هدى محمد
12/17/2008, 02:49 AM
كلمات منمقة غير منسقة
الدكتور عثمان قدري مكانسي
تواردت على ذاكرتي كلمات كانت مخزنة في حفيرات الزمن حين حاولت أمس الإخلاد إلى النوم بعد رشح – سعال وعطاس كان سببهما الجو البارد الذي لازم مدينة عمان الأردنية أربعينيات الشتاء القاسي هذا - لازمني أسبوعاً ، فذكرني بأبيات المتنبي في وصف الحمّى التي حفظناها أيام دراستنا في المرحلة الثانوية ، وكنت أيامها أعاني من مرض التيفوئيد ( التيفوس ) ، فقلت : يأبى المتنبي أن يطرح معاناته إلا بشكل عملي يتحسسه القارئ لقصيدته بقوة ، فلا ينساها ، وإن طال به العمر لأنه عايشها عملياً ، ومن عاين تأكد ، ومن ذاق عرف .
تواردت هذه الكلمات شعراً ونثراً ، حِكَماً وعظات ، دون تنسيق ولا ترتيب ، فأحببت أن أقدمها كما جاءتني دون رتوش ولا تلميع وترتيب .... كما أحفظها في الذاكرة ، وقد آنستني تلك السويعة ، ولعلها تؤنس القارئ إن شاء الله تعالى حين يراها بين يديه بيد أنني لا أتذكر قائل أبيات أُوردُها ولا صاحب قصة أسردُها :
1- أحدهم ينفعل حين يأتيه البشير قائلاً : إن الله تعالى رزقك مولوداً ذَكراً بعد أن سبقته أخوات له ثلاث ، فيقول هذه الأبيات الجميلة المعبرة عن شديد فرحه وبالغ سعادته :
ورد البشـير مبشـراً بقـدومـه *** فملئت من قول البشير سروراً
واللهِ لو قـَنع البشـير بمهجتي *** أعطـيـتـُه ورأيـتُ ذاك يسـيـراً
لو قال : هبني ناظريك لقلتُها *** خذ ناظريّ فمـا سـألتَ كـثيـراً
وكأنني يعقوب من فرحي به *** إذ عاد من شم القميص بصيراً
2- وهذا رجل شهم يأبى فعل المنكرات وإيذاء الناس – وهو قادر أن يفعلها – خوفاً من الله تعالى أولاً والرغبة بالتحلّي بالحياء والخلق الجميل ثانياً :
وربّ قـبـيحـة ما حـال بينـي *** وبـيـن ركـوبهـا إلا الحـيـاءُ
إذا رُزق الفتى وجهـاً وَقاحـاً *** تقـلـّب في الأمور كما يشاء
وقال غيره في المعنى نفسه :
إذا لم تصُنْ عِرضاً *** ولم تخشَ خالقـاً
وتسـتَحْيِ مخـلـوقـاً *** فما شئتَ فاصنعِ
والحياء وكاء ، ومن تفلـّت عنه الوكاء ضاع منه الحياء .
3- ولعل أحدهم أراد أن يستشير أحد العارفين في رجلين يريد التأكد من أخلاقهما ليشاركهما في تجارته أو يتخذهما صاحبين ، فجاءه الجواب الفصل : (هما كالخمر والميسر ، إثمهما أكبر من نفعهما ) . والحقيقة أن الناس ليسوا شراً محضاً ولا خيراً محضاً . فمن غلب شرُّه خيرَه كان شيطاناً ، ومن غلب خيرُه شرَّه كان ملاكاً .
4- أما الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك فقد نظر إلى نفسه في المرأة – وكان شاباً حين آلت الخلافة إليه – فأصابه الفخر والخيلاء إذ قال : " أنا الملك الشابّ " .
وسمعته جاريته – وكانت عاقلة – فقالت :
أنت نِعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى *** غـيـرَ أنْ لا بقـاءَ للإنسـانِ
ليـس فيما بدا لنـا منـك عيبٌ *** كان في الناس غيرَأنك فانِ
والله تعالى يقرر هذا المبدأ الذي قهر به عباده " إنك ميت وإنهم ميتون " ولو دام الأمر لغيره ما وصل إليه . ولْنتصوّر كلمة " ذائقة " في قوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت " . إن التذوق " معاينة ومعاناة " .
