هدى محمد
12/20/2008, 06:39 AM
http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Ta2_Stuff/Ta2_56_A.jpg
حوار مع الشاعرة اللبنانية جمانة حداد
يلقي الشعر الأنثوي بظلاله الخضر على مساحة المودة التي تسكن الذاكرة فيصير قاموساً نستذكر به متع حياتنا، أيام تكون الأنثى خط شروع لكل رغبة تعترينا لاكتشاف هاجس ما، حتى لو كان طلسماً سليمانياً.
والشعر ذاكرة العبادة، وتمتهنه النساء لرغبتهنّ في أن يثبتن أن قلقهن مصنوع من ماس فيما قلوب كل الرجال مصنوعة من فضة. وهن رائيات بفطرة المهد فيما رائية الرجل تنبع من مشقة الحياة. الشعر هو اغتراب يسعى للوصول الى مثاليته، تلك المثالية التي نشعر بتيهها متى أحسسنا بقرب دنو أجل الواقع، لتأتي الفنتازيا وتقيم في الرأس مأتمها، وهو ما يطلق عليه أرسطو تسمية الخلق الشعري .
والشعر خلق ميتافيزيقي. ينوء بقدر أرجواني يتعدد مع افتراضات الكشف عن مكامن الحس، الذي عندما تمسكه أصابعنا تقودنا القناعة بأننا أمسكنا حجارة حيان: تلك التي كان جابر يفكر بصناعتها من خلال خلط العناصر وتذويب الشاردة بالواردة. وحين لم يستطع ذهب الى مخيلة التصور في هاجس اليونانية الصافية، وقال : ما يغيثني في بحثي سوى شجني. وهو ربما كان يقصد الشعر.
الشاعرة اللبنانية جمانة حداد واحدة من باحثات هذا الشجن. وهي تملك من شغف التحدث بمشفرات الشعر واللعب على موسيقى الضد وعكسه الشيء الكثير. وهي أيضاً من اللواتي يستطعن إيجاد ضرورة في جعل الشعر رسالة نوصل بها صوتنا وطموحنا وموهبتنا. ومنذ ديوانها الأول وحتى ديوانها الأخير كشفت هذه اللبنانية الحالمة بمتوسطية تذهب بالزرقة الى أي مكان في العالم، كشفت نبوغ أن تكون القصيدة عالماً لكشف توهّج الألوان وقيمتها الكونية.
الذي يقرأ جمانة حداد، سيكتشف معايير حضارية لا تقف عند فاصلة الرهبة الإجتماعية. وقد مكنتها ثقافتها الألسنية من تجاوز حدود الإهتمام بالمحيط وشرقيته. فكانت ترجماتها تعبر عن ثقافة شاسعة مع الآخر الذي يمثل طرفاً في عولمة الكون. ولأنها مولعة بالإلتقاء بالآخرين الذي يصنعون جسد الحلم في العالم الجديد، كما مع كويلو وايكو وساراماغو وهاندكه وسواهم، ها هي تقع اليوم في حبال الالتقاء مع آخر جاءها من أور السومرية، على خلفية موضوع كتابها الشعري الأخير "عودة ليليت".
الحوار مع جمانة حداد يندرج في فاصلة الإنتباه الى ما أقوله وتقوله ضمن مدارات الوعي الشعري في ذاكرتها، وهي في أكثر تناولاتها تتحدث عن الآخر وتأثيراته على أنثى ترغب من خلاله بأكتشاف ديمومة حب أو موت جميل. كان اللقاء مخططاً له منذ عام تقريباً لكن الحياة ومشاغلها لا ترحم حتى مواعيد الثقافة. غير أن ذاكرتي عادت لتلغي أسئلة الأمس ولتبدا بأسئلة اليوم:
جمانة حداد أسمع في ديوانك الجديد صرخة انتصار على الرجل. لماذا تشحنك الرومانسية الى تحدي سلطة الذكر؟ هل الشعر عندك خنجر تدافعين به عن نفسك تجاه سلطة روحية أو طبيعية مضادة؟
