مشاهدة النسخة كاملة : إيليا أبو ماضي
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:36 AM
قصيدة : ليالي بوسطى
إن أغبِ ، يا صحبُ ، عن ذاك الحمى
لم أزلْ معكُم كما أنتم معي
فإذا الأنجمُِ شعت في السما
قلتُ هذي أنتمُ في مجمعِ
وإذا الشادي بلحنٍ رنَّما
خلتهُ أصواتكُم في مسمعي
***
آه لو يُغني خيالٌ عن عيانِ
كانَ كالمنهلِ رسم المنهلِ
ولعاشَ المرءُ في دينا الأماني
يقطعُ الدينا ولم ينتقلِ
وسلونا عن مكانٍ بمكانِ
ولأغنى آخرٌ عن أوّلِ
***
ولنابت عن نجومٍ نيّراتْ
صُورٌ مطبوعةٌٌ في الورقِ
واكتفينا بخريرِ الساقياتْ
في الدُّجى عن مائها المندفقِ
***
ياليالي ((بوسطنٍ)) هل ترجعينْ
فأرى صحبي الكرامَ البرره ؟
ويزولُ الهمُ عن قلبي الحزينْ
بالوجوهِ المشرقاتِ النضرهْ
إنه يسألني في كلَّ حينْ
أين تلك الجنَّةُ المختصرهْ ؟
***
ذهبتْ ، يا قلبُ ، إلا ذكرياتْ
كبروقٍ ضحكت ْ في الغسقِ
تأنسُ العينُ بها في الظلماتْ
وهي تفنى في رحابِ الأفقِ
ياليالي بوسطنٍ ليتَ الحياةُ
عدَلتْ فينا فلم نفترقِ
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:38 AM
قصيدة : يا صاح
يا صاح كم تفاحة غضة
يحملها في الروض غصن رطيب
ناضجة ترتج في جوها
مثل ارتجاج الشمس عند المغيب
حرضك الوجد على قطفها
لما غفا الواشي ونام الرقيب
لكن لأمر أنت أدرى به
رجعت عنها رجعة المستريب
تقول للنفس الطموح اقصري
ما سرقه التفاح شأن الأريب
*
ورب صفراء كلون الضحى
ينفي بها أهل الكروب الكروب
دارت على الشرب بها غادة
كأنها ظبي الكناس الربيب
في طرفك الساجي هيام بها
وبين أحشائك شوق مذيب
لكن لأمر أنت أدرى به
رجعت عنها رجعة المستريب
تقول للنفس الطموح اقصري
ما غر بالصهباء يوماً لبيب
إياك إياك وأكوابها
أخت الخنا هذي وأم الذنوب
وكم شفاه أرجوانية
كأنها مخضوبة باللهيب
ساعدك الدهر على لثمها
ورشف ما خلف اللهيب العجيب
لكن لأمر أنت أدرى به
رجعت عنها رجعة المستريب
تعنف القلب على غيه
وتعذل العين في الحب حتى الحبيب
*
والآن لما انجاب عنك الصبى
ولاح في المفرق ثلج المشيب
واستسلم القلب كما استسلمت
نفسك لليأس المخوف الرهيب
أراك للحسرة تبكي كما
يبكي على النائي الغريب الغريب
تود لو أن الصبى عائد
ههيات قد مر الزمان القشيب
*
خل البكا يا صاحبي والأسى
الليل لا يقصيه عنك النحيب
لا خير في الشيء انقضى وقته
ما لقتيل حاجة بالطبيب !!!
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:42 AM
قصيدة : 1914
طوي العام كما يطوى الرقيم
وهوى في لجة الماضي البعيد
*
لم يكن.. بل كان لكن ذهبا
وانقضى حتى كأن لم يكن
لو درى حين أتى المنقلبا
لتمنى أنه لم يبن
أي نجم شارق ما غربا
أي قلب خافق لم يسكن
جاهل من حسب الآتي يدوم
أحمق من حسب الماضي يعود
*
ما لنا يأخذ منا الطرب
كلما عام تلاشى واضمحل
أفرحنا أننا نقترب
من غد ؟ إن غداً فيه الأجل
عجب هذا ومنه أعجب
إننا نفنى ولا يفنى الأمل
فكأنا ما سمعنا بالحتوم
أو كأنا قد نعمنا بالوجود
*
يا رعاه الله من عام خلا
فلقد كان سلاماً وأمان
صافح الجحفل فيه الجحفلا
واستراح السيف فيه والسنان
ما انجلى حتى رأى النقع انجلى
وخبت نار الوغى في " البلقان "
لست أنسى نهضة الشعب النؤوم
إن فيها عبرة للمستفيد
*
والتقى البحران فيه بعدما
مرت الأجيال لا يلتقيان
أصبح السد الذي بينهما
ترعة يزخر فيها الأزرقان
فلتدم ( آميركا ) ما التطما
ما لهذا الفتح في التاريخ ثان
ولتعش رايتها ذات النجوم
أجمل الرايات أولى بالخلود !
*
واعتلى الناس به متن الهواء
فهم حول الدراري يمرحون
يمخر المنطاد فيهم في الفضاء
مثلما يمخر في البحر السفين
معجزات ما أتاها الأنبياء
لا ولم يطمح اليها الأقدمون
سخر العلم لهم حتى الغيوم
فهم ، مثلهم ، فوق الصعيد
*
حلق الغربي فوق السموات
ولبثنا نندب الرسم المحيل
فاذا ما قال أهل المكرمات
ما وجدنا ، وأبيكم ، ما نقول
لو فقهنا مثلهم معنى الحياة
ما أضعناها بكاء في الطلول
ألفت أنفسنا الضيم المقيم
مثلما يستعذب الظبي الهبيد !.
*
أدركت غاياتها كل الشعوب
نهض الصيني وما زلنا نيام
عبثت فينا الرزايا والخطوب
مثلما يعبث بالحر اللئام
صودر الكاتب منا والخطيب
منعت ألستنا حتى الكلام
نحن في الغفلة أصحاب الرقيم
نحن في الذلة إخوان اليهود
*
ليت أنا حين مات الشمم
لحقت أرواحنا بالغابرين
ما تمردنا على من ظلموا
لا ولم نفكك وثاقاً عن سجين
ليس يمحو عارنا إلا الدم
فالى كم نذرف الدمع السخين؟
قام فينا ألف جبار غشوم
غير أنا لم يمت منا شهيد
*
يا لقومي بلغ السيل الزبى
واستطال البغي واستشرى الفساد
فاجعلوا أقلامكم بيض الظبى
واستعيروا من دم الباغي المداد
كتب السيف .. اقرأوا ما كتبا
لا ينال المجد إلا بالجهاد
أي رجال الشرق أبناء القروم
لا تناموا . آفة الماء الركود !!!
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:46 AM
قصيدة : 1916
كمْ ، قبلَ هذا الجبلِ ، ولى جيلُ
هيهاتَ ، ليسَ إلى البقاءِ سبيلُ
ضحكَ الشَّبابُ من الكُهُولِ فأغرقوا
واستيقظوا ، فإذا الشبابُ كُهُولُ
نأتي ونمضي والزَّمانُ مُخلَّدٌ
الصبحُ صُبحٌ والأصيلُ أصيلُ
حرٌّ وقرٌ يبليان جُسُومنا
ليتَ الزمانَ ، كما نحولُ ، يحُولُ
إن التحول في الجمادِ تقلصٌ
في الحيّ موتٌ ، في النباتِ ذبولُ
قفْ بالمقابر صامتاً مُتأملاً
كم غابَ فيها صامتٌ وسؤولُ
وسلِ الكواكبَ كم رأتْ من قبلنا
أمماً ، وكم شهدَ النجومِ قبيلُ
تتبدَّلُ الذُّنيا تبدُّلَ أهلها
واللهُ ليسَ لأمرهِ تبدْيلُ
***
يا طالعاً لفتَ العُيونَ طُلُوعهُ
بعدَ الطَّلوعِ ، إن جهلت ، أفولُ
عطفاً ورفقاً بالقلوبِ فإنما
حقدُ القلوب على أخيكَ طويلُ
أنظرْ فوجهُ الأرضِ أغبرُ شاحبٌ
واسمع ! فأصواتُ الرَّياحِ عويلُ
ومن الحديد صواعقٌ ، ومن العجاج
غمائمٌ ، ومن الدَّماءِ سُيُولُ
ماكنتُ أعلمُ قبلما حمس الوغى
أنَّ الضَّواري والأنامَ شُكُولُ
يا أرضَ أوربا ويا أبناءها
في عنق من هذا الدَّمُ المطلولُ ؟
في كلَّ يومٍ منكُمُ أو عنكمُ
نبأ تجيءُ بهِ الرُّواةُ مهُولُ
مزقتم أقساكم وعهودكمُ
ولقد تكونُ كأنها التنزيلُ
وبعثتمُ الأطماعَ فهي جحافلٌ
من خلفهنَّ جحافلٌ وخيولُ
ونشرتمُ الأحقادَ فهي مدافعٌ
وقذائفٌ وأسنةٌ ونصُولُ
لو لم تكن أضغانكم أسيافكم
أمسى بها ، مما تُسامُ ، فلولُ
علمتُمُ ((عزريل)) في هذي الوغى
ما كان يجهلُ علمهُ عزريلُ
إن كانَ هذا ما يُسمى عندكمْ
علماً ، فأينَ الجهلُ والتضليلُ
إن كانَ هذا ما يُسمى عندكم
ديناً فأينَ الكفرُ والتعطيلُ
عوداً إلى عصرِ البداوةِ ، إنهُ
عصرٌ جميلٌ أن يقالَ جميلُ
قابيلُ ، ياجدَّ الورى ، نم هانئاً
كُلُّ امرئِ في ثوبهِ قابيلُ
لا تفخروا بعقولكُمْ ونتاجها
كانتْ لكمْ ، قبل القتالِ ، عُقولُ
لا أنتمُ أنتمْ ولا أرباضكُمْ
تلكَ التى فيها الهناءُ يقيلُ
لا تطلبوا بالمرهفاتِ ذخولكُمْ
في نيلها بالمرهفاتِ ذحولُ
إن الأنام على اختلافِ لغاتهم
وصفاتهم ، لو تذكرونَ ، قبيلُ
***
يا عامنا ! هل فيك ثمةَ مطمعُ
بالسلمِ أم هذا الشقاءُ يطولُ
مرت عليها حجتانِ ولم تزلْ
تتلو الفصولَ مشاهدٌ وفصولُ
لم يعشقِ الناسُ الفناءَ وإنما
فوق البصائر والعقولِ سُدولُ
أنا إن بسمتُ ، وقد رأيتكَ مُقبلا
فكما يهشُّ لعائديه عليلُ
وإذا سكنتُ إلى الهُمومِ فمثلما
رضي القيودَ الموثقُ المكبُولُ
لا يستوي الرَّجلانِ ، هذا قلبُه
خلٍ وهذا قلبهُ ( لجهولُ )
لا يخدعنَّ العارفونَ نفوسهمْ
إن المخادعَ نفسهُ لجهولُ
في الشرقَ قومٌ لم يسلُّوا صارماً
والسيفُ فوق رؤوسهمْ مسلولُ
جهلوا ولم تجهل نفوسهمُ الأسى
أشقى الأنامِ العارفُ المجهولُ
أكبادهُم مقروحةٌ كجفونهم
وزفيرهُم بأنينهم موصُولُ
أما الرجاءُ ، وطالما عاشوا ب
فالدمعُ يشهدُ أنهُ مقتولُ
واليأسُ موتٌ غير أن صريعهُ
يبقى ، وأما نفسهُ فتزولُ
رباهُ ، قد بلغ الشقاءُ أشدهُ
رحماك إن الراحمين قليلُ
****
في الله والوطن العزيزِ عصابةٌ
نكبُوا ، فذا عانٍ وذاكَ قتيلُ
لو لم يمتْ شممُ النفوسِ بموتهمْ
ثار الشأمُ ، لموتهمْ ، والنَّيلُ
يا نازحينَ عن الشآمِ تذكروا
من في الشآمِ وما يليه نزولُ
همُّ الممالكِ في الجهادِ ، وهمُّكمْ
قالٌ تسيرُ بهِ الطُّروسُ وقيلُ
هُبوا ، اعملوا لبلادكُمْ ولنسلكم
بئس الحياةُ سكينةٌ وخمولُ
