المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لا أريد القمر


اشرف نبوي
12/22/2008, 01:55 PM
لا أريد القمر


كان النهار قد قارب على الانتصاف وهو مستلقٍ فوق السرير، محملقا في السقف بلا تركيز ، يتابع في إنصات تداخل ضجيج الباعه بأصواتهم المتحشرجه مع طنين الذباب الذي ازداد عدده عبر نافذته التي تطل بارتفاع أقل من مترين على الشارع ، التفت ببطء جهة النافذه لمح تطاير أوراق الملوخية التي وضعتها زوجته لتجف بالأمس قبل أن ترحل، نمت على شفتية ابتسامة سخرية غلفتها مرارة ألم عبر نظراته المنكسرة
لم تكن حياتة مثالية ولولا بعض الأيام التي كان يجد فيها عمل عند هذا أو ذاك لما صبرت زوجته عليه طيلة ست سنوات ، كثيرا ما كان يذكر لها هذا وهو يهمس في لياليهم المميزة بأنها بنت أصول ومن بيت طيب ، وأنه سيعوضها عن صبرها، كانت تنتشي لسماع تلك الكلمات، وإن كانت في قرارة نفسها تدرك أنها وعود لن يتحقق منها شيء، ورث عن جده الكبير حبه للقراءة وحرفية التعبير عمّا يجول في خاطره ببراعه ، وقد كانت تلك المزيه تدر عليه أحيانا بعض الرزق، لكنه رزق متقطع ، حين يعجز أحدهم عن صياغة خطاب أو كتابة شكوى ،
حتى أتى هذا اليوم الذي حضر فيه ندوة في أحد المقاهي لأديب شاب ، كان يحاول أن يجذب الإنتباه لروايته التي نشرها قبل شهر وحققت بعض النجاح ، وأسهب في وصف أثر الرواية والتجديد الذي أحدثة ، وقام بتوزيع بعض النسخ على الحاضرين ، كانت إحداها من نصيبه ، حين قرأها أدرك أنّ بوسعه هو أيضاً أن يكتب، فهو أفضل بكثير من هذا المهرج الذي ظلَّ يتحدّث بتقعر قرابة الساعتين ، ولم يقل شيئاً ، بدأ يخط روايته الأولى بهمة ، لم تعهدها زوجته فيه ،و لم يكن يلتفت لحديث زوجته المحبط كلما رأته جالسا وبيده الأوراق والقلم ، فقد كانت تحثه دوما على ترك هذا الهراء والبحث عن عمل، كان يرد أحيانا وفي أحيان أخرى يكتفي بالنظر إليها شذراً، وهو يكيل لها تهم الجهل والغباء ،
لم يمض شهران إلا وكان قد انتهى من كتابة روايته الأولى ، حملها بين يديه فرحاً وأخذ يُقبِّل أوراقها، وهو يحلم بأن تحقق له المجد والثراء ، أما زوجته فقد كانت تنظر إليه، وهي تمصمص شفتيها وتبتسم بسخرية ، لكن تلك النظرات لم تكن تزيده إلا تصميماً ، حمل روايته وذهب إلى إحدى دور النشر، نظر إليه صاحبها في احتقار بسبب هيئته الرثة، ضحك بسخرية وهو يقلِّب الأوراق، ثم أعادها إليه وهو يعتذر ، لم ييأس أمضى شهرا في البحث عن دار نشر تقبل روايته ، وبدلا من طلبه ثمنا لروايته في البداية ، أصبح يطلب نشرها وأخذ نصيبه من ريعها بعد البيع ، ثم تطور الأمر فأخذ يطلب مجرد نشرها وتنازله عن جميع حقوقه ، كان يحلم بأن يكتب غيرها ، المهم أن تحقق له هذه الرواية معرفة لدى الجميع بقدراته التي كان يؤمن بها ،
في النهاية نصحة أحدهم بأن يقوم هو بنفسه بتحمل تكلفة النشر كاملة وإذا نجحت روايته فإن طبعة ثانيه أو رواية أخرى ستعوضه ، سمع النصيحة وقد خاب أمله ، فمن أين له تكاليف الطباعة ، وهو بالكاد يجد ما يسد رمقه هو وزوجته وولده ، حمل أوراقة وعاد إلى بيته ، ألقى بالأوارق في زاوية الحجرة ، ومكث حزينا عدّة أيام ، كانت زوجته خلالها تخفف عنه تارة ، وتحفزه تارة لإيجاد عمل يكفيهم مذلة السؤال الجيران ، ولا تنسى تذكيره بأنها كثيرا ما نصحته أن يلتفت لعمله ويترك تلك الوساوس ، لكنه لا يستمع للنصح أبدا.