أنا أتحدى كل سلطة وليس سلطة الرجل فحسب. أنا سيدة نفسي ومديرتي ورئيسة جمهوريتي وملكتي. أقول "نعم" عندما تكون الـ"نعم" خياري" وأقول "لا" عندما أكون مقتنعة بضرورتها. لكنّ الرجل ليس عدوي، ولا أعتبر علاقتي به حربا، بل أراه ندّي وشريكي. لا هو يريد إخضاعي، ولا أنا أرغب في السيطرة عليه. ثم ليست الرومانسية ما يشحنني فأنا لست امرأة رومانسية بل شرسة عموما، التهم الحياة التهاما وأعيشها واكتبها بأظافري. والخنجر الذي تذكره لا ادافع به عن نفسي بقدر ما أغرزه في جسمي وروحي الخاصين. لست ضد الرجل أبدا، لا بل أنا مع الأنوثة ضد النسوية التافهة التي حوّلت عموما المرأة ضحية والرجل جلادا، وهذا ايضا ما حاولتُ قوله من خلال ليليت. فعدوّة ليليت الحقيقية هي غالبا المرأة الحوائية، أي أنثى الواقع المرّة الناقصة المسطّحة. لقد اكتشفت في حياتي أن كارهة المرأة الأقسى والأعنف والأشد دناءة هي المرأة نفسها، أي تلك التي تغار وتحسد لأنها يابسة وعاجزة عن العطاء. وأنا أشفق على أولئك العقيمات اللواتي تدفع بهنّ غيرتهن الى الجنون. أما ليليت، أكانت زوجة أو عشيقة أو ربّة منزل أو صاحبة مهنة أو أمّاً أو كل ذلك معا وغيره، فهي المرأة الواثقة القوية بأنوثتها، الذكية في جبروتها واستقلاليتها وطموحها كما في خوفها، وغير المستضعفة في ضعفها. هي، كما اقول في احد المقاطع، "ما ينقص الرجل كي لا يندم وما ينقص المرأة كي تكون".
ذهبتِ في "عودة ليليت" الى الميثولوجيا: ما سرّ ذلك؟
ليليت بالنسبة لي لا تنتمي الى الميثولوجيا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. هي حقيقية حدّ أنني أستطيع الكلام معها ومعانقتها وتأنيبها وقرص خدّيها وتمشيط شعرها الطويل. هي حقيقية لأنها أنا، ولأنها كل امرأة تفكّر وتعيش حياتها مثلي، متلذذة بالتهام أيامها ولياليها كما تلتهم النيران وليمة الغابة. هي المرأة الحرّة، المستقلة، الصريحة، النهمة، المتمردة على الطاعة العمياء وعلى حلم الكمال المضجر. هي تلك التي تمدّ يدها وتأخذ، بدل أن تنتظر أن تُعطى. إنها في آن واحد التفاحة والمحرّضة على أكل التفاحة. وهي بالتأكيد ليست قناعا لي، فأنا اظهرتُ مرارا، على مرّ كتاباتي، جرأتي لا بل فجاجتي في قول ما أريد قوله وفي إضاءة صوري وبروقي الداخلية، وليس عندي أي مشكلة في التعبير عن أفكاري واقتناعاتي بصدق: كيف تكون ليليت قناعا لي وأنا أسكنها وأحمل صوتها وأتبنّاها تبنّيا مطلقا؟ جلّ ما في الأمر هو أني أردتُ من خلال استخدام اسمها أن أجمع تحت جنحها كل النساء اللواتي ينتمين الى جوهرها، كي لا تقتصر عليّ وحدي. ولمن يتوهّم أنها ستارة أختبىء وراءها، ها أنني أعلن بصوت عال وقوي: ليليت هي أنا، أفكارها أفكاري، خطابها خطابي، قصّتها قصّتي، وجسدها جسدي. ليمّح كل التباس حول هذه المسألة على الفور، وليتحرّر المتحفّظون من خوفهم، الساذج والموروث ببغائيا، من "وصمة" الأسطورة بصفتها ابتعادا عن اليومي والحقيقي.
ليليت هي التأريخ بأنوثته الحضارية. هل قرأت جيداً تلك الرؤى القديمة وكتبت هذا الديوان؟
عندما قرأتُ قصّة ليليت للمرة الأولى منذ نحو اربعة أعوام، وقعتُ في غرامها ووجدتُ فيها جوابا عن أسئلة كثيرة كانت تراودني، وأحببت ان أروي تلك المرأة الأولى على طريقتي، فرحت ألاحق أخبارها وظلالها من مرجع الى آخر. انطلقتُ من قصّتها لكني تجاوزتها وأعدتُ اختراعها على هواي شعريا. أكثر ما احببت فيها هو أنها المرأة الأصلية، التي خلقها الله من التراب على غرار آدم، المرأة المكتمل قمرها الأسود بقمرها الأبيض، والتي ترمز الى الوجه الحرّ والأبيّ والشهواني من النفس الأنثوية.