لا تقبضوا الأيدي فهذا يومُكُمْ
شرُّ الورى جعدُ البنانِ بخيلُ
وعدَ الآلهُ المحسنينَ ببرهِ
وكما علمتم ، وعدُهُ تنويلُ
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:49 AM
قصيدة : 1931
ليطرب من شاء أن يطربا
فلست بمستمطر خلبا
عرفت الزمان قريب الأذى
فصرت إلى خوفه أقربا
وهذا الجديد أبوه القديم
ولا تلد الحية الأرنبا
أرى الكون يرمقه ضاحكاً
كمن راء في تيهه كوكبا
ولو علم الخلق ما عنده
أهلوا إلى الله كي يغربا
ولو علم العبد ما عندهم
أبى أن يمزق عنه الخبا
ألا لا يغرك تهليلهم
وقولتهم لك يا مرحبا
فقد لبسوك لكي يخلعوك
كما تخلع القدم الجوربا
ولوعون بالغدر من طبعهم
فمن لم يكن غادراً جربا
وكائن فتى هزني قوله
أنا خدنك الصادق المجتبى
أرافق من شكله ضيغماً
يرافق من نفسه ثعلبا
هم القوم أصحبهم مكرها
كما يصحب القمر الغيهلا
أراني أوحد من ناسك
على أنني في عداد الدبى
وأمرح في بلد عامر
وأحسبني قاطناً سبسبا
وقال خليلي : الهناء القصور
وكيف وقد ملئت أذوبا
ألفت الهموم فلو أنني
قدرت تمنعت أن أطربا
كأن الجبال على كاهلي
كأن سروري أن أغضبا
وكيف ارتياح أخي غربة
يصاحب من همه عقربا
عتبت على الدهر لو أنني
أمنت فؤادي أن يعتبا
***
وجدتك والشيب في مفرقي
وودعني وأخوك الصبى
فليس بكائي عاماً خلا
ولكن شبابي الذي غيبا
فيا فرحاً بمجيء السنين
تجيئ السنون لكي تذهبا
عجيب مشيبي قبل الأوان
وأعجب أن لا أرى أشيبا
فإن نوائب عاركتها
ترد فتى العشر محدودبا
ويا بنت (( كولمب )) كم تضحكين
كأنك أبصرت مستغربا
أليس البياض الذي تكرهين
يحببني ثغرك الأشنبا
فمن كان يكره إشراقه
فإني أكره أن يغضبا
أحبك يا أيها المستنير
وإن تك أشمت بي الربربا
وأهوى لأجلك لمع البروق
وأعشق فيك أقاح الربى
***
ويا عام هل جئتنا محرماً
فنرجوك أم جئتنا محربا
تولى أخوك وقد هاجها
أقل سلاح بنيها الظبى
يجندل فيا الخميس الخميس
ويصطرع المقنب المقنبا
إذا ارتفع الطرف في جوها
رأى من عجاجتها هيدبا
وجياشة برقها رعدها
تدك من الشاهق المنكبا
يسير بها الجند محمولة
قضاء على عجل ركبا
يود الفتى أنه هارب
ويمنعه الخوف أن يهربا
وكيف النجاة ومقذوفها
يطول من الشرق من غربا ؟
ولو أنه في ثنايا الغيوم
لما أمن الغيم أن يطلبا
تسح فلو أن تهتانها
حياً أنبت القاحل المجدبا
فما المنجنيق وأحجاره
وما الماضيات الرقاق الشبا ؟
***
إن شكت الأرض حر الصدى
سقاها النجيع الورى صيبا
فيا للحروب وأهوالها
أما حان يا قوم أن تشجبا
هو الموت آت على رغمكم
فالقوا المسدس والأشطبا
وللخالق الملك والمالكون
فلا تبتغوا فيكم أشعبا
***
ولم أنسى مصرع (( تيتانك ))
ومصرعنا يوم طار النبا
فمن شدة الهول في صدقه
رغبنا إلى (( البرق )) أن يكذبا
ليالي لا نستطيب الكرى
ولا نجد الماء مستعذبا
وبات فؤادي ، به صدعها
وبت أحاذر أن يرأبا
ولي ناظر غرق مثلها
من المع بالبحر مستوثبا
إذا ما تذكرتها هجت بي
أسى تتقيه الحشا مخلبا
فأمسي على كبدي راحتي
أخاف مع الدمع أن تسربا
خطوب يراها الورى مثلها
لذلك أشفق أن تكتبا
لقد نكب الشرق نكباته
وحاول أن ينكب المغربا
وأشقى نفوس بني آدم
ليرضي السراحين والأعقبا
ولو جاز بين الضحى والدجى
لقاتل فيه الضحى الغيبا
لعلك تمحو جناياته
فتنسى بك الذنب والمذنبا
إذا كنت لا تستطيع الخلود
فعش بيننا أثراً طيبا
فإنك في إثره راحل
مشيت السواك أو الهيدبى !
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 10:58 AM
قصيدة : أم القرى
أبصرتها ، والشمس عند شروقها
فرأيتها مغمورة بالنار
ورأيُتها عند الغُروب غريقةً
في لُجةٍ من سُندُس ونضار
ورأيتُها تحت الدُجى ، فرأيتها
في بُردتين : سكينةٍ ووقارِ
فتنبهت في النفس أحلامُ الصبى
وغرقتُ في بحرٍ من التذكارِ
...
نفسي لها من جنةٍ خلاَّبة
نسجت غلائلها يدُ الأمطار
أنى مشيت نشقت مسكاً أزفراً
في أرضها وسمعت صوتَ هزارِ
...
ذات الجبال الشّامخاتِ الى العُلا
ياليت في أعلى جباللكِ داري
لأرى الغزالة قبلَ سُكانِ الحِمى
وأعانق النسماتِ في الاسحارِ
لأرى رُعاتك في المروجِ وفي الرُبى
والشاء سارحة مع الأبقار
لأرى الطُّيور الواقعاتِ على الثرى
والنحل حائمة على الأزهارِ
لأساجل الورقاءَ في تغريدها
وتهزُ روحي نفحة المزمار
لأسامر الأقمار في أفلاكها
تحت الظلام إذا غفا سُمَّاري
لأُراقب (( الدلوار )) في جريانهِ
وأرى خيال البدرِ في (( الدلوار ))
...
بئس المدينةُ إنَّها سجنُ النُهى
وذوي النهى ، وجهنم الأحرار
لا يملكُ الإنسان فيها نفسهُ
حتى يروعهُ ضجيجُ قطار
وجدت بها نفسي المفاسِد والأذى
في كلّ زاويةٍ وكلّ جدارِ
لا يخدعن الناظرين بروجها
تلك البروجُ مخابئُ للعارِ
لو أن حاسد أهلها لاقى الذي
لا قيتُ لم يحسُد سوى (( بشَّار ))
غُفرانك اللُّهم ما أنا كافرٌ
فلم تُعذب مُهجتي بالنار ؟
...
لله ما أشهى القُرى وأحبَّها
لفتًى بعيدِ مطارحِ الأفكار
إن شئت تعرى من قيودك كلها
فانظر إلى صدرِ السماءِ العاري
وامشِ على ضوءِ الصَّباحِ ، فإن خبا
فامشِ على ضوءِ الهلالِ السَّاري
عش في الخلاءِ تعِش خليَّا هانئاً
كالطيَّر ... حُراً ، كالغديرِ الجاري
عش في الخلاءِ كما تعيشُ طيورُهُ
الحُرُّ يأبى العيش تحت ستار !
...
شلال (( ملفرد )) لا يقر قراره
وأنا لشوقي لا يقرُ قراري
فيه من السيف الصقيل بريقُهُ
ولهُ ضجيجُ الجحفل الجرَّارِ
أبداً يرُشُ صخورهُ بدُموعهِ
أتراهُ يغسلُها من الأوزار ؟
فاذا تطاير ماؤهُ متناثراً
أبصرت حول السَّفح شبه غيارِ
كالبحر ذي التيار يدفعُ بعضهُ
ويصول كالضرغام ذي الأظفارِ
من قمةٍ كالنَّهد ، أيُّ فتى
نهداً يقيضُ بعارض مدرار
فكأنما هي منبرٌ وكأنه
(( ميرابُ)) بين عصائب الثوَّارِ
من لم يشاهد ساعة وثباتهِ
لم يدرِ كيف تغطرس الجبَّار
مازلتُ أحسب كلٍّ صمت حكمة
حتى بصرتُ بذلك الثرثارِ
أعددتُ ، قبل أراهُ ، وقفة عابرٍ
لاهٍ فكانت وقفة استعبار ! ..
...
يا أخت دار الخلد ، يا أم القرى .
ياربة الغابات والأنهار
لله يومٌ فيكِ قد قضيت
مع عصبة من خيرة الأنصار
نمشي على تلك الهضاب
بحر من الأغراسِ
تنسابُ فيه العينُ بينَ جداو
وخمائل ومسالك وديار
.. آناً على جبلٍ مكينٍ راسخٍ
راس ، وىناً فوق جُرفٍ هارِ
تهوي الحجارة تحتنا من حالقِ
ونكاد أن نهوي مع الأحجارِ
لو كنت شاهدنا نهرولُ من علٍ
لضحكت منَّا ضحكة استهتارِ
الريحُ ساكنةٌ ونحنُ نظننا
للخوف مندفعين مع إعصار
والأرض ثابتةٌ ونحنُ نخالها
تهتزُ مع دفع النسيم السَّاري
مازال يسند بعضُنا بعضاً كما
يتماسك الروادُ في الأسفار
ويشدُ هذا ذاك من أزرارِهِ
فيشدني ذياك من أزراري
حتى رجعنا سالمين ولم نعُد
لو لم يمُدَّ الله في الأعمار ِ
ولقد وقفتُ حيال نهرك بُكرة
والطيرُ في الوكنات والأوكار
متهيباً فكأنني في هيكلٍ
وكأنهُ سفرٌ من الأسفارِ
ما كنتُ من يهوى السكوت وإنما
عقلت لساني رهبة الأدهار
مرَّ النسيمُ به فمرَّت مقلتي
منه بأسطار على أسطارٍ
فالقلبُ مُشتغل بتذكاراته
والطرفُ مُندفعٌ مع التيار
حتى تجلت فوق هاتيك الرُّبى
شمس الصباح تلوحُ كالدّينار
فعلى جوانبه وشاح زبرجدٍ
وعلى غواربه وشاح بهار
لو أبصرت عيناك فيه خيالها
لرأيت مِرآةً بغير إطارِ
يمَّمتهُ سحراً وأسرارِي معي
ورجعتُ في أعماقهِ أسراري ! ..
...
إني حسدتُ على القُرى أهل القرى
وغبطتُ حتَّى نافخ المزمار
ليلٌ وصُبحٌ بين إخوان الصَّفا
ما كان أجمل ليلتي ونهاري !
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:01 AM
قصيدة : أما أنا
لا تنثني في الرّوض أغصانُ الشَّجر
حتى ُتدغدغهاالنسائمُ في السَّحر
وأنا كذلك لا يُفارقني الضَّجر
حتَّى ُتداعبَ لمتى بيديها
...
الشمسُ ُتلقي في الصَّباحِ حبالها
وتبيتُ تنظرُ في الغدير خيالها
أمَّا أنا فإذا وقفتُ حيالها
أبصرتُ نور الشمس في خديها
...
الطود يقرأ في السماءِ الصَّافيه
سفراً ، جميلٌ متنهُ والحاشيه
أما أنا فإذا فقدت كتابيه
أتلُو كتاب الحب في عينيها
...
الطيرُ إن عطشت ولج بها الظما
هبطت إلى الأنهار من علوِ السما
أمَّا انا فإذا ظمئت فإنَّما
ظمأي الشديدُ إلى لمى شفتيها
...
الندُّ يطلبهُ الخلائق في الرُّبى
بين الورُود وفي ُنسمات الصَّبا
أمَّا أنا فألذ من نشر الكبا
عندي ، الذي قد فاح من نهديها
...