مضت أيامه كئيبة يعمل يوماً وأياما لا يجد ما يكفيه هو و زوجته وابنه الوحيد ، كان الحزن يعتصره ، والألم يلفه حتى في تلك الليالى التي كان يجلس مع زوجته وولده لمشاهدة التلفاز القديم الوحيد من طرازه على مستوى البسيطه ، والذي كان مثار تعليق زوجته المستمر ولمزها دوما بأن المتحف أولى به من بيتهم ، حتى في تلك الليالي كان يبدو ساهما مكفهر الوجه ، وهو يحاول أن يجد سبيلا لتحقيق حلمه الذي آمن به وهو أن يصبح كاتبا وتنشر رواياته، ويحقق حلمه بالثراء من بيعها ،
حتى أتى يومٌ، وهو يشاهد التلفاز وجد إعلاناً عن مسابقة للرواية جائزتها مجزية ، اعتدل في جلسته ، أصاخ سمعه ، قام إلى الأوراق وبدأ يكتب العنوان ، نظرت إليه زوجته في تعجب وهزت رأسها في أسى وهي تتحسر على عقل زوجها ، لم يعرها اهتماما ، في صباح اليوم التالي توجه إلى العنوان وقام بتقديم روايته ، استلمتها الموظفة بامتعاض ، سألها بلهفة عن تاريخ إعلان النتيجه ، ردت باقتضاب سيعلن عنها في التلفاز ،
ظل ينتظر كل ليلة تحقق حلمه ، حتى أتت ليلة وهو جالس يحتسي الشاي مع زوجته وجد تنويه عن نتائج المسابقة ، هب واقفا اقترب من التلفاز وهو يحدق مشدوها ، لقد فازت روايته بألف جنيه ، لم تصدق زوجتة نفسها ، قام إليها يحتضنها ويقبل ابنه وهو غير مصدق ، رقص فرحا ودمعت عيناها وهي ترى لأول مرة منذ زواجهما الحظ يبتسم لهما ،
باتت ليلتها تحلم بشراء كل ما حرمت منه ، وكل ما تمنت أن تشتريه لولدها ومنعتها الفاقة وضيق ذات اليد ، وعلى مقربة منها نام زوجها وعقله يعانق الحلم الذي سيطر عليه وهو أن ينشر روايته لقد واتته الفرصة ، ليحقق حلمه في الشهرة والثراء ، وغير بعيد كان ابنهما ينام قرير العين ، تلتقي أحلامهما فوق رأسه رغم تعارضها من أجل مستقبله .
