ناديةالملاح
10/18/2010, 02:57 AM
إن خلت منها بلاد.. علينا أن نشك أن فيها أحياء
الجدران نشرات للأخبار «الأخرى» وقوائم مطالب
تزدحم الجدران في الغالب بالكتابات الطفولية، كتابات تعبر عن أعمار كاتبيها وهمومهم، فهناك من يعبر عن مجموعة من الأصدقاء بلغ بهم الحب والارتباط أن يثبتوا هذا الشيء لأنفسهم وللآخرين على جدران البيوت والمباني العامة، وهناك من يعبر عن ضغوطه النفسية فينفثها على شكل عبارات غير لائقة وخارجة عن حدود ما تعارف عليه المجتمع من محافظة وآداب.
آخرون ‘’يحيّون’’ فريقاً رياضياً أو ‘’يسقّطون’’ آخر، أو يمجّدون منطقتهم، أو يحقّرون منطقة أو (فريق/ حي) آخر، ولكن هذا لم يكن ليستوقف أي مارٍ كما تفعل الكتابات السياسية التي خرجت بشكل مكثف في الفترة التي تلت الثورة الإيرانية (1979) وما تلاها من وقائع وحوادث، تلونت بها الجدران وصارت متنفس من لا يملك وسائل الإعلام، ولا يمكنه الوصول إليها.
أيُّ عمل سياسي أو تحول أيديولوجي، يهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث تغيير من نوع ما، قد تختلف درجة هذا التغيير لكنه يبقى الهدف الأساس.
بعد أن كانت أروقة المحرق تزدحم جدرانها بالحروف وعبارات العشق، أصبح محمد ورفاقه يزاحمون تلك العبارات في كل ليلة، على أحد الجدران H+N عاشق وإلى جوارها (الله أكبر.. النصر للإسلام)، لم تمحُ العبارات الجديدة سابقاتها، لكنها خلقت لنفسها مكاناً وجواً مغايراً مع بداية الثورة الإيرانية. إذ أصبحت الجدران تنطق باسم الثورة، وتتلون بألوانها، وتسير معها، وعبارات الثورة باتت هي الشغل الشاغل لمحمد، يعد عدته في كل ليلة، يجتمع برفاقه يوزعون العمل فيما بينهم يختارون الجدار المناسب، ساحة المعركة الإعلامية، ومن ثم يتوجهون لتنفيذ المهمة.
كانت الثورة الإيرانية شعارات يتخذها كثير من الشباب وتترجمها الجدران في أماكن ليست بالقليلة في البحرين، جدران تهتف باسم ‘’الإمام القائد’’ وتمجده وتعظمه. كانت هناك ملاحقات، وضبط، زُجّ بكثير من الشباب في السجون بسبب ضبطهم متلبسين بإنطاق الجدران، لكن الكتابة لم تتوقف قط.
عقائد الجدران
في الفترة ذاتها، قبلها وبعدها، كان الصراع الفكري قائما على الجدران، حرب ثقافات مختزلة، حرب باردة لا تظهر سخونتها ورعونتها إلا على الجدران، على الجدار نفسه تضج عبارات متناقضة، كأن كلاً منها سلاح دفاع عن فكرة أو معتقد.
هنا كانت الثمانينات فترة الضياع والفراغ لجمع كبير أيضاً من الشباب الذين افتقدوا القائد والموجه والمثل، فخرج على البحرين في نهاية حياته، مغني الريغي الجامايكي بوب مارلي، بشعره الأجعد المجدول وتدخينه المخدرات، وألوان طاقيته المتخذة من ألوان علم بلاده، الأحمر والأصفر والأخضر، في نفرة لها طابعها المستمد من إفريقيا، مارلي الذي غنى لإفريقيا و004 عام من العبودية.. إطلاق النار على ‘’الشريف’’ الأميركي، الحرب، وألا بكاء من دون نساء No woman no cry ، ورجاءه للسائق أن يتوقف لكي ينزل من قطار المدنية المتوحشة.. كان له صدى واسع على امتداد العقد التاسع من القرن الماضي في البحرين خصوصاً، وعلى رغم أنه توفي قبل 52 عاماً (11 مايو/ أيار 1981) إلا أنك لا تستغرب أن تجد اسم BOB مرشوشاً على جدران. كتابات جديدة طازجة، وكأنه لايزال موجوداً بأغانيه التي تضج بالأسى والحزن والاستنهاض أيضاً.