الرّاحُ تصرفُ ذا العناء عن العنا
وتطيرُ بالصّعلوك في جوّ المنى
فيرى الكواكب تحتهُ ، أمَّا أنا
فتظلُّ أفكاري تحوم عليها
...
فيها ومنها ذلتي وسقامي
وبها غرامي ، القاتلي ، وهيامي
أشتاقها في يقظتي ومنامي
واطول شوق المستهام إليها
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:04 AM
قصيدة : أمنية المهاجر
جعت والخبز وثير في وطابي
والسنا حولي وروحي في ضباب
وشربت الماء عذباً سائغاً
وكأني لم أذق غير سراب
محنة ليس لها مثل سوى
محنة الزورق في طاغي العباب
ليس بي داء ولكني امرؤ
لست في أرضي ولا بين صحابي
مرت الأعوام تتلو بعضها
للورى ضحكي ولي وحدي اكتئابي
كلما استولدت نفسي أملاً
مدت الدنيا له مف اغتصاب
أفلتت مني حلاوات الرؤى
عندما أفلت من كفي شبابي
بت لا الإلهام باب مشرع
لي ولا الأحلام تمشي في ركابي
أشتهي الخمر وكأسي في يدي
وأحس الروح تعرى في ثيابي
رب هبني لبلادي عودة
وليكن للغير في الأخرى ثوابي
أيها الأتون من ذاك الحمى
يا دعاة الخير ، يا رمز الشباب
كم هششتم وهششنا للمنى
وبكيتم وبكينا في مصاب
واشتركنا في جهاد أو عذاب
والتقينا في حديص أو كتاب
وعرفتم وعرفنا مثلكم
أنما الحق لذي ظفر وناب
كل أرض نام عنها أهلها
فهي أرض لاغتصاب وانتهاب
زعموا الإنسان بالعلم ارتقى
وأراه لم يزل إنسان غاب
إنه الثعلب مكراً وهو كالسر
طان غدراً وحكيم كالغراب
يا رفاقي حطموا أقداحكم
ليس في الدنيا رحيق لانسكاب
جف ضرع الشعر عندي وانطوى
ولكم عاش لمرعى واحتلاب
...
أيها السائل عني من أنا
أنا كالشمس إلى الشرق انتسابي
لغة الفولاذ هاضت لغتي
لا يعيش الشدو في بحر اصطخاب
لست أشكو إن شكا غيري النوى
غربة الأجسام ليست باغتراب
أنا في نيويورك بالجسم وبالر
وح في الشرق على تلك الهضاب
في ابتسام الفجر في صمت الدجى
في أسى (( تشرين )) في لوعة (( آب ))
أنا في الغوطة زهر وندى
أنا في لبنان نجوى وتصابي
أنني ألمح في أوجهكم
دفقة النور على تلك الروابي
وأرى أشباح أيام مضت
في كفاح ونضال ووثاب
وأرى أطياف عصر باهر
طالع كالشمس من خلف الحجاب
ليته يسرع كي أبصره
قبل أن أغدو تراباً في تراب
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:31 AM
قصيدة : أمنية الاهة
أحب إله في صباه إلاهة
جرى السحر في أعطافها والترائب
تمنت عليه آية لم يجيء بها
إله سواه في العصور الذواهب
ليمسي على الأرباب أجمع سيداً،
وتمسي تباهي كل ذات ذوائب
وكان إلهاً جامحاً متضرماً
هوى ، فأتى بالمعجزات الغرائب
كسا الأرض بالزهر البديع لأجلها
ورصع آفاق السما بالكواكب
وما زال حتى علم الطير ما الهوى
فحنت وغنت في الذرى والمناكب
وأنشأ جنات وأجرى جداولاً
ومد المروج الخضر في كل جانب
وشاء ، فشاع العطر في الماء والضيا
وفي كل صوت أو صدى متجاوب
***
ومس الضحى فارفض تبراً على الربى
وسال عقيقاً في حواشي السباسب
وقال لأحلام البحار تجسدي
مواكب ألوان وجيش عجائب
فكانت لآل في الشطوط ، وفي الفضا
غيوم ، وموج ضاحك في الغوارب
ولما رأى الأشياء أحسن ما ترى
وتمت له دنيا بغير معايب
دعاها إليه كي تبارك صنعه
ولم يدر أن الحب جم المطالب
فقالت له : أحسنت ! أحسنت مبدعاً
فيا لك رباً عبقري المواهب
ولكن لي أمنية ما تحققت
إذا لم تنلنيها فما أنت صاحبي !
***
فدنياك هذي على حسنها
وسحر مشاهدها والصور
تشاركني سائر الالآهات
لذاذاتها ونساء البشر
***
أريد دنيا فيها شعاع
يبقى أذا غابت النجوم
أريد دنيا تحس نفسي
فيها نفوساً بلا جسوم
أريد خمراً بلا كؤوس
من غير ما تنبت الكروم
أريد عطراً بلا زهور
يسري وإن لم يكن نسيم
***
وزادت فقالت : أريد أنيناً
يشوش روحي ولا محتضر
وماء يموج ولا جدول،
وناراً بلا حطب تستعر
فأطرق ذاك الاله الفتي
وفي نفسه ألم مستتر
وقال امهليني ثلاث ليال
أذلل فيها المراد العسر !
***
وراح يجوب رحاب الفضاء
يحدوه شوق ويدعوه سر
فسال مع الشمس فوق الربى
وغلغل في الحندس المعتكر
وأصغى إلى نسمات المروج
وأصغى إلى نفحات الزهر
وبعد ثلاث ليال أتاها
فظنته جاء لكي يعتذر
فقال وجدت الذي تطلبين
لدى شاعر ساحر مبتكر
وأخرج خيطاً قصير المدى
بلون التراب ولين الشعر
فلما رأته عراها الأسى
وغور إيمانها واندثر
فصاحت بغيظ : أتسخر مني ؟
إذن فاحمل العار ، او فانتحر !
أجاب رويدك ، يا ربتي
فما في التعجل إلا الضرر !
وشدإلى آلة خيطه
ودغدغه صامتاً في حذر
ففاضت خمور ، وسالت دموع ،
وشعت بروق ، ولاحت صور !
فصاحت به وهي مدهوشة:
ألا إن ذا عالم مختصر !
فيا ليت شعري ماذا يسمى ؟
فقال لها : إن هذا الوتر !
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:34 AM
قصيدة : أبو غازي
أبو غازي السلامُ عليكَ منّا
وعفواً أيُّها الملكُ الهمامُ
فما ضاقَ الكلامُ بنا ، ولكنْ
وجدنا الحزنَ أرخصهُ الكلامُ
وخطبكَ لا يفيهِ دمعُ باكٍ
ولو أنَّ الذي يبكي الغمامُ
ونحنُ أحقُّ أنْ نُبكى ونرثى
فموتُكَ من بني العُربِ انتقامُ
خبا نبراسُنا ، والليلُ داجٍ ،
وموجُ الحادثاتِ لهُ التطامُ
وكنتَ لنا الدليلَ ، فغبتَ عنّا
وكنتَ حسامنا ، فنبا الحُسامُ !
كأنَّكَ قد وترتَ الموتَ قِدماً
وهابكَ في كنانتكِ السهامُ
فدبَّ إليكَ مثلَ اللصَّ ليلاً
وكانَ الموتُ ليسَ لهُ ذمامُ
طوىَ الدينا نعُّكَ في ثوانٍ
فريعَ البيتُ والبلدُ الحرامُ
و (دجلةُ) كالطعينِ لهُ أنينٌ
وفي (بردى) التياعٌ واضطرامُ
ورحنا بين مصعوقٍ وساهِ
كمنْ صرعتْ عقولهُم المدامُ
كأنَّ الأرضَ قد مادتْ وفضت
عن الموتى الصفائحُ والرجامُ
فمنْ للبيضِ والجردِ المذاكي ؟
و (فيصلُ) باتَ يحويهِ الرّغامُ
ومنْ للحقَّ ينشرهُ لواءَ
بهِ للناسِ هذيٌ واعتصامُ
توارى المجدُ في كفنٍ ولحدٍ
وغابتْ في الترابِ منّى عظامُ
مضى وحديثهُ في الناسِ باقٍ
كعمرِ الشمسِ ليسَ لهُ انصرامُ
فيا جدثاً حواهُ لستَ قبراً
ولكنْ أنتَ في الدينا وسامُ
***
حياتكَ ( يا أبا غازي) حياةٌ
كفصلِ الصَّيفِ: زهرٌ وابتسامُ
وقد تحصى الكواكبُ والأقاحي
ولا تُحصى أياديكَ الجسامُ
مددتَ إلى منىَ العربِ الغوافي
يداً ، فتفقتْ عنها الكمامُ
وأمسى بندهُمْ ولهُ خفوقٌ
وأمسى عقدهمْ ولهُ نظامُ
وكم أسقمتَ جسمكَ كي يصحوا
وحالفتَ السهادَ وهمْ نيامُ
وكم جازيتَ عن شرَّ بخيرٍ
وكم جازاكَ بالغدرِ الأنامُ
خذلتَ فما عتبتَ على صديقٍ
ولم تحنقْ وقد كثرَ الملامُ
وكم قد فزتَ في حربٍ وسلمٍ
فلم يلعبْ بعطفيكَ العُرامُ
خلائقُ من لهُ عرقٌ كريمٌ
وخطةُ من لهُ قلبٌ عصامُ
خذوا الخُلقَ الرفيعَ من الصحارى،
فإنَّ النفسِ يُفسدها الزحامُ
وكم فقدتْ حلالتها قصورٌ
ولم تفقدْ مروءتها الخيامُ
***
وقالوا اندكَّ عرشُكَ في دمشقٍ
كأنَّ العرشَ أخشابٌ تُقامُ
وكيفَ تهدُّ سدَّتكَ العوالي
ولم يسلبكها الموتُ الزؤامُ ؟
فما كانَ انتصارهمُ علاءِ
ولا كانَ انكساركَ فيهِ ذامُ
إذا لم تنصُر الأرواحُ مُلكاً
فأحسنُ ما حوى جثثٌ وهامُ
وما زالتْ لكَ الأرواحُ فيها
وما زالتْ عشيرتُكَ الشآمُ
تصفقُ لاسمكَ الأمواهُ فيها
ويهتفُ في خمائلها الحمامُ
ويذكرُ أهلها تلكَ السجايا
فيشرقُ من تذكرها الظلامُ
وليسَ أحبَّ من حُرَّ مؤاسٍ
إلى شعبٍ يُساءُ ويُستضامُ
***
فقلُ للساخطينَ على الليالي
ومن سكنوا على يأسٍ وناموا
سينحسرُ الضبابُ عن الروابي
ويبدو الوردُ فيها والخزامُ
ويصفو جونا بعد انكدارٍ
ويسقي أرضننا المطرُ الرّهامُ
ونرجعُ أمةًَ تُرجى وتخشى
وإنْ كرهَ الزعانفُ والطغامُ
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:36 AM
قصيدة : أيلول الشاعر
ألحسن حولك في الوهاد وفي الذرى
فانظر ، ألست ترى الجمال كما أرى ؟
(( أيلولُ )) يمشي في الحقول وفي الربى
والأرضُ في أيلولَ أحسنُ منظرا
شهرٌ يوزعُ في الطبيعة فنه
شجراً يُصفقُ أو سناً متفجّرا
فالنورُ سحرٌ دافقٌ ، والماء شعرٌ
رائق ، والعطر أنفاس الثرى
لاتحسب الأنهار ماء راقصاً
هذي أغانيه استحالت أنهرا
وانظر إلى الأشجار تخلعُ أخضراً
عنها ، وتلبس أحمراً أو أصفرا
تعرى وُتكسى في أوانٍ واحد
والفن في ما ترتديه وفي العرا
فكأنما نارٌ هناك خفية
تنحلُّ حين تهم أن تستشعرا
وتذوبُ أصباغاً كألوانِ الضحى
وتموجُ ألحاناً وتسري عنبرا
صورٌ وأطيافٌ تلوحُ خفيفةٌ
وكأنها صورٌ نراها في الكرى
لله من (أيلول ) شهر ساحرٍ
سبق الشهور وغن أتى متأخرا
من ذا يدبج أو يحوك كوشيه
أو من يصور مثلما قد صورا؟
لمست أصابعهُ السماء فوجهها
ضاح ، ومرَّ على التراب فنورا
رد الجلال إلى الحياة وردَّني
من أرض نيويورك إلى أم القرى
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:39 AM
قصيدة : أخت ليلى
ولقد عِلقتُ من الحسانَ مليحةً
تحكي الهلالَ بحاجبٍ وجبينِ
كلفتْ بها نفسي ودونَ وصولها
وصلُ المنونِ وثمَّ ليثُ عرينِ
حسناءُ أضحى كلُّ حسنٍ دونها
ولذاكَ عُشاقُ المحاسنِ دوني
قد روَّعتْ حتى لتخشى بُردَها
من أن يبوحَ بسرها المكنونِ
وتُريبها أنفاسُها ويُخيفها
عندَ اللقاءِ اتنهُّدُ المحزونِ
هجرتْ فكلُّ من هجرها
عندي تُعدُّ بأشهرٍ وسنينِ
يا هذهِ لا تجحدي حقي فقد
أصليتِ قلبي بالنَّوى فصليني
أطلقتِ دمعاً كانَ قبلُ مقيَّداً
وسجنتِ قلباً كانَ غيرَ سجينِ
أشبهتِ (ليلى العامرية) فاكتمي
خبرَ الذي صارَ (كالمجنونِ)
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:43 AM
قصيدة : أيها الراعي
شهور العام أجملها "ربيعٌ"
وأبغضها إلى الدُّنيا "جمادى"
وخير المال ما أمسى زكاة ً
وخير النـّاس من نفعَ العِبادا
بـِربِّكَ قل لنا وخلاك ذمٌّ
أعيسى كان يَذ َّخِرُ العتادا؟
تنبَّه أيُّها الرّاعي تنبّه
فـَمَن حَفِظ َالورى حَفِظ َالعبادا
خِرافـُك بين أشداق الضّواري
ومثلكَ من حمى ووقى النقادا
تبدّل أمنـُهُم رُعباً وخوفاً
وصارت نار أكثرهم رمادا
لقد أكل الجرادُ الأرض حتى
تمنـّوا أنـّهم صاروا جرادا
فمالك لا تجود لهم بشيءِ
وقد رقَّ العَدُوُّ لهم وجادا؟
ومالك لا تـُجيبُ لهم نِداءً
كأنَّ سِواكَ، لا أنت، المنادى؟
. . .