حين فتح عينيه في الصباح وجد زوجته قد أعدت له فطورا بسيطا ، ربتت صدره وهي توقظه ، ابتسم متعجبا في سعادة ، فهو لم يتلقى منها مثل هذه المعاملة منذ مرور شهر العسل وحتى اليوم ، اعتدل جالسا، قبَّلها فوق وجنتها وهو يلمح كوب الشاي الذي حملته بيدها ، وهي تحثه على النهوض بسرعة قبل أن يبرد ، قام متثاقلا غسل وجهه وعاد منتعشا ، جلس يحتسي الشاي وهو يتناول فطوره ، كانت تلقمه بيدها كلما توقف عن الأكل وقد لاحظت شروده ، سألته فيمَ يفكر؟ ومتى سيذهب لاستلام جائزته ؟ وهل ستأتي معه ليشتريا في طريق عودتهما كل ما هم بحاجه إليه ؟ كانت أسئلتها متلاحقة وهي تغسل أوراق الملوخيه ، ثم تنثرها فوق صفحة الجريدة لتجففها ، أما هو فقد كان ساهما لم يرد ، ذفر تنهيدة من صدره وهو يهم بالحديث ، كان يعلم أن ردة فعلها ستكون شديدة فقد انتظرت هذا اليوم كثيرا ، حلمت بأن يكون لديهم مبلغاً كهذا المبلغ لتحقق بعض أحلامها وهاهو يهم بأن يجهض كل أحلامها بكلمة ، تردد قليلا، وتنحنح ، ثم ازدرد ريقه وهو يشير إليها أن تناوله كوبا من الماء، وضع الكوب بجواره ، ثم قال بصوت متقطع ربما سنؤجل شراء ما تحتاجينه لبعض الوقت ، لطمت صدرها بيدها، وقد تفاجأت بحديثه، ثم صاحت مستفهمة عن السبب ، أطرق إلى الأرض وبصوت خفيض همس سأطبع الرواية ، لطمت خدها ولعنت حظها ، وهي تهدده بترك البيت في حال أصر على موقفه ، أغمض عينيه ولم يجب ، شعرت بأنه مصمم على ما أخبرها به ، لملمت ملابسها القليلة ، أمسكت بيد ولدها الذي كان قد استيقظ على صراخها ، وخرجت ساخطة من الباب وقد اختلطت دموعها بندبها لحظها العاثر ، أما هو فقد ارتدى ملابسه في هدوء ، وخرج حاملا روايته ،
عند الظهيرة كان قد أتم ما عزم عليه، استلم المال ، ودفعه إلى إحدى دور النشر مع روايته ، طمأنه صاحبها أنه في غضون أسبوعين ستكون الرواية بين يديه ، وعرض عليه أن يقوم بتوزيعها نظير نسبة ، كانت مشاعرة متضاربة وهو يشعر بأنه قريب من تحقيق حلمه ، وفي الوقت ذاته يشعر بألم فراق زوجته ، ألقى بجسده على السرير وقد جافاه النوم طيلة الليل ، وهاهو اليوم يفيق متذكرا كل ما دار بالأمس وكأنه حلم .
تحسس وجهه كأنما يتأكد أنه مستيقظ ، قام إلى النافذه ، ابتسم وهو يرى الكل منشغل بعمله ، صياح الصبية ذكره بولده ، خطا إلى ركن الحجرة ، جلس ساهما حزينا ، تناول القلم وقد واتته بعض الأفكار ، جلس يخط ، ولم يشعر إلا وقد أظلمت الحجرة بعدما أطل الليل ، شعر بالجوع نظر إلى الطاولة وجد كسرة خبز جافة تناولها ثم تبعها بكوب الماء الذي أحضرته له صباح الأمس ، آوى إلى سريره، وقد أنهكته الوحدة وفتَّ الألم عضده .
أمضى الأسبوعين على تلك الحالة ، بعدما رفضت زوجته العودة ، وسمع تأنيب والدتها التي اتهمته بالأنانية والجحود ، كعادته كان يصحو ليبحث عن أي سبيل للرزق ، وإذ لم يوفق عاد إلى أوراقه وقلمه ، يمضي النهار هكذا فإذا أطل الليل تكوم على سريره وحيدا ، منصتا للصمت الذي كان يلف المكان بعد أن تهدأ حركة المارة بالشارع ، كان يمني نفسه كل ليله بنجاح روايته والثراء الذي ستدره عليه ، وكان عازما أن يحمل كل ما سيحصل عليه ويلقيه بين يدي زوجته ، علها تصدقه وتؤمن بموهبته .
حين استلم أولى النسخ نظر إليها باعتزاز وفخر ، قلبها بين يديه ثم ضمها لصدره ، لمح الناشر الفرحه في عينيه ، همس: ما رأيك ؟ هل نبدأ في التوزيع ؟ , أومئ إليه موافقا وانصرف بعدما أخذ بعض النسخ ، كان يود لو يعطي كل من يقابله نسخه وهو يصيح هذا أنا هذه روايتي ، فكّر أن يذهب إلى زوجته، لكنه تراجع فهي لا زالت غاضبة ، وقد عزم ألا يذهب إليها إلا وبيده أكثر مما كانت تحلم به من مال . إذاً لينتظر بيع الرواية .