‘’النصر لإيران’’.. “BOB”.. ‘’جيفارا وبس’’.. ‘اللعنة على جيفارا’’.. كل تلك العبارات وغيرها يضج بها الجدار ولا يمل، يحملها بألوانها وثقلها وبكل ما تختزله في داخلها.
صار هناك نوع من التداخل بين مؤيدي الثورة ومعارضيها، وبين أولئك الذين لا يأبهون بالثورة أو بمعارضتها، يكتبون ما يحبون، ما يعتقدون، ما يشتهون.
ولكن هل الكتابة السياسية على الجدران فعلٌ مقصودٌ لذاته؟ أم انه خطوة ضمن إطار عام يسير ضمن نمط محدد؟ أم انه كما تراه مريم (معلمة) ‘’عملية غير مجدية وغير فاعلة’’؟ أم مجرد عبث فئة مراهقة تقضي على فراغها لا أكثر؟
ما الذي يُترك على الجدران؟
تنتهي الثورة وتبقى آثارها، تظل بصمتها حاضرة، وتظل عباراتها في الأذهان بقدر ما نضحت بها الجدران.
قد لا تكون الكتابة المرتبطة بالثورات أو بالحوادث السياسية عملاً منظماً، لكنها تبقى طابعاً يتطبع به الحدث، وخطوةً لا يمكن القفز فوقها أبداً، فهي - وإن شهدت الكثير من المعارضة والرفض - وسيلة للتعبير عن حال من الكبت والضغط النفسي من قبل فئة لا تملك سوى الكلمة سلاحاً، بيْد أن الأمر قد يتخطى معارضة الفكرة أو مؤازرتها إلى الدفاع عن المصالح الشخصية، وأقصد في ذلك الممتلكات الخاصة، البيوت، الجدران، التي تبقى ملكاً لصاحبها ولا يحق لأي كان تشويهها بشكل أو بآخر.
شهدت هذه الظاهرة انتشاراً كبيراً في حوادث التسعينات في البحرين، ومازالت الجدران تشهد بالكثير، مطالب، ملاحظات، لفتات، وأحياناً سباب وشتم. كانت الجدران في هذه الحوادث لوحاً لمن يفيضون حباً وحرباً. ينام الناس على بياض جدرانهم ليفيقوا صباحاً على أصوات رجال الشرطة الذين يقومون على عملية ‘’المحو’’، يمحون العبارات، وكأنهم بذلك يمحون الثورة الموجودة في العمق، بعض منهم كان يمحو ما كتب الصبية والشباب ليلا ويضيف كتابات أخرى تمجد في الحكومة وتحييها، بعض آخر كان يمحو كل ما يكتب ويثبت العبارات التي فيها لفظ الجلالة (الله) فلا يقترب منها ‘’الله أكبر’’.. ‘’الله على الظالم’’ يمحو ‘’على الظالم’’ ويبقي لفظ الجلالة.. قبل أشهر قليلة كُتب على جدار ‘’نخل سيادي’’ في البسيتين بخط يبدو أن كاتبه وجد فرصة كافية لئلا ترتبك أصابعه ‘’لا إله إلا الله محمد رسول الله... الشيخ أسامة بن لادن’’.. قبل أسابيع قليلة، تم ‘’تبييض’’ اسم بن لادن وبقيت عبارة التوحيد.
