بداية متحفظة نوعاً ما ، وكنا ننتهز فرصة انشغاله بالأوراق لنطيل النظر في أرجاء الغرفة الواسعة وقد شغلت جانباً منها منضدة اجتماعات ضخمة تحلقت حولها مقاعد تشي بأهمية المكان وشاغله .
تحدث معنا حديثاً طويلاً خلط فيه الفرنسية بالعربية باللهجة المحلية الدارجة ، قال كلاماً كثيراً عن أهمية دورنا سواء بالمستشفى أو العيادات أو الزيارات الميدانية للمواقع البعيدة التي تقع ضمن مسؤوليات المستشفى وكنا في كل المراحل نكتفي بهز الرؤوس كعلامة للفهم والمتابعة ، لكنه توقف فجأة ودون تمهيد وسأل وكأنه تذكر امراً هاماً للتو :
- شفتم محفوظ ..
- محفوظ من ؟
- الدكتور محفوظ .. زميلكم المصري.
لم نكن نعلم حتى اللحظة أن لنا زميلاً مصرياً بنفس المستشفى فقلت أنبهه لما يكون قد غاب عنه:
- نحن هنا منذ أربع ساعات فقط قضيناها في النوم ، ولم نلتق سوى سي لخضر ..
قال في حزم لايناسب الموقف:
- هي غلطة لخضر ...
زفرت في ضيق لهذا التغابي الواضح ، وتصويره لموقف لخضر كمتهم حين تذكرت سي لخضر وكيف أيقظناه من نومه عند وصولنا فجاء على عجل وحفاوته الزائدة بنا فقلت
- ليس هناك غلط .. نحن وصلنا بعد الفجر بقليل ، تقريباً لم يشعر بنا أحد.
تجاهل ردي عامداً وقال وكأنه ينهي المقابلة:
- سأبلغكم بموعد الاجتماع الذي نناقش فيه تقسيم العمل ، ومعكم الدكتور محفوظ والدكتور سعدي .
ثم ضغط الجرس فجاء السكرتير ،طلب منه استدعاء سي لخضر الذي جاء على الفور وكأنه كان يقف امام الباب انتظاراً لهذا الأمر .
قال في نبرة هادئة نسبياً :
- شوف الحكما وين هايسكنوا وعرفهم بمحفوظ وسعدي ، واليوم عشية واللا غدوة ندير اجتماع للكل.
كان بادياً أنه تعمد وضع هذه العبارات العربية الدارجة حتى يصلنا معناها ، وقد استخلصتها هنا من بين سيل جارف من الحديث بالفرنسية وكان يثق لفرط سرعته من أننا لن نفهم مايقول لسي لخضر الذي اكتفى بهز رأسه سمعاً وطاعة متجنباً الرد بأي من اللغتين حرصاً على مشاعرنا ،ذلك ماأسره إلينا بعد انتهاء المقابلة فقد أدرك الرجل حين شاهد ملامحنا أننا لن نتمكن من متابعة مايقوله "سي بختي" فاكتفى بهز الرأس ولم يشأ أن يضاعف معاناتنا.
كانت هذه العبارة إيذاناً بانتهاء مراسم استقبالنا من مدير المستشفى ، لم أكن مرتاحاً تماماً لهذه العنجهية البادية على ملامحه الجامدة ، كنت أؤمن دائماً بالمثل القائل "لاقيني ولاتغديني" .. وبالرغم من أن إعداد مائدة الإفطار الشهية لي ولصلاح لم يكن بعيداً عن موافقته إلا أن مقابلته لنا تركت انطباعاً لدينا معاً بأننا أمام شخص لايحب العرب عموماً ، وربما المصريين خصوصاً ،وربما أدركت وانا أخرج من باب الغرفة متبوعاً بصلاح وسي لخضر مغزى قوله لنا قبل اللقاء " ماتخمموا في والو " .. أي لاتشغلوا أنفسكم بالتفكير أو قوله "هو صعيب شوية ".. كأن الرجل كان على علم بما سيتركه في نفوسنا لقاء مدير لايعرف الابتسام في وجوه الغرباء فلايهش ولايبش ولايبحث عن نقاط الالتقاء مع محدثيه إنما يتعمد أن يوضح نقاط الخلاف منذ البدء بسؤالهم إن كانوا يجيدون الفرنسية التي يفضل هو أن يدور الحديث بها .
أنا من الذين لايجيدون العمل إلا في جو من الحب والمودة ، ولعل تلك المقابلة السريعة مع سي بختي قد اصابتني بحالة من التوجس والقلق كنت أجاهد لأتخلص منها حتى يمكنني البدء دون منغصات نفسية ، استرجعت حديث الرجل مراراً محاولاً إيجاد مايشي بالمودة والترحيب ، لكن أقصى ماأمكنني الوصول إليه أن الرجل كان متحفظاً وجاداً كمايليق بمدير يقدم نفسه لموظفين جدد وهو يعلم أنهم يقيّمونه من هذه الناحية كما يقيّمهم سواء بسواء ، وأن الرسالة على هذا النحو ليس فيها مايكدر الخاطر.
انتظروني