شادي حلاق
12/21/2008, 07:40 AM
لقد تساءل نيوتن : لماذا سقطت التّفاحة على الأرض ؟!
لم يُسأَل في الماضي ذلك السؤال
أجل ولماذا يُسأل هكذا سؤال ؟!
لو عدنا إلى الماضي البعيد وسألنا أهله لماذا سقطت التّفاحة على الأرض أو إلى الأسفل ؟
فإنّهم سيسخرون منّا مجيبين : وهل ستسقط إلى السّماء أو إلى الأعلى ؟!
أو : وهل ستطير إلى الأعلى ؟!
لقد كان الماضي طفلا صافيا عفويّا طبيعيّا يعيش بفطرته يفكّر بحواسه
لكن مع مرور الزّمن بدأ يكبر ويمتلئ ضجيجا داخليّا وخارجيّا ويتلوّث داخليّا وخارجيّا
كان يستمع إلى موسيقى الطّبيعة و يمتلئ بسكونها أمّا الآن فيستمع إلى طبول ومزامير بشريّة وآليّة ، و ينفر من السّكون بل إنّه نفى السّكون من كلّ بلدان البشر
هاهي خفافيش وذئاب وحمير الأصوات تنهش وتطارد بلابل و حمام الأصوات
وهاهو السّكون أراه في البعيد منفيّا و مقيّدا بالسلاسل مسجونا في أقفاص ضيّقة
وكذلك الصّفاء وكذلك الحبّ ، وحرقت غابة الفطرة ، واستبدلت بنفاية الفكرة ، وأهينت العبرة
إنّ هذا الزّمن الذي نعيشه الآن هو زمن التلوّث الدّاخلي والخارجي ، إنّه زمن بالمقلوب
أيّها الماضي هل تعرف مستقبلك ؟
إنّ مستقبلك ـ وهو هذا الزّمن المقلوب ـ يقول : إنّ التّفاحة تسقط من الشّجرة إلى الأعلى ، أو تطير إلى الأعلى ، وإنّي إذا سألت أحدهم : كيف ولماذا تطير التّفاحة إلى الأعلى ؟!
سيسخرون منّي ناظرين إليّ بتعجّب قائلين : ما بك تسأل بالمقلوب ؟!
ولماذا ستسقط إلى الأسفل ؟!
أظنّ أنّ الأمر أتى تدريجيّا حتّى نسي الصراط المستقيم الحقيقيّ وبدأ الجدال بين الصّراط الذي يمشي عليه المغضوب عليهم ، وبين الصّراط الذي يمشي عليه الضّالّون
فقد كان الأمر طبيعيّا ـ فطريّا ، أنّ التّفاحة تسقط إلى الأسفل
ومع مرور الزّمن بدأ الهوى والشّهوة يحكمان :
فمنهم لم يعجبهم أمر السّقوط معتبرين أنّ السقوط خلل في النّظام الكوني
فمنهم من عارض هذا الكون قائلا : إنّ سقوط التّفاحة على الأرض هو ظلم فما ذنب التّفاحة حتّى تسقط ؟! فهذا يدلّ على همجيّة الكون و وحشيّته وخلله .
ومنهم من دافع عن الكون قائلا : إنّ الكون عادلٌ ومنتظم ومتوازنٌ إنّما الخلل والوحشيّة والظّلم في أولائك الأوّلين الذين ادّعوا ـ ظلما ـ سقوط التّفاحة إلى الأسفل ، بيد أنّ التّفاحة لا تسقط
وليسقط كلّ من قال إنّها تسقط ، إنّما التّفاحة تطير إلى الأسفل .
ومع مرور الزّمن وبعد طول التفكير في التّفاحة والسّقوط والكون أتت فئة رافضة الأسفل قائلة :
ما هذا التخلّف والتعصّب والذّل واليأس أو ترضون بالأسفل ؟!
