المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الغزو الفارسى لمصر - بقلم صلاح ابوشنب


صلاح ابوشنب
12/02/2010, 01:23 PM
الغزو الفارسى لمصر
بقلم صلاح ابوشنب
بعد البحث اتضح ان هناك اكثر من غزو فارسى لمصر :غزو لأول وغزو ثان .
- الغزو الفارسى الاول:
و كان على يد كبوجيه المعروف باسم قمبيز ، وكان ذلك سنة 527 قبل الميلاد على عهد الملك الفرعونى بسماتيك .الذى قام قمبيز بأسره وأرساله اسيرا الى أيران ، وظلت مصر ترزح تحت الحكم الفارسى 121 سنة أى حتى عام 406 قبل الميلاد ، وقد ذكر انه كانت هناك مقاومة شديدة من قبل المصريين ضد هذا الاحتلال ، كما وقعت ليبيا أيضا تحت هذه الاحتلال لنفس المدة ، وذكر ايضا أن المصرين لكثرة ثوراتهم ضد الاحتلال الفارسى اجبروا قمبيز على احترام عقيدتهم ولم يأمر بذبح العجل (أبيس) معبودهم ، وبعد انقضاء حكم قمبيز كأمبراطور لفارس جاء بعده "دارا" المعروف بداريوش الاول ، وحكم مصر وليبيا كسلفه ، ويذكر لدارا أنه أمر بإعادة حفر قناة سونسرت التى انطمرت والتى كانت تربط بين نهر النيل والبحر الاحمر، ورغم طول فترة الاحتلال فلم يحدث أى تقارب بين المصريين والفرس ، لقسوتهم وهذا شىء طبيعى بالنسبة لأهل البلاد المحتلة ولكن جفاء وقسوة الفرس جعل المصريين اكثر ابتعادا عنهم ، ولذلك لم يحدث تزاوج أو اندماج حضارى يمكن ذكره على الاطلاق . اذ كيف لشعب تحتل ارضه ويرسل ملكه أسيرا مكبلا بالسلاسل والحديد الى عاصمة العدو أن يستطيع أن يصنع تقاربا بأى شكل من الاشكال مع من هم على هذه الشاكلة.؟
- الغزو الفارسى الثانى :
وكان هذا الغزو قبل دخول الاسلام لمصر مباشرة وكان إبان رزوح مصر تحت نير الحكم الرومانى للامبراطورية الرومانية الشرقية المعروفة بالامبراطورية البيزنطية ، تلك الامبراطورية التى حكمها قبل دخول الاسلام ثلاثة اباطرة هم :
- الامبراطور "موريس" .
- الامبراطور " فوقاس" .
- الامبراطور "هيرقل" .
شن الفرس على البيزنطيين حروبا متكررة ونافسوها على احتلال العالم القديم حتى انهكوها واضعفوا قوتها.
أما بالنسبة لحكم البيزنطيين لمصر فقد كان الامبراطور البيزنطى يعين حاكم مصر من البطاركة الرومان ، مما يعنى أن الحاكم أنذاك كان يجمع بين السلطة الدينية والسياسية فى آن واحد .
وكما قلت فإن الغزو الثانى للفرس على مصر كان على عهد الامبراطور هيرقل وكان ذلك سنة 616 للميلاد ، لكن هيرقل استطاع أن يرتب نفسه ويجمع جيشه ويهزم جيوش الفرس فى آسيا الصغرى سنة 622 للميلاد ثم هزمهم مرة اخرى سنة 625 للميلاد وفى هذه المعركة استطاع طردهم من مصر وسوريا وليبيا ، ثم هزمهم للمرة الثالثة فى نينوى بالعراق سنة 627 للميلاد حيث اجبر الامبراطور الفارسى " كسى الثانى" على عقد صلح مع بيزنطة ، وهكذا ضعفت فارس ومالبثت أن سقطت على أيدى المسلمين ولبس سراقة بن مالك سوارى كسرى وتحققت بذلك نبوءة ا لنبى محمد صلى الله عليه وسلم .
ومن الجدير بالذكر أن العرب قبل وبعد الاسلام كانوا يكرهون الفرس لقسوتهم ، فهم عبدة النار وقد أشار القرءان الكريم الى هذه الكراهية فى سورة الروم حيث قال : غلبت الروم فى أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ، ويومئيذ يفرح المؤمنون بنصر الله " .
وقد كشف الله فرح المسلمين بانتصار الروم البيزنطيين على الفرس المجوسيين وأفرد سورة سميت بأسم الرومان وهى سورة الروم ، والسورة الكريمة كما هو واضح من سياقها لا تقصد بنصر الفرس على الروم فى مصر لان مصر ليست هى أدنى الارض بالنسبة لموقع الرسول وهو المدينة المنورة ، لان أول ما يتضح من الاية انها خطاب مباشر من الله تبارك وتعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم ، فحين يخبره بانهزام الرومان فى ادنى الارض ، فان المقصد هو ادنى الارض من المدينة المنورة والاقرب الى الصحة ان المقصود هوإمارة الغساسنة أقوى حلفاء للرومان واصحاب ثقتهم ، وهى الامارة الوحيدة التى كان الرومان يعينون حكامها منها والغساسنة عرب وكان يحكمون تدمر ودخلو فى المسيحية ولكن على مذهب مغاير لمذهب الملكانيين الذى كانت عليه بيزنطة حيث كانوا يعاقبه وهو مذهب اهل الشام ( سوريا - الاردن - العراق ) .
كان والى مصر هو المقوقس الذى ارسل اليه النبى صلى الله عليه وسلم حاطب بن ابى بلتعه برسالته يدعوه فيها الى الاسلام ، كما بعث الى هيرقل رسالة اخرى يدعوه الى الاسلام ، وكان هرقل عندما وصلته رسالة النبى قد سأل من حوله إن كان فى عاصمته القسطنطينه احد من التجار العرب ، وتصادف وجود ابو سفيان بنه حرب بقافلته التجارية ، فاستدعوه ومثل امام هيرقل وسأله بعض الاسئلة عن صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فأجابه ابو سفيان بصدق حيث اشاد باخلاق وصفات الرسول وكرم اصله ونسبه فيهم ، وانه لم يجرب عليه الكذب قط ، فقال هيرقل بفراسة الامبراطور الذكى انه لئن كان قولك حقا فانه - أى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ليملكن ما تحت قدماى ، وهذا ما حدث فعلا حيث فتح القائد المسلم محمد فاتح القسطنطينة عاصمة بيزنطة وهى استنابول اليوم عاصة تركيا ، وهذا فى حد ذاته يبرهن على متانة العلاقات العربية البيزنطية بين بيزنطة والعرب قبل الاسلام هذه العلاقة التى قويت بأمارتى الغساسنة والحيرة العربيتين المتحالفتين مع بيزنطة وكانتا اقوى حليفتين لها ضد الامبراطورية الفارسية كما سبق أن بينت ، وكان بين طرد هيرقل للفرس ودخول جيش المسلمين بقيادة عمرو بن العاص 15 سنة ( خمسة عشرة سنة ).
واننى اسوق هذا السرد للرد على من يدعى فى هذه الاونة أن رسائل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه لا وجود لها فى الحقيقة وانها مزوة ، وان الصحابى البدرى حاطب بن ابى بلتعة مشكوك فى صحة كلامة وانه كان فى يوم من الايام طابور خامس فى جيش النبى لقيامه بمراسلة قريش بتحركات جيش المسلمين لقتال قريش حيث ارسل رسالة يخبرهم فيها بذلك مع امرأة وضعت الرسالة فى ضفائر شعرها ، ويشكك ايضا فى هذه القصة ويقول انه من الصعب ان تسافر فى ذاك الزمن البعيد أمرأة بمفردها لمسافة ما يقرب من خمسمائة كيلو مترا وهى المسافة المقدرة بين يثرب ومكة وحدها ، بينما يرسل الرسول ورائها ثلاثة من الرجال الاشداء للاتيان بها أو لاستعادة رسالة حاطب المخبأة معها ، بعد أن اخبر الوحى النبى صلى الله عليه وسلم بما فعله حاطب ، ويستغرب من إعفاء الرسول عنه باعتباره بدريا ، وعفا عنه النبى صلى الله عليه وسلم بناء على قاله الله تبارك وتعالى على لسان الرسول فى قوله صلى الله عليه وسلم فيما معناه : لعل الله قد اطلع على اهل بدر فقال افعلوا ما شتم فان الله قدر غفر لكم ، او كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومهما يكن من امر فأن الادعاء بزيف رسائل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الملوك والاباطرة مزيفة هو فى حد ذاته امرا خطيرا، لانها سيؤدى الى انهيار اشياء اخرى بالتبعية ، حيث يقول من ادعى ذلك بأن اختام تلك الرسائل مختلفة عن بعضها البعض فلا يوجد ختم مشابه للاخر بما يعنى ان هناك ستة اختام كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يمهر بها رسائله وهذا مستجيل ، حيث يقول مستدلا فى تساؤل : هل يعقل ان يكون لجمهورية مصر العربية مثلا اكثر من ختم نسر ؟
وهذا الكلام او بالاحرى الادعاء كما سبق أن قلت خطير ، لانه يعنى ببساطة انه لا وجود لماريا ولا اختها سيرين ولا الهدايا ، لانه يقول ايضا ان ما عنده من تواريخ لوصول بعثة حاطب الى الاسكندرية يدل على انه وصل فى غياب المقوقس عنها ، فمن الذى تسلم رسالة النبى نيابة عن المقوقس ، ويقول هل يستطيع المقوقس ان يرد على امر كهذا دون استشارة هيرقل ؟
اقول له بكل بساطة ان هذا شأن يستطيع المقوقس نفسه البت فيه دون الرجوع الى هيرقل والا فما فائدته كحاكم ، أم انه يريد من المقوقس ان يستشير هيرقل فى كل رسالة تصله ماذا يفعل ، فانه ان فعل ذلك يبرهن على عدم صلاحيته شئون الحكم .. ولفسدت امور الدولة ان كان سيذهب لاستشارة هيرقل فى كل كبيرة وصغيرة .. وأعجباه ..!!!
وأن كان ما يدعيه حقيقة ، فما هو السبب الذى يدعو احدا الى القيام بتزوير ست رسائل عن رسول الله ؟ .. ماذا سيربح ؟ لاشىء.. اليس كذلك .. اذن ليست هناك حاجة على الاطلاق ليندفع احد لتزوير هذه الرسائل .
انه لابد من التصدى بحزم الى هذه الادعاءات التى ليس من شأنها سوى احداث بلبلة فى مفاهيم وافكار الناس والتشكيك فى التاريخ ..
نعود الى الحديث باختصار عن دخول القائد عمرو بن العاص الى مصر فأقول أن التاريخ يقول انه دخلها فى أواخر سنة 639 ميلادية الى مصر بأربعة الاف مقاتل من المسلمين وكان فى جيشه هذا عدد من المحاربين الرومان الذين أسلموا ومن الفرس الذين أسلموا. وكان عمرو بن العاص على معرفة كبيرة بمصر لسابقة قدومه اليها اكثر من مرة يقود تجارته وكان يعرف الاسكندرية شارع شارع ، وقد أوردت كتب الاخبار بأنه زارها ذات مرة وكانت بملعبها الرئيسى احتفالا يقيمه الرومان كل عام يحضره حشد كبير من المواطنين والمحتلين الرومان ودخل عمرو للتفرج على هذا المهرجان الكبير .. وكان الرومان يلقون بكرة مقدسة على الجمهور أثناء فقرات المهرجان ويزعمون أن من تسقط الكرة فى حجرة سيأتى عليه يوم يحكم فيه مصر. فتصادف ان سقطت الكورة فى حجر عمرو بن العاص وهو جالس للفرجة ، فتعجب الرومان كيف تسقط الكرة فى حجر هذا التاجر العربى الغريب .؟ واستنكروا أن يأتى عليهم يوم يحكمهم هذا العربى القادم من صحراء العرب. وقد كان .
نعود الى القائد المظفر عمرو بن العاص الذى يوصف بأن داهية من دواهى العرب ، فقد الح على الخليفة عمر بن الخطاب انثاء تسلمه مفاتيح بيت المقدس أن يأذن له بفتح مصر ، وأغراه بها وقال له أن ما اسهل من فتحها وما أغنى ثرواتها . فوافق امير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه وأذن له بالمسير الى مصر فى أربعة الاف مقاتل. ودخلها من بوابتها الشرقية من طريق فلسطين ثم العريش فالاسماعيلية ، وسار يقتحم الحصون والقلاع ويهزم الرومان حصنا بعد حصن الى أن وصل الى جيش المسلمين الى منطقة تسمى هيليوبوليس التى سماها العرب (عين شمس) وتجمع هناك ، وكان قد وصل المدد الحربى الى عمرو من امير المؤمنين الذى كان عبارة عن كتيبتين بقيادة الصحابى الزبير بن العوام زوج اسماء بنت ابى بكر اخت ام المؤمنين عائشة وأم عبد الله بن الزبير الذى قتله الحجاح بن يوسف الثقفى عليه لعنة الله اثناء هجومة على مكة المكرمه . ، وكان قوام كل كتيبة اربعة الاف مقاتل فصار عدد جيش عمروا بن العاص فى يوليو سنة 640ميلادية 12000 ألف مقاتل وتقاطرسقوط حصون الرومان حتى استولى المسلمون على حصن بابليون بعد حصار دائم ما يقرب من سبعة شهور وكان اكبر واهم الحصون وأقواها ، وأصبح الرومان بين قتيل واسير وهارب. ولم يكن عمرو قد تمكن من دخول الفيوم لاستعصائها عليه فى المرة الاولى وكان عمرو عندما غزا الاسماعلية توجه بجيشه الى الفيوم لغزوها ولكنها استعصت عليه ووجد منها مقاومة شديدة فعاد الى الفارما ثم توجه الى القاهرة وترك الفيوم لوقت آخر.
لما وصلت انباء الانتصار المتكرر للمسلمين الى حاكمها وكان يدعى "دومنتيانوس" هرب ليلا سرا مع الجنود وتركها ، ودخلها جيش المسلمين فاتحا بعد مقاومة ضئيلة.
دام حصار جيش المسلمين لحصن بابليون سبعة اشهر بين الكر والفر من الرومان لكن عمرو اصر على الحصار حتى الاستسلام ، فلما وجد المقوقس ان لاحيلة له تجاه جيوش المسلمين وحصارهم وافق على عقد صلح .
قبل عمرو الصلح بشروط محددة ، بعثها لهم مع المتحدث باسم المسلمين المقاتل عبادة بن الصامت فقال لهم :
- إما أن تدخلوا فى الاسلام فتكونوا اخواننا لكم ما لنا وعليكم ما علينا.
- إن ابيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون .
- وإما جاهدناكم بالصبر والقتال ، حتى يحكم الله بيننا وهو احكم الحاكمين.
لكن المقوقس رفض تلك الشروط وعاد الفريقين الى الاقتتال ولكن كانت الكفة ترجح دائما فى جانب المسلمين ، وامام هذا الانتصار المتكرر ونقص الاحتياجات لدى المقوقس وافق على قبول شروط عمرو واختار الشرط الثانى وهو قبول الاستلام ودفع الجزية، لكنه ارجأ التوقيع على المعاهدة حتى يستشير الامبراطور البيزنطى هرقل ، الذى استشاط غضبا لقبول واليه المقوقس بعقد صلح مع المسلمين واستدعاه الى القسطنطينية عاصمة الامبراطورية وجرده من منصبة وأهانه واعتبره خائنا لبلاده وأسلمه الى حاكم القسطنطينية فأهانه ثم أمر بنفيه . وكان المقوقس بعدما رأى بأم عينيه من صلابة العرب وصبرهم على المكاره واستماتهم فى القتال مقتنعا بأن لاقوة لبيزنطة بمقاتلهم.
فلما رفض هيرقل مهادنة العرب ظل حصارهم للحصن قائما الى أن استولوا عليه ، ثم حدث أن باغت الموت هيرقل فى 11 فبراير 641 ميلادية ، وكان قد اوصى بالحكم لولديه من زوجتيه الاولى والثانية وهما قسطنطين و هيراكليس (هرقل الثانى) وتمت البيعة للاول الذى يدعى قسطنطين ، وكان رأى قسطنطين من رأى والده ،عدم الاستسلام للعرب ، فأعد العدة وجهز الجيوش لمقاتلتهم ، ولكن الموت باغته هو الاخر فمات بعد مائة يوم من توليه مقاليد الامبراطورية ، فاعتلى العرش اخوه هيراكليس ( هيرقل الثانى) ، وسبحان الله أن يأتى هيرقل الثانى باقتناع تام لما قاله المقوقس ، فأعاده من منفاه وأرسله الى مصر مرة أخرى وطالبه باتمام عقد الصلح الذى بدأه مع عمرو بن العاص بحسب البند الثانى وهو الاستسلام ودفع الجزية.
وفى خلال تلك الفترة ، أعنى فترة غياب المقوقس ، لم يقف عمرو ومكتوف الايدى ، وانما ارسل سريا للغزو فى شمال البلاد وجنوبها ، فمنها ما استطاع الانتصار عليه ومنها ما لم يستطع الانتصار عليه بسبب شدة المقاومة وقوة ومنعة الحصون ، مثل حصون كريون والاسكندرية وفى جنوب البلاد مثل حصن ( دمياط ) ، وكانت الاسكندرية بلا شك محصنة تحصينا قويا سواء بالحصون المنيعة أو بالحصون الطبيعية فقد حصنها البحر المتوسط من الشمال وبحيرة مريوط من الجنوب والغرب ولم يكن امام عمرو سوى الجبهة الشرقية وعاد الجيش دون فتحها. بطبيعة الحال كان جيش عمرو فى تزايد مستمر حيث وصل فى تلك الاونة الى 20000 الفا (عشرين الف مقاتل ) فى مقابل تناقص جيش الروم .
عاد عمرو بعد أن فتح بلاد الصعيد أو جزء كبير منها الى حصن بابليون لتفادى وقت الفيضان الذى تغرق خلاله الاراضى بالمياه، واعتبرها فترة راحة للجيش يستعيد فيها تجهيزاته ويرتب فيها نفسه.
كانت سنة 641 ميلادية على وشك الانتهاء عندما وصل المقوقس الى الاسكندرية ومنها توجه الى القاهرة لمقابلة القائد عمرو بن العاص وابلاغه بموافقة الامبراطور البيزنطى هيرقل الثانى على شروط الاستسلام .
ومع شديد الاسف نجد كثيرا من الكتاب يعول حاليا على ما كتبه بتلر المنحاز بلاشك الى الرومان والذى يدلل على ذلك كل سطر من سطوره ، لدرجة اننى خلت بأنه ينحاز الى الرومان اكثر مما ينحاز اليهم امبراطورهم هيراقليس الثانى واكثر مما ينحاز اليهم المقوقس حاكم والى مصر الرومانى ، وكأنه يرى بعين اثقف من عيونهم ورأس اذكى من رؤوسهم ، واننى لاقول ان بتلر لو عاش تلك الفترة ما قبل بغير ما قبل به كل من هيراقليس والمقوقس بديلا.
وثمة آخرون يعولون على ما كتبه يوحنا النقيوسى الراهب المصرى الذى يقال انه عاصر الفتح العربى وكتب عنه من واقع معاش. لا بأس فى ذلك . لكن المحلل للامور يجد أن هناك تناقضا وتعارضاً كبيرا بين بيتلر ويوحنا النقيوس ، فالاول يقول صراحة بأن جيش عمرو بن العاص وجد فى فتحه لمصر وقراها ومدنها مقاومة شديدة ، نراها انها جعلته يعود من الصعيد الاوسط دون ان يكمل فتوحاته وتعلل بفيضان النيل. وعلى الجانب الاخر نجد أن يوحنا الراهب يقول عكس ذلك ، حيث يقول ان جيش المسلمين عاث فى الارض الفساد وقتل وذبح الرومان وغير الرومان ..
ذكر عن يوحنا النقيوسى انه قال عما فعله جيش المسلمين بأهل نقيوس:
" فقتلوا كل من وجدوه فى الطريق من أهلها ، ولم ينج من دخل الكنائس لائذا ولم يدعوا رجلا ولا امرأة ولا طفلا ، ثم انتشروا فيما حول نقيوس من البلاد فنهبوا وقتلوا كل من وجدوه بها ، فلما دخلوا مدينة (صوونا) ، وجدوا بها (اسكوتاوس) وعيلته وكان يمت بالقرابة الى القائد (تيودور) وكان مختبئا فى حائط كرم مع اهله ، فوضعوا فيهم السيف فلم يبقوا على أحد منهم " .
قد يكون هذا الكلام صحيحا ، لا بأس فهذه حرب .. حرب صريحة .. لا ندعى بأن جيش المسلمين جاء الى مصر يحمل الورود ، ولا بد أن نعلم جيدا أن مصر لم تكن فى ذاك الوقت ملكا لشعبها ، وانما كانت ولاية من ولايات بيزنطة يحكمها الولاة لحساب بيزنطة ، وحدث ولا حرج عن حكم الرومان وما فعلوه بشعب مصر الذى ذق على ايديهم مرارة الاطهاد وذلك قول بتلر نفسه ، وكتب التاريخ ملىء بأفعال شنيعة تقشعر لها الابدان فعلها الرومان بشعب مصر إنان حكمهم .. فهل يظن ظان بأن جيش المسلمين جاء ليصافح جيش الروم ويقدم له خمائل الورود .؟ .. أو يظن ظان بأن الروم قدموا مصر على طبق من فضة لعمرو بن العاص ، كما يزعم بتلر.؟
هناك فارق كبير بين مصر كشعب قبطى صاحب البلد وبين محتل رومانى يمتلك الحاميات والسلاح والجيوش .. شعب محتل ليس له حق التصرف يرزح تحت قسوة محتل غاشم لا يرقب فى الناس الا ولا ذمة.
ومن المعروف بديهيا أن جيوش المسلمين لم تأت لمقاتلة شعب مصر فقد قاتلت المحتل الرومانى قتالا صريحة وكانت المعاهدة التى تمت لم تتم فيما بين القائد المسلم عمرو بن العاص والشعب القبطى وانما تمت بين مندوب الامبراطور البيزنطى فى ذاك الوقت " المقوقس" ، إذن لا مجال للمزايدة بوصف جيش الفتح بأنه جيش جاء لسفك دماء الابرياء.. هذاخطأ فاحش وكذب على التاريخ ..
وعلى كل حال نحن لا نقول ان الفتح الاسلامى كان فتحا قد جاء حاملا الراية البيضاء ودخل البلاد بغير اراقة دماء على طريقة سلم واستلم ، لا لقد كانت هناك حرب صريحة بل حروب ازهقت فيها ارواح من الجانبين وراحت من الشعب ايضا ارواح مثلها مثل أى حرب تأخذ فى طريقها الكثيرين ممن له دخل بالحرب وممن ليس له دخل.. هذا هو حال الحروب على مر التاريخ.
لكن السؤال : لماذا تعمد التحامل على الفتح العربى لمصر ووصفة بتلك الاونصاف الغير منصفة .؟
اولا يستحق الاحتلال الرومانى لمصر ومن قبل الاحتلال الفارسى ومن قبلهما الاحتلال اليونانى ، واحتلال الهكسوس وغيرهم من الذين اذاقوا شعب هذا البلد المسالم مرارة القهر والاضطهاد التشهير والتحدث عنه تسليط الضوء عليه وعلى قسوته وفظاعته .. أم انه لا توجد على الساحة سوى الجيوش المصرية التى فتحت مصر ولم يسبقها احد قبلها ولا بعدها
وارى أن هناك خلط لا أدرى إن كان مقصودا عمدا أم بغير قصد ـ لكن الظاهر امامنا انه مقصود ـ ذلك أن بتلر فى مضموناته يقلل من شأن الفتح العربى لمصر ويصف المقوقس بالخيانة ، ويزعم أن الرومان كان باستطاعتهم الانتصار على المسلمين . فهل هذا يدخل عقل عاقل .. هل هناك شخص ولا سيما ان يكون هذا الشخص هو رأس الدولة ويقبل الهزيمة طواعية ؟
وإن كان المقوقس خائنا كما ادعى بتلر .. فهل الامبراطور البيزنطى كان هو الاخر خائنا لبلاده ؟ كلام عارى من الصحة وينقصه الدليل.
ألم يعاصر احد من المؤرخين والكتاب عربا وعجما هذا الفتح سوى الراهب يوحنا النقيوسى .؟
لماذا لم يصلنا منه ايضا شيئا عما فعله الرومان بشعب هذا البلد أم ان الرومان فى تلك الفترة كانوا يقدمون لشعب مصر البسكويت والكعك .؟
نحن نقدر ونشيد بأصالة شعب مصر قبل الفتح وبعد الفتح ونقصد شعب مصر القبطى الاصيل وليس الجيوش الرومانية او اليونانية او الفارسية .. هذا الشعب الذى كان يحبه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم واوصى به وصاهر منه ، اما من يدعى ويزعم أن ماريا وسيرين اختها لم يكونا مصريين وانما كانا من العبيد الفرس فهذا هراء يفتقر الى الدليل ولا يرقى الى المنطق .. اولا لتعارضه مع حديث رسول الله الذى يقول فى وصيته بشعب مصر بانه لنا فيهم نسبا وصهرا ، فقد قال العلماء بأن النسب والمصاهرة هما زواجه صلى الله عليه وسلم والشاعر حساب بن ثابت بماريا القبطية وأختها سيرين ، فقد تزوج صلى الله عليه وسلم بماريا وتزوج الصحابى حسان بن ثابت شاعر الرسول باختها سيرين ، فكان هذا هو النسب والصهر ولو كانت من اصول فارسية كما زعم البعض لذكر ذلك فى كتابات المؤرخين التى لم نعلم عنها شيئا بعد.
اننا فى مصر لا نستطيع ان نفرق بين مسلم وقبطى على الاطلاق فانك لو جلست على مقهى او ركبت الاوتوبيس او سرت فى الشارع فإنك لا تستطيع بحال من الاحوال ان تفرق بين رجل مسلم ورجل قبطى لا فى الشبه ولا فى الحديث ولا فى اللباس.. الا فى حالة واحدة وهى عندما يدخل كل منهما الى بيت ربه كى يعبده ويصلى له .
ولقد شاهدت بنفسى رجلا فى مقابر المسلمين بالعمود يوم خميس يزور قبرا ويبكى بحرارة ، ولما اقتربت منه لكى أهدى من روعه اكتشفت انه مسيحى قد أتى كى يزور جارته المسلمة التى توفيت ، وعرفت منه أنه يأتى لزيارتها كل يوم خميس .. هل هناك دليل أقوى من ذلك على أن شعب هذا البلد هو شعب واحد وروح واحدة .. هل اذا حدث غزو لا قدر الله على هذا البلد سيدافع المسلم عن المسلمين ويدافع القبطى على الاقباط .. كلا .. سيدافع الكل عن الكل ولن يعرف من هو مسلم ممن هو قبطى .
ونعود الى بتلر الذى يناقض نفسه فيقول فيما معناه انه ذكر قول الراهب يوحنا النقيوسى لكى يدلل به على كره القبط للفاتحين العرب ، وهذا قول منافى للحقيقية لانه يناقض نفسه بنفسه حيث يقول فى نفس السطر او الذى يليه انهم ـ أى الاقباط الذين هم شعب مصر - كانوا ما يزالوا يحتفظون بعقيدتهم ويضمرونها فى قلوبهم ولو انهم اظهروا الخروج منها – اى الخروج عن المسيحية – تقية لما نالهم من عسف قيرس ـ يقصد المقوقس ـ وهذا كلام غريب يناقض الواقع ، فلو أن اخواننا المسيحيين كما يزعم بتلر تركوا عقيدهم خوفا من المقوقس وبطشة ، كيف يتماشى هذا الكلام فى وقت كانت فيه الامبراطورية البيزنطية مسيحية ، والمقوقس هو الاخر مسيحى العقيدة .؟ اما على الجانب الاخر فإن ما اورده بتلر نفسه يشهد بأن الفاتحين المسلمين لم يجبروا حتى الرومان الوثنيين على دخول الاسلام فكيف بالقبط اصحاب العقيدة السماوية ؟ ويشهد بذلك ما اورده هو نفسه فى البند الثانى من الشروط التى وضعها عمر ـ ان تبقوا على عقيدتكم مع دفع الجزية .
ويقول ان العرب كانوا ينظرون الى الطرفين نظرة الازدراء ولا يأمنوا أيا من جانهما ولا يتعاهدون مع احد منهما .. اوليس الذى كتبت بين المقوقس والمسلمين عهدا.؟ وإن كان بتلر يقصد ما سوى المعاهدة .. فاننى اجد ان للمسلمين الجدد على البلاد حق فى الحيطة والحذر .. لان الخيانة فى مثل تلك الحالات سيكون ثمنها باهظ للغاية .. اذ كيف يريدهم ان يأمنوا لاناس عاشوا زمنا طويلا مع محتل عرفهم وعرفوه وتداخل معهم وتداخلوا معهم ولهم مع بعضهم مصالح واعمال وقد تكون هناك مصاهرات ايضا .. كيف يرده أن يأمن أيا من الجانبين .. هذه سذاجة من بتلر.
لكن تعالوا لنرى ما حدث بعد أن استتبت الامور .. ألم يعهد المسلمون الى اخوانهم الاقباط بالكثير من الاعمال بعد رحيل الرومان .؟ الم يتولى الاقباط أمور الزراعة والرى ومسك الحسابات والسجلات الحكومية والقيودات والضرائب حتى اصبحت حسابات الدولة برمتها فى ايديهم .؟
لماذا لم تسلط الاضواء على تلك الامور.؟
الجواب واضح : لان تلك الامور تؤدى الى التقارب بين افراد الشعب وهم لا يودون ذلك فيضربون على الاوتار التى تعكر صفو النفوس والاجواء.
إن اول ما وقع فيه بتلر وسبقه الراهب يوحنا النقيوسى اذا كان ما كتبه يوحنا على لسان بتلر صحيحا بأن كليهما نسب الفتح الى العرب وكررا مرارا وتكررا كلمة الفتح العربى ، لدرجة ان بتلر نفسه سمى كتابة باسم الفتح العربى لمصر ، وهذا عنوان إن لم يكن مغرضا فهو غير موفق لانه غير مطابق للحقيقة ، فالعرب لم يدخلوا مصر بصفتهم عرب ولم تجمعهم ابدا فى ذلك راية العروبة ولم يدخلوا الى مصر تحتها ابدا ، لقد دخل الجيش باعتباره جيش المسلمين الذى يضم عربا مسلمين وعجما مسلمين وأشدد هنا على كلمة عجم بمعناها الواسع ، فكل من هو غير عربى فهو عجمى ، بمعنى أن جيش المسلمين كان فيه الرومان المسلمون والفرس المسلمون والانباط المسلمون وكل من دخل فى دين الاسلام من غير العرب فالراية كانت للاسلام والصفة كانت له ايضا .. ولا ادرى كيف يقع رجل مثل د. الفريد بتلر فى تلك السقطة إن كان غير قاصد لما اختار. ؟
اما عن حال مصر قبل الفتح الاسلامى فكما سبق أن قلت ، حدث ولا حرج .. ولن آتى بكلام من عندى بل ساورد ما كتبه بتلر نفسه الذى يدعى ان المصريين كانوا يكرهون الفاتحين العرب ، ولم يقل الفاتحين المسلمين ولا أدرى أيضا عن السبب .. سوى أن يكون الانحياز وعدم الانصاف والامانة الحقيقية فى تناول التاريخ بحيادية . حيث يقول هو نفسه عن حال مصر حسبما أورده الاستاذ صلاح عبد الصبور فى مقال له على الانترنت :" لم يكن فى العالم من هو اشقى حالا من مصر " . ويقول ايضا نقلا عن بتلر :
" .. فقد سعى الاباطرة الى اجبار القبط الذين ليسوا على مذهب الدولة لادخالهم فى ذلك المذهب ، ولم يكن عجبا أن تضطرب الاحوال فى مصر فتصبح ميدانا للشغب والحرب الاهلية ، بينما الحكام لا هم لهم الا أن يجمعوا المال للملك البيزنطى وأن يكون لمذهبهم الدينى اليد العليا بين أهل البلاد ، فصار الحكم على ايديهم اداة للظلم ونشر الشقاء ، وصارت مصر جميعها تضطرم بنار الثورة ورغبة الخروج ، لا يغطيها الا غطاء شفيف من الرماد .
ويؤكد بتلر فى كتابه بأنه لم يحدث أن حكم مصر قبطى واحد طوال تاريخها المسيحى ، بل كان الحكم المدنى والجيش كلاهما فى يد السادة المحتلين ، ليس فيهم واحد من اقباط مصر أهل البلاد ، فكان الحكم بذلك حكم الغرباء، لا يعتمد الا على القوة ولا يحس بشىء من العطف على الشعب المحكوم.
وقد لوحظ أن هناك تحريفا واضحا نشر ما كتبه بتلر والراهب يوحنا بقصد اظهار الفاتحين المسلمين بصورة سيئة ، فعلى سبيل المثال يقول الاستاذ صلاح عبد الصبور فى مقاله عن هذا الموضوع موضوع كتابموضوع كتاب بتلر والفتح العربى " كانت معاملة الفرس للقبط واحدة فى كل مكان .. يحل الموت والخراب حيثما حلوا" . هذه العبارة نفسها قلبها احدهم ولصقها بالمسلمين وجعلها على لسان المقوقس
ويبدو أن المغرضين الصقوا بالفاتحين المسلمين كل ما فعله الفرس بشعب مصر إبان الغزو الفارسى البربرى الاول والثانى لمصر ، من تخريب الديار وحرق الزروع وهدم الكنائس والاديرة وحمل الصليب الى عاصمة دولتهم مع الاف الاسرى والسبايا .
ينسب ايضا الى بتلر قوله بشكل يدعو الى الارتياب ولا يمكن أن يدخل عقل عاقل " أن أهل قرى رشيد ، والبرلس ودمياط وخيس وبلهيب وسخا وسلطيس وفرطسا وتنيس وشطا وغيرهم من قرى الواقعة قرب تلك البحيرة قاوموا الفتح العربى مقاومة شديدة ، وان مقاومة المصريين للعرب استطال امرها فى بلاد مصر السفلى وانها ظلت الى ما بعد فتح الاسكندرية . وأن أهل تنيس وما يليها كانوا من القبط الخلص وأن ذلك دليل على أن أهل مصر لم يسلموا مصر للعرب بغير قتال ، وانهم لم يرحبوا بهم "
أقول أولا بأن من حق أى شعب كان أن يقاوم المحتل وهذا حقه المشروع ، لكن ما دامت قد تمت معاهدة بين حكام البلاد والفاتحين الجدد لابد من احترامها هذا اول بند فى شأن قوانين احترام المعاهدات والمواثيق الدولية . وهذا أول دليل يفند كذب هذه المزاعم.
ثانيا ، إن افترضنا أن هذا الكلام صحيحا ، فلماذا لم تظهر هذه المقاومة الباسلة والشديدة ضد جيش الاحتلال الرومانى الذى اقل ما يمكن أن يوصف به انه اضعف من الجيوش الاسلامية المقاتلة التى عرف عنها الاستماتة فى القتال رغبة فى تحقيق أحد امرين إما نصر إما شهادة لانه غزو يعتمد على عقيدة وليس مثل الرومان الذين يغزون اعتمادا على توسيع رقعة امبراطورية ، رغبة جامحة وشرهة لمدها الى اقصى الشرق وأقصى الغرب ، لتسع كل العالم القديم دون اعتبار لاية اعتبارات انسانية او دينة تذكر. علما بأن قسوة الرومان واضطهادهم البشع وتاريخهم الحربى الاسود لا تخفى على أحد.
أظن أنه لوحدث ذلك لما بقى جندى واحد من جنود بيزنطة على أرض مصر قبل وصول المسلمين.!!
وأنى لاختم مقالى هذا بما بدأ به الاستاذ صلاح منصور فى مقاله فى موقع اعلاميون بلا حدود :
" جاء الفتح الاسلامى لمصر تحريرا لإرادة هذا البلد وأبنائه من عبودية الاحتلال الرومانى .. كانت مصر فى اشتياق حقيقى لهذا النور الاتى من الشرق ، من بلاد العرب ، ليحررها من الإستعمار الرومانى الذى اضطهد الأقباط ، ولولا دخول الاسلام فى مصر ، أو دخول مصر فى الاسلام ، ما كانت مصر هذه التى نعرفها ويعرفها العالم ، فالاسلام هو ا لذى أعطى لمصر شخصيتها وهويتها".
***