ورُبَّتَ ساهر ٍ في "بعلبكِّ"
يُشَاطِرُ جفنـُهُ النـّجم السّهادا
يزيدُ الليل كربتهُ اشتداداً
وفرط ُ الهمِّ ليلتهُ سوادا
إذا مال النُّعاس بأخدعيه
ثنى الذعر الكرى عنه وذادا
بهِ الدَّاءان من سَغـَبٍ وخوفٍ
فما ذاق الطـّعام ولا الرُّقادا
تطوفُ به أصَيبـِيَة ٌصِغارٌ
كأنَّ وجوهمم طليت جسادا
جياعٌ كلـَّما صاحوا وناحوا
توهّم أنّ بعض الأرض مادا
إذا ما استصرخوه وضاقَ ذرعاً
نبا عنهم وما جهل المرادا
ولكن لم يدع بُؤسَ الليالي
طريفاً في يديه ولا تِلادا
ولو تركَ الزّمانُ لهُ فؤاداً
لما تركت له البلوى فؤادا
. . .
أتفترشُ الحرير وترتديه
ويفترشُ الجنادلَ والقتادا
ويطلب من نباتِ الأرضِ قـُوتاً
وَتـَأبى غير لحم الطـَّير زادا
وتهجع هانئاً جذلاً قريراً
وقد هجر الكرى وجفا الوسادا
عجيب أن تكون كذا ضنيناً
ولم تبصِر بنا إلاَّ جوادا
أما تخشى مقالة ذي لسان:
أمات النـّاسَ كي يُحْيي الجمادا
. . .
لداتكَ همهم نفعُ البرايا
وهمُّكَ أن تكيدَ وأن تـُكادا
نزلت بنا فأنزلناك سهلاً
وزدناك النضار المستفادا
فكان جزاؤنا أن قمت فينا
تُعلـِّمُنا القطيعة َ والبعادا
فلمّا ثار ثائرُ كل حُرٍّ
رجعتَ اليوم تمتدح الحيادا
أتدفع بالغويِّ إلأى التـّمادي
وتعجبُ بعد ذلك إن تمادى؟
سكتَّ فقام في الأذهانِ شكٌّ
وقلت فأصبحالشَّكُّ اعتقادا
تجهّمت القريض ففاض عتباً
وإن أحرجته فاض انتقادا
ولولا أن أثرت الخلف فينا
وَدِدنا لو محضناك الودادا
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:46 AM
قصيدة : أيها القلم
ماذا جنيتَ عليهمْ ، أيها القلمُ
واللهِ ما فيكَ الا النُّصحُ والحكمُ
اني ليحزنني ان يسجنوكَ وهم
لولاكَ في الأرضِ لم تثبتْ لهم قدمُ
خلقتَ حراً كموجِ البحرِ مندفعاً
فما القيودُ وما الأصفادُ واللجمُ ؟
ان يحسبوا الطائرَ المحكيَّ في قفصٍ
فليسَ يُحبسُ منه الصوتُ والنغمُ
أللهُ في أمةٍ جارَ الزمانُ بها
يفنى الومانُ ولا يفنى لها ألمُ
كأنما خصَّها بالذُّلَّ بارثها
أو أقسم الدهرُ لا يعلو لها علمُ
مهضومةُ الحقَّ لا ذنبَ جنتهُ سوى
أنَّ الحقوقَ لديها ليسَ تنهضم
مرَّتْ عليها سنونٌ كلُّها نقمٌ
ما كانَ أسعدها لو أنها نعمُ ؟
عدّوا شكايتها ظلماً وما ظلمتْ
وانما ظلموها بالذي زعموا
ما ضرَّهمْ أنها باتتْ تُسائُلهُمْ
أينَ الموثيقُ ، أين العهد والقسمُ ؟
أما كفى أنَّ في آذانهمْ صمماً
حتى أرادوا بأنْ ينتابها الصَّممُ ؟
كأنما سئموا أن لا يزالَ بها
روحٌ على الدَّهرِ لم يظفرْ بها السَّأمُ
فقيّدوها لعلّ القيدَ يُسكتها
وعزَّ أن يسكتَ المظلومُ لو علموا
وأرهقوا الصحفَ والأقلامَ في زمنٍ
يكادُ يعبدُ فيهِ الطرسُ والقلمُ
ان يمنعوا الصحفَ فينا بث لوعتنا
فكلنا صحفٌ في مصرَ ترتسمُ
إنا لقومٌ لنا مجدٌ سنذكرهُ
ما دامَ فينا لسانٌ ناطقٌ وفمُ
كيفَ السبيلُ الى سلوانِ رفعتنا
وهي التي تتمنى بعضها الأممُ ؟
يأبى لنا العزُّ أن نرضى المذلةَ في
عصرٍ رأينا بهِ العبدانَ تُحترمُ
للموتُ أجملُ من عيشٍ على مضضٍ
انَّ الحياةَ بلا حريةٍ عدمُ
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:52 AM
قصيدة : أخو الورقاء
لله من عبث القضاء وسخره
بالناس والحالات والأشياء
كم درة في التاج ألف مثلها
في القاع لم تخرج من الظلماء
ولكم تعثر بالغباء سميذع
وانداحت الأطواد للجبناء
ولكم جنى علم على أربابه
وجنى الهناء جماعة الجهلاء
أرأيت أعجب حالة من حالنا
أزف الرحيل ولم نفز بلقاء !
عاشت شهوراً بالرجاء قلوبنا
وبلحظة أمست بغير رجاء
ماتت أمانينا الحسان أجنة
لم تكتحل أجفانها بضياء
فكأنها برق تألق وانطوى
في الليل لم تلمحه مقلة راء
وكأننا كنا نحلق في الفضا
صعداً لنلمس منكب الجوزاء
حتى إذا حان الوصول .. رمت بنا
نكباء عاتية إلى الغبراء !
وكأن (( تكسس )) وهي في هذا الحمى
صقع (( كسانبول )) قصي ناء
طوبى لها ، إن كان يعلم أهلها
أن النزيل بها أخو الورقاء
كانت مسارح (( للرعاة )) فأصبحت
لما أتاها كعبة الشعراء
وهو بلبل عبق النبوة في أغا
نيه ، وفيها نكهة الصهباء
وجلال لبنان ، وقد غمر المسا
هضباته ، وانسال في الأوداء
غنى ، ففي النسمات ، والأوراق
والغدران ، أعراس بلا ضوضاء
وبكى ، فشاع الحزن في الأزهار،
والأظلال ، والألوان ، والأضواء
هو نفحة قديسة هبطت إلى
هذا الثرى من عالم اللألاء
لو عاد للدنيا البراق وحزته
ما كان إلا نحوه إسرائي
أشكو البعاد وليس لي أن أشتكي
فسماؤه موصولة بسمائي
ما حال بين نفوسنا ، ما حال بين جسومنا من أجبل وفضاء
فلكم نظرت إلى الربى فلمحته
في الأقحوان الخير المعطاء
وسمعت ساقية تئن فخلتني
لبكائه أوطانه إصغائي
وإذا تلوح لي الجبال ذكرته
فالشاعر القروي طود إباء
من كان يحلم بالغدير فإنه
يبدو له في كل قطرة ماء
إن كنت لم أره فقد شاهدته
بعيون أصحابي ، وذلك عزائي
...
أفتى القوافي كالشواظ على العدى
وعلى قلوب الصحب كالأنداء
سارت إليك تحيتي ولو أنني
خيرت ، كنت تحيتي ودعائي
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 11:56 AM
قصيدة : أين عصر الصبا
مالي وما للرشإ الأغيد
خلت من الحب ومنه يدي
نأى ، فما في قربه مطمع
لا تصل الكف إلى الفرقد
قدعت باليأس خيوط المنى
وقلت للسلوان - لا تبعد
وصرت لا يطربني منشد
ولا أنا أصبو إلى منشد
أسير في الروضة عند الضحى
حيران كالمدلج في فدفد
أمامي الماء ولا أرتوي،
وحولي النور ولا أهتدي
يا ليت شعري ، أين عهد الصبا
وأين أحلام الفتى الأمرد
ولى وولت كخيال الكرى
يلوح في الذهن ولم يوجد
فيا قلوب الكاشحين اسكني
ويا عيون الحاسدين ارقدي
ويا شياهاً تتقي صولتي
قلمت أظفاري فاستأسدي
*
يا سائلي عن أمس كيف انقضى
دعه وسلني ، يا أخي ، عن غد
أروح للنفس وأهنا لها
أن تحسب الماضي لم يولد
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 12:01 PM
قصيدة : أنا
حر ومذهب كل حر مذهبي
ما كنت بالغاوي ولا المتعصب
إني لأغضب للكريم ينوشه
من دونه وألوم من لم يغضب
وأحب كل مهذب ولو أنه
خصمي ، وأرحم كل غير مهذب
يأبى فؤادي أن يميل إلى الأذى
حب الأذية من طباع العقرب
لي أن أرد مساءة بمساءة
لو أنني أرضى ببرق خلب
حسب المسيء شعوره ومقاله
في سره : يا ليتني لم أذنب
***
أنا لا تغشني الطيالس والحلى
كم في الطيالس من سقيم أجرب؟
عيناك من أثوابه في جنة
ويداك من أخلاقه في سبسب
وإذا بصرت به بصرت بأشمط
وإذا تحدثه تكشف عن صبي
أني إذا نزل البلاء بصاحبي
دافعت عنه بناجذي وبمخلبي
وشددت ساعده الضعيف بساعدي
وسترت منكبه العري بمنكبي
وأرى مساوئه كأني لا أرى
وأرى محاسنه وإن لم تكتب
وألوم نفسي قبله إن أخطأت
وإذا أساء إلي لم أتعتب
متقرب من صاحبي فإذا مشت
في عطفه الغلواء لم أتقرب
أنا من ضميري ساكن في معقل
أنا من خلالي سائر في موكب
فإذا رآني ذو الغباوة دونه
فكما ترى في الماء ظل الكوكب
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 12:03 PM
قصيدة : أنا و النجم
مثلي هذا النجم في سهده
مثله المحبوب في بعده
يختال في عرض السما تائهاً
كأنما يختال في برده
إن شئت فهو الملك في عرشه
أو شئت فهو الطفل في مهده
يرمقني شذراً كأني به
يحسبني أطمع في مجده
يسعى ولا يسعى إلى غاية
كمن يرى الغاية في جده
كأنما يبحث عن ضائع
لا يستطيع الصبر من بعده
طال سراه وهو في حيرة
كأنه المحزون في وجده
في جنح ليل حالك فاحم
كأن حظي قد ضل عن قصده
ساورني الهم وساورته
ما أعجز الإنسان عن رده!