إنّ التّفاحة تسقط إلى الأعلى .
ومع مرور الزّمن بدأت أحداث جديدة : اكتشاف ميكانيك الحروف ومغنطة المعاني وكيمياء اللغة
وبدا التفكير بالآلات ، وبعد حين توضّح لهم أخيرا أنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى :
إذ لا يجوز أن نقول : إنّ التّفاحة تطير إلى الأسفل . فهنا خطأ من حيث المعنى لتركيب الجملة
لأنّ الطّيران لا يكون إلى الأسفل إنّما إلى الأعلى
ولا يجوز أن نقول : إنّ التّفاحة تسقط إلى الأعلى . فإنّ السّقوط يكون إلى الأسفل وليس إلى الأعلى . أمّا من تحدّث عن السقوط ، وعن الأسفل فهو يريد الظّلم والذّل
ولم يبق سوى أنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى
لقد كانت هذه الحجّة من أقوى الحجج في هذا الزّمن وصارت هي المسيطرة
هذا هو زمننا هذا الذي نعيشه الآن : فمنهم من بقي على الجمل السّابقة ، ومنهم من اتّبع الجملة الأخيرة ، والمشكلّة أنّه إذا سُئل أحدهم : لماذا تقول : إنّ التّفاحة تسقط إلى الأسفل ؟!
فإنّه يجيب : هكذا قال أجدادنا .
وكلّ من سُئل لماذا تقول كذا أو كذا ؟! يجيب نفس الإجابة أي : هكذا قال أجدادنا
وفي ذلك مشكلتان هما السؤال والجواب
والمشكلة الثّالثة أنّه صار عندما يزداد النّاس ثقافة يتباهون بأنفسهم ساخرين من أولائك المتخلّفين الجاهلين قائلين : إنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى .
آهٍ على هذا الزّمن أليس لديه سوى هذين الخيارين ـ :
إمّا أن يبقى دون تفكير وثقافة فيظلّ جاهلا
وإمّا أن يفكّر ويتثقّف فينمّي جهله فيصير أحمقا ؟!
أوَ تظنّ يا نيتشه أنّ الإنسان الأعلى لم يولد بعد وأنّه سيولد مع مرور الزّمن ؟!
كلاّ لكنّك مصيبٌ مخطئ في آن واحد : أصبت من حيث العمليّة ، وأخطأت من حيث النّتيجة
فمع مرور الزّمن لن يولد إلاّ الإنسان الأدنى
وإنّ الإنسان الأعلى قد ولد ؛ قد ولد من سلالة الصّفاء والطّهر ، وكان الصّفاء يُصفّى أكثر عبر الزّمن حتّى إذا ما وصل إلى ذروة قمّة ما في الصّفاء والطّهر انفجر أو فاض أو أشعّ وأضاء
حتّى استمرّ شعاع صفائه يصفّى ويصفّى حتّى بلغ ذروة قمّة ما في الصّفاء فحدث نفس الأمر
وهكذا حتّى بلغ ذروته العظمى وصفاءه الأعظم فصار نورا وكان هو الإنسان الأعلى
لقد بلغ الصّفاء والطّهر والنّور الكمال وكانت له تتمّة وآخر تلك التتمّة هي صورة عنه ـ عن الإنسان الأعلى ، توازيه تقريبا إنّما نهاية التتمّة ـ ذلك الإنسان الذي هو صورة عن الإنسان الأعلى تنتظر الزّمن الأدنى والإنسان الأدنى حتّى تظهر
لقد ولد الإنسان الأعلى إنّما هو غائبٌ ننتظره
فالصّفاء والطّهر والنّور مع مرور الزّمن بعد أن يكتمل ينجب الصفاء الأصفى والطّهر الأطهر والنّور الأبهر
أمّا النّجَس والظلمات مع مرور الزّمن تنجب الأنجس والأظلم ،
فأنّى له أن ينجب الإنسان الأعلى ؟
*
الفوعة ـ 2006 م
لم يُسأَل في الماضي ذلك السؤال
أجل ولماذا يُسأل هكذا سؤال ؟!
