المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية عبد الله الفاضل العنزي...


حسين عابدين
12/20/2010, 01:23 AM
ان شخصية عبد الله الفاضل هي شخصية حقيقية فقد ولدفي شبه الجزيرة العربية ،و هاجر مع قبيلته الحسنة ( من عنزة ) الى بلادالشام ، و استلم قيادة عشيرته بعد وفاة ابيه فاضل ، و كان فارسا شجاعاً ،و شاعراً ، و لا تعرف المدة التي استلم بها رئاسة العشيرة فأصيب بالجدري ،و كان المرض خطيرا و مخيفاً ، لاستحالة علاجه ، و البدو كانوا يخافون منالعدو ، فالمرض يودي الى الموت ، فتركه اهله ، هو و بعض الزاد ، و كلبه ،فأشفق عليه بعض المارة و عالجوه الى ان شفي من مرضه ، فجادت قريحته بالشعريشكي به همومه ، و يعتب علي اهله ، و الدهر الذي ألحق به هذه المصائب ، والقصة مشهورة جداً ، لكن اختلف الدارسون حول العتابا التي نظمها ، و بعضهم يقول : ان الفاضل ولد في شبه الجزيرة العربية ،و لم يكن يعرف هذا اللون من الشعر ، و هناك شعراء من قبيلته عاصروه و لم ينظموا هذا اللون من الشعر ،ويقول النجرس : و هكذا نصل الي نتيجة مفادها ان ابيات العتابا المنسوبة لهذا الشاعر ليست له ، بل هي لشخص ابتكره الخيال الجمعي ، و بدأت تتراكم عليه الروايات .‏

و بالنتيجة فالشاعر موجود اذن ، لكن ما نسب اليه من لون العتابا لا يمت له بصلة ، نورد بعض الابيات التي ذكرت على لسان شاعرنا الفاضل ،او نسبت اليه :‏

هلي بالمركب العالي يشبون‏

و دوم سراج بالظلمة يشبون‏

هلي ما كادوا العاطف يشبون

خلوهن خيل لطراد الضحى‏



وبينما هو يصارع الموت والوحده قيض الله له رجل عابر سبيل من عشيرة صليب له خبره بالعلاج بالاعشاب فاقام الرجل عند عبدالله يعتني به ويعالجه وبدأت حالته تتحسن شيئا فشيئا حتى شفي من مرضه باذن الله ولكن الجدري كان قد ترك اثره على عبدالله فقد تغيرتملامحه حتى لا يكاد يعرفه احد عندئذ اعطى البيت والمؤن للرجل الذي عالجه وحمل ربابته وانطلق عاقدا العزم على عدم العوده الى اهله ابدا واخذ يتجول بين القبائل على انه شاعر ساعده على ذلك تغير ملامح وجهه من اثر الجدري فلم يتعرف عليه احد وكان ممن وفد عليهم شيخ يدعى تمر باش فاقام عبدالله عند تمر باش فتره من الزمن متخفيا على انه شاعر يعزف على الربابه ولكن اعتزازه بنفسه واهله كان قد اخذ منه كل مأخذ فأنفجر الشعر على لسانه في أحدى الليالي بعد ان سمع كلاما لايروق له .ومما ينسب اليه من العتابا قوله مخاطبا تمر باش ومفاخرا باهله

هلي في راس مرقاب(ن)يشبون = ودايم لنار الحرب يشبون
هلي ماقادو العطف يشبون = خلوهن حيل لطراد الضحى


فلما سمع تمر باش الابيات عرف ان الذي امامه ليس بشاعر فمازال يحاول به حتى اخبره حقيقته فارسل تمر باش الى الحسنه مستفسرا ولما علم بصدقه اكرم وفادته وجهزه بمايحتاج
وارسل معه مجموعه من الفرسان ترافقه الى اهله
ولكن عبدالله كان له رأي اخر فهولم يتجه الى اهله لما يحمله في نفسه عليهم بسب تركهم اياه بل اتجه الى مدينة دمشق واقام فيها وما ان وصل الخبر الى اهله عن مكان وجوده حتى تقاطرت الوفود للسلام عليه ومطالبته بالعوده وحاولو معه بشتى الطرق ولكنه كان يرفض في كل مره مذكرهم بتركهم اياه اثناء مرضه ولما اعيتهم الحيله سارو اليه ومرر و الاضعان امام منزله والفرسان يلاعبون الخيل وسط اهازيج الحرب وصيحات الفرسان فاثار المنظر في نفس عبد الله ذكرياته مع قومه وشوقه اليهم فأنضم اليهم وسط فرحة عارمه وعاد كما كان فارس القبيله وقائد خيلها..