دكتور/ محمد فؤاد منصور
12/02/2010, 08:28 PM
أخي الحبيب صلاح
مقال مهم جداً يلقي الضوء على حقبة في غاية الأهمية في تاريخ مصرنا العزيزة ومنطقتنا العربية بأسرها ،وهواستهلال طيب لتواجد مثمر في ربوع الحكايا ..
سلمت أناملك المبدعة.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 10:34 AM
الرائع في هذا الشعب العظيم -شعب مصر- أنه لم يتأثر بالثقافات ولا بالعادات التى قدمت اليه مع الغاصبين المعتدين ,

لم يتأثر بوثنية الروم ولا بمجوسية الفرس ولا حتى بالمذهب المعتقدى المسيحي -ارثوذكس -كاثوليك -يعاقبه - نساطرة...الخ-

بل احتفظ بتراثه القديم قدم الزمان , وبعاداته الأصيلة المتجزّرة في عمق التاريخ . حتى لغته , هندامه , زراعته - صناعته

طقوس موتاه - طريقة الدفن - التحنيط وهو الاعجاز العلمي الرائع - بناء الأهرامات فهى ليست مبنى شامخا والسلام ولكنه

بناء هندسي قائم على هندسة معمارية فذة لايزال الباحثون والعلماء يبحثون في هذا الميل الهندسي وتلك الزوايا التى تم بها

البناء , ومن المضحك والمثير للسخرية أن بيجن رئيس وزراء اسرائيل وقف يوما أمام الهرم الأكبر وقال وهو يهذى : أن

أجداده هم بناة هذا الأثر الكبير , فانبرى له الكاتب والفيلسوف الكبير / أنيس منصور وألقمه حجراً فلم يردد مقولته أبداً .