ما أعجب الدهر وأطواره
في عين من يمعن في نقده؟
جربته دهراً فما راقني
من هزله شيء ولا جده
أكبر منه أنني زاهد
ما زهد الزاهد في زهده
أكبر مني ذا وأكبرت أن
يطمع، أن أطمع في رفده
وعدني أعجوبة في الورى
مذ رحت لا أعجب من حقده
يا رب خل كان دوني نهى
عجبت من نحسي ومن سعده
وعائش يخطر فوق الثرى
أفضل منه الميت في لحده
أصبح يجني الورد من شوكه
وبت أجني الشوك من ورده
أكذب إن صدقته بعدما
عرفت منه الكذب في وعده
لا أشتكي الضر إذا مسني
منه، ولا أطرب من رغده
أعلم أن البؤس مستنفد
والرغد ما لا بد من فقده
إذا الليالي قربت نازحاً
وكنت مشتاقاً إلى شهده
أملك عنه النفس في قربه
خوفاً من الوحشة في صده
وإن أر الحزن على فائت
أضر بي الحزن ولم يجده
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 12:06 PM
قصيدة : أنا وأخت المهاة والقمر
آه من الحب كله عبر
عندي منه الدموع والسهر
وويح صرعى الغرام إنهم
موتى ، وما كفنوا ولا قبروا
يمشون في الأرض ليس يأخذهم
زهو ولا في خدودهم صعر
لو ولج الناس في سرائرهم
هانت ، وربي ، عليهم سقر
ما خفروا ذمة ، ولا نكثوا
عهداً ، ولا مالاًوا ولا غدروا
قد حملوا الهون غير ما سأم
لولا الهوى للهوان ما صبروا
لم يبق مني الضنى سوى شبح
يكاد ، لولا الرجاء ، يندثر
أمسى وسادي مشابهاً كبدي
كلاهما النار فيه تستعر
أكل صب ، يا ليل ، مضجعه
مثلي فيه القتاد والإبر
لعل طيفاً من هند يطرقني
فعند هند عن شقوني خبر
ما بال هند علي غاضبة
ما شاب فودي وليس بي كبر
ما زلت غض الشباب لا وهن
يا هند في عزمتي ولا خور
لا در در الوشاة قد حلفوا
أن يفسدوا بيننا وقد قدروا
واهاً لأيامنا .. أراجعة ؟
فانهن الحجول والغرر
أيام لا الدهر قابض يده
عني ، ولا هند قلبها حجر
***
لم أنس ليلاً سهرته معها
تحنو علينا الأفنان والشجر
غفرت ذنب النوى بزورتها
ذنب النوى باللقاء يغتفر
بتنا عن الراصدين يكتمنا
الأسودان : الظلام والشعر
ثلاثة للسرور ما رقدوا
أنا وأخت المهاة والقمر
فما لهذي النجوم ساهية
ترنو إلينا كانها نذر؟..
إن كان صبح الجبين روعها
فإن ليل الشعور معتكر
أو انتظام العقود أغضبها
فإن در الكلام منتثر
وما لتلك الغصون مطرقة
كأنها للسلام تختصر
تبكي كأن الزمان أرهقها
عسراً ، ولكن دموعها الثمر
طوراً على الأرض تنثني مرحاً
وتارة في الفضاء تشتجر
فأجلفت هند عند رؤيتها
وقد تروع الجآذر الصور
هيفاء لو لم تلن معاطفها
عند التثني خشيت تنكسر
من اللواتي - ولا شبيه لها -
يزينهن الدلال والخفر
في كل عضو وكل جارحة
معنى جديد للحسن مبتكر
تبيت زهر النجوم طامعة
لو أنها فوق نحرها درر
رخيمة الصوت إن شددت لفتت
لها الدراري وأنصت السحر
أبثها الوجد وهي لاهية
أذهلها الحب فهي تفتكر
يا هند كم ذا الأنام تعذلنا
وما أثمنا ولا بنا وزر
فابتدرت هند وهي ضاحكة :
ماذا علينا وإن هم كثروا
فدتك نفسي لو أنهم عقلوا
واستشعروا الحب مثلنا عذروا
ما جحد الحب غير جاهله
أيجحد الشمس من له بصر ؟
ذرهم وغن جلبوا وإن صخبوا
ولا تلمهم فما هم بشر!
سرنا الهويناء ما بنا تعب
وقد سكتنا وما بنا حصر
لكن فرط الهيام أسكرنا
وقبلنا العاشقون كم سكروا
فقل لمن يكثر الظنون بنا
ما كان إلا الحديث والنظر
حتى رأيت النجوم آفلة
وكاد قلب الظلام ينفطر
ودعتها والفؤاد مضطرب
أكفكف الدمع وهو ينهمر
وودعتني ومن محاجرها
فوق العقيق الجمان ينحدر
قد أضحك الدهر ما بكيت له
كأنما البين عنده وطر
كانت ليالي ما بها كدر
والآن أمست وكلها كدر
إن نفد الدمع من تذكرها
فجادها بعد أدمعي المطر
عسى الليالي تدري جنايتها
على قتيل الهوى فتعذر
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 12:09 PM
قصيدة : أهلها عرب
أقاح ذاك أم شنب
وريق ذاك أم ضرب
ووجه ذاك أم قمر
وخد ذاك أم ذهب
جمال غير مكتسب
وبعض الحسن يكتسب
ثكلت الظرف ، عاذلتي
أهذا الحسن يجتنب؟
عددت لها العيوب وليـ
ـس إلا الظرف والأدب
فتاة بين مبسهما
وبين عقودها نسب
لواحظها نمتها الهند
لكن أهلها عرب
مرنحة إذا خطرت
رأيت الغصن يضطرب
مشت وونت روادفها
فكاد الخصر ينقضب
يسر العاذلون إذا
نأت ويعودني الوصب
ويصطخبون إن قربت
وعندي يحسن الطرب
فأبكي كلما ضحكوا
وأضحك كلما غضبوا!
.
ماجى فهمى
12/12/2008, 12:16 PM
قصيدة : أنا وهي
جلست إليها والتزام بنا يعدو
إلى حيث لا واش هناك ولا ضد
قد انتظت هذي القطارات في الثرى
كأن الثرى جيد وتلك لها عقد
بلى ، هي عقد بل عقود، ألا ترى
على الأرض أسلاكاً تدور فتمتد؟
يسير فيطوي الأرض طياً كأنما
دواليبه أيدي، كأن الثرى برد
فكالطود إلا أن ذياك ثابت
وكالريح إلا أن هاتيك لا تبدو
توهمته من سرعة السير راكداً
وأن الدنى فيمن على ظهرها تعدو
تحوم عليه المركبات كأنه
مليك وتلك المركبات له جند
تقصر عنه الريح إما تسابقا
فكيف تجاريه المطهمة الجرد؟
على أنه في كف عبد زمامه
فيا من رأى ملكاً يصرفه عبد
كأني به، يا صاح، دار ضيافة
يغادره وفد ويقصده وفد
خلوت بمن أهوى به رغم عاذلي
ولم يك غير القرب لي ولها قصد
فسار بنا في الأرض وخداً كأنما
درى أن ما نبغيه منه هو الوخد
فما راعني والله إلا وقوفه
فقد كنت أخشى أن يفاجئنا وغد
ولما انتهى من سيره وإذا بنا
على شاطئ البحر الذي ما له حد
هناك وقفنا والشفاه وصوامت
كأن بنا عياً وليس بنا وجد
سكننا ولكن العيون نواطق
أرق حديث ما العيون به تشدو
سكرنا ولا خمر ولكنه الهوى
إذا اشتد في قلب امرئ ضعف الرشد
فقالت وفي أجفانها الدمع جائل
وقد عاد مصفراً على خدها الورد
ألا حبذا، يا صاحبي،الموت ههنا
إذا لم يكن من تذوق الردى بد
فيالك من فكر مخيف وهائل
ويا لك من مرآى يرق له الصلد
فقلت لها إني محب لكل ما
تحبين ، إن السم منك هو الشهد
فقالت أمن أجلي تحن إلى الردى؟
دع الهزل إن المرء حليته الجد
فقالت لها لو كنت في الخلد راتعاً
ولست معي والله ما سرني الخلد
فإن لم يكن مهد إليك يضمني
فيا حبذا، يا هند، لو ضمنا لحد
فقالت لعمر الحق إنك صادق
فدمت على ود ودام لك الود
فلو لم أكن من قبل أعشق حسنها
لهمت بها والله حسبي من بعد
.
عماد تريسي
12/17/2008, 07:17 AM
http://www.adab.com/photos/66165725.jpg
ولد ابو ماضي في قرية "المحيدثة" من قرى لبنان سنة 1891
وفي احدى مدارسها الصغيرة درس ثم غادرها في سنّ الحادية عشرة إلى الاسكندرية ومنها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث كان أحد أعضاء الرابطة القلمية البارزين.
دواوينه:
ـ تذكار الماضي.
ـ الجداول.
ـ الخمائل
عماد تريسي
12/17/2008, 07:20 AM
قال السماء كئيبة وتجهما
قال السماء كئيبة ! وتجهما= قلت: ابتسم يكفي التجهم في السما !
قال: الصبا ولى! فقلت له: ابتــسم= لن يرجع الأسف الصبا المتصرما !!
قال: التي كانت سمائي في الهوى= صارت لنفسي في الغرام جــهنما
خانت عــــهودي بعدما ملكـتها= قلبي , فكيف أطيق أن أتبســما !
قلـــت: ابتسم و اطرب فلو قارنتها= لقضيت عــــمرك كــله متألما
قال: الــتجارة في صراع هائل= مثل المسافر كاد يقتله الـــظما
أو غادة مسلولة محــتاجة= لدم ، و تنفثـ كلما لهثت دما !
قلت: ابتسم ما أنت جالب دائها= وشفائها, فإذا ابتسمت فربما
أيكون غيرك مجرما. و تبيت في= وجل كأنك أنت صرت المجرما ؟
قال: العدى حولي علت صيحاتهم= أَأُسر و الأعداء حولي في الحمى ؟
قلت: ابتسم, لم يطلبوك بذمهم= لو لم تكن منهم أجل و أعظما !
قال: المواسم قد بدت أعلامها= و تعرضت لي في الملابس و الدمى
و علي للأحباب فرض لازم= لكن كفي ليس تملك درهما
قلت: ابتسم, يكفيك أنك لم تزل= حيا, و لست من الأحبة معدما!
قال: الليالي جرعتني علقما= قلت: ابتسم و لئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مرنما= طرح الكآبة جانبا و ترنما
أتُراك تغنم بالتبرم درهما= أم أنت تخسر بالبشاشة مغنما ؟
يا صاح, لا خطر على شفتيك أن= تتثلما, و الوجه أن يتحطما
فاضحك فإن الشهب تضحك و الدجى= متلاطم, و لذا نحب الأنجما !