الدكتور عثمان قدري مكانسي
تواردت على ذاكرتي كلمات كانت مخزنة في حفيرات الزمن حين حاولت أمس الإخلاد إلى النوم بعد رشح – سعال وعطاس كان سببهما الجو البارد الذي لازم مدينة عمان الأردنية أربعينيات الشتاء القاسي هذا - لازمني أسبوعاً ، فذكرني بأبيات المتنبي في وصف الحمّى التي حفظناها أيام دراستنا في المرحلة الثانوية ، وكنت أيامها أعاني من مرض التيفوئيد ( التيفوس ) ، فقلت : يأبى المتنبي أن يطرح معاناته إلا بشكل عملي يتحسسه القارئ لقصيدته بقوة ، فلا ينساها ، وإن طال به العمر لأنه عايشها عملياً ، ومن عاين تأكد ، ومن ذاق عرف .
تواردت هذه الكلمات شعراً ونثراً ، حِكَماً وعظات ، دون تنسيق ولا ترتيب ، فأحببت أن أقدمها كما جاءتني دون رتوش ولا تلميع وترتيب .... كما أحفظها في الذاكرة ، وقد آنستني تلك السويعة ، ولعلها تؤنس القارئ إن شاء الله تعالى حين يراها بين يديه بيد أنني لا أتذكر قائل أبيات أُوردُها ولا صاحب قصة أسردُها :
1- أحدهم ينفعل حين يأتيه البشير قائلاً : إن الله تعالى رزقك مولوداً ذَكراً بعد أن سبقته أخوات له ثلاث ، فيقول هذه الأبيات الجميلة المعبرة عن شديد فرحه وبالغ سعادته :
ورد البشـير مبشـراً بقـدومـه *** فملئت من قول البشير سروراً
واللهِ لو قـَنع البشـير بمهجتي *** أعطـيـتـُه ورأيـتُ ذاك يسـيـراً
لو قال : هبني ناظريك لقلتُها *** خذ ناظريّ فمـا سـألتَ كـثيـراً
وكأنني يعقوب من فرحي به *** إذ عاد من شم القميص بصيراً
2- وهذا رجل شهم يأبى فعل المنكرات وإيذاء الناس – وهو قادر أن يفعلها – خوفاً من الله تعالى أولاً والرغبة بالتحلّي بالحياء والخلق الجميل ثانياً :
وربّ قـبـيحـة ما حـال بينـي *** وبـيـن ركـوبهـا إلا الحـيـاءُ
إذا رُزق الفتى وجهـاً وَقاحـاً *** تقـلـّب في الأمور كما يشاء
وقال غيره في المعنى نفسه :
إذا لم تصُنْ عِرضاً *** ولم تخشَ خالقـاً
وتسـتَحْيِ مخـلـوقـاً *** فما شئتَ فاصنعِ
والحياء وكاء ، ومن تفلـّت عنه الوكاء ضاع منه الحياء .
3- ولعل أحدهم أراد أن يستشير أحد العارفين في رجلين يريد التأكد من أخلاقهما ليشاركهما في تجارته أو يتخذهما صاحبين ، فجاءه الجواب الفصل : (هما كالخمر والميسر ، إثمهما أكبر من نفعهما ) . والحقيقة أن الناس ليسوا شراً محضاً ولا خيراً محضاً . فمن غلب شرُّه خيرَه كان شيطاناً ، ومن غلب خيرُه شرَّه كان ملاكاً .
4- أما الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك فقد نظر إلى نفسه في المرأة – وكان شاباً حين آلت الخلافة إليه – فأصابه الفخر والخيلاء إذ قال : " أنا الملك الشابّ " .
وسمعته جاريته – وكانت عاقلة – فقالت :
أنت نِعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى *** غـيـرَ أنْ لا بقـاءَ للإنسـانِ
ليـس فيما بدا لنـا منـك عيبٌ *** كان في الناس غيرَأنك فانِ
والله تعالى يقرر هذا المبدأ الذي قهر به عباده " إنك ميت وإنهم ميتون " ولو دام الأمر لغيره ما وصل إليه . ولْنتصوّر كلمة " ذائقة " في قوله تعالى " كل نفس ذائقة الموت " . إن التذوق " معاينة ومعاناة " .