عليك الراي من فاضل ياديره *** وخشم الضد بالمرهف نديره

قفر ترعى البويضا بكل ديره *** رغم ٍ عن الشوارب واللحى


-


هلي شالوا وخلوني طريحاي *** الفراش و جرح دلالي طري حي



نحل جسمي وقلبي طري حي *** تلوج الروح بين ضلعي والحشا


وفي رواية أخرى حول كشف امره عند الشيخ:
في ليلة من الليالي تبارى فيها الشعراء بمربع الشيخ تيمور باش بأبيات العتابا وأنغامها المنبثقة من وصف الأفراد بالشجاعة أو الكرم أو التي تحث على نهج المروءات والبطولات واتخاذ المواقف المثلى المعبرة عن النخوة والحمية والشهامة، والتفاخر بالأهل والعشيرة والتباهي بمآثر القوم ومناقبهم، ويظهر أن الأمير قد أزعجه مضيفه ببعض الكلمات النابية مما حرك أشجان نفسه، وأثار المروءة والنخوة في كيانه، فرنا ببصره البعيد إلى ماضي قومه وعزته، وعجب من ا لظروف وأحداث الزمان التي جعلته أشبه بالخادم بين ظهراني هؤلاء القوم الذين لا يشبهون قومه في عاداتهم وكرمهم وشجاعتهم واضطجع الأمير مترنحاً من الهم، والألم والأسى يعصران نفسه، ولكنه لم يستطيع أن يتذوق طعم النوم بعد انصراف الناس من ندوة الشيخ، فما كان منه إلا أن صار يتغنى ألماً وحزناً كالطائر الذبيح قائلاً هذه الأبيات:



هلي ما لبسوا خادم سملهم *** وبقلوب العدا بايت سم لهم

الناس النجم واحنا سما لهم *** كواكب واسهرن ليل الدجى






هلي للشاذري طاحون يسحون *** دواهيك لعظم الضد يسحون

هلي ما قدموا ميدات بصحون *** خنادقهم تحفر من عشى



يقول في البيت الأول: إن قومه لم يُلبسوا الخدم ثيابهم وأسمالهم البالية، وهم سماء تعلو غيرها من الأقوام الأخرى التي هي كالنجوم المتجولة بالنسبة للسماء الثابتة.



ويقول في البيت الثاني: إن أهله يختزنون القهوة كأنها القمح الذي تطحنه الطواحين وهم أ بطال يسحقون خصومهم ولا يقدمون الطعام للضيوف بالصحون والأواني.




سر الأب والزوجة من ذلك اللقاء –غير المنتظر- ويقال أنه تقلد سيفه واستدل على شخصية من اغتصب الزعامة منه وأهان أسرته فقتله وعندما شاع بين القوم عودة الأمير أعيدت ناقته "البويضة" التي اختفت باختفائه كما أعيدت إليه بعض النعم التي اغتصبت من أسرته وتوافد الناس عليه من كل حدب وصوب مهنئين معلنين ولاءهم لزعامته وعودتهم إلى عمادته.

----

عاد الأمير بعد ذلك إلى صحرائه بنفس متألمة تتأمل أحداث الزمان وأرزاءه الأليمة وبقي في بيدائه يشم رائحة الغبار المنبعث من وقع أخفاف الإبل وحوافز الخيل في الصحراء ويرى بجانبه زوجه "ثريا" الوفية التي حافظت على وده وعهده، فتثور في نفسه نوازع العربي الشجاع بين البادية وغبارها وبجواره المرأة التي لا غنى له عنها، فيرى في هذا المنظر أريجاً وعنبراً أفضل من غبار المدن في حمص وحماة اللتين يدعوهما بالقرى الموخمة أي (الفاسدة الهواء) حيث يقول:



هلا بثريا والدنيا مسكبة *** عسل يا ريق (أبو قذلة) مسك به



عجاج الظعن عنبر والمسك به *** أخير من القرايا الموخمة