على رغم مرور أحد عشر عاماً على تلك الحوادث إلا أن الجدران مازالت ناطقة بعباراتها ومطالباتها، (نطالب بحل البرلمان الحالي)... (الدستور هو الحل).. (معكم معكم يا علماء).. (نطالب بدستور 37).. وغيرها من العبارات، ثمة أسئلة تطرح نفسها: هل يدرك كل من يكتب تلك العبارات مضمون ما يكتب؟ هل تمثل تلك الكتابات فعلاً جدوى في التغيير؟ كيف ينظر أصحاب البيوت إلى أولئك الشباب؟ ما العبء الذي يتحمله صاحب البيت لطلاء جدرانه من جديد؟
ثمة اتفاق بين معظم سكان المناطق أن عملية الكتابة على الجدران كانت مجدية في بداية الحوادث، أما اليوم فلا جدوى تُذكر من جراء استمرارها، لم يعد الكاتبون يدركون لماذا يكتبون، أو ماذا يكتبون، صارت العملية مجرد ممارسة اعتيادية، وخرجت عن كونها مطالبات حقيقية، أغلب من يقوم بالكتابة هم المراهقون، وغالبيتهم مستمرون لئلا يفقدوا صورة بطولة متخيلة أمام أبناء حيهم.
أما أهالي تلك المناطق، أصحاب البيوت، فإنهم بين راضٍ عما يحدث لجدرانه التي وهبها للحوادث، وبين رافضٍ يرى في تلك الممارسات تصرفات غير مسؤولة، مثل نادر محمد (83 عاماً) الذي يقول ‘’لم أجد أبداً جدوى من تلك الكتابات التي تتم بشكل فوضوي غير مدروس (...) معظم من يكتبون على الجدران هنا هم من المراهقين وتاركي المدارس (...) كثير منهم لا يفقهون ما يكتبون وربما لا يدركون حتى معنى كلمة (دستور) التي يخطونها في كل مكان’’.
يضيف ‘’أنا وغيري الكثير مستاؤون، لكننا لا نملك ما يمكن أن يوقفهم عند حدهم’’.
وعن رد فعله فيما لو رأى أحدهم يكتب على جدران بيته يقول نادر ‘’طبعاً أرفض ذلك رفضاً قاطعاً، لكني بكل أسف لا أستطيع فعل شيء، فلو وجهت أية كلمة لأي منهم سأكون في نظرهم منبوذاً وضد الحق’’.
كثير من أمثال نادر يرفضون ولا يصرحون، يستاؤون ولا يعبّرون، وفي الوقت ذاته هناك من يقف إلى جانب تلك الكتابات ويرى أنها ‘’تفجر قضية’’ حسب تعبير فاطمة (41 عاماً)، ربما كانت تفجر قضية، ولكن هل تملك في المقابل أن تحل القضايا التي حملتها نفسها؟
كلفة اقتصادية أيضاً
قد لا يفكر من يمارس حريته على الجدار في مدى المساس الذي يكون منه لحريات الآخرين وخصوصياتهم، وقد لا يكلف نفسه عناء التريث لحظة قبل أن يفسد جمال جدار لمنزل ربما سُكن حديثاً وتكبد صاحبه العناء في إظهاره بالشكل المطلوب.
تكفي العلبة الواحدة من الصبغ ذي النوعية الجيدة سعة 4.5 ليتر، أن تدهن أربعة أمتار مربعة من الحيطان الخارجية وأسوار البيوت، وتتفاوت أسعارها بحسب نوعياتها، ولكن هل يعتني أهل البيوت الواقعة في المناطق الأكثر عرضة للكتابات والمكاتبات باختيار الأنواع الأعلى سعراَ ما دامت ستكون حينها أكثر إغراء بمعاودة الكرّة؟
الكلفة لمن ينظر إليها مجردة ليست كبيرة، إذ إن الكثرة الكثيرة للأراضي الخاصة في البحرين لا تزيد مساحتها على 500 متر مربع، هذا يعني أن كلفة الصبغ الخاص بالجدار لن تتجاوز 53 ديناراً ثمن علب الصبغ، ولكنها تتضاعف عند الحديث عن استخدام من يقوم بالصباغة بشكل احترافي.