وهكذا احتفظ المصريون بطباعهم وثقافتهم وأصولهم .

تحية خاصة للحبيب الغالي صلاح ابو شنب وله كل الود والتقدير

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 01:16 PM
الذى قتله الحجاح بن يوسف الثقفى عليه لعنة الله

هناك ملحوظة أود ادراجها أخى الكريم بأنه لا يجوز اللعن للمسلم بأي حال من الأحوال

حيث أن اللعن معناه الطرد من رحمة الله , واللعن لا يكون إلا على الميت الكافر فقط .
لذا لزم التنويه , وتقبل خالص ودى واحترامي

ابراهيم عبد المعطى داود
12/03/2010, 02:58 PM
د. يوسف زيدان يكتب: فتح مصر (٤/٧) بشاعةُ المقوقس

١/ ١٢/ ٢٠١٠
عرفت مصرُ خلال تاريخها الطويل، ما لا حصر له من أنواع الحكام الذين تعاقبوا على عرشها بالتراضى، فى مراتٍ قليلة، أو خلعَ بعضُهم بعضاً وانتزع العرش فى معظم المرات. وفى تطوافه ببلادنا، مَرَّ التاريخُ على كثيرين من حكام السوء، وعلى بعض الجيِّدين!

فقد حَكَمَنا من قبلُ الإماءُ من النساء (الجوارى) مثل شجرة الدر، وحَكَمتنا الحرائرُ من الملكات البديعات من أمثال كليوباترا وحتشبسوت وزنوبيا (ملكة تدمر العربية التى امتد سلطانها شرقاً، حتى شمل الإسكندرية ودلتا النيل)..

وعرفنا من الحكام الرجال، عقلاء من أمثال المنصور قلاوون، ومهووسين من أمثال الظاهر بيبرس (وكلاهما لم يعرف الناسُ له أباً) وعرفنا مَنْ اشتهر عنهم الولع بالنساء، كالملك فاروق، وعرفنا العازفين عن الزواج وعن المرأة عموماً كالحاكم الشهير «كافور»، الذى كان خَصِيّاً..أو بتعبير عامى: مخصِيّاً.

لكن (العرش) فى بلادنا لم يشهد خلال تاريخه الطويل، فيما أعتقد، رجلاً أسوأ من «المقوقس» ولا أكثر منه بشاعةً ووضاعة.. ودعونا أولاً نتعرف معنى كلمة (مقوقس) لنحسم بذلك خلافاً، طالما اضطرب فيه المؤرِّخون وظنَّ فيه الباحثون الظنون، لأن أحداً منهم لم ينتبه إلى الآتى:

هناك طرقٌ مختلفة للنسبة، فى مختلف اللغات. ففى اللغة العربية، إذا أردنا أن ننسب شخصاً إلى بلدةٍ ما، أو إلى أىِّ شىءٍ آخر نريد أن ننسبه إليه. نأتى بالحرف المسمَّى (ياء النسبة) ونلحقه بآخر المنسوب إليه، فنقول مثلاً: فلان «القاهرىّ» وفلان «السكندرىّ= الإسكندرانىّ» وفلان «الدمشقىّ» أو «الحلبىّ» أو مثل ذلك .. وقد ننسب بهذه الياء إلى جماعة، فنقول: العباسىّ، القرشىّ، الأموىّ، العثمانىّ، أو مثل ذلك.. وقد ننسب بها إلى مذهبٍ فقهىٍّ أو عقائدى، فنقول: الحنبلىّ، الشافعىّ، المالكىّ، الشيعىّ، السنىّ، الإباضىّ.. إلخ.

وفى اللغة التركية، تلحق بالمنسوب إليه لفظةُ (جى) فإذا أرادوا نسبة الرجل إلى عربة (الكارو) قالوا: عربجى. وإذا كان مسؤولاً عن قلعة، فهو قلعجى. وإذا كان يعمل فى بيتٍ للدعارة، فهو كَرَخَانجى (قَرَا خان= المحل الأسود) وإذا كان هذا الشخص يقوم بالحملات ويُلقى البلاء على البسطاء، فهو حَمْلجى (حملة جى) وإذا كان يصنع الحلوى فهو حلوجى.. وقد ينسبون بإلحاق اللام والياء بآخر الكلمة، فيقولون: شربتلى (صانع الشراب) قوَّتلى، غُندقلى.. إلخ.

أما فى اللغة المصرية القديمة، التى تطورت كثيراً حتى وصلت إلى المرحلة التاريخية التى سبقت، وتزامنت، مع (دخول) المسلمين إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص. وهى اللغة المسماة اليوم، بشكل سبهللى غير دقيق: اللغة القبطية (بالمناسبة: سبهللة كلمةٌ عربيةٌ فصيحةٌ)..

فإن النسبة فى هذه اللغة تأتى على نحوٍ خاص، هو إلحاق لفظة «امْ» بأول الكلمة المنسوب إليها. ومن هنا، صار اسم هذا الرجل الذى وفد إلى مصر من الجهة المسماة بالعربية «القوقاز» وهى الجهة التى يُنطق اسمها باليونانية واللاتينية «قَوْقس» صار اسمه فى اللغة الدارجة بمصر آنذاك (امِّقوْقس) ونطقه العرب (المقوقس) أى القوقازى..

ومن لهجات العرب خصوصاً أهل اليمن، التعريف بالألف والميم بدلاً من الألف واللام، وقد خاطب النبىُّ جماعةً من أهل حِمْـيَر، وفدوا عليه وهم صائمون أثناء سفرهم قائلاً: ليس من امْبرِّ امْصيام فى امْسفر (= ليس من البر الصيام فى السفر).. وهو حديثٌ نبوى صحيحٌ.

إذن، المقوقسُ هو النطق العربىُّ للكلمة المصرية القديمة (تجاوزاً: القبطية) التى شاعت فى زمن الدخول الإسلامى مصر، كلقبٍ أو نسبة لهذا الأسقف/ الحاكم الذى هو فى الأصل من بلدة «فاسيس» بالقوقاز. واسمه الأصلى «كيرس» أو «قيُرس» أو «سيروس» وهو اسم كان شائعاً فى العالم المسيحى فى ذاك الزمان.. فما الذى جاء بهذا الرجل ليحكم مصر؟ القصةُ طويلةٌ، ولسوف نوجزها فيما يلى بقدر المستطاع.

■ ■ ■

ما كاد الحكم فى مصر والشام يستقر بيد «هرقل» الذى انتزع عرش الروم من الإمبراطور البيزنطى فوكاس (سنة ٦١٠ ميلادية = سنة ١٣ قبل الهجرة) حتى اجتاح الفرسُ البلاد وانتزعوها من قبضته وسلطانه سنة ٦١٦ ميلادية، الموافقة لسنة ٧ قبل الهجرة. وهو الحدث الجلل الذى أشارت إليه الآيات الأولى من سورة الروم فى القرآن الكريم، حيث قالت (غُلبت الروم. فى أدنى الأرض).

وكان مما يؤلم المسيحيين آنذاك، بالإضافة إلى وقوعهم تحت سلطان الفرس (عَبَدَة النار= أصحاب الأفيال= البابيلون) أن هؤلاء الغزاة بعد استيلائهم على العاصمة الروحية للمسيحيين آنذاك، وهى مدينة إيلياء التى كانت تسمى قديماً «أوروشاليم» وصارت تسمى لاحقاً «القدس»، قاموا بانتزاع الخشبة المسماة فى المصطلح المسيحى القديم: صليب الصلبوت.. وهى قطعةٌ من الخشب، استخرجتها فى بداية القرن الرابع الميلادى من تحت التراب هيلانة، أمُّ الإمبراطور قسطنطين، وهى امرأةٌ قيل إنها كانت فى بداية أمرها تعمل ساقيةً فى ماخورٍ من مواخير مدينة «الرُّها» العراقية،

وهناك أنجبت طفلاً غير شرعى، لم يُعرف له أبٌ. غير أن هذا الطفل (قسطنطين) صار من بعد ذلك رجلاً عسكرياً ماهراً، استطاع أن يقضى على منافسيه من رفقاء السلاح، وأصبح إمبراطوراً. وأصبحت أمُّه بعون الرب «قديسة»، لأنها اكتشفت (الصليب) الذى صُلب عليه السيد المسيح فى اعتقاد أهل الديانة، وأقامت فوقه قُبة كنيسة القيامة التى صارت قبلةً للحج المسيحى، خلال القرون التالية.

ولما انتزع الفرسُ (صليب الصلبوت) انخلعت قلوب أهل الديانة على اختلاف مذاهبهم، وانفطرت حزناً. لكن الروم استطاعوا بقيادة قواد هرقل، أن ينتصروا على الفرس بعد قرابة تسع سنوات على احتلالهم لمصر والشام، وهو الأمر الذى كانت سورة الروم قد تنبَّأتْ به، فى قوله تعالى بعد الآيات السابقة (وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون).

ولما انتصر الروم، أعادوا قطعة الخشب (التى اختفت ثانيةً بعد ذلك بقرون) من عاصمة الفرس «المدائن» وعاد بها هرقل سنة ٦٢٨ ميلادية، إلى إيلياء (القدس= أورشليم) فى حفلٍ مهيبٍ أسال دموع الناس فى أنحاء دولة الروم (المسيحية) على اختلاف مذاهبهم.

واختلاف المذاهب، كان آنذاك سبباً فى اهتراء الدولة. فالمصريون المسيحيون قلوبهم شتى، فيهم الأرثوذكس الروم (الملكانيون) والأرثوذكس السريان (الشوام) والأرثوذكس اليعاقبة (أصحاب مذهب الطبيعة الواحدة الجامعة بين الله والمسيح)..

وأما سكانُ العراق المسيحيون (أغلبهم من العرب) فكان معظمهم نساطرة، يتبعون هذه الكنيسة الكبيرة التى امتدت فى ذلك الزمان من أطراف الشام إلى قلب آسيا. وأما الشام المسيحى، فكانت مذاهبه العقائدية خليطاً من النسطورية والآريوسية والأرثوذكسية.. وحسبما سنذكر تفصيلاً فى مقالنا القادم، فقد كان لهذا التنازع المذهبى، أثرٌ هائل فى الأحداث الكبرى آنذاك، وفى السِّجال العسكرى بين الفرس والروم.

ولما استقر «صليب الصلبوت» فى مكانه السابق، اجتمع الأساقفةُ فى (أورشليم، إيليا، القدس) حول هرقل الذى سألهم عن مخرجٍ عقائدى، يحلُّ الإشكال القائم بين الكنائس فى مصر، حتى يضمن (مناخ الاستقرار) بالبلاد، فلا يتفرَّق الناسُ بسبب العقيدة، ويلجأ المغلوبون منهم إلى أعداء الدولة، مثلما فعل اليهود.. وبالمناسبة،

فقد أعقبت هذه الزيارة التاريخية لهرقل، مذبحةٌ هائلةٌ لليهود فى أنحاء الأرض، قُتل فيها عشرات الآلاف عقاباً لهم على مساعدتهم للفرس (حسبما قال الأساقفةُ لهرقل) .. وبالمناسبة، أيضاً، فإن رسالة النبى محمد (ص) أو بعثته إلى هرقل، كانت فى تلك الأثناء.

ولذلك انشغل هرقل عن الردِّ على الرسالة التى جاءته من قلب جزيرة العرب، وهو الموضع الذى لم يكن هرقل يهتم به (لكنه سوف يهتم به لاحقاً، وينهزم أمامه) وقد جرى هذا الاتصال الأول، فى حدود سنة ٧ هجرية، أو سنة ثمانية (٦٢٨ أو ٦٢٩ ميلادية) .

ولما استقر الرأىُ على ضرورة توحيد المذاهب المسيحية، اخترع الأساقفة لهرقل مذهباً تلفيقياً سموه (المونوثيلية) أى: مذهب الإرادة الواحدة لله. واقترحوا عليه تعميم المذهب الجديد فى مصر، فلا يختلف أهل الديانة فيما بينهم..

وكان هرقل، بالطبع، يشجِّع اتفاق رعاياه من أهل الديانة على مذهبٍ واحدٍ، فلا تثور بينهم المشكلات وترُاق بسبب العقيدة الدماء، وبالتالى يضمن الولاء من الجميع. خاصةً أنه كان يريد أن يرتاح بعد سنوات من الكفاح، ويسعد بزواجه من (مرتينا) ابنة أخته، وهى فتاة باهرة الجمال أراد خالها هرقل أن ينالها، فاعترض بعضُ الأساقفة ووافق البعض.. وبعد شدٍّ وجذب، تزوَّجها.

ولما كان من المعروف عن المصريين (اليعاقبة) عنادهم، فقد كان من المهم أن يُعهد بتعميم المذهب الجديد، إلى شخصٍ حازمٍ وقوىٍّ بإمكانه تحقيق هذا الأمر، وإلزام المصريين المسيحيين جميعاً، بمذهبٍ عقائدىٍّ واحد. فاقترح البعضُ على هرقل، أن يأتى من بلاد القوقاز (قَوْقس) بأسقف بلدة فاسيس، الواقعة حالياً بجمهورية جورجيا، ليكون لأول مرة (ولآخر مرة) فى تاريخ مصر: الحاكم الدينى والدنيوى، معاً..

وتمت صياغة المذهب (المونوثيلى) على عجل، وعلى عجلٍ استدعى هرقل الأسقف القوقازى، ودرس هذا الرجلُ المذهبَ (المخترَع) وذهب به إلى مصر ليخلف الأسقف جورجيوس بن مينا، الذى يسميه العرب (جريج بن مينا) وليكون أيضاً قائداً عاماً للجيش، وملكاً أو أميراً يحكم مصر لصالح هرقل. وكان وصول هذا الأسقف القوقازى (المقوقس) إلى الإسكندرية عاصمة مصر آنذاك، فى خريف سنة ٦٣١ ميلادية.

وهو الأمر الذى أكَّدته المصادر التاريخية (يمكن مراجعة هذه النقطة المهمة، فى كتاب «ألفريد بتلر» عن فتح مصر).

ولنلاحظ هنا، أن وفاة النبى محمد (ص) كانت فى ربيع سنة ٦٣٢ ميلادية، أى بعد شهورٍ من مجىء المقوقس.

وبالتالى، فلا صحة لما توهَّمه عديدٌ من القراء، الذين ظنوا أن هناك خطأ فى الأحداث التاريخية المذكورة عَرَضاً فى روايتى «النبطى»، خصوصاً فيما يتعلق بمجىء السيدة (مارية القبطية، أم المؤمنين).. فالخطأ التاريخى ليس فى الرواية، وإنما فى أذهاننا.

■ ■ ■

وحين وصل المقوقس إلى مصر، كان للمسيحيين المصريين (الملكانيين) كبيرٌ منهم اسمه الأنبا صفرونيوس، وللمسيحيين المصريين (اليعاقبة) كبيرٌ اسمه الأنبا بنيامين.. وعرض الأسقف/ الأمير «قيرس» الذى سماه المصريون «امِّقَوْقس» المذهب الجديد على الملكانيين، فارتمى صفرونيوس تحت أقدامه، ونزفت عيناه دماً (حسبما يقول ساويرس بن المقفع) وصرخ متألماً، راجياً من الأسقف المقوقس أن يصرف النظر عن هدفه ونيَّته إلزامَ الجميع بالمذهب الجديد.

فأهانه المقوقس، لكنه لم يستطع أن يبالغ فى إيذائه، لأن الملكانيين كانوا آنذاك هم «أصحاب البلد» وكان بأيديهم المال والاقتصاد والتبعية المباشرة لكنيسة العاصمة الإمبراطورية «بيزنطة».. أما الكبيرُ الآخر، الأنبا بنيامين، فإنه لم يذهب إلى المقوقس ليفاوضه، أو يرجوه، أو يتحداه، ساعياً للشهادة. وإنما هرب من الإسكندرية، بعدما أوصى أتباعه بأن يصمدوا.

وقد قبض المقوقس على (مينا) المسكين، الأخ الأصغر للأنبا بنيامين، أملاً فى أن يعود أخوه الأنبا الهارب، فيلزمه المقوقسُ بالمذهب الجديد المخترَع. لكن بنيامين لم يرجع إلى الإسكندرية، واختفى عن الأنظار فى الصعيد، فاكتوى أخوه المسكين (مينا) بنار المقوقس وأتباعه.

فقد تفننوا فى تعذيبه بدنياً، ثم علَّقه المقوقس من ذراعيه وأوقد حوله ناراً حامية أذابت شحم جسمه، ثم أخذه إلى مركب وعلَّق بقدميه أثقالاً، وعرض عليه أن يقبل المذهب الجديد، أو يُلقى به فى البحر.. وآثر «مينا» الموت، فأغرقوه فى البحر، فصار شهيد المذهب اليعقوبى!

وآثر بنيامين البقاء هارباً، ومختفياً، وظل كذلك طيلة الثلاث عشرة سنة التالية، حتى جاءه من قلب الصحراء، الفاتحُ البديع (عمرو بن العاص) فأعاده إلى الإسكندرية بعدما أعطاه (الأمان) الشهير، وأوكل إليه رعاية أهل مِلَّته. حسبما ذكرنا فى مقالةٍ سابقةٍ نشرناها هنا، ضمن سباعية «البرديات».

لم يهدأ المقوقس بعد مقتل مينا، وإنما قام بحسب ما روته المصادر المسيحية، بتهديد الناس وسَلْب الكنائس (اليعقوبية) وإحراقها، وجمع من هؤلاء الناس «اليعاقبة» عشرين ألف شخص فى ميدان بوكاليا بالإسكندرية (محطة الرمل، حالياً) وعرض عليهم المذهب الجديد، فرفضوا قبوله، لأن الأب بنيامين أوصاهم قبل هروبه، بالثبات على العقيدة القويمة، حتى لو دفعوا حياتهم ثمناً لها.. وقد دفعوا بالفعل حياتهم ثمناً لها، فقد قتلهم المقوقس جميعاً، وجرت دماؤهم فى شوارع الإسكندرية كالأنهار.. (راجع فى ذلك: تاريخ البطاركة، لساويرس بن المقفع) .

وتفنَّن المقوقس فى إيذاء الناس بمصر حتى يقبلوا مذهبه، وقام بفظائع يطول ذكرها. حتى إن القَسَّ البريطانى (والباحث المتميز) ألفريد بتلر، جعل فى كتابه عن «فتح مصر» فصلاً بعنوان: الاضطهاد الأعظم للمصريين على يد قيرس (المقوقس)..