كتبتِ "عودة ليليت" في شكل قصيدة ومشهد درامي ونص نثري مفتوح. لماذا هذه الأشكال الثلاثة؟
حوار مع الشاعرة اللبنانية جمانة حداد
يلقي الشعر الأنثوي بظلاله الخضر على مساحة المودة التي تسكن الذاكرة فيصير قاموساً نستذكر به متع حياتنا، أيام تكون الأنثى خط شروع لكل رغبة تعترينا لاكتشاف هاجس ما، حتى لو كان طلسماً سليمانياً.
والشعر ذاكرة العبادة، وتمتهنه النساء لرغبتهنّ في أن يثبتن أن قلقهن مصنوع من ماس فيما قلوب كل الرجال مصنوعة من فضة. وهن رائيات بفطرة المهد فيما رائية الرجل تنبع من مشقة الحياة. الشعر هو اغتراب يسعى للوصول الى مثاليته، تلك المثالية التي نشعر بتيهها متى أحسسنا بقرب دنو أجل الواقع، لتأتي الفنتازيا وتقيم في الرأس مأتمها، وهو ما يطلق عليه أرسطو تسمية الخلق الشعري .
والشعر خلق ميتافيزيقي. ينوء بقدر أرجواني يتعدد مع افتراضات الكشف عن مكامن الحس، الذي عندما تمسكه أصابعنا تقودنا القناعة بأننا أمسكنا حجارة حيان: تلك التي كان جابر يفكر بصناعتها من خلال خلط العناصر وتذويب الشاردة بالواردة. وحين لم يستطع ذهب الى مخيلة التصور في هاجس اليونانية الصافية، وقال : ما يغيثني في بحثي سوى شجني. وهو ربما كان يقصد الشعر.
الشاعرة اللبنانية جمانة حداد واحدة من باحثات هذا الشجن. وهي تملك من شغف التحدث بمشفرات الشعر واللعب على موسيقى الضد وعكسه الشيء الكثير. وهي أيضاً من اللواتي يستطعن إيجاد ضرورة في جعل الشعر رسالة نوصل بها صوتنا وطموحنا وموهبتنا. ومنذ ديوانها الأول وحتى ديوانها الأخير كشفت هذه اللبنانية الحالمة بمتوسطية تذهب بالزرقة الى أي مكان في العالم، كشفت نبوغ أن تكون القصيدة عالماً لكشف توهّج الألوان وقيمتها الكونية.
الذي يقرأ جمانة حداد، سيكتشف معايير حضارية لا تقف عند فاصلة الرهبة الإجتماعية. وقد مكنتها ثقافتها الألسنية من تجاوز حدود الإهتمام بالمحيط وشرقيته. فكانت ترجماتها تعبر عن ثقافة شاسعة مع الآخر الذي يمثل طرفاً في عولمة الكون. ولأنها مولعة بالإلتقاء بالآخرين الذي يصنعون جسد الحلم في العالم الجديد، كما مع كويلو وايكو وساراماغو وهاندكه وسواهم، ها هي تقع اليوم في حبال الالتقاء مع آخر جاءها من أور السومرية، على خلفية موضوع كتابها الشعري الأخير "عودة ليليت".
الحوار مع جمانة حداد يندرج في فاصلة الإنتباه الى ما أقوله وتقوله ضمن مدارات الوعي الشعري في ذاكرتها، وهي في أكثر تناولاتها تتحدث عن الآخر وتأثيراته على أنثى ترغب من خلاله بأكتشاف ديمومة حب أو موت جميل. كان اللقاء مخططاً له منذ عام تقريباً لكن الحياة ومشاغلها لا ترحم حتى مواعيد الثقافة. غير أن ذاكرتي عادت لتلغي أسئلة الأمس ولتبدا بأسئلة اليوم:
جمانة حداد أسمع في ديوانك الجديد صرخة انتصار على الرجل. لماذا تشحنك الرومانسية الى تحدي سلطة الذكر؟ هل الشعر عندك خنجر تدافعين به عن نفسك تجاه سلطة روحية أو طبيعية مضادة؟