لا يرى إبراهيم السعد أية فائدة من صبغ الجدار وإعادة صبغه، إذ يقول إن بيوت منطقته تتعرض إلى ‘’هبّات’’ موسمية من الكتابات التي تخبو وتظهر، وبالتالي، فهو لا يعرف متى عليه أن يدهن جدران منزله، وهل الأبيض أنسب، وحينها سيكون أنصع للكتابة؟ أم يختار لوناً طارداً للكتابة والكتّاب؟
يقول السعد إنه بنى بيته في العام 1992، وفي تلك الفترة كانت ‘’الموضة’’ هي البيوت البيضاء اللون ‘’لم تكن الألوان الخارجية، ولا حتى الداخلية الجريئة سائدة في تلك الفترة، ولذلك صممت النوافذ أيضاً على هذا الأساس (...) اليوم سأحتاج إلى أكثر من ثلاثة آلاف دينار لإعادة صبغ البيت كله ليبدو متناغماً (...) إن أعدت صبغ الجدار وحده فسيكون لوحة جاهزة لمعاودة الكتابة ورسم ما لا يليق عليها’’.
السعد مثل كثير من سكان حيه يشعر بالمنظر المؤذي للكتابات على الجدران، خصوصاً إن حملت البذاءات وما لا يقبله العُرف، ويوضح ‘’اشترى ابني علبة رش ليمحو كتابة كانت لا تليق كتبها بعض (الأشقياء) على جدار منزلي (...) المشكلة أن الجدار تشوه أكثر وبقيت الكلمات مقروءة من أسفل الرش الجديد (...) أصبح الجدار مقرفاً، فاضطررت لتخصيص 200 دينار لصباغة الواجهة بعيداً عن الترقيع’’.
ومن جهته، يقول محمود شمسي (صاحب مقاولات صباغة) ‘’لكل جدار كلفة مختلفة، حسب نوعية الجدار وحالته، ورغبة صاحب البيت في نوعية الدهان المطلوب لإحياء الجدار مجدداً، ولكن في المتوسط فإن كلفة إعادة طلاء المتر المربع الواحد للجدار سوف تدور حول 1.5 دينار’’، هذا السعر يؤكده جلال حسين من مؤسسة ‘’المعاميري للصباغة’’ مع الإشارة إلى ارتفاع السعر أو انخفاضه بشكل طفيف.
إن الرغبة في التعبير حق مكفول، لكنه مشروط بألا يشوه حريات الآخرين، يمكن أن نكتب ونعبر ونخلق جدراناً تفيض حباً، وأخرى تشعل حرباً، وأخرى يتصارع فيها الابتسام مع الوجع، ولكن يبقى من حق الآخرين ألا تسوءهم حقوقنا.
«الخطاب» وإشكال المحتوى
عبارات ساقطة، عبارات سياسية، عبارات ذات طبيعة هجائية أو كاريكاتورية، إفساد، تشويش.. تلك هي أهم التوصيفات التي تقدمها لنا الحدود اللغوية عن الخربشة باعتبارها مدلولاً مؤشر على محتوى خطابي. وكما هو ملاحظ، فإن الإطار الدلالي العام الذي تلتقي عنده سائر الأوصاف السالفة، هو إطار قيمي مؤشر على مواصفات خلقية سالبة لها السقوط والابتذال. ذلك هو الحكم الصادر في حق هذه الكتابة، حكم اجتماعي يخفي عنف معياريته في براءة حدود المداخل المعجمية.