فمن أراد معرفة تفاصيل ذلك، أو الاطلاع على المزيد من شناعة المقوقس وبشاعته، فليرجع إلى ذلك الفصل الدامى. وليرجع أيضاً مَنْ أراد ذلك، إلى ما كتبه ساويرس بن المقفع عن الأهوال التى فعلها المقوقس، وذلك فى كتابه الذى اشتهر بعنوان (تاريخ الآباء البطاركة) وإلى ما كتبه حنا النقيوسى الذى كان معاصراً لهذه الفترة، فى كتابه الذى فُقد أصله المكتوب باللغة المصرية، واكتُشف حديثاً نصُّه المترجم إلى اللغة الحبشية، ونُشرت مؤخراً ترجمته العربية تحت عنوان: تاريخ مصر.

■ ■ ■

ولم يفلح المقوقس (قيرس) فى تعميم المذهب. واكتسب عداوة وكراهية المصريين جميعاً، ملكانيين ويعاقبة. وكان هرقل قد انشغل عنه، وعن أمور مصر، بما كان غارقاً فيه من اهتراءٍ وتفسُّخٍ أُسَرِىّ، وصراعٍ بين الزوجات والأبناء والقُوَّاد.. حتى إن هرقل فكَّر فى الهروب من العاصمة، وجهز سفينة لتبحر به إلى ساحل أفريقية (تونس) ليقضى هناك بقية عمره الذى كان قد آل إلى خطِّ الزوال، بعيداً عن صراعات العرش.

فى الوقت ذاته، كان الإسلام ينتشر بقوة ويملأ جزيرة العرب ويهدِّد سلطان الروم والفرس، معاً، فى حوافِّ الشام والعراق. وكان للمسلمين طريقتهم الخاصة فى تسيير الأمور، وفى صدق النية، وفى الصبر على الحرب، وفى الحيلة.. وكان المسلمون فى زمن الخليفة أبى بكر الصديق، قد عاهدوا حاكم اليمن الذى كان تابعاً لدولة الفرس، على أن يكون تابعاً للمسلمين فلا يضطروا لقتاله، فى مقابل أن يتركه المسلمون يحكم البلاد حتى وفاته.

وكان أبو بكر الصديق أثناء خلافته (أى بعد وفاة النبى ـ ص) قد أرسل «حاطب بن أبى بلتعة» إلى المقوقس، فأبرم سراً عهداً مثل ذلك الذى أُبرم مع حاكم اليمن.. ولم يُعلن المقوقس هذا العهد، ولم تُشِر إليه المصادر الإسلامية بشكل واضح. لكننى أدركته من العبارات التى أشرت إليها فى مقالتى السابقة، أعنى تلك التى أوردها «ابن عبدالحكم» حين قال إن عمرو بن العاص ألحَّ على الخليفة عمر بن الخطاب، حتى وافق له على الخروج إلى مصر: «فنقض الصلح وفتحها»..

وقال ابنُ عبدالحكم فى موضعٍ آخر، إن الخليفة عمر (الفاروق) رَدَّ الأسرى المصريين الذين أرسلهم إليه عمرو بن العاص مقيدين بالسلاسل (عددهم ثلاثة آلاف) بعد أول صدامٍ عسكرى! ردَّهم الخليفة العادل: «لعهدٍ كان قد سبق لهم».

وهناك الكثير من تلك «الإشارات» المهمة التى ذكرتها المصادر التاريخية المبكرة، لكن المؤرِّخين لم يتوقفوا أمامها بما يليق بأهميتها، فظلت عالقةً فى فضاء الأوهام والخرافات المتعلقة بالدخول العربى/ الإسلامى لمصر، سواء اسميناه فتحاً أو غزواً.. غير أن إعادة تركيب الصورة فى أذهاننا، فى ضوء ما نطرحه من تصورات (لا تزعم لنفسها اليقين التام) من شأنه تبديد ما فى أذهاننا من توهُّمات، ومن شأنه تحديد صورة الماضى (والحاضر) على نحوٍ أكثر منطقيةً وعقلانية.

■ ■ ■

ولم تتوقف بشاعة المقوقس على الفعال والفظاعات الدموية التى اقترفها فى حق البسطاء من الناس، وفى حق الآباء الكبار، وعلى الوضاعة التى تصرَّف بها حين خرَّب الكنائس وسلب الأوانى المقدسة. ولم تتوقف بشاعته على مخالفته أوامر وتعاليم سيِّدِه المسيح، ليرضى سيده هرقل.. فقد زاد على ذلك كله، خيانته لسيده هرقل باتفاقه مع العرب المسلمين سراً، والدور الهزلى الذى لعبه عند حصار حصن بابليون. حتى إنه طلب من المسلمين مفاوضاً آخر غير عُبادة بن الصامت، لأنه وجد هذا الصحابى الجليل: طويلاً وأسود. فطلب مفاوضاً أفضل منظراً، وهو الطلب الذى رفضه عمرو بن العاص.

وبعد تسليم حصن بابليون للمسلمين، قام جند المقوقس (جيش الروم) بتقطيع أيادى عدة آلافٍ من الرجال المصريين، كانوا يعتقلونهم فى هذا الحصن/ المدينة، كى لا يساعدوا المسلمين فى بناء الجسور لاستكمال الفتح..

ولا أظن أن المقوقس هو الذى أمر بذلك، فقد كان آنذاك أضعف من أن يفعل، لكنه وافق على الأمر وأسرع بالهروب من مصر إلى بيزنطة، كى يقنع هرقل بتسليم البلاد إلى المسلمين.. وبالطبع، رفض هرقل وأهان المقوقس، فظل مهاناً إلى أن مات هرقل، فاستطاع المقوقس أن يقنع خلفاءه بالتسليم.

وعاد إلى مصر ليزفَّ لعمرو بن العاص خبر تسليم مصر، ويطلب منه فى المقابل أن يُبقيه فى الإسكندرية آمناً حتى وفاته. فوافق عمرو بن العاص، فقضى المقوقس بقية أيامه بالمدينة حتى مات بها .. ودُفن.. ولم يُعرف له من بعد ذلك قبرٌ، ولا قَدْر.

صلاح ابوشنب
12/04/2010, 12:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اخى الكريم ابراهيم عبد المعطى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اشكرك على مساهمتك واهتمامك .. انت دائما هكذا تمتلىء نشاطا وحيوية .. اشكرك ايضا على ملحوظتك حول هذا الحجاح الثقفى .. واحب ان اضيف سؤالا : الا يمكن أن يأتى المسلم بأفعال تخرجه من دائرة الايمان الى اوحال الكفر ؟ .. لقد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمار بن ياسر تقتله الفئة الباغية .. وبماذا نصف من وضع نفسه مع ابرهة الاشرم الذى هدم الكعبة وقاتله الله بطير ابابيل ترميه بحجارة من جهنم .. الم يضرب الحجاج الكعبة المشرفة بالمنجنيق ؟ إن اللعنة لقليلة على من يتجرأ على فعل ذلك .. إن من يقتل صحابة رسول الله لكافر بنص حديث رسول الله .. الم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم ان المسلمين أن تقاتلا فالقاتل والمقتول فى النار .. فما بالك بمن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام وعلقه فى الكعبة ثم سلخه كما تسلخ الشاة .. اتستكثر عليه اللعن ؟ .. الم يقل الله تبارك وتعالى على بعض المسلمين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد سخريتهم اثناء احدى الغزوات التى كان يقودها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد اخبره جبريل بسخريتهم تلك فلما سألهم قالوا انما كنا نمزح او كنا نخوض ونعلب .. فرد الله عليهم بقرءان يتلى الى يوم القيامة فى قوله تبارك وتعالى " أ بالله ورسوله تستهزؤن " ، وهذه الكلمات التى قد يعتبرها البعض بسيطة ولم ترقى فى الحقيقة الى مرتبة القتل ولا السلخ اخرجت اصحابها من دائرة الايمان الى اوحال الكفر ، لقوله تعالى عن نفس هؤلاء الناس " قد كفرتم بعد ايمانكم " وتقبل تحياتى وخالص مودتى،،،

صلاح ابوشنب
12/04/2010, 12:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اخى الكريم الدكتور محمد
اشكرك على تعليقك المفيد وكلماتك المشجعة دائما .. ارجو ان تتقبل اطيب تحياتى وسلامى

ابراهيم عبد المعطى داود
12/04/2010, 01:58 PM
الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ فِي مِيزانِ أهلِ السنةِ والجماعةِ


قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةً في " الفتاوي " (3/278) : وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ .ا.هـ.

الحمدُ للهِ وبعدُ ؛

الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ اسمٌ معروفٌ في تاريخِ الأمةِ الإسلاميةِ ، اسمٌ اقترنَ بسفكِ الدمِ والبطشِ والجبروتِ ، اسمٌ لا يكادُ كتابٌ من كتبِ التاريخِ إلا ولهُ فيه ذكرٌ ، ولكن هل للرجلِ حسناتٌ تذكرُ في بحرِ ذنوبهِ ؟

يجيبُ الإمامُ الذهبي في " السير " (4/344) فيقولُ في ترجمتهِ : وَكَانَ ظَلُوْماً ، جَبَّاراً ، نَاصِبِيّاً ، خَبِيْثاً ، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ ، وَإِقْدَامٍ ، وَمَكْرٍ ، وَدَهَاءٍ ، وَفَصَاحَةٍ ، وَبَلاَغَةٍ ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ ... وَلَهُ حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ، وَلَهُ تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ ، وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ وَالأُمَرَاءِ .ا.هـ.

فانظروا كيف ينصفُ أهلُ السنةِ أمثالَ الحجاجِ ؟ ويكلون أمرهُ إلى اللهِ ؟

للهِ درك أيها الإمامُ الذهبي .

وقد كثرُ الكلامُ في هذهِ الأيامِ المباركةِ من شهرِ رمضان عن الحجاجِ ، فمن مسلسلٍ يبثُ في بعضِ القنواتِ الفضائيةِ عن سيرتهِ ، ويقومُ بالتمثيلِ للمسلسلِ سقطُ المتاعِ من أهلِ الفسقِ والمجونِ ، ويقومون بتشويهٍ لصورةِ التاريخِ الإسلامي لدولةِ بني أميةَ من خلالِ سيرةِ الحجاجِ بن يوسف ، إلى جانبِ تمثيلِ الصحابةِ مثل عبد الله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر ، وهذا - واللهِ - منتهى السخف ، وكما يعلمُ الجميعُ أن العلماءَ قد منعوا من تمثيلِ أدوار الصحابةِ في هذه المسلسلات التي يقومُ بها الفسقةُ والماجنين ، وحتى لو قام بهذه ألأدوار أهلُ الصلاحِ والاستقامةِ فإنه لا يقبلُ منهم لأمور عدةٍ لا مجال لذكرها هنا .

وتقومُ أيضاً " قناةُ المستقلةِ " بإلقاءِ الضوءِ على سيرةِ الحجاجِ من خلالِ استضافةِ الرافضي والعلماني والبعثي والزيدي ، وهذه مهزلةٌ لم يسبق لها نظيرٌ ، فكيف يعرفُ تاريخُ الحجاجِ من هؤلاءِ الزنادقةِ ؟!

ولماذا يركزُ على الحجاجِ ؟

فقد وجد في تاريخِ الأممِ من هو أشدُ من الحجاجِ .

أين أنتم من هولاكو ؟ أين أنتم من ستالين ؟ أين أنتم من هتلر ؟ وأين أنتم ... ؟ وأين أنتم .... ؟ وسلسلة لا تنتهي .

وفي مقالي هذا أريدُ أن ألقي الضوءَ على سيرةِ الحجاجِ بنِ يوسف من خلالِ منظارِ أهل السنةِ والجماعةِ ، لا من خلالِ التاريخِ الذي دخل فيه التشيعُ ، ولا من خلالِ النظرةِ الحاقدةِ على تاريخِ بني أميةَ من قبل الرافضةِ والزيديةِ .

وأسألُ اللهَ ان يجعلَ في مقالي هذا النفعَ والفائدةَ ، ومن كان لهُ تعقيبٌ أو إضافةٌ فلا يبخل بها علينا هنا ، وله مني الشكرُ ، ومن اللهِ الأجرُ .

من هو " المُبِيرٌُ " الذي ورد ذكرهُ في الحديثِ ؟
‏عَنْ ‏‏أَبِي نَوْفَلٍ :‏ ‏رَأَيْتُ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏عَلَى عَقَبَةِ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏قَالَ : فَجَعَلَتْ ‏‏قُرَيْشٌ ‏‏تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏‏فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ، ‏‏السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ،‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ‏، ‏أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا ،‏ ‏قَوَّامًا ،‏ ‏وَصُولًا لِلرَّحِمِ ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ ، ثُمَّ نَفَذَ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ،‏ ‏فَبَلَغَ ‏‏الْحَجَّاجَ ‏ ‏مَوْقِفُ ‏عَبْدِ اللَّهِ ،‏ ‏وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏، ‏ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ ‏‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏؛ ‏فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ ؛ فَأَعَادَ عَلَيْهَاالرَّسُولَ : لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ ، قَالَ : فَأَبَتْ ؛ وَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي ، قَالَ ، فَقَالَ : أَرُونِي سِبْتَيَّ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ ، قَالَتْ : رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ ‏ ‏ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ‏، ‏أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ .‏ ‏أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏، ‏وَطَعَامَ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْ الدَّوَابِّ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا ‏تَسْتَغْنِي عَنْهُ أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏أَنَّ فِي ‏ ‏ثَقِيفٍ ‏ ‏كَذَّابًا وَمُبِيرًا ؛ فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا ‏‏إِخَالُكَ ‏‏إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ : فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا . رواهُ مسلمٌ .

" وَمُبِيرٌ " ‏: ‏أَيْ مُهْلِكٌ يُسْرِفُ فِي إِهْلَاكِ النَّاسِ يُقَالُ : بَارَ الرَّجُلُ يَبُورُ بَوْرًا . فَهُوَ بَائِرٌ , وَأَبَارَ غَيْرَهُ , فَهُوَ مُبِيرٌ وَهُوَ الْحَجَّاجُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي الْإِهْلَاكِ مِثْلَهُ .

فوائدُ من القصةِ :
سأنقلُ بعضَ تعليقاتِ الإمامِ النووي على القصةِ من " شرح مسلم " .

1- قولُ ابنِ عمرَ : ‏أَبَا خُبَيْبٍ . قال الإمامُ النووي في " شرح مسلم " : ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة كُنْيَة اِبْن الزُّبَيْر , كُنِّيَ بِابْنِهِ خُبَيْب , وَكَانَ أَكْبَر أَوْلَاده , وَلَهُ ثَلَاث كُنًى ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَآخَرُونَ : أَبُو خُبَيْب , وَأَبُو بَكْر , وَأَبُو بُكَيْرٍ .ا.هـ.

2- فِيهِ اِسْتِحْبَاب السَّلَام عَلَى الْمَيِّت فِي قَبْره وَغَيْره , تَكْرِير السَّلَام ثَلَاثًا كَمَا كَرَّرَ اِبْن عُمَر .ا.هـ.

3- وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى الْمَوْتَى بِجَمِيلِ صِفَاتهمْ الْمَعْرُوفَة .ا.هـ.

4- وَفِيهِ مَنْقَبَة لِابْنِ عُمَر لِقَوْلِهِ بِالْحَقِّ فِي الْمَلَأ , وَعَدَم اِكْتِرَاثه بِالْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَم أَنَّهُ يَبْلُغهُ مَقَامه عَلَيْهِ , وَقَوْله , وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُول الْحَقّ , يَشْهَد لِابْنِ الزُّبَيْر بِمَا يَعْلَمهُ فِيهِ مِنْ الْخَيْر , وَبُطْلَان مَا أَشَاعَ عَنْهُ الْحَجَّاج مِنْ قَوْله : إِنَّهُ عَدُوّ اللَّه , وَظَالِم , وَنَحْوه , فَأَرَادَ اِبْن عُمَر بَرَاءَة اِبْن الزُّبَيْر مِنْ ذَلِكَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيْهِ الْحَجَّاج , وَأَعْلَم النَّاس بِمَحَاسِنِهِ , وَأَنَّهُ ضِدّ مَا قَالَهُ الْحَجَّاج .ا.هـ.

5- وَصُولًا لِلرَّحِمِ : وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ أَحْوَاله .ا.هـ.

6- وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذَّابِ هُنَا الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد , وَبِالْمُبِيرِ الْحَجَّاج بْن يُوسُف . وَاَللَّه أَعْلَم .ا.هـ.

الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ عذابُ اللهِ :
قال عنه الحسن البصري : إن الحجاجَ عذابُ اللهِ ، فلا تدفعوا عذابَ اللهِ بأيديكم ، و لكن عليكم بالاستكانةِ والتضرعِ ، فإنه تعالى يقول : " وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ " [ المؤمنون :76] .

الطبقات لابن سعد (7/164) بإسناد صحيح .

وبعد هذه النصوصِ في بيانِ بطشِ الحجاجِ وجبروتهِ ، سؤالٌ يطرحُ :

هل كلُ ما قيل عن الحجاجِ صحيحٌ ؟ أم أن فيهِ بعضُ التحاملِ على الرجلِ مما بالغت فيه بعضُ الطوائفِ والفرقِ ؟

يجيبُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ - وهو من هو في التاريخِ ؟؟ ويكفيك كتاب " البدايةِ والنهايةِ " لتعلمَ مدى معرفة الرجلِ بالتاريخِ - فيقول : وقد تقدم الحديث : " إن في ثقيف كذاباً ومبيراً " وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث ، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا ، وقد كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أمية ، وكان جباراً عنيداً ، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة .

وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا ، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها ، وإلا فهو باق في عهدتها ، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه ، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه ، وربما حرفوا عليه بعض الكلم ، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات .

وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر ، وكان يكثر تلاوة القرآن ، ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج ، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء ، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها ، وخفيات الصدور وضمائرها .

قلت : الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء ، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل ، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد ، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن ، فكان يعطي على القرآن كثيراً ، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم ، والله أعلم .ا.هـ.

وأترككم مع كلامٍ كتبهُ الأخ الفاضلُ أبو عبد الله الذهبي عن الحجاجِ بنِ يوسف في جوابٍ عن الحجاجِ :

إن من أكثر الشخصيات التي لم تنل حقها في البحث والدراسة شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي .. لقد كان لهذه الشخصية المكان والمرتع الخصب لأصحاب الشهوات و أهل الأهواء للطعن في العصر الأموي بوصفه عصر سفك للدماء و تسلط للأمراء ..

و لقد كان لشخص الحجاج النصيب الأوفر من هذه التهم ..