قال: البشاشة ليس تسعد كائنا= يأتي إلى الدنيا و يذهب مرغما
قلت ابتسم مادام بينك و الردى= شبر, فإنك بعد لن تتبسما
عماد تريسي
12/17/2008, 07:21 AM
كن بلسماً
كن بلسماً إن صار دهرك أرقما= وحلاوة إن صار غيرك علقما
إن الحياة حبتك كلَّ كنوزها= لا تبخلنَّ على الحياة ببعض ما ..
أحسنْ وإن لم تجزَ حتى بالثنا= أيَّ الجزاء الغيثُ يبغي إن همى ؟
مَنْ ذا يكافئُ زهرةً فواحةً ؟= أو من يثيبُ البلبل المترنما ؟
عُدّ الكرامَ المحسنين وقِسْهُمُ= بهما تجدْ هذينِ منهم أكرما
ياصاحِ خُذ علم المحبة عنهما= إني وجدتُ الحبَّ علما قيما
لو لم تَفُحْ هذي ، وهذا ما شدا ،= عاشتْ مذممةً وعاش مذمما
فاعمل لإسعاد السّوى وهنائهم= إن شئت تسعد في الحياة وتنعما
أيقظ شعورك بالمحبة إن غفا= لولا الشعور الناس كانوا كالدمى
أحبب فيغدو الكوخ قصرا نيرا= وابغض فيمسي الكون سجنا مظلما
ما الكأس لولا الخمر غير زجاجةٍ= والمرءُ لولا الحب إلا أعظُما
كرهَ الدجى فاسودّ إلا شهبُهُ= بقيتْ لتضحك منه كيف تجهّما
لو تعشق البيداءُ أصبحَ رملُها= زهراً، وصارَ سرابُها الخدّاع ما
لو لم يكن في الأرض إلا مبغضٌ= لتبرمتْ بوجودِهِ وتبرّما
لاح الجمالُ لذي نُهى فأحبه= ورآه ذو جهلٍ فظنّ ورجما
لا تطلبنّ محبةً من جاهلٍ= المرءُ ليس يُحَبُّ حتى يُفهما
وارفقْ بأبناء الغباء كأنهم= مرضى، فإنّ الجهل شيءٌ كالعمى
والهُ بوردِ الروضِ عن أشواكه= وانسَ العقاربَ إن رأيت الأنجما
يا من أتانا بالسلام مبشراً= هشّ الحمى لما دخلتَ إلى الحمى
وصفوكَ بالتقوى وقالوا جهبذُ= علامةُ، ولقد وجدتك مثلما
لفظٌ أرقّ من النسيم إذا سرى= سَحَراً، وحلوُ كالكرى إن هوّما
وإذا نطقتَ ففي الجوارحِ نشوةٌ= هي نشوةُ الروحِ ارتوتْ بعدَ الظما
وإذا كتبتَ ففي الطروسِ حدائقٌ= وشّى حواشيها اليراعُ ونمنما
وإذا وقفتَ على المنابر أوشكتْ= أخشابها للزهوِ أن تتكلما
إن كنت قد أخطاكَ سربال الغِنَى= عاش ابنْ مريم ليس يملك درهما
وأحبّ حتى من أحب هلاكه= وأعان حتى من أساء وأجرما
نام الرعاة عن الخراف ولم تنمْ= فإليك نشكو الهاجعين النوّما
عبدوا الإله لمغنمٍ يرجونه= وعبدتَ ربّك لست تطلبُ مغنما
كم رَوّعوا بجهنّم أرواحنا= فتألمت من قبلُ أن تتألما!
زعموا الإله أعدّها لعذابنا= حاشا، وربُّك رحمةٌ، أن يظلما
ما كان من أمر الورى أن يرحموا= أعداءهم إلا أرقّ وأرحما
ليست جهنم غير فكرةِ تاجرٍ= ألله لم يخلق لنا إلا السما
عماد تريسي
12/17/2008, 07:24 AM
السجينة
لعمرك ما حزني لمال فقدته= ولا خان عهدي في الحياة حبيب
ولكني أبكي وأندب زهرة= جناها ولوع بالزهور لعوب
رآها يحلّ الفجر عقد جفونها= ويلقي عليها تبره فيذوب
وينقض عن أعطافها النور لؤلؤا= من الطلّ ما ضمت عليه جيوب
فعالجها حتى استوت في يمينه= وعاد إلى مغناه وهو طروب
وشاء فأمست في الإناء سجينة= لتشبع منها أعين وقلوب
ثوت بين جدران كقلب مضيمها= تلّمس فيها منفذا فتخيب
فليست تحيي الشمس عند شروقها= وليست تحيي الشمس حين تغيب
ومن عصيت عيناه فالوقت كلّه= لديه ، وإن لاح الصباح ، غروب
لها الحجرة الحسناء في القصر إنما= أحب إليها روضة وكثيب
وأجمل من نور المصابيح عندها= حباحب تمضي في الدجى وتؤوب
ومن فتيات القصر يرقص حولها= على نغمات كلهنّّ عجيب
تراقص أغصان الحديقة بكرة= وللريح فيها جيئة وذهوب
وأجمل منهنّ الفراشات في الضحى= لها كالأماني سكنة ووثوب
وأبهى من الديباج والخزّ عندها= فراشٌ من العشب الخضيل رطيب
وأحلى من السقف المزخرف بالدمى= فضاءٌ تشعّ الشهب فيه رحيب
تحنّ إلى مرأى الغدير وصوته= وتحرم منه ، والغدير قريب
وليس لها للبؤس في نسم الرّبى= نصيب ، ولم يسكن لهنّ هبوب
إذا سقيت زادت ذبولا كأنما= يرشّ عليها في المياه لهيب
وكانت قليل الطلّ ينعش روحها= وكانت بميسور الشّعاع تطيب
بها من أنوف الناشقين توعّك= ومن نظرات الفاسقين ندوب
تمشّى الضنى فيها وأيار في الحمى= وجفّت وسربال الربيع قشيب
ففيها كمقطوع الوريدين صفرة= وفيها كمصباح البخيل شحوب
أيا زهرة الوادي الكئيبة إنني= حزين لما صرت إليه كئيب
وأكثر خوفي أن تظني بني الورى= سواء، وهم مثل النبات ضروب
وأعظم حزني أنّ خطبّك بعده= مصائب شتّى لم تقع وخطوب
سيطرحك الإنسان خارج داره= إذا لم يكن فيك العشية طيب
فتمسين للأقذار فيك ملاعب= وفي صفحتك للنعال ضروب
إسارك، يا أخت الرياحين ، مفجع= وموتك، يا بنت الربيع ، رهيب
ولكنها الدنيا، ولكنه القضا= وهذا، لعمري ، مثل تلك غريب
فكم شقيت في ذي الحياة فضائل= وكم نعمت في ذي الحياة عيوب
وكم شيم حسناء عاشت كأنها= مساوىء يخشى شرّها وذنوب
عماد تريسي
12/17/2008, 07:28 AM
العيون السود
ليت الذي خلق العــــيون الســــــودا= خــلق القلـــوب الخــــافقات حديدا
لولا نواعــســهـــــا ولولا ســـحـــــرها= ما ود مـــالك قـــلبه لـــــو صـــــيدا
عَـــــوذْ فــــــؤادك من نبال لحـاظها= أو مـتْ كمـــا شاء الغرام شهيدا
إن أنت أبصرت الجمال ولم تهــــــم= كنت امرءاً خشن الطباع ، بليدا
وإذا طــــلبت مع الصـــــــبابة لـــذةً= فــلقد طــلبت الضـائع المــوجــودا
يــا ويــح قـــلبي إنـه في جـــــانبي= وأضـــنه نـــائي المــــــزار بعـيدا
مــســـتوفـــــزٌ شــــوقاً إلى أحـــبابه= المـــرء يكره أن يعــــيش وحيدا
بـــــــرأ الإله له الضــــــــــلوع وقايةً= وأرتـــــــه شقوته الضلوع قيودا
فإذا هــــــفا بــــــــرق المنى وهفا له= هــــــاجــــت دفائنه عليه رعــــودا
جــــشَّــــمتُهُ صــــبراً فـــــلما لم يطقْ= جـــشــــمته التصويب والتصعيدا
لــو أســتطيع وقـيته بطش الهوى= ولـــو استطاع سلا الهوى محمودا
هي نظرة عَرَضت فصارت في الحشا= نــاراً وصــــار لها الفـــؤاد وقودا
والحــبٌ صوتٌ ، فهــــو أنــــــــةُ نائحٍ= طـــوراً وآونــــة يكون نشــــيدا
يهــــب البــواغم ألســـــــناً صداحة= فــــإذا تجنى أســــــكت الغريدا
ما لي أكــــلف مهـجــتي كتم الأسى= إن طــــال عهد الجرح صار صديدا
ويــلذُّ نفــــــسي أن تكون شـــقيةً= ويلــذ قلبي أن يكــــــــون عميدا
إن كنت تدري ما الغـرام فداوني= أو ، لا فخل العــــــــذل والتفنيدا
عماد تريسي
12/17/2008, 07:33 AM
فلنعش
لا تَسَــــــــلْ أين الهوى والكـــوثرُ= سَكَتَ الشــــــــــــادي وبُحَّ الوتـــرُ
فـــجــأةً ... وانـــقــــلب العُرسُ إلى= مَأتمٍ ...مــــاذا جـــــــرى؟ مـــا الخبرُ
ماجــتِ الــدنيا بمـــــن فيها ، كما= ماج نـــــهــــــــــــرٌ ثائرٌ مُنكــــــدرٌ
كُلهم مُســــــتَفسِـــــرٌ صَـــــاحـــبه= كلُّهم يُؤذيه من يَســــــتَفـــسِـــر
هَــمَــــسَ المــــوتُ بهــم هـــــمستهُ= إن هــمــــس المـــــوت ريحٌُ صَــــرصَرٌ
فـــــإذا الحــــيرةُ في أحــــــداقهم= كــيفـــما مالـــوا وأنى نــظــــــروا
عـــــلِموا ... يا ليتهــــم ما عَــــلِموا= أنَّ دنــــيا مــــن رؤىً تُحــــتَضَـــــــرُ
والذي أطــــــــربهــــم عن قُــــدرةٍ= بــــات لايقـــــوى ولا يــــــــقــــــتدرُ
يَبِسَ الضِّــحــــكُ على أفــــــــواههم= فهــو كالسُّخــــرِ وإن لم يسخــروا
وإذا الآسي ... يـــــــدٌ مخــــــــــذولةٌ= ومُــــحـــيا اليأسُ فـــيه أصـــفــــــرُ
شاع في الدنياالأسى حتى شكت= أرضُــها وطــــــــــــأتَهُ والجَــــــــــدرُ
فــــعــلى الأضواء مِنه فـــــــــــــترةٌ= وعــلى الألــــوان مِــــنه أثـــــــــــــــرُ
والقــــــناني صُــــــــورٌ باهِـــــــــتَةٌ= والأغــاني عَــــــالم مُـــــنــــــدثـــــرُ
ألهــــنا أُفـــــــلِت مــن أيديــــهـــمُ= والأمـــــاني ...؟ ..إنهــــا تــنـــتـحِرُ
عماد تريسي
12/17/2008, 07:35 AM
الغبطة ... فكره
أقبلَ العيدُ ، ولكنْ ليسَ في الناسِ المسرَّهْ
لا أَرى إلاَّ وُجُوهاً كالحاتٍ مُكْفَهِرَّهْ
كالرَّكايا لم تَدَعْ فيها يدُ الماتحِ قطرَهْ
أو كمثلِ الرَّوضِ لم تَتْركْ به النكباءُ زهرَهْ
وعيوناً دَنقتْ فيها الأماني المُسْتَحِرَّهْ
فَهْيَ حَيرى ذاهلاتٌ في الذي تهوى وتكرَهْ
وخدوداً باهتاتٍ قد كساها الهَمُّ صُفْرَهْ
وشفاهاً تحذرُ الضحكَ كأنَّ الضحكَ جمرَهْ
ليسَ للقومِ حديثٌ غير شكوى مستمرَّهْ
قد تساوى عندهُمْ لليأسِ نفعٌ ومضرَّهْ
لا تَسَلْ ماذا عراهُمْ كلُّهم يجهل ُ أمرَهْ
حائرٌ كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وكرَهْ