أنا أتحدى كل سلطة وليس سلطة الرجل فحسب. أنا سيدة نفسي ومديرتي ورئيسة جمهوريتي وملكتي. أقول "نعم" عندما تكون الـ"نعم" خياري" وأقول "لا" عندما أكون مقتنعة بضرورتها. لكنّ الرجل ليس عدوي، ولا أعتبر علاقتي به حربا، بل أراه ندّي وشريكي. لا هو يريد إخضاعي، ولا أنا أرغب في السيطرة عليه. ثم ليست الرومانسية ما يشحنني فأنا لست امرأة رومانسية بل شرسة عموما، التهم الحياة التهاما وأعيشها واكتبها بأظافري. والخنجر الذي تذكره لا ادافع به عن نفسي بقدر ما أغرزه في جسمي وروحي الخاصين. لست ضد الرجل أبدا، لا بل أنا مع الأنوثة ضد النسوية التافهة التي حوّلت عموما المرأة ضحية والرجل جلادا، وهذا ايضا ما حاولتُ قوله من خلال ليليت. فعدوّة ليليت الحقيقية هي غالبا المرأة الحوائية، أي أنثى الواقع المرّة الناقصة المسطّحة. لقد اكتشفت في حياتي أن كارهة المرأة الأقسى والأعنف والأشد دناءة هي المرأة نفسها، أي تلك التي تغار وتحسد لأنها يابسة وعاجزة عن العطاء. وأنا أشفق على أولئك العقيمات اللواتي تدفع بهنّ غيرتهن الى الجنون. أما ليليت، أكانت زوجة أو عشيقة أو ربّة منزل أو صاحبة مهنة أو أمّاً أو كل ذلك معا وغيره، فهي المرأة الواثقة القوية بأنوثتها، الذكية في جبروتها واستقلاليتها وطموحها كما في خوفها، وغير المستضعفة في ضعفها. هي، كما اقول في احد المقاطع، "ما ينقص الرجل كي لا يندم وما ينقص المرأة كي تكون".
ذهبتِ في "عودة ليليت" الى الميثولوجيا: ما سرّ ذلك؟
ليليت بالنسبة لي لا تنتمي الى الميثولوجيا بالمعنى المتعارف عليه للكلمة. هي حقيقية حدّ أنني أستطيع الكلام معها ومعانقتها وتأنيبها وقرص خدّيها وتمشيط شعرها الطويل. هي حقيقية لأنها أنا، ولأنها كل امرأة تفكّر وتعيش حياتها مثلي، متلذذة بالتهام أيامها ولياليها كما تلتهم النيران وليمة الغابة. هي المرأة الحرّة، المستقلة، الصريحة، النهمة، المتمردة على الطاعة العمياء وعلى حلم الكمال المضجر. هي تلك التي تمدّ يدها وتأخذ، بدل أن تنتظر أن تُعطى. إنها في آن واحد التفاحة والمحرّضة على أكل التفاحة. وهي بالتأكيد ليست قناعا لي، فأنا اظهرتُ مرارا، على مرّ كتاباتي، جرأتي لا بل فجاجتي في قول ما أريد قوله وفي إضاءة صوري وبروقي الداخلية، وليس عندي أي مشكلة في التعبير عن أفكاري واقتناعاتي بصدق: كيف تكون ليليت قناعا لي وأنا أسكنها وأحمل صوتها وأتبنّاها تبنّيا مطلقا؟ جلّ ما في الأمر هو أني أردتُ من خلال استخدام اسمها أن أجمع تحت جنحها كل النساء اللواتي ينتمين الى جوهرها، كي لا تقتصر عليّ وحدي. ولمن يتوهّم أنها ستارة أختبىء وراءها، ها أنني أعلن بصوت عال وقوي: ليليت هي أنا، أفكارها أفكاري، خطابها خطابي، قصّتها قصّتي، وجسدها جسدي. ليمّح كل التباس حول هذه المسألة على الفور، وليتحرّر المتحفّظون من خوفهم، الساذج والموروث ببغائيا، من "وصمة" الأسطورة بصفتها ابتعادا عن اليومي والحقيقي.
ليليت هي التأريخ بأنوثته الحضارية. هل قرأت جيداً تلك الرؤى القديمة وكتبت هذا الديوان؟
عندما قرأتُ قصّة ليليت للمرة الأولى منذ نحو اربعة أعوام، وقعتُ في غرامها ووجدتُ فيها جوابا عن أسئلة كثيرة كانت تراودني، وأحببت ان أروي تلك المرأة الأولى على طريقتي، فرحت ألاحق أخبارها وظلالها من مرجع الى آخر. انطلقتُ من قصّتها لكني تجاوزتها وأعدتُ اختراعها على هواي شعريا. أكثر ما احببت فيها هو أنها المرأة الأصلية، التي خلقها الله من التراب على غرار آدم، المرأة المكتمل قمرها الأسود بقمرها الأبيض، والتي ترمز الى الوجه الحرّ والأبيّ والشهواني من النفس الأنثوية.
كتبتِ "عودة ليليت" في شكل قصيدة ومشهد درامي ونص نثري مفتوح. لماذا هذه الأشكال الثلاثة؟