فالحجاج كان ضحية المؤرخين الذين افتروا عليه شتى المفتريات تمشياً مع روح العصر الذي يكتبون فيه ؛ ونرى أننا كلما بعدنا عن عصر الحجاج كثرت المفتريات والأباطيل ..

و من الإنصاف أن يسجل المؤرخ لمن يؤرخ له ما أصاب فيه بمثل ما يسجل عليه ما أخطأ فيه .. واضعاً قول الله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى } نصب عينيه .

فإن الحجاج قد شوهت صورته و نسجت حولها الخرافات بشكل يجعلها أقرب إلى الأسطورة من الحقيقة ..

نعم كان الحجاج كما قال عنه الحسن البصري : إن الحجاج عذاب الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، و لكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإنه تعالى يقول { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون }[المؤمنون /76] . الطبقات لابن سعد (7/164) بإسناد صحيح .

فالحجاج كان من الولاة الذين اشتهروا بالظلم والقسوة في المعاملة ، و هي شدة كان للظروف التي تولى فيها هي السبب الرئيسي في أن يكون بهذه الصفة ..

فثورات الخوارج المتتالية والتي أنهكت الدولة الأموية .. و الفتن الداخلية .. كان للحجاج الفضل بعد الله في القضاء عليها ، و هذه لا ينكرها أحد حتى الأعداء .. و لا ننسى ثورة ابن الأشعث التي كادت أن تلغي و تقضي على الخلافة الإسلامية ..

و مع هذا نقول : ليس كل ما يشاع عن شخص قد ثبت فعلاً .. و ليس كل ما هو مشهور معروف .. فكم سمعنا و قرأنا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تنصح الخارجين بالثورة على عثمان و قتله !! فهل نصدق هذا ، و كم سمعنا أن عثمان رضي الله عنه قد استحدث أموراً خرج بسببها من الإسلام !! فهل نصدق هذه أيضاً .. و كذلك ما اشتهر من أن عمر رضي الله عنه أمر بقتل الستة الذين اختارهم ليكون أحدهم خليفة من بعده إن تخلف أحدهم تضرب عنقه !! و هكذا ..

فليس كل ما هو مشهور صحيح ..

و إني لأستغرب من قولك بأن المناظرة التي حدثت بين طالب العلم و ذلك الشيخ ، لم تنتهي على اتفاق بل و قولك بأن طالب العلم يصر على أنه إذا جمع أخبث الخبثاء .. الخ . و استدلاله به على صحة ما أشيع عن الحجاج ..

أقول :

هل ثبت كفر الحجاج حتى نقارن بينه و بين الخبثاء من الأمم السابقة ؟!

و الله تعالى يقول { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } !! و المؤمن خير من ملئ الأرض من الكافر فكيف تكون هناك مقارنة .. وعلى فرض ثبوت صحة ما أشيع حول الحجاج - ولا ننكر بعضها - فهل يعني هذا أنه قد خرج بموجبها من دائرة الإيمان ؟؟!!

لقد ثبتت للحجاج سيئات كثيرة جعلته في نظر الناس من الذين لا يمكن أن يغفر الله لهم .. سبحان الله !! هل جعلنا الله موكلين بتصنيف الناس هذا مغفور له و هذا مغضوب عليه ؟!

فهل نسي هذا الطالب أن فتح بلاد السند و ما وراء النهر قد تم بعد فضل الله تعالى على يد أبطال قد أرسلهم الحجاج من أجل نشر الإسلام في تلك المناطق .. و ما يدريك لعل الله أراد أن يجعل له باباً آخر للأجر و تكون أعمال أولئك القوم الذين دخلوا في الإسلام في ميزان حسنات الحجاج .. إن الله على كل شيء قدير فلا نحجر واسعاً ..

واسمع إلى ما ورد عن الحجاج حول موته .. وكما يستدلون بالصورة السيئة حول شخصه .. فإنه قد ثبتت كذلك صورة حسنة أيضاً ..

أن الحجاج عندما اشتدت عليه العلة عمل على تدبير شؤون العراق من بعده بما يحفظه من الاضطراب والفتن ، و يبقيه جزءً من الدولة الأموية ، حتى إذا اطمأن إلى ذلك كتب وصيته ليبرئ فيها نفسه و ذمته تجاه خالقه وخليفته المسؤول أمامه في الدنيا حتى آخر لحظة من حياته ، فكتب يقول :

بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف : أوصى بأنه يشهد أن لا إليه إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده و رسوله ، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك ، عليها يحيا و عليها يموت و عليها يبعث .. الخ . تهذيب تاريخ دمشق (4/68 ) .

و يروى أنه قيل له قبل وفاته : ألا تتوب ؟ فقال : إن كنت مسيئاً فليست هذه ساعة التوبة ، وإن كنت محسناً فليست ساعة الفزع . محاضرات الأدباء (4/495 ) .

و قد ورد أيضاً أنه دعا فقال : اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل . تاريخ دمشق (4/82) . والبداية والنهاية (9/138) .

ونقول للذين يطعنون في نيات الناس اسمعوا إلى قول الحسن رحمه الله حينما سمع أحد جلاسه يسب الحجاج بعد وفاته ، فأقبل مغضباً و قال : يا ابن أخي فقد مضى الحجاج إلى ربه ، و إنك حين تقدم على الله ستجد إن أحقر ذنبٍ ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنبٍ اجترحه الحجاج ، و لكل منكما يومئذٍ شأن يغنيه ، و اعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم ، كما سيقتص للحجاج ممن ظلموه فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد . ذكره أبو نعيم في الحلية (2/271) .

والله أعلم ..

أما عن الدراسات التي كتبت عن الحجاج فقد قدمت عدد من الرسائل الجامعية في دراسة شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي و منجزاته الحضارية و أعماله .. و ذلك من أجل إظهار الصورة الأخرى التي كادت أن تنمحي من الوجود بسبب ما اشتهر عنه من أباطيل ..

فمن الدراسات كتاب بعنوان : ( الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه ) للدكتور : محمود زيادة .

و كذلك كتاب آخر بنفس العنوان تقريباً للدكتور إحسان صدقي العمد ..

و هما من أفضل ما كتب عن الحجاج ..

و أيضاً هناك رسائل أخرى صغيرة تتحدث كذلك عن بعض ما أشيع حول الحجاج ..

أخوكم : أبو عبد الله الذهبي ..

قصةٌ منكرةٌ :
عُرف الحجاجُ كما ذكرنا سابقاً بأنهُ سفاكٌ للدماءِ ، ومن أشهرِ من قُتل بين يديهِ العالمُ النحريرُ سعيدُ بنُ حبير ، وقد وردت قصةٌ منكرةٌ في طريقةِ قتلِ الحجاجِ لسعيدِ بنِ جبير ، تذكرُ في ترجمةِ الحجاجِ ، وهذا لا يعني أن الحجاجَ لم يقتل سعيدَ بنَ جبير ، وإنما إيرادُ القصةِ بهذا السياقِ هو الذي ينكرُ فيها ، وإليكم القصة كما ذكرها الحافظُ الذهبي في " السير " (4/329 - 332) :

حَامِدُ بنُ يَحْيَى البَلْخِيُّ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ أَبُو مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بنُ أَبِي شَدَّادٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الحَجَّاجَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِداً يُسَمَّى المُتَلَمِّسَ بنَ أَحْوَصَ فِي عِشْرِيْنَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُوْنَهُ ، إِذَا هُمْ برَاهِبٍ فِي صَوْمَعَتِهِ ، فَسَأَلُوْهُ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: صِفُوْهُ لِي . فَوَصَفُوْهُ ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، فَانْطَلقُوا ، فَوَجَدُوْهُ سَاجِداً يُنَاجِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ، فَدَنَوْا ، وَسَلَّمُوا ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، فَأَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلاَتِهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، فَقَالُوا : إِنَّا رُسُلُ الحَجَّاجِ إِلَيْكَ ، فَأَجِبْهُ . قَالَ : وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِجَابَةِ ؟ قَالُوا : لاَ بُدَّ . فَحَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَامَ مَعَهُم ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَيْرِ الرَّاهِبِ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : يَا مَعْشَرَ الفُرْسَانِ أَصَبْتُمْ صَاحِبَكُم ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَقَالَ : اصْعَدُوا ، فَإِنَّ اللَّبْوَةَ وَالأَسَدَ يَأْوِيَانِ حَوْلَ الدَّيْرِ . فَفَعَلُوا ، وَأَبَى سَعِيْدٌ أَنْ يَدْخُلَ ، فَقَالُوا : مَا نَرَاكَ إِلاَّ وَأَنْتَ تُرِيْدُ الهَرَبَ مِنَّا . قَالَ: لاَ ، وَلَكِنْ لاَ أَدْخُلُ مَنْزِلَ مُشْرِكٍ أَبَداً . قَالُوا : فَإِنَّا لاَ نَدَعُكَ ، فَإِنَّ السِّبَاعَ تَقْتُلُكَ . قَالَ : لاَ ضَيْرَ، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي يَصْرِفُهَا عَنِّي ، وَيَجْعَلُهَا حَرَساً تَحْرُسُنِي . قَالُوا : فَأَنْتَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، وَلَكِنْ عَبْدٌ مِنْ عَبِيْدِ اللهِ مُذْنِبٌ . قَالَ الرَّاهِبُ : فَلْيُعْطِنِي مَا أَثِقُ بِهِ عَلَى طُمَأْنِيْنَةٍ . فَعَرَضُوا عَلَى سَعِيْدٍ أَنْ يُعْطِيَ الرَّاهِبَ مَا يُرِيْدُ . قَالَ : إِنِّي أُعْطِي العَظِيْمَ الَّذِي لاَ شَرِيْكَ لَهُ ، لاَ أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى أُصْبِحَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - . فَرَضِيَ الرَّاهِبُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُم : اصْعَدُوا ، وَأَوْتِرُوا القِسِّيَّ ، لِتُنَفِّرُوا السِّبَاعَ عَنْ هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ ، فَإِنَّهُ كَرِهَ الدُّخُوْلَ فِي الصَّوْمَعَةِ لِمَكَانِكُمْ . فَلَمَّا صَعِدُوا ، وَأَوْتَرُوا القِسِّيَّ ، إِذَا هُمْ بِلَبْوَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْ سَعِيْدٍ ، تَحَكَّكَتْ بِهِ ، وَتَمَسَّحَتْ بِهِ ، ثُمَّ رَبَضَتْ قَرِيْباً مِنْهُ ، وَأَقْبَلَ الأَسَدُ يَصْنَعُ كَذَلِكَ . فَلَمَّا رَأَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ ، وَأَصْبَحُوا ، نَزَلَ إِلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَرَائِعِ دِيْنِهِ ، وَسُنَنِ رَسُوْلِهِ ، فَفَسَّرَ لَهُ سَعِيْدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَأَسْلَمَ ، وَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَى سَعِيْدٍ يَعْتَذِرُوْنَ إِلَيْهِ ، وَيُقَبِّلُوْنَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَيَأْخُذُوْنَ التُّرَابَ الَّذِي وَطِئَهُ ، فَيَقُوْلُوْنَ : يَا سَعِيْدُ ، حَلَّفَنَا الحَجَّاجُ بِالطَّلاَقِ وَالعَتَاقِ ، إِنْ نَحْنُ رَأَيْنَاكَ لاَ نَدَعُكَ حَتَّى نُشْخِصَكَ إِلَيْهِ ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ . قَالَ : امْضُوا لأَمْرِكُم ، فَإِنِّي لاَئِذٌ بِخَالِقِي ، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ . فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا وَاسِطَ ، فَقَالَ سَعِيْدٌ : قَدْ تَحَرَّمْتُ بِكُم وَصَحِبْتُكُم ، وَلَسْتُ أَشُكُّ أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ ، فَدَعُوْنِي اللَّيْلَةَ آخُذْ أُهْبَةَ المَوْتِ ، وَأَسْتَعِدَّ لِمُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ ، وَأَذْكُرْ عَذَابَ القَبْرِ ، فَإِذَا أَصْبَحْتُم ، فَالمِيْعَادُ بَيْنَنَا المَكَانُ الَّذِي تُرِيْدُوْنَ . فَقَالَ بَعْضُهُم : لاَ تُرِيْدُوْنَ أَثَراً بَعْد عَيْنٍ .وَقَالَ بَعْضُهُم : قَدْ بَلَغْتُم أَمْنَكُم ، وَاسْتَوْجَبْتُم جَوَائِزَ الأَمِيْرِ ، فَلاَ تَعْجَزُوا عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُم : يُعْطِيْكُم مَا أَعْطَى الرَّاهِبَ ، وَيْلَكُم ! أَمَا لَكُم عِبْرَةٌ بِالأَسَدِ . وَنَظَرُوا إِلَى سَعِيْدٍ قَدْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، وَشَعِثَ رَأْسُهُ ، وَاغْبَرَّ لَوْنُهُ ، وَلَمْ يَأْكُلْ ، وَلَمْ يَشْرَبْ ، وَلَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ يَوْمِ لَقُوْهُ وَصَحِبُوْهُ ، فَقَالُوا : يَا خَيْرَ أَهْلِ الأَرْضِ ، لَيْتَنَا لَمْ نَعْرِفْكَ ، وَلَمْ نُسَرَّحْ إِلَيْكَ ، الوَيْلُ لَنَا وَيْلاً طَوِيْلاً ، كَيْفَ ابْتُلِيْنَا بِكَ ! اعْذُرْنَا عِنْدَ خَالِقِنَا يَوْمَ الحَشْرِ الأَكْبَرِ ، فَإِنَّهُ القَاضِي الأَكْبَرُ ، وَالعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُوْرُ . قَالَ : مَا أَعْذَرَنِي لَكُم وَأَرْضَانِي لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللهِ فِيَّ . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ البُكَاءِ وَالمُجَاوَبَةِ ، قَالَ كَفِيْلُهُ : أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَمَا زَوَّدْتَنَا مِنْ دُعَائِكَ وَكَلاَمِكَ ، فَإِنَّا لَنْ نَلْقَى مِثْلَكَ أَبَداً . فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَخَلَّوْا سَبِيْلَهُ ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَمِدْرَعَتَهُ وَكِسَاءهُ ، وَهُم مُحْتَفُوْنَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ، يُنَادُوْنَ بِالوَيْلِ وَاللَّهْفِ . فَلَمَّا انْشَقَّ عَمُوْدُ الصُّبْحِ ، جَاءهُم سَعِيْدٌ ، فَقَرَعَ البَابَ ، فَنَزَلُوا ، وَبَكَوْا مَعَهُ ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الحَجَّاجِ ، وَآخَرَ مَعَهُ ، فَدَخَلاَ ، فَقَالَ الحَجَّاجُ : أَتَيْتُمُوْنِي بِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَعَايَنَّا مِنَّا العَجَبَ . فَصَرَفَ بِوَجْهِهِ عَنْهُم ، فَقَالَ : أَدْخِلُوْهُ عَلَيَّ . فَخَرَجَ المُتَلَمِّسُ ، فَقَالَ لِسَعِيْدٍ : أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ . فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ . قَالَ : أَنْتَ شَقِيُّ بنُ كُسَيْرٍ . قَالَ : بَلْ أُمِّي كَانَتْ أَعْلَمَ بِاسْمِي مِنْكَ . قَالَ : شَقِيْتَ أَنْتَ ، وَشَقِيَتْ أُمُّكَ . قَالَ : الغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ . قَالَ : لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَاراً تَلَظَّى . قَالَ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهاً . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ، إِمَامُ الهُدَى . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ ، فِي الجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : لَوْ دَخَلْتُهَا ، فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا ، عَرَفْتُ . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي الخُلَفَاءِ ؟ قَالَ: لَسْتُ عَلَيْهِم بِوَكِيْلٍ . قَالَ : فَأَيُّهُم أَعْجَبُ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : أَرْضَاهُم لِخَالِقِي . قَالَ: فَأَيُّهُم أَرْضَى لِلْخَالِقِ ؟ قَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ . قَالَ : أَبَيْتَ أَنْ تَصْدُقَنِي . قَالَ : إِنِّي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَكْذِبَكَ . قَالَ : فَمَا بَالُكَ لَمْ تَضْحَكْ ؟ قَالَ : لَمْ تَسْتَوِ القُلُوْبُ . قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ الحَجَّاجُ بِاللُّؤْلُؤِ وَاليَاقُوْتِ وَالزَّبَرْجَدِ، فَجَمَعَهُ بنُ يَدَيْ سَعِيْدٍ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ جَمَعْتَهُ لِتَفْتَدِيَ بِهِ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَصَالِحٌ ، وَإِلاَّ فَفَزْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَلاَ خَيْرَ فِي شَيْءٍ جُمِعَ لِلدُّنْيَا إِلاَّ مَا طَابَ وَزَكَا . ثُمَّ دَعَا الحَجَّاجُ بِالعُوْدِ وَالنَّايِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ بِالعُوْدِ وَنُفِخَ فِي النَّايِ ، بَكَى ، فَقَالَ الحَجَّاجُ : مَا يُبْكِيْكَ ؟ هُوَ اللَّهْوُ . قَالَ : بَلْ هُوَ الحُزْنُ ، أَمَّا النَّفْخُ فَذَكَّرَنِي يَوْمَ نَفْخِ الصُّوْرِ ، وَأَمَّا العُوْدُ فَشَجَرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ، وَأَمَّا الأَوْتَارُ فَأَمْعَاءُ شَاةٍ يُبْعَثُ بِهَا مَعَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ . فَقَالَ الحَجَّاجُ : وَيْلَكَ يَا سَعِيْدُ ! قَالَ : الوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الجَنَّةِ ، وَأُدْخِلَ النَّارُ . قَالَ : اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ تُرِيْدُ أَنْ أَقْتُلَكَ ؟ قَالَ : اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا حَجَّاجُ ، فَوَاللهِ مَا تَقْتُلُنِي قِتْلَةً ، إِلاَّ قَتَلْتُكَ قَتْلَةً فِي الآخِرَةِ . قَالَ : فَتُرِيْدُ أَنْ أَعْفُوَ عَنْكَ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ العَفْوُ ، فَمِنَ اللهِ ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلاَ بَرَاءةَ لَكَ وَلاَ عُذْرَ . قَالَ : اذْهبُوا بِهِ ، فَاقْتُلُوْهُ . فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ البَابِ ، ضَحِكَ ، فَأُخْبِرَ الحَجَّاجُ بِذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ ، فَقَالَ : مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ : عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ ، وَحِلْمِهِ عَنْكَ ! فَأَمَرَ بِالنِّطْعِ، فَبُسِطَ ، فَقَالَ : اقْتُلُوْهُ . فَقَالَ : " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ " . قَالَ : شُدُّوا بِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ . قَالَ : " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ " . قَالَ : كُبُّوْهُ لِوَجْهِهِ . قَالَ : " مِنْهَا خَلَقْنَاكُم، وَفِيْهَا نُعِيْدُكُم " . قَالَ: اذْبَحُوْهُ . قَالَ : إِنِّي أَشْهَدُ وَأُحَاجُّ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي يَوْمَ القِيَامَةِ . ثُمَّ دَعَا اللهَ سَعِيْدٌ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لاَ تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي . فَذُبِحَ عَلَى النِّطْعِ .