الهامش:
* محمد حمّود/ قراءة في خطاب هامشي/ كتابات معاصرة، العدد 22/ 4991
الجدران نشرات للأخبار «الأخرى» وقوائم مطالب
تزدحم الجدران في الغالب بالكتابات الطفولية، كتابات تعبر عن أعمار كاتبيها وهمومهم، فهناك من يعبر عن مجموعة من الأصدقاء بلغ بهم الحب والارتباط أن يثبتوا هذا الشيء لأنفسهم وللآخرين على جدران البيوت والمباني العامة، وهناك من يعبر عن ضغوطه النفسية فينفثها على شكل عبارات غير لائقة وخارجة عن حدود ما تعارف عليه المجتمع من محافظة وآداب.
آخرون ‘’يحيّون’’ فريقاً رياضياً أو ‘’يسقّطون’’ آخر، أو يمجّدون منطقتهم، أو يحقّرون منطقة أو (فريق/ حي) آخر، ولكن هذا لم يكن ليستوقف أي مارٍ كما تفعل الكتابات السياسية التي خرجت بشكل مكثف في الفترة التي تلت الثورة الإيرانية (1979) وما تلاها من وقائع وحوادث، تلونت بها الجدران وصارت متنفس من لا يملك وسائل الإعلام، ولا يمكنه الوصول إليها.
أيُّ عمل سياسي أو تحول أيديولوجي، يهدف بالدرجة الأولى إلى إحداث تغيير من نوع ما، قد تختلف درجة هذا التغيير لكنه يبقى الهدف الأساس.
بعد أن كانت أروقة المحرق تزدحم جدرانها بالحروف وعبارات العشق، أصبح محمد ورفاقه يزاحمون تلك العبارات في كل ليلة، على أحد الجدران H+N عاشق وإلى جوارها (الله أكبر.. النصر للإسلام)، لم تمحُ العبارات الجديدة سابقاتها، لكنها خلقت لنفسها مكاناً وجواً مغايراً مع بداية الثورة الإيرانية. إذ أصبحت الجدران تنطق باسم الثورة، وتتلون بألوانها، وتسير معها، وعبارات الثورة باتت هي الشغل الشاغل لمحمد، يعد عدته في كل ليلة، يجتمع برفاقه يوزعون العمل فيما بينهم يختارون الجدار المناسب، ساحة المعركة الإعلامية، ومن ثم يتوجهون لتنفيذ المهمة.
كانت الثورة الإيرانية شعارات يتخذها كثير من الشباب وتترجمها الجدران في أماكن ليست بالقليلة في البحرين، جدران تهتف باسم ‘’الإمام القائد’’ وتمجده وتعظمه. كانت هناك ملاحقات، وضبط، زُجّ بكثير من الشباب في السجون بسبب ضبطهم متلبسين بإنطاق الجدران، لكن الكتابة لم تتوقف قط.
عقائد الجدران
في الفترة ذاتها، قبلها وبعدها، كان الصراع الفكري قائما على الجدران، حرب ثقافات مختزلة، حرب باردة لا تظهر سخونتها ورعونتها إلا على الجدران، على الجدار نفسه تضج عبارات متناقضة، كأن كلاً منها سلاح دفاع عن فكرة أو معتقد.
هنا كانت الثمانينات فترة الضياع والفراغ لجمع كبير أيضاً من الشباب الذين افتقدوا القائد والموجه والمثل، فخرج على البحرين في نهاية حياته، مغني الريغي الجامايكي بوب مارلي، بشعره الأجعد المجدول وتدخينه المخدرات، وألوان طاقيته المتخذة من ألوان علم بلاده، الأحمر والأصفر والأخضر، في نفرة لها طابعها المستمد من إفريقيا، مارلي الذي غنى لإفريقيا و004 عام من العبودية.. إطلاق النار على ‘’الشريف’’ الأميركي، الحرب، وألا بكاء من دون نساء No woman no cry ، ورجاءه للسائق أن يتوقف لكي ينزل من قطار المدنية المتوحشة.. كان له صدى واسع على امتداد العقد التاسع من القرن الماضي في البحرين خصوصاً، وعلى رغم أنه توفي قبل 52 عاماً (11 مايو/ أيار 1981) إلا أنك لا تستغرب أن تجد اسم BOB مرشوشاً على جدران. كتابات جديدة طازجة، وكأنه لايزال موجوداً بأغانيه التي تضج بالأسى والحزن والاستنهاض أيضاً.