لو عدنا إلى الماضي البعيد وسألنا أهله لماذا سقطت التّفاحة على الأرض أو إلى الأسفل ؟
فإنّهم سيسخرون منّا مجيبين : وهل ستسقط إلى السّماء أو إلى الأعلى ؟!
أو : وهل ستطير إلى الأعلى ؟!
لقد كان الماضي طفلا صافيا عفويّا طبيعيّا يعيش بفطرته يفكّر بحواسه
لكن مع مرور الزّمن بدأ يكبر ويمتلئ ضجيجا داخليّا وخارجيّا ويتلوّث داخليّا وخارجيّا
كان يستمع إلى موسيقى الطّبيعة و يمتلئ بسكونها أمّا الآن فيستمع إلى طبول ومزامير بشريّة وآليّة ، و ينفر من السّكون بل إنّه نفى السّكون من كلّ بلدان البشر
هاهي خفافيش وذئاب وحمير الأصوات تنهش وتطارد بلابل و حمام الأصوات
وهاهو السّكون أراه في البعيد منفيّا و مقيّدا بالسلاسل مسجونا في أقفاص ضيّقة
وكذلك الصّفاء وكذلك الحبّ ، وحرقت غابة الفطرة ، واستبدلت بنفاية الفكرة ، وأهينت العبرة
إنّ هذا الزّمن الذي نعيشه الآن هو زمن التلوّث الدّاخلي والخارجي ، إنّه زمن بالمقلوب
أيّها الماضي هل تعرف مستقبلك ؟
إنّ مستقبلك ـ وهو هذا الزّمن المقلوب ـ يقول : إنّ التّفاحة تسقط من الشّجرة إلى الأعلى ، أو تطير إلى الأعلى ، وإنّي إذا سألت أحدهم : كيف ولماذا تطير التّفاحة إلى الأعلى ؟!
سيسخرون منّي ناظرين إليّ بتعجّب قائلين : ما بك تسأل بالمقلوب ؟!
ولماذا ستسقط إلى الأسفل ؟!
أظنّ أنّ الأمر أتى تدريجيّا حتّى نسي الصراط المستقيم الحقيقيّ وبدأ الجدال بين الصّراط الذي يمشي عليه المغضوب عليهم ، وبين الصّراط الذي يمشي عليه الضّالّون
فقد كان الأمر طبيعيّا ـ فطريّا ، أنّ التّفاحة تسقط إلى الأسفل
ومع مرور الزّمن بدأ الهوى والشّهوة يحكمان :
فمنهم لم يعجبهم أمر السّقوط معتبرين أنّ السقوط خلل في النّظام الكوني
فمنهم من عارض هذا الكون قائلا : إنّ سقوط التّفاحة على الأرض هو ظلم فما ذنب التّفاحة حتّى تسقط ؟! فهذا يدلّ على همجيّة الكون و وحشيّته وخلله .
ومنهم من دافع عن الكون قائلا : إنّ الكون عادلٌ ومنتظم ومتوازنٌ إنّما الخلل والوحشيّة والظّلم في أولائك الأوّلين الذين ادّعوا ـ ظلما ـ سقوط التّفاحة إلى الأسفل ، بيد أنّ التّفاحة لا تسقط
وليسقط كلّ من قال إنّها تسقط ، إنّما التّفاحة تطير إلى الأسفل .
ومع مرور الزّمن وبعد طول التفكير في التّفاحة والسّقوط والكون أتت فئة رافضة الأسفل قائلة :
ما هذا التخلّف والتعصّب والذّل واليأس أو ترضون بالأسفل ؟!
إنّ التّفاحة تسقط إلى الأعلى .