وَبَلَغَنَا : أَنَّ الحَجَّاجَ عَاشَ بَعْدَهُ خَمْسَ عَشَرةَ لَيْلَةً ، وَقَعَتْ فِي بَطْنِهِ الأَكِلَةُ ، فَدَعَا بِالطَّبِيْبِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ دَعَا بِلَحْمٍ مُنْتِنٍ ، فَعَلَّقَهُ فِي خَيْطٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ ، فَتَرَكَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ ، وَقَدْ لَزِقَ بِهِ مِنَ الدَّمِ ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ .ا.هـ.

قال الإمامُ الذهبي بعد ذكر الروايةِ : هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْكَرَةٌ ، غَيْرُ صَحِيْحَةٍ .ا.هـ.

والقصةُ في سندها حَفْصُ بنُ سليم أَبُو مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ .

قال الذهبي في " الميزان " (1/557) : وهاه قتيبة شديداً ، وكذبهُ ابنُ مهدي لكونهِ روى عن عبيدِ الله عن نافع عن ابنِ عمر مرفوعاً : من زار قبرَ أمهِ كان كعمرةٍ . وسئل عنه إبراهيمُ بنُ طهمان فقال : خذوا عنهُ عبادتهِ وحسبكم . وذكر بعضاً من رواياتهِ .ا.هـ.

وقال الحافظُ ابنُ حجر في " اللسان " (2/393) : قلتُ : ووهاهُ الدارقطني أيضاً . وقال الخليلي : مشهورٌ بالصدقِ ، غيرُ مخرجٌ في الصحيحِ ، وكان يفتي ، ولهُ في الفقهِ محلٌ ، وتعنى بجمع حديثهُ .

ولهُ ذكرٌ في العللِ التي في آخرِ الترمذي ، وأغفلهُ المزي .

قال الترمذي : حدثنا موسى بنُ حزام ، سمعتُ صالحَ بنُ عبدِ اللهِ قال : كنا عند أبي مقاتل السمرقندي ، فجعل يروي عن عونِ بنِ شداد الأحاديثَ الطوال التي كانت تروى في وصيةِ لقمان ، وقتلِ سعيدِ بنِ جبير ، وما أشبه ذلك ، فقال له ابنُ أخيه : يا عمُ لا تقل حدثنا عون ، فإنك لم تسمع هذه الأشياء ، فقال : بلى ؛ هو كلامٌ حسنٌ .ا.هـ.

وقال الإمامُ ابنُ كثيرِ في " البداية والنهاية " (9/117) : وقال أبو نعيم في كتابه الحلية ، ثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن أحمد ابن أبي خلف ، ثنا شعبان ، عن سالم بن أبي حفصة ، قال : لما أتى بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له : أنت الشقي بن كسير؟ قال : لا ! إنما أنا سعيد بن جبير ، قال: لأقتلنك ، قال : أنا إذا كما سمتني أمي سعيداً ! قال : شقيت وشقيت أمك ، قال : الأمر ليس إليك ، ثم قال : اضربوا عنقه ، فقال : دعوني أصلي ركعتين ، قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، قال: " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " [ البقرة : 115 ] قال : إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم ، قال : وما عاذت به ؟ قال : قالت : " إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً " [ مريم : 17 ] قال سفيان : لم يقتل بعده إلا واحداً .

وفي رواية أنه قال له : لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى ، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.

وفي رواية : أنه لما أراد قتله قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، فقال : " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " فقال : اجلدوا به الأرض ، فقال : " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " [ طه : 55 ] فقال : اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم . فقال : اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.

وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاماً كثيراً في مقتل سعيد ابن جبير أحسنه هذا ، والله أعلم .

وقد ذكرنا صفة مقتله إياه ، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله ، أكثرها لا يصح .ا.هـ.

والنكارةُ في القصةِ واضحةٌ جداً ، ومن أوجهِ النكارةِ فيها :

1- قولِ عَوْنِ بنِ أَبِي شَدَّادٍ : بَلَغَنِي . فمن الذي أبلغهُ ؟ فالواسطةُ مجهولةٌ .

2- قصةٌ اللَّبْوَةِ وَالأَسَدِ ، فأين الأخذُ بالأسبابِ ؟

وقد جاء في ترجمةِ سعيدِ بنِ جبير أنهُ تنقل بين البلادِ فراراً من بطشِ الحجاجِ حتى قال : وَاللهِ لَقَدْ فَرَرْتُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللهِ .

قال الإمامُ الذهبي في " السير " (4/338) معلقاً على كلامِ سعيدِ بنِ جبير : " قُلْتُ : طَالَ اخْتِفَاؤُهُ ، فَإِنَّ قِيَامَ القُرَّاءِ عَلَى الحَجَّاجِ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ ، وَمَا ظَفِرُوا بِسَعِيْدٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ ؛ السَّنَةِ الَّتِي قَلَعَ اللهُ فِيْهَا الحَجَّاجَ .ا.هـ.

فهل يُعقلُ أن يفرَ سعيدُ بنُ جبير ثلاثَ سنواتٍ من الحجاجِ ويأخذُ بالأسبابِ ثم يأتي على أمرٍ ذكر في القصةِ ولا يفعلهُ ؟ هذا أمرٌ مستبعدٌ جداً .

3- سؤالُ الحجاجِ لسعيدِ بن جبير عن الخليفةِ الرابعِ على بنِ أبي طالب رضي اللهُ عنه عندما قال له : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ ، فِي الجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : لَوْ دَخَلْتُهَا ، فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا ، عَرَفْتُ .

يلتمسُ منهُ إثباتُ تهمةِ الحجاجِ بأنهُ ناصبي ، وهذا أمرٌ قد يكونُ من فعلِ الرافضةِ ، وقد رد الإمامُ ابنُ كثيرٍ هذه الفريةِ عن الحجاجِ في " البداية والنهاية " كما تقدم في عنوان : " الحجاجُ عذابُ اللهِ " . فليرجع إليهِ .

4- تقديمُ العودِ والناي بين يدي سعيدِ بنِ جبير .

وأكنفي بهذه الأوجه .

هل يُلعنُ الحجاج بن يوسف :
قد يقومُ بعضُ الناسِ بلعنِ الحجاجِ بنِ يوسف كلما ورد اسمهُ عليه ، فهل هذا الفعلُ من الشرعِ في شيءٍ ؟

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ : فَلِهَذَا كَانَ أَهْل الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ فِيمَنْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فِي الظَّاهِرِ - كَالْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَأَمْثَالِهِ - أَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ ؛ بَلْ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " فَيَلْعَنُونَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَامًّا . كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيهَا وَسَاقِيَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا " وَلَا يَلْعَنُونَ الْمُعَيَّنَ .

كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حِمَارًا وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِدُهُ . فَأُتِيَ بِهِ مَرَّةً . فَلَعَنَهُ رَجُلٌ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنْهُ . فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " .

وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِنْ بَابِ الْوَعِيدِ وَالْوَعِيدُ الْعَامُّ لَا يُقْطَعُ بِهِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ : مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .ا.هـ.

فتاوى أهلِ العلمِ في الحجاجِ بنِ يوسف :

الســؤال
بعض الناس عندما يتعرض لسيرة الحجاج يسبة ويلعنه، فهل ذلك يصح، علما بأنه كانت له بعض فتوحات إسلامية لأراضٍ غير إسلامية، وهل هو يعتبر من الفئة الباغية؟

الفتــوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد :

فأما لعن الحجاج بن يوسف فينبغي تركه بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريماً أو تنزيها، وإذا قال قائل ألم يك ظالماً ؟ ألم يقتل الصحابة فلماذا لا نلعنه ؟ نجيبه بما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قال : نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله في القرآن "ألا لعنة الله على الظالمين" ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه وقد لعنه-أي يزيد بن معاوية - قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن... انتهى .

وأما ذكر مثالبه وظلمه وفجوره، فلا مانع من ذكر ذلك وإن كانت له حسنات وفتوحات، وقد ترجم له الذهبي فقال: الحجاج أهلكه الله في رمضان سنة 95 كهلاً، كان ظلوماً جباراً ناصبياً خبيثاً سفاكاً للدماء.... فنسبُّه ولا نحبه بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله.... انتهى.

والحجاج لم يك من الفئة الباغية، بل كان حاكماً على العراق والمشرق كله من قبل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان.