فوقَهُ البازِيُّ ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَهْ
فهو إنْ حَطَّ إلى الغبراءِ شَكَّ السهمُ صدرَهْ
وإذا ما طارَ لاقى قشعمَ الجوِّ وصقرَهْ
كلُّهم يبكي على الأمسِ ويخشى شَرَّ بُكْرَهْ
فهمُ مثل عجوزٍ فقدتْ في البحرِ إبرَهْ
* * *
أيّها الشاكي الليالي إنَّما الغبطةُ فِكْرَهْ
ربَّما اسْتوطَنَتِ الكوخَ وما في الكوخِ كِسْرَهْ
وخَلَتْ منها القصورُ العالياتُ المُشْمَخِرَّهْ
تلمسُ الغصنَ المُعَرَّى فإذا في الغصنِ نُضْرَهْ
وإذا رفَّتْ على القَفْرِ استوى ماءً وخُضْرَهْ
وإذا مَسَّتْ حصاةً صَقَلَتْها فهيَ دُرَّهْ
لَكَ ، ما دامتْ لكَ ، الأرضُ وما فوق المَجَرَّهْ
فإذا ضَيَّعْتَها فالكونُ لا يَعْدِلُ ذَرَّهْ
أيُّها الباكي رويداً لا يسدُّ الدمعُ ثغرَهْ
أيُّها العابسُ لن تُعطَى على التقطيبِ أُجْرَهْ
لا تكنْ مُرَّاً ، ولا تجعَلْ حياةَ الغيرِ مُرَّهْ
إِنَّ من يبكي لهُ حَوْلٌ على الضحكِ وقُدْرَهْ
فتَهَلَّلْ وتَرَنَّمْ ، فالفتى العابسُ صَخْرَهْ
سَكَنَ الدهرُ وحانتْ غفلةٌ منهُ وغِرَّهْ
إنَّهُ العيدُ … وإنَّ العيدَ مثل العُرْسِ مَرَّهْ
عماد تريسي
12/17/2008, 07:37 AM
الغدير الطموح
قال الغدير لنفسه= يا ليتني نهر كبير
مثل الفرات العذب أو= كالنيل ذي الفيض الغزير
تجري السفائن موقرات= فيه بالرزق الوفير
هيهات يرضى بالحقير= من المنى إلاّ الحقير
و انساب نحو النهر لا= يلوي على المرج النضير
حتى إذا ما جاءه= غلب الهدير على الخرير
عماد تريسي
12/17/2008, 07:39 AM
الدمعة الخرساء
سمعت عويل النائحات عشية= في الحيّ يبتعث الأسى و يثير
يبكين في جنح الظلام صبيّة= إنّ البكاء على الشباب مرير
فتجهّمت و تلفّتت مرتاعة= كالظبي أيقن أنّه مأسور
و تحيّرت في مقلتيها دمعة= خرساء لا تهمي و ليس تغور
فكأنّها بطل تكنّفه العدى= بسيوفهم و حسامه مكسور
و جمت ، فأمسى كلّ شيء واجما= ألنور ، و الأظلال ، و الديجور
ألكون أجمع ذاهل لذهولها= حتى كأنّ الأرض ليس تدور
لا شيء ممّا حولنا و أمامنا= حسن لديها و الجمال كثير
سكت الغدير كأنّما التحف الثرى= وسها النسيم كأنّه مذعور
و كأنّما الفلك المنوّر بلقع= و الأنجم الزهراء فيه قبور
كانت تمازحني و تضحك فانتهى= دور المزاح فضحكها تفكير
قالت وقد سلخ ابتسامتها الأسى= : صدق الذي قال الحياة غرور
أكذا نموت و تنقضي أحلامنا= في لحظة ، و إلى التراب نصير ؟
و تموج ديدان الثرى في أكبد= كانت تموج بها المنى و تمور
خير إذن منّا الألى لم يولدوا= و من الأنام جلامد و صخور
و من العيون مكاحل و مراود= و من الشفاه مساحيق و ذرور
و من القلوب الخافقات صبابة= قصب لوقع الريح فيه صفير !
و توقّفت فشعرت بعد حديثها= أن الوجود مشوّش مبتور
ألصيف ينفث حرّه من حولنا= و أنا أحسّ كأنّني مقرور
ساقت إلى قلبي الشكوك فنغّصت= ليلي ، و ليس مع الشكوك سرور
و خشيت أن يغدو مع الرّيب الهوى= كالرسم لا عطر و فيه زهور
و كدميه المثّال حسن رائع= ملء العيون و ليس ثمّ شعور
فأجبتها : لتكن لديدان الثرى= أجسامنا إنّ الجسوم قشور
لا تجزعي فالموت ليس يضيرنا= فلنا إياب بعده و نشور
إنّا سنبقى بعد أن يمضي الورى= و يزول هذا العالم المنظور
فالحب نور خالد متجدد= لا ينطوي إلاّ ليسطع نور
و بنو الهوى أحلامهم ورؤاهم= لا أعين و مراشف و نحور
فإذا طوتنا الأرض عن أزهارها= و خلا الدجى منّا و فيه بدور
فسترجعين خميلة معطارة= أنا في ذراها بلبل مسحور
يشدو لها و يطير في جنباتها= فتهشّ إذ يشدو و حين يطير
أو جدولا مترقرقا مترنّما= أنا فيه موج ضاحك و خرير
أو ترجعين فراشة خطّارة= أنا في جناحيها الضحى الموشور
أو نسمة أنا همسها و حفيفها= أبدا تطوّف في الذرى و تدور
تغشى الخمائل في الصباح بليلة= و تؤوب حين تؤوب و هي عبير
أو نلتقي عند الكثيب ، على رضى= و قناعة ، صفصافة و غدير
تمتدّ فيه و في ثراه عروقها= و يسيل تحت فروعها و يسير
و يغوص فيه خيالها فيلفه= و يشفّ فهو المنطوي المنشور
يأوي إذا اشتدّ الهجير إليهما= ألناسكان : الظبي و العصفور
لهما سكينتها ووارف ظلّها= و الماء إن عطشا لديه وفير
أعجوبتان – زبرجد متهدل= نام تدفّق تحته البلّور
لا الصبح بينهما يحول و لا الدجى= فكلاهما بكليهما مغمور
تتعاقب الأيّام و هي نضيره= مخضرّة الأوراق ، و هو نمير
فالدهر أجمعه لديهما غبطة= فالدهر أجمعه لديها حبور
فتبسّمت و بدا الرضى في وجهها= إذ راقها التمثيل و الصوير
عالجتها بالوهم فهي قريرة= و لكم أفاد الموجع التخدير
ثمّ افترقنا ضاحكين إلى غد= و الشهب تهمس فوقنا و تشير
هي كالمسافر آب بعد مشقّة= و أنا كأنّي قائد منصور
لكنّني لمّا أويت لمضجعي= خشن الفراش عليّ و هو وثير
و إذا سراجي قد وهت و تلجلجت= أنفاسه فكأنّه المصدور
و أجلت طرفي في الكتاب فلاح لي= كالرسم مطموسا و فيه سطور
و شربت بنت الكرم أحسب راحتي= فيها : فطاش الظنّ و التقدير
فكأنّني فلك وهت أمراسها= و البحر يطغى حولها و يثور
سلب الفؤاد رواه و الجفن الكرى= همّ عرا ، فكلاهما موتور
حامت على روحي الشكوك كأنّها= و كأنّهن فريسة و صقور
و لقد لجأت إلى الرجاء فعقّني= أما الخيال فخائب مدحور
يا ليل أين النور ؟ إنّي تائه= مر ينبثق ، أم ليس عندك نور ؟
" أكذا نموت و تنقضي أحلامنا= في لحظة و إلى التراب نصير ؟ "
" خير إذن منّا الألى لم يولدوا= و من الأنام جنادل و صخور "
عماد تريسي
12/17/2008, 07:42 AM
السماء
لا تسألني عن السماء فما عندي= إلا النعوت والأسماء
هي شيء وبعض شيء وحينا= كل شيء وعند قوم هباء
فسماء الراعي كما يتمناها= مروج. فسيحة خضراء
تلبس التير مئزرا ووشاحا= كلما أشرقت وغابت ذكاء
أبدا في نضارة،لا يجف العشب= فيها ؛ولا بعض الماء
وهي عند الأم التي اخترم= الموت بنيها، وضلّعنها العزاء
موضع يولد الرّجاء من اليأس= إذا مات في القلوب الرجاء
وهي عند الفقير أرض وراء= الأفق، فيها ما يشتهي الفقراء
لا يخاف المثري، ولا كلبه الضاري= ، ولا لامرىء به استهزاء
وهي عندالمظلوم أرض كهذي= الأرض لكن قد شاع فيها الإخاء
يجمع العدل أهلها في نظام= مثلما يجمع الخيوط الرداء
لا ضعيف مستعبد، لا قويّ= مستبد؛بل كلهم أكفاء
كلّ شيء للكل ملك حلال،= كلّ شيء فيها كما الكلّ شاموا
وهي عند الخليع أرض تميس= الحور فيها، وتدفق الصهباء
كلّ ما النفس تشتهيه مباح= لا صدود، لا جفوة، لا إباء
أكبر الإثم قولة المرء هذا= الأمر إثم، وهذه فحشاء
ليس بين الصّلاح والشر حد= كالذي شاء وضعه الإنبياء
وإذا لم يكن عفاف وفسق= لم تكن حشمة ولا استحياء
صور في نفوسنا كائنات= ترتديها الأفعال والأشياء
ربّ شيء كالجوهر الفرد فذّ= عدّدته الأغراض والإهواء
كلّ ما تقصر المدارك عنه= كائن مثلما الظنون تشاء
كلّ ما تقصر المدارك عنه= كائن مثلما الظنون تشاء
عماد تريسي
12/17/2008, 07:43 AM
ذكرى
ولقد ذكرتك بعد يأس قاتل= في ضحوة كثرت بها الأنواء
فوددت أني غرسة أو زهرة= ووددت أنك عاصف أو ماء
عماد تريسي
12/17/2008, 07:46 AM
الكبرياء خلة الشيطان
لي صاحب دخل الغرور فؤاده= إ نّ الغرور أخيّ من أعدائي
أسديته نصحي فزاد تماديا= في غيّه وازداد فيه بلائي
أمسى يسيء بي الظنون ولم تسوء= لولا الغرور ظنونه بولائي
قد كنت أرجو أن يقيم على الولا= أبدا ، ولكن خاب فيه رجائي
أهوى اللقاء به ويهوى ضدّه= فكأنما الموت الزؤام لقائي
إني لأصحبه على علاّته= والبدر من قدم أخو الظلماء
يا صاح إنّ الكبر خلق سيء= هيهات يوجد في سوى الجهلاء
والعجب داء لا ينال دواؤه= حتى ينال الخلد في الدنياء
فاخفض جناحك للأنام تفز بهم= إنّ التواضع شيمة الحكماء
لو أعجب القمر المنير بنفسه= لرأيته يهوي إلى الغبراء
عماد تريسي
12/17/2008, 07:47 AM
نار القرى
روحي التي بالأمس كانت ترتع= في الغاب مثل الظبية القمراء
تقتات بالثمر الجنّي فتشبع= ويبلّ غلّتها رشاش الماء
نظرت إليك فأصبحت لا تقنع= بالماء والأفياء في الغبراء
تصغي وتنصت ، والحمامة تسجع= إصغاؤها لك ليس للورقاء
ناديتها ، فلها إليك تطلّع= هذا التطلع كان أصل شقائي
جنّحتي كيما أطير فلم أطر= هيهات إنك قد طويت سمائي
قد كان يسبيني الجمال الرائع= حتى لمحتك فهو لا يسيبني
عصفت بصدري لليقين زوابع= ثلّث عروش توهمي وظنوني
فأنا على ما ضاع مني جازع= إن الذي قد ضاع جدّ ثمين
لولاك ما مات الخيال اليافع= أفتعجبين إذا كرهت يقيني
هذا صنيعك بي ، فما أنا صانع؟= قد شاء بحرك أن تضلّ سفيني
جرّدت هذا الطين من أوهامه= وكبرت عن قارورة من طين
كيف الوصول إليك يا نار القرى،= أنا في الحضيض وأنت في الجوزاء