‘’النصر لإيران’’.. “BOB”.. ‘’جيفارا وبس’’.. ‘اللعنة على جيفارا’’.. كل تلك العبارات وغيرها يضج بها الجدار ولا يمل، يحملها بألوانها وثقلها وبكل ما تختزله في داخلها.
صار هناك نوع من التداخل بين مؤيدي الثورة ومعارضيها، وبين أولئك الذين لا يأبهون بالثورة أو بمعارضتها، يكتبون ما يحبون، ما يعتقدون، ما يشتهون.
ولكن هل الكتابة السياسية على الجدران فعلٌ مقصودٌ لذاته؟ أم انه خطوة ضمن إطار عام يسير ضمن نمط محدد؟ أم انه كما تراه مريم (معلمة) ‘’عملية غير مجدية وغير فاعلة’’؟ أم مجرد عبث فئة مراهقة تقضي على فراغها لا أكثر؟
ما الذي يُترك على الجدران؟
تنتهي الثورة وتبقى آثارها، تظل بصمتها حاضرة، وتظل عباراتها في الأذهان بقدر ما نضحت بها الجدران.
قد لا تكون الكتابة المرتبطة بالثورات أو بالحوادث السياسية عملاً منظماً، لكنها تبقى طابعاً يتطبع به الحدث، وخطوةً لا يمكن القفز فوقها أبداً، فهي - وإن شهدت الكثير من المعارضة والرفض - وسيلة للتعبير عن حال من الكبت والضغط النفسي من قبل فئة لا تملك سوى الكلمة سلاحاً، بيْد أن الأمر قد يتخطى معارضة الفكرة أو مؤازرتها إلى الدفاع عن المصالح الشخصية، وأقصد في ذلك الممتلكات الخاصة، البيوت، الجدران، التي تبقى ملكاً لصاحبها ولا يحق لأي كان تشويهها بشكل أو بآخر.
شهدت هذه الظاهرة انتشاراً كبيراً في حوادث التسعينات في البحرين، ومازالت الجدران تشهد بالكثير، مطالب، ملاحظات، لفتات، وأحياناً سباب وشتم. كانت الجدران في هذه الحوادث لوحاً لمن يفيضون حباً وحرباً. ينام الناس على بياض جدرانهم ليفيقوا صباحاً على أصوات رجال الشرطة الذين يقومون على عملية ‘’المحو’’، يمحون العبارات، وكأنهم بذلك يمحون الثورة الموجودة في العمق، بعض منهم كان يمحو ما كتب الصبية والشباب ليلا ويضيف كتابات أخرى تمجد في الحكومة وتحييها، بعض آخر كان يمحو كل ما يكتب ويثبت العبارات التي فيها لفظ الجلالة (الله) فلا يقترب منها ‘’الله أكبر’’.. ‘’الله على الظالم’’ يمحو ‘’على الظالم’’ ويبقي لفظ الجلالة.. قبل أشهر قليلة كُتب على جدار ‘’نخل سيادي’’ في البسيتين بخط يبدو أن كاتبه وجد فرصة كافية لئلا ترتبك أصابعه ‘’لا إله إلا الله محمد رسول الله... الشيخ أسامة بن لادن’’.. قبل أسابيع قليلة، تم ‘’تبييض’’ اسم بن لادن وبقيت عبارة التوحيد.