ومع مرور الزّمن بدأت أحداث جديدة : اكتشاف ميكانيك الحروف ومغنطة المعاني وكيمياء اللغة
وبدا التفكير بالآلات ، وبعد حين توضّح لهم أخيرا أنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى :
إذ لا يجوز أن نقول : إنّ التّفاحة تطير إلى الأسفل . فهنا خطأ من حيث المعنى لتركيب الجملة
لأنّ الطّيران لا يكون إلى الأسفل إنّما إلى الأعلى
ولا يجوز أن نقول : إنّ التّفاحة تسقط إلى الأعلى . فإنّ السّقوط يكون إلى الأسفل وليس إلى الأعلى . أمّا من تحدّث عن السقوط ، وعن الأسفل فهو يريد الظّلم والذّل
ولم يبق سوى أنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى
لقد كانت هذه الحجّة من أقوى الحجج في هذا الزّمن وصارت هي المسيطرة
هذا هو زمننا هذا الذي نعيشه الآن : فمنهم من بقي على الجمل السّابقة ، ومنهم من اتّبع الجملة الأخيرة ، والمشكلّة أنّه إذا سُئل أحدهم : لماذا تقول : إنّ التّفاحة تسقط إلى الأسفل ؟!
فإنّه يجيب : هكذا قال أجدادنا .
وكلّ من سُئل لماذا تقول كذا أو كذا ؟! يجيب نفس الإجابة أي : هكذا قال أجدادنا
وفي ذلك مشكلتان هما السؤال والجواب
والمشكلة الثّالثة أنّه صار عندما يزداد النّاس ثقافة يتباهون بأنفسهم ساخرين من أولائك المتخلّفين الجاهلين قائلين : إنّ التّفاحة تطير إلى الأعلى .
آهٍ على هذا الزّمن أليس لديه سوى هذين الخيارين ـ :
إمّا أن يبقى دون تفكير وثقافة فيظلّ جاهلا
وإمّا أن يفكّر ويتثقّف فينمّي جهله فيصير أحمقا ؟!
أوَ تظنّ يا نيتشه أنّ الإنسان الأعلى لم يولد بعد وأنّه سيولد مع مرور الزّمن ؟!
كلاّ لكنّك مصيبٌ مخطئ في آن واحد : أصبت من حيث العمليّة ، وأخطأت من حيث النّتيجة
فمع مرور الزّمن لن يولد إلاّ الإنسان الأدنى
وإنّ الإنسان الأعلى قد ولد ؛ قد ولد من سلالة الصّفاء والطّهر ، وكان الصّفاء يُصفّى أكثر عبر الزّمن حتّى إذا ما وصل إلى ذروة قمّة ما في الصّفاء والطّهر انفجر أو فاض أو أشعّ وأضاء
حتّى استمرّ شعاع صفائه يصفّى ويصفّى حتّى بلغ ذروة قمّة ما في الصّفاء فحدث نفس الأمر
وهكذا حتّى بلغ ذروته العظمى وصفاءه الأعظم فصار نورا وكان هو الإنسان الأعلى
لقد بلغ الصّفاء والطّهر والنّور الكمال وكانت له تتمّة وآخر تلك التتمّة هي صورة عنه ـ عن الإنسان الأعلى ، توازيه تقريبا إنّما نهاية التتمّة ـ ذلك الإنسان الذي هو صورة عن الإنسان الأعلى تنتظر الزّمن الأدنى والإنسان الأدنى حتّى تظهر
لقد ولد الإنسان الأعلى إنّما هو غائبٌ ننتظره
فالصّفاء والطّهر والنّور مع مرور الزّمن بعد أن يكتمل ينجب الصفاء الأصفى والطّهر الأطهر والنّور الأبهر
أمّا النّجَس والظلمات مع مرور الزّمن تنجب الأنجس والأظلم ،
فأنّى له أن ينجب الإنسان الأعلى ؟
*
الفوعة ـ 2006 م