لي ألف باصرة تحنّ كما ترى= لكنّ دونك ألف ألف غطاء
لو من ثرى ، مزّقتها بيد الثرى،= لكنها سُجُفٌ من الأضواء
ساءلت قلبي إذ رأى فتحّيرا= ماذا شربت فمدت؟ قال: دمائي
يا ليته قد ظلّ أعمى كالورى= فلقد نعمت، وكان في ظلماء
قد شوشت كفّ النهار سكينتي= يا هذه ، ردّي إلّي مسائي
أمسيت حين لمستني بيديك= لي ألف باصرة وألف جناح
ولمحت نار الوحي في عينيك،= والوحي كان سلافة الأرواح
فتشرت أجنحي وحمت عليك= متوهما أني وجدت صباحي
قذ كان حتفي في الدنو إليك= حتف الفراشة في فم المصباح
فسقطت مرتعشا على قدميك= ألنار مهدي والدخان وشاحي
يا ليت نورك حين أحرقني انطوى= فعلى ضيائك قد لمست جراحي
عماد تريسي
12/17/2008, 07:49 AM
أنت
روحي التي بالأمس كانت ترتع= في الغاب مثل الظبية القمراء
تقتات بالثمر الجنّي فتشبع= ويبلّ غلّتها رشاش الماء
نظرت إليك فأصبحت لا تقنع= بالماء والأفياء في الغبراء
تصغي وتنصت ، والحمامة تسجع= إصغاؤها لك ليس للورقاء
ناديتها ، فلها إليك تطلّع= هذا التطلع كان أصل شقائي
جنّحتي كيما أطير فلم أطر= هيهات إنك قد طويت سمائي
قد كان يسبيني الجمال الرائع= حتى لمحتك فهو لا يسيبني
عصفت بصدري لليقين زوابع= ثلّث عروش توهمي وظنوني
فأنا على ما ضاع مني جازع= إن الذي قد ضاع جدّ ثمين
لولاك ما مات الخيال اليافع= أفتعجبين إذا كرهت يقيني
هذا صنيعك بي ، فما أنا صانع؟= قد شاء بحرك أن تضلّ سفيني
جرّدت هذا الطين من أوهامه= وكبرت عن قارورة من طين
كيف الوصول إليك يا نار القرى،= أنا في الحضيض وأنت في الجوزاء
لي ألف باصرة تحنّ كما ترى= لكنّ دونك ألف ألف غطاء
لو من ثرى ، مزّقتها بيد الثرى،= لكنها سُجُفٌ من الأضواء
ساءلت قلبي إذ رأى فتحّيرا= ماذا شربت فمدت؟ قال: دمائي
يا ليته قد ظلّ أعمى كالورى= فلقد نعمت، وكان في ظلماء
قد شوشت كفّ النهار سكينتي= يا هذه ، ردّي إلّي مسائي
أمسيت حين لمستني بيديك= لي ألف باصرة وألف جناح
ولمحت نار الوحي في عينيك،= والوحي كان سلافة الأرواح
فتشرت أجنحي وحمت عليك= متوهما أني وجدت صباحي
قذ كان حتفي في الدنو إليك= حتف الفراشة في فم المصباح
فسقطت مرتعشا على قدميك= ألنار مهدي والدخان وشاحي
يا ليت نورك حين أحرقني انطوى= فعلى ضيائك قد لمست جراحي
عماد تريسي
12/17/2008, 07:51 AM
الفقير
همّ ألم به مع الظلماء= فنأى بمقلته عن الاغفاء
نفس أقام الحزن بين ضلوعه= والحزن نار غير ذات ضياء
يرعى نجوم الليل ليس به هوى= ويخاله كلفا بهنّ الرائي
في قلبه نار (الخليل) وانما= في وجنتيه أدمع (الخنساء)
قد عضة اليأس الشديد بنابه= في نفسه والجوع في الاحشاء
يبكي بكاء الطفل فارق أمه= ما حيلة المحزون غير بكاء!
فأقام حلس الدار وهو كأنه= -لخلو تلك الدار_ في بيداء
حيران لا يدري أيقتل نفسه= عمدا فيخلص من أذى الدنياء
أم يستمر على الغضاضة والقذى= والعيش لا يحلو مع الضراء
طرد الكرى وأقام يشكو ليله= يا ليل طلت وطال فيك عنائي
يا ليل قد أغريت جسمي بالضنا= حتى ليؤلم فقده أعضائي
ورميتني يا ليل بالهم الذي= يفري الحشا، والهم أعسر داء
يا ليل مالك لا ترق لحالتي= أتراك والأيام من أعدائي؟
يا ليل حسبي ما لقيت من الشقا= رحماك لست بصخرة صماء
بن يا ظلام عن العيون فربّما= طلع الصباح وكان فيه عزائي
وارحمتا للبائسين فانهم= موتى وتحسبهم من الاحياء
إني وجدت حظوظهم مسودّة= فكأنما قدت من الظلماء
ابدأ يسر الزمان ومالهم= حظ كغيرهم من السرّاء
ما في أكفهم من الدنيا سوى= ان يكثروا الأحلام بالنعماء
تدنو بهم آمالهم نحو الهنا= هيهات يدنو بالخيال النائي
ابطر الأنام من السرور وعندهم= ان السرور مرادف العنقاء
إني لاحزن ان تكون نفوسهم= غرض الخطوب وعرضة الارزاء
أنا ما وقفت لكي اشبب بالطلا= مالي وللتشبب بالصهباء؟
لا تسألوني المدح أو وصف الدمى= إني نبذت سفاسف الشعراء
باعوا لأجل المال ماء حيائهم= مدحا وبت أصون ماء حيائي
لم يفهموا ما الشعر؛ إلا انه= قد بات واسطة إلى الاثراء
فلذاك ما لاقيت غير مشبب= بالغانيات وطالب لعطاء
ضاقت به الدنيا الرحيبة فانثنى= بالشعر يستجدي بني حواء
شقي القريض بهم وما سعدوا به= لولاهم اضحى من السعداء
نادوا علينا بالمحبة والهوى= وصدورهم طبعت على البغضاء
ألفوا الرياء فصار من عادتهم= لعن المهيمن شخص كل مرائي!
إن يغضبوا مما أقول فطالما= كره الأديب جماعة الغوغاء
أو ينكروا أدبي فلا تتعجبوا= فالرمد طلوع ذكاء
أو كلما نصر الحقيقة فاضل= قامت عليه قيامة السفهاء
أنا ما وقفت اليوم فيكم موقفي= إلا لأنذب حالة التعساء
عليّ احرّك بالقريض قلوبكم= ان القلوب مواطن الاهواء
لهفي على المحتاج بين ربوعكم= يمسي و يصبح وهو قيد شقاء
امسى سواء ليله وصباحه= شتان بين الصبح والامساء
قطع القنوط عليه خيط رجائه= والمرء لا يحيا بغير رجاء
لهفي! ولو أجدى التعيس تلهفي= لسفكت دمعي عنده ودمائي
قل للغني المستعز بماله= مهلا لقد اسرفت في الخيلاء
جبل الفقير أخوك من طين ومن= ماء، ومن طين جبلت وماء
فمن القساوة ان تكون منعما= ويكون رهن مصائب وبلاء
وتظل ترفل بالحرير أمامه= في حين قد امسى بغير كساء
اتضن بالدينار في اسعافه= وتجود بالآلاف في الفحشاء
انصر أخاك فان فعلت كفيته= ذلّ السؤال ومنة البخلاء
أذوي اليسار وما اليسار بنافع= إن لم يكن أهلوه أهل سخاء
كم ذا الجحود ومالكم رهن البلا= وبم الغرور وكلكم لفناء؟
ان الضعيف بحاجة لنضاركم= لا تقعدوا عن نصرة الضعفاء
انا لا اذكّر منكم أهل الندى= ليس الصحيح بحاجة لدواء
ان كانت الفقراء لا تجزيكم= فاللّه يجزيكم عن الفقراء
عماد تريسي
12/17/2008, 07:54 AM
تلك السنون
تلك السنون الغاربات ورائي= سفر كتبت حروفه بدمائي
ما عشتها لأعدّها بل عشتها= لتبين في سيمائها سيمائي
سيّلن لو أني قنعت بعدّها= عمري وعمر الصخرة الصماء
ولبذّني يوم التفاخر شاطىء= ما فيه غير رماله الخرساء
لا حت لي العلياء في آفاقها= فأردتها دربا ألى العلياء
ومحبة للخير تسري في دمي= ورعاية للضعف والضعفاء
وعبادة للحق أين وجدته= والحسن في الأحياء والأشياء
لتدور بعدي قصة عن عاشق= رقصت به الدنيا جناح ضياء
نشر الطيوب على دروب حياته= وسرى هوى في الطيب و الأنداء
وأطلّ في قلب البخيل سماحة= وشجاعة في السلم والهيجاء
ومشى ألى المظلوم بارق رحمة= وهوى على الظلام سوط بلاء
متعوّ دنيا قد طوت آبائي= وتهش دنيا أطلعت أبنائي
تلك السنون ببؤسها ونعيمها= مالت بعودي وانطوت بروائي
أين الشباب ألفّ أحلامي به= ليس الشباب الآن لي برداء
نفسي تحس كأنما أثقالها= قد خيرت فتخيرت أعضائي
كم من رؤى طلعت على جنباتها= ركبا من الأضواء و الأشذاء
قلبت فيها بعد لأي ناظري= فتعثرت عيناي بالأشلاء
يا للضحايا لا يرفّ لموتها= جفن ولا تحصى مع الشهداء
ودعت للذّات الخيال وعفتها= ورضيت أن أشقى مع الحكماء
فعرفت مثلهم بأني موخد= بؤسي،وأني خالق نعمائي
إني أراني بعد ما كابدته= كالفلك خارجة من لأنواء
وكسائح بلغ المدينة بعدما= ضلّ الطريق وتاه في البيداء
شكرا لأصحابي فلولا حبهم= لم أقترب من عالم اللألاء
بهم اقتحت العاصفات بمركي= وبهم عقدت على النجوم لوائي
شكرا لأعدائي فلولا عيشهم= لم أدر أنهمو الغوغاء
نهش الأسى لما ضحكت قلوبهم= عرس المحبة مأتم البغضاء
ذني إلى الحسّاد أني فتّهم= وتركهم يتعثرون ورائي
وخطيئتي الكبرى إليهم أنهم= قعدوا ولم أقعد على الغبراء
عفو المروءة والرجولة أنني= أخطأت حين حسبتهم نظرائي
...شكرا لكلّ فتى مزجت بروحه= روحي فطاب ولاؤه وولائي
من كان يحلم بالسماء فإني= في قلب إنسان وجدت سمائي
ليس الجمال هو بذاته= الحسن يوجد حين يوجد رآء
ما الكون؟ ما في الكون لولا آدم= إلا هباء عالق بهباء
وأبو البرية ما أبان وجوده= وأنتم غايته سوى حواء
إني سكبت الخمر حين سكبتها= للناس ، لا للأنجم الزهراء
لا تشرب الخمر النجوم وإن تكن= معصورة من أنفس الشعراء
تلك السنون ، عقيمها كولودها= حلو ليّ، كذا يشاء وفائي
فالليلة العسراء من عمري= وعمر الدهر مثل الليلة السمحاء
يا من يقول (ظلمت نفسك فاتئد) = دعني ، فلست بحامل أعبائي
إنّ الحياة الروح بعض عطائها= وأنا ثمار الروح كلّ عطائي
ما العمر؟ إان هو كالإناء وإنني= بالطيّب الغالي ملأت إنائي
فإذا بقيت ، فللجمال بقائي= وإذا فنيت ، ففي الجمال فنائي
للّه ما أحلى وأسنى ليلتي= هي في كتاب العمر كالطغراء
يا صحب لن أنسى جميل صنيعكم= حتى تفارق هيكلي حوبائي
وتقول عيني "قد فقدت ضيائي"= ويقول قلبي"قد فقدت رجائي"