على رغم مرور أحد عشر عاماً على تلك الحوادث إلا أن الجدران مازالت ناطقة بعباراتها ومطالباتها، (نطالب بحل البرلمان الحالي)... (الدستور هو الحل).. (معكم معكم يا علماء).. (نطالب بدستور 37).. وغيرها من العبارات، ثمة أسئلة تطرح نفسها: هل يدرك كل من يكتب تلك العبارات مضمون ما يكتب؟ هل تمثل تلك الكتابات فعلاً جدوى في التغيير؟ كيف ينظر أصحاب البيوت إلى أولئك الشباب؟ ما العبء الذي يتحمله صاحب البيت لطلاء جدرانه من جديد؟
ثمة اتفاق بين معظم سكان المناطق أن عملية الكتابة على الجدران كانت مجدية في بداية الحوادث، أما اليوم فلا جدوى تُذكر من جراء استمرارها، لم يعد الكاتبون يدركون لماذا يكتبون، أو ماذا يكتبون، صارت العملية مجرد ممارسة اعتيادية، وخرجت عن كونها مطالبات حقيقية، أغلب من يقوم بالكتابة هم المراهقون، وغالبيتهم مستمرون لئلا يفقدوا صورة بطولة متخيلة أمام أبناء حيهم.
أما أهالي تلك المناطق، أصحاب البيوت، فإنهم بين راضٍ عما يحدث لجدرانه التي وهبها للحوادث، وبين رافضٍ يرى في تلك الممارسات تصرفات غير مسؤولة، مثل نادر محمد (83 عاماً) الذي يقول ‘’لم أجد أبداً جدوى من تلك الكتابات التي تتم بشكل فوضوي غير مدروس (...) معظم من يكتبون على الجدران هنا هم من المراهقين وتاركي المدارس (...) كثير منهم لا يفقهون ما يكتبون وربما لا يدركون حتى معنى كلمة (دستور) التي يخطونها في كل مكان’’.
يضيف ‘’أنا وغيري الكثير مستاؤون، لكننا لا نملك ما يمكن أن يوقفهم عند حدهم’’.
وعن رد فعله فيما لو رأى أحدهم يكتب على جدران بيته يقول نادر ‘’طبعاً أرفض ذلك رفضاً قاطعاً، لكني بكل أسف لا أستطيع فعل شيء، فلو وجهت أية كلمة لأي منهم سأكون في نظرهم منبوذاً وضد الحق’’.
كثير من أمثال نادر يرفضون ولا يصرحون، يستاؤون ولا يعبّرون، وفي الوقت ذاته هناك من يقف إلى جانب تلك الكتابات ويرى أنها ‘’تفجر قضية’’ حسب تعبير فاطمة (41 عاماً)، ربما كانت تفجر قضية، ولكن هل تملك في المقابل أن تحل القضايا التي حملتها نفسها؟
كلفة اقتصادية أيضاً
قد لا يفكر من يمارس حريته على الجدار في مدى المساس الذي يكون منه لحريات الآخرين وخصوصياتهم، وقد لا يكلف نفسه عناء التريث لحظة قبل أن يفسد جمال جدار لمنزل ربما سُكن حديثاً وتكبد صاحبه العناء في إظهاره بالشكل المطلوب.
تكفي العلبة الواحدة من الصبغ ذي النوعية الجيدة سعة 4.5 ليتر، أن تدهن أربعة أمتار مربعة من الحيطان الخارجية وأسوار البيوت، وتتفاوت أسعارها بحسب نوعياتها، ولكن هل يعتني أهل البيوت الواقعة في المناطق الأكثر عرضة للكتابات والمكاتبات باختيار الأنواع الأعلى سعراَ ما دامت ستكون حينها أكثر إغراء بمعاودة الكرّة؟
الكلفة لمن ينظر إليها مجردة ليست كبيرة، إذ إن الكثرة الكثيرة للأراضي الخاصة في البحرين لا تزيد مساحتها على 500 متر مربع، هذا يعني أن كلفة الصبغ الخاص بالجدار لن تتجاوز 53 ديناراً ثمن علب الصبغ، ولكنها تتضاعف عند الحديث عن استخدام من يقوم بالصباغة بشكل احترافي.