والله أعلم.
المفتـــي : مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

ابراهيم عبد المعطى داود
12/04/2010, 02:02 PM
الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ فِي مِيزانِ أهلِ السنةِ والجماعةِ
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةً في " الفتاوي " (3/278) : وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ .ا.هـ.
الحمدُ للهِ وبعدُ ؛
الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ اسمٌ معروفٌ في تاريخِ الأمةِ الإسلاميةِ ، اسمٌ اقترنَ بسفكِ الدمِ والبطشِ والجبروتِ ، اسمٌ لا يكادُ كتابٌ من كتبِ التاريخِ إلا ولهُ فيه ذكرٌ ، ولكن هل للرجلِ حسناتٌ تذكرُ في بحرِ ذنوبهِ ؟
يجيبُ الإمامُ الذهبي في " السير " (4/344) فيقولُ في ترجمتهِ : وَكَانَ ظَلُوْماً ، جَبَّاراً ، نَاصِبِيّاً ، خَبِيْثاً ، سَفَّاكاً لِلدِّمَاءِ ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ ، وَإِقْدَامٍ ، وَمَكْرٍ ، وَدَهَاءٍ ، وَفَصَاحَةٍ ، وَبَلاَغَةٍ ، وَتعَظِيْمٍ لِلْقُرَآنِ ... وَلَهُ حَسَنَاتٌ مَغْمُوْرَةٌ فِي بَحْرِ ذُنُوْبِهِ ، وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ ، وَلَهُ تَوْحِيْدٌ فِي الجُمْلَةِ ، وَنُظَرَاءُ مِنْ ظَلَمَةِ الجَبَابِرَةِ وَالأُمَرَاءِ .ا.هـ.
فانظروا كيف ينصفُ أهلُ السنةِ أمثالَ الحجاجِ ؟ ويكلون أمرهُ إلى اللهِ ؟
للهِ درك أيها الإمامُ الذهبي .
وقد كثرُ الكلامُ في هذهِ الأيامِ المباركةِ من شهرِ رمضان عن الحجاجِ ، فمن مسلسلٍ يبثُ في بعضِ القنواتِ الفضائيةِ عن سيرتهِ ، ويقومُ بالتمثيلِ للمسلسلِ سقطُ المتاعِ من أهلِ الفسقِ والمجونِ ، ويقومون بتشويهٍ لصورةِ التاريخِ الإسلامي لدولةِ بني أميةَ من خلالِ سيرةِ الحجاجِ بن يوسف ، إلى جانبِ تمثيلِ الصحابةِ مثل عبد الله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر ، وهذا - واللهِ - منتهى السخف ، وكما يعلمُ الجميعُ أن العلماءَ قد منعوا من تمثيلِ أدوار الصحابةِ في هذه المسلسلات التي يقومُ بها الفسقةُ والماجنين ، وحتى لو قام بهذه ألأدوار أهلُ الصلاحِ والاستقامةِ فإنه لا يقبلُ منهم لأمور عدةٍ لا مجال لذكرها هنا .
وتقومُ أيضاً " قناةُ المستقلةِ " بإلقاءِ الضوءِ على سيرةِ الحجاجِ من خلالِ استضافةِ الرافضي والعلماني والبعثي والزيدي ، وهذه مهزلةٌ لم يسبق لها نظيرٌ ، فكيف يعرفُ تاريخُ الحجاجِ من هؤلاءِ الزنادقةِ ؟!
ولماذا يركزُ على الحجاجِ ؟
فقد وجد في تاريخِ الأممِ من هو أشدُ من الحجاجِ .
أين أنتم من هولاكو ؟ أين أنتم من ستالين ؟ أين أنتم من هتلر ؟ وأين أنتم ... ؟ وأين أنتم .... ؟ وسلسلة لا تنتهي .
وفي مقالي هذا أريدُ أن ألقي الضوءَ على سيرةِ الحجاجِ بنِ يوسف من خلالِ منظارِ أهل السنةِ والجماعةِ ، لا من خلالِ التاريخِ الذي دخل فيه التشيعُ ، ولا من خلالِ النظرةِ الحاقدةِ على تاريخِ بني أميةَ من قبل الرافضةِ والزيديةِ .
وأسألُ اللهَ ان يجعلَ في مقالي هذا النفعَ والفائدةَ ، ومن كان لهُ تعقيبٌ أو إضافةٌ فلا يبخل بها علينا هنا ، وله مني الشكرُ ، ومن اللهِ الأجرُ .
من هو " المُبِيرٌُ " الذي ورد ذكرهُ في الحديثِ ؟
‏عَنْ ‏‏أَبِي نَوْفَلٍ :‏ ‏رَأَيْتُ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ‏عَلَى عَقَبَةِ ‏الْمَدِينَةِ ‏‏قَالَ : فَجَعَلَتْ ‏‏قُرَيْشٌ ‏‏تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ‏‏فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ، ‏‏السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ،‏ ‏السَّلَامُ عَلَيْكَ ‏‏أَبَا خُبَيْبٍ ‏، ‏أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ ‏‏أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا ،‏ ‏قَوَّامًا ،‏ ‏وَصُولًا لِلرَّحِمِ ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيْرٌ ، ثُمَّ نَفَذَ ‏عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ،‏ ‏فَبَلَغَ ‏‏الْحَجَّاجَ ‏ ‏مَوْقِفُ ‏عَبْدِ اللَّهِ ،‏ ‏وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ ‏ ‏الْيَهُودِ ‏، ‏ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ ‏‏أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ‏؛ ‏فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ ؛ فَأَعَادَ عَلَيْهَاالرَّسُولَ : لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ ، قَالَ : فَأَبَتْ ؛ وَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي ، قَالَ ، فَقَالَ : أَرُونِي سِبْتَيَّ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ ، قَالَتْ : رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ : يَا ابْنَ ‏ ‏ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ‏، ‏أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ .‏ ‏أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ‏‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏، ‏وَطَعَامَ ‏أَبِي بَكْرٍ ‏ ‏مِنْ الدَّوَابِّ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا ‏تَسْتَغْنِي عَنْهُ أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏أَنَّ فِي ‏ ‏ثَقِيفٍ ‏ ‏كَذَّابًا وَمُبِيرًا ؛ فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا ‏‏إِخَالُكَ ‏‏إِلَّا إِيَّاهُ قَالَ : فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا . رواهُ مسلمٌ .
" وَمُبِيرٌ " ‏: ‏أَيْ مُهْلِكٌ يُسْرِفُ فِي إِهْلَاكِ النَّاسِ يُقَالُ : بَارَ الرَّجُلُ يَبُورُ بَوْرًا . فَهُوَ بَائِرٌ , وَأَبَارَ غَيْرَهُ , فَهُوَ مُبِيرٌ وَهُوَ الْحَجَّاجُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي الْإِهْلَاكِ مِثْلَهُ .
فوائدُ من القصةِ :
سأنقلُ بعضَ تعليقاتِ الإمامِ النووي على القصةِ من " شرح مسلم " .
1- قولُ ابنِ عمرَ : ‏أَبَا خُبَيْبٍ . قال الإمامُ النووي في " شرح مسلم " : ‏بِضَمِّ الْخَاء الْمُعْجَمَة كُنْيَة اِبْن الزُّبَيْر , كُنِّيَ بِابْنِهِ خُبَيْب , وَكَانَ أَكْبَر أَوْلَاده , وَلَهُ ثَلَاث كُنًى ذَكَرَهَا الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ وَآخَرُونَ : أَبُو خُبَيْب , وَأَبُو بَكْر , وَأَبُو بُكَيْرٍ .ا.هـ.
2- فِيهِ اِسْتِحْبَاب السَّلَام عَلَى الْمَيِّت فِي قَبْره وَغَيْره , تَكْرِير السَّلَام ثَلَاثًا كَمَا كَرَّرَ اِبْن عُمَر .ا.هـ.
3- وَفِيهِ الثَّنَاء عَلَى الْمَوْتَى بِجَمِيلِ صِفَاتهمْ الْمَعْرُوفَة .ا.هـ.
4- وَفِيهِ مَنْقَبَة لِابْنِ عُمَر لِقَوْلِهِ بِالْحَقِّ فِي الْمَلَأ , وَعَدَم اِكْتِرَاثه بِالْحَجَّاجِ ; لِأَنَّهُ يَعْلَم أَنَّهُ يَبْلُغهُ مَقَامه عَلَيْهِ , وَقَوْله , وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ , فَلَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُول الْحَقّ , يَشْهَد لِابْنِ الزُّبَيْر بِمَا يَعْلَمهُ فِيهِ مِنْ الْخَيْر , وَبُطْلَان مَا أَشَاعَ عَنْهُ الْحَجَّاج مِنْ قَوْله : إِنَّهُ عَدُوّ اللَّه , وَظَالِم , وَنَحْوه , فَأَرَادَ اِبْن عُمَر بَرَاءَة اِبْن الزُّبَيْر مِنْ ذَلِكَ الَّذِي نَسَبَهُ إِلَيْهِ الْحَجَّاج , وَأَعْلَم النَّاس بِمَحَاسِنِهِ , وَأَنَّهُ ضِدّ مَا قَالَهُ الْحَجَّاج .ا.هـ.
5- وَصُولًا لِلرَّحِمِ : وَهُوَ الْمَعْرُوف مِنْ أَحْوَاله .ا.هـ.
6- وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْكَذَّابِ هُنَا الْمُخْتَار بْن أَبِي عُبَيْد , وَبِالْمُبِيرِ الْحَجَّاج بْن يُوسُف . وَاَللَّه أَعْلَم .ا.هـ.
الحَجَّاجُ بنُ يُوْسُفَ الثَّقَفِيُّ عذابُ اللهِ :
قال عنه الحسن البصري : إن الحجاجَ عذابُ اللهِ ، فلا تدفعوا عذابَ اللهِ بأيديكم ، و لكن عليكم بالاستكانةِ والتضرعِ ، فإنه تعالى يقول : " وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ " [ المؤمنون :76] .
الطبقات لابن سعد (7/164) بإسناد صحيح .
وبعد هذه النصوصِ في بيانِ بطشِ الحجاجِ وجبروتهِ ، سؤالٌ يطرحُ :
هل كلُ ما قيل عن الحجاجِ صحيحٌ ؟ أم أن فيهِ بعضُ التحاملِ على الرجلِ مما بالغت فيه بعضُ الطوائفِ والفرقِ ؟
يجيبُ الإمامُ ابنُ كثيرٍ - وهو من هو في التاريخِ ؟؟ ويكفيك كتاب " البدايةِ والنهايةِ " لتعلمَ مدى معرفة الرجلِ بالتاريخِ - فيقول : وقد تقدم الحديث : " إن في ثقيف كذاباً ومبيراً " وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث ، وقد كان يظهر الرفض أولاً ويبطن الكفر المحض ، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا ، وقد كان ناصبياً يبغض علياً وشيعته في هوى آل مروان بني أمية ، وكان جباراً عنيداً ، مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة .
وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا ، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها ، وإلا فهو باق في عهدتها ، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه ، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جداً لوجوه ، وربما حرفوا عليه بعض الكلم ، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات .
وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر ، وكان يكثر تلاوة القرآن ، ويتجنب المحارم ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج ، وإن كان متسرعاً في سفك الدماء ، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها ، وخفيات الصدور وضمائرها .
قلت : الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء ، وكفى به عقوبة عند الله عز وجل ، وقد كان حريصاً على الجهاد وفتح البلاد ، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن ، فكان يعطي على القرآن كثيراً ، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلثمائة درهم ، والله أعلم .ا.هـ.
وأترككم مع كلامٍ كتبهُ الأخ الفاضلُ أبو عبد الله الذهبي عن الحجاجِ بنِ يوسف في جوابٍ عن الحجاجِ :
إن من أكثر الشخصيات التي لم تنل حقها في البحث والدراسة شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي .. لقد كان لهذه الشخصية المكان والمرتع الخصب لأصحاب الشهوات و أهل الأهواء للطعن في العصر الأموي بوصفه عصر سفك للدماء و تسلط للأمراء ..
و لقد كان لشخص الحجاج النصيب الأوفر من هذه التهم ..
فالحجاج كان ضحية المؤرخين الذين افتروا عليه شتى المفتريات تمشياً مع روح العصر الذي يكتبون فيه ؛ ونرى أننا كلما بعدنا عن عصر الحجاج كثرت المفتريات والأباطيل ..
و من الإنصاف أن يسجل المؤرخ لمن يؤرخ له ما أصاب فيه بمثل ما يسجل عليه ما أخطأ فيه .. واضعاً قول الله تعالى { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى } نصب عينيه .
فإن الحجاج قد شوهت صورته و نسجت حولها الخرافات بشكل يجعلها أقرب إلى الأسطورة من الحقيقة ..
نعم كان الحجاج كما قال عنه الحسن البصري : إن الحجاج عذاب الله ، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ، و لكن عليكم بالاستكانة والتضرع ، فإنه تعالى يقول { ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون }[المؤمنون /76] . الطبقات لابن سعد (7/164) بإسناد صحيح .
فالحجاج كان من الولاة الذين اشتهروا بالظلم والقسوة في المعاملة ، و هي شدة كان للظروف التي تولى فيها هي السبب الرئيسي في أن يكون بهذه الصفة ..
فثورات الخوارج المتتالية والتي أنهكت الدولة الأموية .. و الفتن الداخلية .. كان للحجاج الفضل بعد الله في القضاء عليها ، و هذه لا ينكرها أحد حتى الأعداء .. و لا ننسى ثورة ابن الأشعث التي كادت أن تلغي و تقضي على الخلافة الإسلامية ..
و مع هذا نقول : ليس كل ما يشاع عن شخص قد ثبت فعلاً .. و ليس كل ما هو مشهور معروف .. فكم سمعنا و قرأنا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تنصح الخارجين بالثورة على عثمان و قتله !! فهل نصدق هذا ، و كم سمعنا أن عثمان رضي الله عنه قد استحدث أموراً خرج بسببها من الإسلام !! فهل نصدق هذه أيضاً .. و كذلك ما اشتهر من أن عمر رضي الله عنه أمر بقتل الستة الذين اختارهم ليكون أحدهم خليفة من بعده إن تخلف أحدهم تضرب عنقه !! و هكذا ..
فليس كل ما هو مشهور صحيح ..
و إني لأستغرب من قولك بأن المناظرة التي حدثت بين طالب العلم و ذلك الشيخ ، لم تنتهي على اتفاق بل و قولك بأن طالب العلم يصر على أنه إذا جمع أخبث الخبثاء .. الخ . و استدلاله به على صحة ما أشيع عن الحجاج ..
أقول :
هل ثبت كفر الحجاج حتى نقارن بينه و بين الخبثاء من الأمم السابقة ؟!
و الله تعالى يقول { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } !! و المؤمن خير من ملئ الأرض من الكافر فكيف تكون هناك مقارنة .. وعلى فرض ثبوت صحة ما أشيع حول الحجاج - ولا ننكر بعضها - فهل يعني هذا أنه قد خرج بموجبها من دائرة الإيمان ؟؟!!
لقد ثبتت للحجاج سيئات كثيرة جعلته في نظر الناس من الذين لا يمكن أن يغفر الله لهم .. سبحان الله !! هل جعلنا الله موكلين بتصنيف الناس هذا مغفور له و هذا مغضوب عليه ؟!
فهل نسي هذا الطالب أن فتح بلاد السند و ما وراء النهر قد تم بعد فضل الله تعالى على يد أبطال قد أرسلهم الحجاج من أجل نشر الإسلام في تلك المناطق .. و ما يدريك لعل الله أراد أن يجعل له باباً آخر للأجر و تكون أعمال أولئك القوم الذين دخلوا في الإسلام في ميزان حسنات الحجاج .. إن الله على كل شيء قدير فلا نحجر واسعاً ..
واسمع إلى ما ورد عن الحجاج حول موته .. وكما يستدلون بالصورة السيئة حول شخصه .. فإنه قد ثبتت كذلك صورة حسنة أيضاً ..
أن الحجاج عندما اشتدت عليه العلة عمل على تدبير شؤون العراق من بعده بما يحفظه من الاضطراب والفتن ، و يبقيه جزءً من الدولة الأموية ، حتى إذا اطمأن إلى ذلك كتب وصيته ليبرئ فيها نفسه و ذمته تجاه خالقه وخليفته المسؤول أمامه في الدنيا حتى آخر لحظة من حياته ، فكتب يقول :
بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف : أوصى بأنه يشهد أن لا إليه إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده و رسوله ، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك ، عليها يحيا و عليها يموت و عليها يبعث .. الخ . تهذيب تاريخ دمشق (4/68 ) .
و يروى أنه قيل له قبل وفاته : ألا تتوب ؟ فقال : إن كنت مسيئاً فليست هذه ساعة التوبة ، وإن كنت محسناً فليست ساعة الفزع . محاضرات الأدباء (4/495 ) .
و قد ورد أيضاً أنه دعا فقال : اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل . تاريخ دمشق (4/82) . والبداية والنهاية (9/138) .
ونقول للذين يطعنون في نيات الناس اسمعوا إلى قول الحسن رحمه الله حينما سمع أحد جلاسه يسب الحجاج بعد وفاته ، فأقبل مغضباً و قال : يا ابن أخي فقد مضى الحجاج إلى ربه ، و إنك حين تقدم على الله ستجد إن أحقر ذنبٍ ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنبٍ اجترحه الحجاج ، و لكل منكما يومئذٍ شأن يغنيه ، و اعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم ، كما سيقتص للحجاج ممن ظلموه فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد . ذكره أبو نعيم في الحلية (2/271) .
والله أعلم ..
أما عن الدراسات التي كتبت عن الحجاج فقد قدمت عدد من الرسائل الجامعية في دراسة شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي و منجزاته الحضارية و أعماله .. و ذلك من أجل إظهار الصورة الأخرى التي كادت أن تنمحي من الوجود بسبب ما اشتهر عنه من أباطيل ..
فمن الدراسات كتاب بعنوان : ( الحجاج بن يوسف الثقفي المفترى عليه ) للدكتور : محمود زيادة .
و كذلك كتاب آخر بنفس العنوان تقريباً للدكتور إحسان صدقي العمد ..
و هما من أفضل ما كتب عن الحجاج ..
و أيضاً هناك رسائل أخرى صغيرة تتحدث كذلك عن بعض ما أشيع حول الحجاج ..
أخوكم : أبو عبد الله الذهبي ..
قصةٌ منكرةٌ :
عُرف الحجاجُ كما ذكرنا سابقاً بأنهُ سفاكٌ للدماءِ ، ومن أشهرِ من قُتل بين يديهِ العالمُ النحريرُ سعيدُ بنُ حبير ، وقد وردت قصةٌ منكرةٌ في طريقةِ قتلِ الحجاجِ لسعيدِ بنِ جبير ، تذكرُ في ترجمةِ الحجاجِ ، وهذا لا يعني أن الحجاجَ لم يقتل سعيدَ بنَ جبير ، وإنما إيرادُ القصةِ بهذا السياقِ هو الذي ينكرُ فيها ، وإليكم القصة كما ذكرها الحافظُ الذهبي في " السير " (4/329 - 332) :
حَامِدُ بنُ يَحْيَى البَلْخِيُّ : حَدَّثَنَا حَفْصٌ أَبُو مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بنُ أَبِي شَدَّادٍ : بَلَغَنِي أَنَّ الحَجَّاجَ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَائِداً يُسَمَّى المُتَلَمِّسَ بنَ أَحْوَصَ فِي عِشْرِيْنَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُوْنَهُ ، إِذَا هُمْ برَاهِبٍ فِي صَوْمَعَتِهِ ، فَسَأَلُوْهُ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: صِفُوْهُ لِي . فَوَصَفُوْهُ ، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ ، فَانْطَلقُوا ، فَوَجَدُوْهُ سَاجِداً يُنَاجِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ ، فَدَنَوْا ، وَسَلَّمُوا ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، فَأَتَمَّ بَقِيَّةَ صَلاَتِهِ ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، فَقَالُوا : إِنَّا رُسُلُ الحَجَّاجِ إِلَيْكَ ، فَأَجِبْهُ . قَالَ : وَلاَ بُدَّ مِنَ الإِجَابَةِ ؟ قَالُوا : لاَ بُدَّ . فَحَمِدَ اللهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَامَ مَعَهُم ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَيْرِ الرَّاهِبِ ، فَقَالَ الرَّاهِبُ : يَا مَعْشَرَ الفُرْسَانِ أَصَبْتُمْ صَاحِبَكُم ؟ قَالُوا : نَعَمْ . فَقَالَ : اصْعَدُوا ، فَإِنَّ اللَّبْوَةَ وَالأَسَدَ يَأْوِيَانِ حَوْلَ الدَّيْرِ . فَفَعَلُوا ، وَأَبَى سَعِيْدٌ أَنْ يَدْخُلَ ، فَقَالُوا : مَا نَرَاكَ إِلاَّ وَأَنْتَ تُرِيْدُ الهَرَبَ مِنَّا . قَالَ: لاَ ، وَلَكِنْ لاَ أَدْخُلُ مَنْزِلَ مُشْرِكٍ أَبَداً . قَالُوا : فَإِنَّا لاَ نَدَعُكَ ، فَإِنَّ السِّبَاعَ تَقْتُلُكَ . قَالَ : لاَ ضَيْرَ، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي يَصْرِفُهَا عَنِّي ، وَيَجْعَلُهَا حَرَساً تَحْرُسُنِي . قَالُوا : فَأَنْتَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ؟ قَالَ : مَا أَنَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ، وَلَكِنْ عَبْدٌ مِنْ عَبِيْدِ اللهِ مُذْنِبٌ . قَالَ الرَّاهِبُ : فَلْيُعْطِنِي مَا أَثِقُ بِهِ عَلَى طُمَأْنِيْنَةٍ . فَعَرَضُوا عَلَى سَعِيْدٍ أَنْ يُعْطِيَ الرَّاهِبَ مَا يُرِيْدُ . قَالَ : إِنِّي أُعْطِي العَظِيْمَ الَّذِي لاَ شَرِيْكَ لَهُ ، لاَ أَبْرَحُ مَكَانِي حَتَّى أُصْبِحَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - . فَرَضِيَ الرَّاهِبُ بِذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُم : اصْعَدُوا ، وَأَوْتِرُوا القِسِّيَّ ، لِتُنَفِّرُوا السِّبَاعَ عَنْ هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ ، فَإِنَّهُ كَرِهَ الدُّخُوْلَ فِي الصَّوْمَعَةِ لِمَكَانِكُمْ . فَلَمَّا صَعِدُوا ، وَأَوْتَرُوا القِسِّيَّ ، إِذَا هُمْ بِلَبْوَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْ سَعِيْدٍ ، تَحَكَّكَتْ بِهِ ، وَتَمَسَّحَتْ بِهِ ، ثُمَّ رَبَضَتْ قَرِيْباً مِنْهُ ، وَأَقْبَلَ الأَسَدُ يَصْنَعُ كَذَلِكَ . فَلَمَّا رَأَى الرَّاهِبُ ذَلِكَ ، وَأَصْبَحُوا ، نَزَلَ إِلَيْهِ ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَرَائِعِ دِيْنِهِ ، وَسُنَنِ رَسُوْلِهِ ، فَفَسَّرَ لَهُ سَعِيْدٌ ذَلِكَ كُلَّهُ ، فَأَسْلَمَ ، وَأَقْبَلَ القَوْمُ عَلَى سَعِيْدٍ يَعْتَذِرُوْنَ إِلَيْهِ ، وَيُقَبِّلُوْنَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ، وَيَأْخُذُوْنَ التُّرَابَ الَّذِي وَطِئَهُ ، فَيَقُوْلُوْنَ : يَا سَعِيْدُ ، حَلَّفَنَا الحَجَّاجُ بِالطَّلاَقِ وَالعَتَاقِ ، إِنْ نَحْنُ رَأَيْنَاكَ لاَ نَدَعُكَ حَتَّى نُشْخِصَكَ إِلَيْهِ ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ . قَالَ : امْضُوا لأَمْرِكُم ، فَإِنِّي لاَئِذٌ بِخَالِقِي ، وَلاَ رَادَّ لِقَضَائِهِ . فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا وَاسِطَ ، فَقَالَ سَعِيْدٌ : قَدْ تَحَرَّمْتُ بِكُم وَصَحِبْتُكُم ، وَلَسْتُ أَشُكُّ أَنَّ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ ، فَدَعُوْنِي اللَّيْلَةَ آخُذْ أُهْبَةَ المَوْتِ ، وَأَسْتَعِدَّ لِمُنْكَرٍ وَنَكِيْرٍ ، وَأَذْكُرْ عَذَابَ القَبْرِ ، فَإِذَا أَصْبَحْتُم ، فَالمِيْعَادُ بَيْنَنَا المَكَانُ الَّذِي تُرِيْدُوْنَ . فَقَالَ بَعْضُهُم : لاَ تُرِيْدُوْنَ أَثَراً بَعْد عَيْنٍ .وَقَالَ بَعْضُهُم : قَدْ بَلَغْتُم أَمْنَكُم ، وَاسْتَوْجَبْتُم جَوَائِزَ الأَمِيْرِ ، فَلاَ تَعْجَزُوا عَنْهُ . وَقَالَ بَعْضُهُم : يُعْطِيْكُم مَا أَعْطَى الرَّاهِبَ ، وَيْلَكُم ! أَمَا لَكُم عِبْرَةٌ بِالأَسَدِ . وَنَظَرُوا إِلَى سَعِيْدٍ قَدْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، وَشَعِثَ رَأْسُهُ ، وَاغْبَرَّ لَوْنُهُ ، وَلَمْ يَأْكُلْ ، وَلَمْ يَشْرَبْ ، وَلَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ يَوْمِ لَقُوْهُ وَصَحِبُوْهُ ، فَقَالُوا : يَا خَيْرَ أَهْلِ الأَرْضِ ، لَيْتَنَا لَمْ نَعْرِفْكَ ، وَلَمْ نُسَرَّحْ إِلَيْكَ ، الوَيْلُ لَنَا وَيْلاً طَوِيْلاً ، كَيْفَ ابْتُلِيْنَا بِكَ ! اعْذُرْنَا عِنْدَ خَالِقِنَا يَوْمَ الحَشْرِ الأَكْبَرِ ، فَإِنَّهُ القَاضِي الأَكْبَرُ ، وَالعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُوْرُ . قَالَ : مَا أَعْذَرَنِي لَكُم وَأَرْضَانِي لِمَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِ اللهِ فِيَّ . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ البُكَاءِ وَالمُجَاوَبَةِ ، قَالَ كَفِيْلُهُ : أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَمَا زَوَّدْتَنَا مِنْ دُعَائِكَ وَكَلاَمِكَ ، فَإِنَّا لَنْ نَلْقَى مِثْلَكَ أَبَداً . فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَخَلَّوْا سَبِيْلَهُ ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَمِدْرَعَتَهُ وَكِسَاءهُ ، وَهُم مُحْتَفُوْنَ اللَّيْلَ كُلَّهُ ، يُنَادُوْنَ بِالوَيْلِ وَاللَّهْفِ . فَلَمَّا انْشَقَّ عَمُوْدُ الصُّبْحِ ، جَاءهُم سَعِيْدٌ ، فَقَرَعَ البَابَ ، فَنَزَلُوا ، وَبَكَوْا مَعَهُ ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الحَجَّاجِ ، وَآخَرَ مَعَهُ ، فَدَخَلاَ ، فَقَالَ الحَجَّاجُ : أَتَيْتُمُوْنِي بِسَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، وَعَايَنَّا مِنَّا العَجَبَ . فَصَرَفَ بِوَجْهِهِ عَنْهُم ، فَقَالَ : أَدْخِلُوْهُ عَلَيَّ . فَخَرَجَ المُتَلَمِّسُ ، فَقَالَ لِسَعِيْدٍ : أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ . فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: سَعِيْدُ بنُ جُبَيْرٍ . قَالَ : أَنْتَ شَقِيُّ بنُ كُسَيْرٍ . قَالَ : بَلْ أُمِّي كَانَتْ أَعْلَمَ بِاسْمِي مِنْكَ . قَالَ : شَقِيْتَ أَنْتَ ، وَشَقِيَتْ أُمُّكَ . قَالَ : الغَيْبُ يَعْلَمُهُ غَيْرُكَ . قَالَ : لأُبْدِلَنَّكَ بِالدُّنْيَا نَاراً تَلَظَّى . قَالَ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ بِيَدِكَ لاتَّخَذْتُكَ إِلَهاً . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ، إِمَامُ الهُدَى . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ ، فِي الجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : لَوْ دَخَلْتُهَا ، فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا ، عَرَفْتُ . قَالَ : فَمَا قَوْلُكَ فِي الخُلَفَاءِ ؟ قَالَ: لَسْتُ عَلَيْهِم بِوَكِيْلٍ . قَالَ : فَأَيُّهُم أَعْجَبُ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : أَرْضَاهُم لِخَالِقِي . قَالَ: فَأَيُّهُم أَرْضَى لِلْخَالِقِ ؟ قَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُ . قَالَ : أَبَيْتَ أَنْ تَصْدُقَنِي . قَالَ : إِنِّي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَكْذِبَكَ . قَالَ : فَمَا بَالُكَ لَمْ تَضْحَكْ ؟ قَالَ : لَمْ تَسْتَوِ القُلُوْبُ . قَالَ : ثُمَّ أَمَرَ الحَجَّاجُ بِاللُّؤْلُؤِ وَاليَاقُوْتِ وَالزَّبَرْجَدِ، فَجَمَعَهُ بنُ يَدَيْ سَعِيْدٍ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ جَمَعْتَهُ لِتَفْتَدِيَ بِهِ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ القِيَامَةِ فَصَالِحٌ ، وَإِلاَّ فَفَزْعَةٌ وَاحِدَةٌ تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَلاَ خَيْرَ فِي شَيْءٍ جُمِعَ لِلدُّنْيَا إِلاَّ مَا طَابَ وَزَكَا . ثُمَّ دَعَا الحَجَّاجُ بِالعُوْدِ وَالنَّايِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ بِالعُوْدِ وَنُفِخَ فِي النَّايِ ، بَكَى ، فَقَالَ الحَجَّاجُ : مَا يُبْكِيْكَ ؟ هُوَ اللَّهْوُ . قَالَ : بَلْ هُوَ الحُزْنُ ، أَمَّا النَّفْخُ فَذَكَّرَنِي يَوْمَ نَفْخِ الصُّوْرِ ، وَأَمَّا العُوْدُ فَشَجَرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ، وَأَمَّا الأَوْتَارُ فَأَمْعَاءُ شَاةٍ يُبْعَثُ بِهَا مَعَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ . فَقَالَ الحَجَّاجُ : وَيْلَكَ يَا سَعِيْدُ ! قَالَ : الوَيْلُ لِمَنْ زُحْزِحَ عَنِ الجَنَّةِ ، وَأُدْخِلَ النَّارُ . قَالَ : اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ تُرِيْدُ أَنْ أَقْتُلَكَ ؟ قَالَ : اخْتَرْ لِنَفْسِكَ يَا حَجَّاجُ ، فَوَاللهِ مَا تَقْتُلُنِي قِتْلَةً ، إِلاَّ قَتَلْتُكَ قَتْلَةً فِي الآخِرَةِ . قَالَ : فَتُرِيْدُ أَنْ أَعْفُوَ عَنْكَ ؟ قَالَ : إِنْ كَانَ العَفْوُ ، فَمِنَ اللهِ ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلاَ بَرَاءةَ لَكَ وَلاَ عُذْرَ . قَالَ : اذْهبُوا بِهِ ، فَاقْتُلُوْهُ . فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ البَابِ ، ضَحِكَ ، فَأُخْبِرَ الحَجَّاجُ بِذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ ، فَقَالَ : مَا أَضْحَكَكَ ؟ قَالَ : عَجِبْتُ مِنْ جُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ ، وَحِلْمِهِ عَنْكَ ! فَأَمَرَ بِالنِّطْعِ، فَبُسِطَ ، فَقَالَ : اقْتُلُوْهُ . فَقَالَ : " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ " . قَالَ : شُدُّوا بِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ . قَالَ : " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ " . قَالَ : كُبُّوْهُ لِوَجْهِهِ . قَالَ : " مِنْهَا خَلَقْنَاكُم، وَفِيْهَا نُعِيْدُكُم " . قَالَ: اذْبَحُوْهُ . قَالَ : إِنِّي أَشْهَدُ وَأُحَاجُّ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ ، خُذْهَا مِنِّي حَتَّى تَلْقَانِي يَوْمَ القِيَامَةِ . ثُمَّ دَعَا اللهَ سَعِيْدٌ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ لاَ تُسَلِّطْهُ عَلَى أَحَدٍ يَقْتُلُهُ بَعْدِي . فَذُبِحَ عَلَى النِّطْعِ .
وَبَلَغَنَا : أَنَّ الحَجَّاجَ عَاشَ بَعْدَهُ خَمْسَ عَشَرةَ لَيْلَةً ، وَقَعَتْ فِي بَطْنِهِ الأَكِلَةُ ، فَدَعَا بِالطَّبِيْبِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ، ثُمَّ دَعَا بِلَحْمٍ مُنْتِنٍ ، فَعَلَّقَهُ فِي خَيْطٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ ، فَتَرَكَهُ سَاعَةً ، ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ ، وَقَدْ لَزِقَ بِهِ مِنَ الدَّمِ ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ .ا.هـ.
قال الإمامُ الذهبي بعد ذكر الروايةِ : هَذِهِ حِكَايَةٌ مُنْكَرَةٌ ، غَيْرُ صَحِيْحَةٍ .ا.هـ.
والقصةُ في سندها حَفْصُ بنُ سليم أَبُو مُقَاتِلٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ .
قال الذهبي في " الميزان " (1/557) : وهاه قتيبة شديداً ، وكذبهُ ابنُ مهدي لكونهِ روى عن عبيدِ الله عن نافع عن ابنِ عمر مرفوعاً : من زار قبرَ أمهِ كان كعمرةٍ . وسئل عنه إبراهيمُ بنُ طهمان فقال : خذوا عنهُ عبادتهِ وحسبكم . وذكر بعضاً من رواياتهِ .ا.هـ.
وقال الحافظُ ابنُ حجر في " اللسان " (2/393) : قلتُ : ووهاهُ الدارقطني أيضاً . وقال الخليلي : مشهورٌ بالصدقِ ، غيرُ مخرجٌ في الصحيحِ ، وكان يفتي ، ولهُ في الفقهِ محلٌ ، وتعنى بجمع حديثهُ .
ولهُ ذكرٌ في العللِ التي في آخرِ الترمذي ، وأغفلهُ المزي .
قال الترمذي : حدثنا موسى بنُ حزام ، سمعتُ صالحَ بنُ عبدِ اللهِ قال : كنا عند أبي مقاتل السمرقندي ، فجعل يروي عن عونِ بنِ شداد الأحاديثَ الطوال التي كانت تروى في وصيةِ لقمان ، وقتلِ سعيدِ بنِ جبير ، وما أشبه ذلك ، فقال له ابنُ أخيه : يا عمُ لا تقل حدثنا عون ، فإنك لم تسمع هذه الأشياء ، فقال : بلى ؛ هو كلامٌ حسنٌ .ا.هـ.
وقال الإمامُ ابنُ كثيرِ في " البداية والنهاية " (9/117) : وقال أبو نعيم في كتابه الحلية ، ثنا أبو حامد بن جبلة ، ثنا محمد بن إسحاق ، ثنا محمد بن أحمد ابن أبي خلف ، ثنا شعبان ، عن سالم بن أبي حفصة ، قال : لما أتى بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له : أنت الشقي بن كسير؟ قال : لا ! إنما أنا سعيد بن جبير ، قال: لأقتلنك ، قال : أنا إذا كما سمتني أمي سعيداً ! قال : شقيت وشقيت أمك ، قال : الأمر ليس إليك ، ثم قال : اضربوا عنقه ، فقال : دعوني أصلي ركعتين ، قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، قال: " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " [ البقرة : 115 ] قال : إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم ، قال : وما عاذت به ؟ قال : قالت : " إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً " [ مريم : 17 ] قال سفيان : لم يقتل بعده إلا واحداً .
وفي رواية أنه قال له : لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظى ، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.
وفي رواية : أنه لما أراد قتله قال : وجهوه إلى قبلة النصارى ، فقال : " فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " فقال : اجلدوا به الأرض ، فقال : " مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " [ طه : 55 ] فقال : اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم . فقال : اللهم لا تسلطه على أحد بعدي.
وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاماً كثيراً في مقتل سعيد ابن جبير أحسنه هذا ، والله أعلم .
وقد ذكرنا صفة مقتله إياه ، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله ، أكثرها لا يصح .ا.هـ.
والنكارةُ في القصةِ واضحةٌ جداً ، ومن أوجهِ النكارةِ فيها :
1- قولِ عَوْنِ بنِ أَبِي شَدَّادٍ : بَلَغَنِي . فمن الذي أبلغهُ ؟ فالواسطةُ مجهولةٌ .
2- قصةٌ اللَّبْوَةِ وَالأَسَدِ ، فأين الأخذُ بالأسبابِ ؟
وقد جاء في ترجمةِ سعيدِ بنِ جبير أنهُ تنقل بين البلادِ فراراً من بطشِ الحجاجِ حتى قال : وَاللهِ لَقَدْ فَرَرْتُ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللهِ .
قال الإمامُ الذهبي في " السير " (4/338) معلقاً على كلامِ سعيدِ بنِ جبير : " قُلْتُ : طَالَ اخْتِفَاؤُهُ ، فَإِنَّ قِيَامَ القُرَّاءِ عَلَى الحَجَّاجِ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ ، وَمَا ظَفِرُوا بِسَعِيْدٍ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ ؛ السَّنَةِ الَّتِي قَلَعَ اللهُ فِيْهَا الحَجَّاجَ .ا.هـ.
فهل يُعقلُ أن يفرَ سعيدُ بنُ جبير ثلاثَ سنواتٍ من الحجاجِ ويأخذُ بالأسبابِ ثم يأتي على أمرٍ ذكر في القصةِ ولا يفعلهُ ؟ هذا أمرٌ مستبعدٌ جداً .
3- سؤالُ الحجاجِ لسعيدِ بن جبير عن الخليفةِ الرابعِ على بنِ أبي طالب رضي اللهُ عنه عندما قال له : فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ ، فِي الجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ ؟ قَالَ : لَوْ دَخَلْتُهَا ، فَرَأَيْتُ أَهْلَهَا ، عَرَفْتُ .
يلتمسُ منهُ إثباتُ تهمةِ الحجاجِ بأنهُ ناصبي ، وهذا أمرٌ قد يكونُ من فعلِ الرافضةِ ، وقد رد الإمامُ ابنُ كثيرٍ هذه الفريةِ عن الحجاجِ في " البداية والنهاية " كما تقدم في عنوان : " الحجاجُ عذابُ اللهِ " . فليرجع إليهِ .
4- تقديمُ العودِ والناي بين يدي سعيدِ بنِ جبير .
وأكنفي بهذه الأوجه .
هل يُلعنُ الحجاج بن يوسف :
قد يقومُ بعضُ الناسِ بلعنِ الحجاجِ بنِ يوسف كلما ورد اسمهُ عليه ، فهل هذا الفعلُ من الشرعِ في شيءٍ ؟
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ : فَلِهَذَا كَانَ أَهْل الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ فِيمَنْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فِي الظَّاهِرِ - كَالْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَأَمْثَالِهِ - أَنَّهُمْ لَا يَلْعَنُونَ أَحَدًا مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ ؛ بَلْ يَقُولُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : " أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " فَيَلْعَنُونَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَامًّا . كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَبَائِعَهَا وَمُشْتَرِيهَا وَسَاقِيَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَآكِلَ ثَمَنِهَا " وَلَا يَلْعَنُونَ الْمُعَيَّنَ .
كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ : " أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حِمَارًا وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِدُهُ . فَأُتِيَ بِهِ مَرَّةً . فَلَعَنَهُ رَجُلٌ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنْهُ . فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " .
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِنْ بَابِ الْوَعِيدِ وَالْوَعِيدُ الْعَامُّ لَا يُقْطَعُ بِهِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِأَحَدِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ : مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .ا.هـ.
فتاوى أهلِ العلمِ في الحجاجِ بنِ يوسف :
الســؤال
بعض الناس عندما يتعرض لسيرة الحجاج يسبة ويلعنه، فهل ذلك يصح، علما بأنه كانت له بعض فتوحات إسلامية لأراضٍ غير إسلامية، وهل هو يعتبر من الفئة الباغية؟
الفتــوى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد :
فأما لعن الحجاج بن يوسف فينبغي تركه بناء على أن الفاسق المعين لا يلعن بخصوصه إما تحريماً أو تنزيها، وإذا قال قائل ألم يك ظالماً ؟ ألم يقتل الصحابة فلماذا لا نلعنه ؟ نجيبه بما قال شيخ الإسلام ابن تيمية قال : نحن إذا ذكر الظالمون كالحجاج بن يوسف وأمثاله نقول كما قال الله في القرآن "ألا لعنة الله على الظالمين" ولا نحب أن نلعن أحداً بعينه وقد لعنه-أي يزيد بن معاوية - قوم من العلماء، وهذا مذهب يسوغ فيه الاجتهاد، لكن ذلك القول أحب إلينا وأحسن... انتهى .
وأما ذكر مثالبه وظلمه وفجوره، فلا مانع من ذكر ذلك وإن كانت له حسنات وفتوحات، وقد ترجم له الذهبي فقال: الحجاج أهلكه الله في رمضان سنة 95 كهلاً، كان ظلوماً جباراً ناصبياً خبيثاً سفاكاً للدماء.... فنسبُّه ولا نحبه بل نبغضه في الله، فإن ذلك من أوثق عرى الإيمان، وله حسنات مغمورة في بحر ذنوبه وأمره إلى الله.... انتهى.
والحجاج لم يك من الفئة الباغية، بل كان حاكماً على العراق والمشرق كله من قبل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان.
والله أعلم.
المفتـــي : مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه

صلاح ابوشنب
12/05/2010, 01:52 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اخى الفاضل ابراهيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
استمتعت بقراءة هذا الرد واشكرك على هذا الالمام الواسع ، جزاك الله خيرا .. لى تعليق بسيط وهو أن استشهادك بهولاكو وستالين وهؤلاء جميعا لا يعنوننا فى شىء فانهم ان فعلوا مثلما فعل الحجاح فاننا لا نعول عليهم ولا نقيس على افعالهم .. لكن ما يحزننا ان الحجاج هذا كان محسوبا على الاسلام وامعن القتل فى الناس ظلما وجورا .. وكل ما أوردته فى مقالك يؤكد على انه رجل ظالم جائر قاتل للمسلمين .. ثم ما معنى فتح بلاد غير اسلامية وضمها للاسلام بواسطة قاتل وظالم لمن هم اقرب اليهم من هؤلاء .؟ فهل تعتقد أن فتح البلاد على يد مثل هذا الطاغية كانت حبا فى الاسلام من قبل الذى ضرب الكعبة بيت الله الحرام بالمجانيق ؟ أم كانت من اجل توسعة الامبراطورية المروانية وجلب اموال اكثر لملىء خزائها لكى يرضى عنه المراونة .. انظر اخى الحبيب فيما أوردته انت بنفسك فى آخر وصيته ، كيف انه يحرص ان يموت مرضيا للمروانية .. ليس الهدف السامى للفتوحات الاسلامية هو اكتساب اراضى فى مشارق الدنيا ومغاربها .. فان كان الامر كذلك فقد فعلت دول اخرى سبقتنا كانت اكثر انتصارا وفتحا لمشارق الارض ومغاربها ولكنها فتحتها بالظلم والجور وسفك الدماء .. هذا فى حد ذاته لا يرضى الله وانما يرضى الله ان تنشر الرحمة والعدل بين الناس ولو فى قرية واحدة صغيرة خير من فتح الدنيا بالجور والظلم من اجل ملىء خزائن الملوك والامراء وحواشيهم وبطاناتهم .. واقل ما يوصف به الحجاج خشية أن يقع المرء فى اللعن الخاص انه يدخل فى اللعن العام ، لانه بطبيعة الحال ظالم والله بنص القرءان الكريم وبشهادة نصوص مقالك انه تعالى يلعن الظالمين .. لقوله تبارك وتعالى " الا لعنة الله على الظالمين "، والناس أخى ابراهيم تحب أو تُكره من واقع ما تقدمه فى هذه الدنيا من اعمال فالانسان الذى يعمل الاعمال الحسنة ويحنو على خلق الله ويرحمهم اذا تولى امرهم وأصبحت له القدرة عليهم بعد الله وولاه الله أمرا من أمورهم فرحمهم وتودد اليهم وعطف عليهم فان الناس تحبه وقل ما يطاوع المرء قلمه أن يكتب عنه سوءا .. الا ان كان هناك عدوا لدودا له يريد الاساءة الى صورته الناصعة ، والتاريخ يؤكد لنا مرارا وتكرارا انه حتى اعداء الانسان العادل لا يملكون امام كثرة عدله وانتشاره الا أن يشهدوا له .. والعكس بالعكس بالنسبة للانسان الظالم .. وخلاصة القول انك تؤكد فى مقالك شيئا واحدا وهو أن الجميع أجمعوا على أن الحاج كان رجلا ظالما سافكا للدم خاربا لبيوت الناس ومستقويا على أهالى البلاد من الضعفاء ومضامين سطور التاريخ كلها تكشف على أن كل هم ذاك الرجل كان ارضاء روسائه بأى ثمن حتى ولو كان الثمن هو اراقة دماء الابرياء والمساكين .. ولم يسلم من سيفه حتى الاتقياء والصالحين حتى قولة الحق لم تكن تعجبه مادامت ستكون ضد حكم بنى امية ؟ أى عقل هذا وأى حكم وأى انسان يمكن أن يرضى عن شخصية بهذا الوصف ... انا بكل صراحة ان كانت هذه هى الاوصاف الحقيقية للحجاج بن يوسف الثفقى فانى اكرهه واكرهه كل من هم على شاكلته ، وان كان البعض يغضب لاجل الحجاج ويقول أن الرجل مات يشهد أن لا اله الا الله وان محمد رسول الله ، فانى اقول أن قول الشهادة بالله ورسوله ليست شماعة يعلق عليها كل انسان فاسق أمره ، فان شهادة الا اله الا الله وان محمدا رسول الله ليست لفظة تقال باللسان والسلام والا ما أمرنا الله بالعبادات ، انما هى اول درجة فى مرتقى الاسلام تأتى بعدها التكاليف التى لا غنى عنها .. وهذا من وجهة نظرى مفهوم خاطىء .. لان معنى ذلك وكأننا نقول للناس : اشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ثم افعلوا بعد ذلك ما شئتم ثم توبوا ..!! هذا يصبح كالذى يقول لرفاقه هيا نفل كذا وكذا من المنكرات حتى اذا وصلنا الى بغيتنا تبنا الى الله ..!! وهذا بكل المقاييس لا يجوز وليس من الاسلام فى شىء ...
وخلاصة القول اخى ابراهيم اننى انما اغضب كثيرا لانتهاك محارم الله من قبل اى شخص .. والحجاج الان هو بين يدى ربه بسيئاته وحسناته بحلوه ومره وليس لنا دخل فيه وسأقول مثلما قال الله تبارك وتعالى الا لعنة الله على الظالمين . وادعوه سبحانه وتعالى أن يصلح حالى وحالك وأن يتجاوز عن سيئات اعمالى واعمالك وأن يغفر لنا زلات السنتنا ويرحمنا .. والى اللقاء فى مشاركة اخرى نافعة ان شاء الله لك منى السلام والتحية والشكرالجزيل .