لا يرى إبراهيم السعد أية فائدة من صبغ الجدار وإعادة صبغه، إذ يقول إن بيوت منطقته تتعرض إلى ‘’هبّات’’ موسمية من الكتابات التي تخبو وتظهر، وبالتالي، فهو لا يعرف متى عليه أن يدهن جدران منزله، وهل الأبيض أنسب، وحينها سيكون أنصع للكتابة؟ أم يختار لوناً طارداً للكتابة والكتّاب؟
يقول السعد إنه بنى بيته في العام 1992، وفي تلك الفترة كانت ‘’الموضة’’ هي البيوت البيضاء اللون ‘’لم تكن الألوان الخارجية، ولا حتى الداخلية الجريئة سائدة في تلك الفترة، ولذلك صممت النوافذ أيضاً على هذا الأساس (...) اليوم سأحتاج إلى أكثر من ثلاثة آلاف دينار لإعادة صبغ البيت كله ليبدو متناغماً (...) إن أعدت صبغ الجدار وحده فسيكون لوحة جاهزة لمعاودة الكتابة ورسم ما لا يليق عليها’’.
السعد مثل كثير من سكان حيه يشعر بالمنظر المؤذي للكتابات على الجدران، خصوصاً إن حملت البذاءات وما لا يقبله العُرف، ويوضح ‘’اشترى ابني علبة رش ليمحو كتابة كانت لا تليق كتبها بعض (الأشقياء) على جدار منزلي (...) المشكلة أن الجدار تشوه أكثر وبقيت الكلمات مقروءة من أسفل الرش الجديد (...) أصبح الجدار مقرفاً، فاضطررت لتخصيص 200 دينار لصباغة الواجهة بعيداً عن الترقيع’’.
ومن جهته، يقول محمود شمسي (صاحب مقاولات صباغة) ‘’لكل جدار كلفة مختلفة، حسب نوعية الجدار وحالته، ورغبة صاحب البيت في نوعية الدهان المطلوب لإحياء الجدار مجدداً، ولكن في المتوسط فإن كلفة إعادة طلاء المتر المربع الواحد للجدار سوف تدور حول 1.5 دينار’’، هذا السعر يؤكده جلال حسين من مؤسسة ‘’المعاميري للصباغة’’ مع الإشارة إلى ارتفاع السعر أو انخفاضه بشكل طفيف.
إن الرغبة في التعبير حق مكفول، لكنه مشروط بألا يشوه حريات الآخرين، يمكن أن نكتب ونعبر ونخلق جدراناً تفيض حباً، وأخرى تشعل حرباً، وأخرى يتصارع فيها الابتسام مع الوجع، ولكن يبقى من حق الآخرين ألا تسوءهم حقوقنا.
«الخطاب» وإشكال المحتوى
عبارات ساقطة، عبارات سياسية، عبارات ذات طبيعة هجائية أو كاريكاتورية، إفساد، تشويش.. تلك هي أهم التوصيفات التي تقدمها لنا الحدود اللغوية عن الخربشة باعتبارها مدلولاً مؤشر على محتوى خطابي. وكما هو ملاحظ، فإن الإطار الدلالي العام الذي تلتقي عنده سائر الأوصاف السالفة، هو إطار قيمي مؤشر على مواصفات خلقية سالبة لها السقوط والابتذال. ذلك هو الحكم الصادر في حق هذه الكتابة، حكم اجتماعي يخفي عنف معياريته في براءة حدود المداخل المعجمية.
الهامش:
* محمد حمّود/ قراءة في خطاب هامشي/ كتابات معاصرة، العدد 22/ 4991