مرّت الأيام تباعا وهو على حاله ، وإن ازداد شوقه إلى زوجته وولده ، بدأ اليأس يتسرب إلى نفسه ، كلما ذهب إلى الناشر يسلمه بضع جنيهات ، معتذرا بأن روايته لا تحقق الكثير ولا يباع منها إلا القليل ، شعر بإحباط ، لم يعد يهتم بالكتابة كما كان ، خجل من نفسه وشعوره بالتقصير في حق ولده وزوجته يكاد يخنقه، هداه تفكيره للبحث عن عمل دائم ، راقته الفكرة .
أمضى يومان يبحث بلا جدوى ، لكنه كان مصمما هذه المرة على إيجاد عمل يضمن به عودة زوجته وولده اللذان افتقدهما كثيرا ، في اليوم الثالث لمح إعلان لأحد المصانع تطلب عمالا ، تقدم وهو يتضرع لله أن يوفقه للحصول على هذا العمل ، حين استلم قرار التعين، كاد يغشى عليه من شدة الفرح ، بعد شد وجذب عادت زوجته من بيت أهلها ، كانت تؤنبه طوال طريق عودتهم ، وكان هو يبتسم وينظر إلى الأرض ، حين ضمتهم الغرفة ، حاول أن يشرح لها ما فعله ولماذا ؟ ، لم تقتنع لكنها دارت ابتسامة رضا وهو يقسم لها أنه يحبها ويتمنى لو يحضر لها قطعه من القمر ، همست ضاحكة: لا أريد القمر، كنت أريد فقط ملابس لي وللولد .
ربت كتفها، وهو يقبّل رأسها ، أكملت ، كنت أريد أن أشاهد الممثلين بالألوان ، أن نتعشى إذا تغدينا. ضمها برفق وقد دمعت عيناه ، نام بجوارها وقد وسَّدها ذراعه ، حملقا في سقف الغرفة ، وقد أنصتا لضجيج الأصوات المنبعثة من الشارع ، أغمض عينيه في راحة ، أما هي، فتبسمت وهي تتخيله يقدم لها قطعه من القمر.



أشرف نبوي

إبتسام إبراهيم تريسي
12/25/2008, 07:32 PM
تحياتي أخي أشرف
قمت بقراءة القصة للمرة الثانية ، ولن أزيد على ما قلته لك عن جمال القص ، والسرد . أرجو المعذرة لتصرفي في التعديل .
باقة مودة .

حنان عبد القادر
12/25/2008, 11:48 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة اشرف نبوي http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=15490#post15490)
لا أريد القمر



كان النهار قد قارب على الانتصاف وهو مستلقٍ فوق السرير، محملقا في السقف بلا تركيز ، يتابع في إنصات تداخل ضجيج الباعه بأصواتهم المتحشرجه مع طنين الذباب الذي ازداد عدده عبر نافذته التي تطل بارتفاع أقل من مترين على الشارع ، التفت ببطء جهة النافذه لمح تطاير أوراق الملوخية التي وضعتها زوجته لتجف بالأمس قبل أن ترحل، نمت على شفتية ابتسامة سخرية غلفتها مرارة ألم عبر نظراته المنكسرة
لم تكن حياتة مثالية ولولا بعض الأيام التي كان يجد فيها عمل عند هذا أو ذاك لما صبرت زوجته عليه طيلة ست سنوات ، كثيرا ما كان يذكر لها هذا وهو يهمس في لياليهم المميزة بأنها بنت أصول ومن بيت طيب ، وأنه سيعوضها عن صبرها، كانت تنتشي لسماع تلك الكلمات، وإن كانت في قرارة نفسها تدرك أنها وعود لن يتحقق منها شيء، ورث عن جده الكبير حبه للقراءة وحرفية التعبير عمّا يجول في خاطره ببراعه ، وقد كانت تلك المزيه تدر عليه أحيانا بعض الرزق، لكنه رزق متقطع ، حين يعجز أحدهم عن صياغة خطاب أو كتابة شكوى ،
حتى أتى هذا اليوم الذي حضر فيه ندوة في أحد المقاهي لأديب شاب ، كان يحاول أن يجذب الإنتباه لروايته التي نشرها قبل شهر وحققت بعض النجاح ، وأسهب في وصف أثر الرواية والتجديد الذي أحدثة ، وقام بتوزيع بعض النسخ على الحاضرين ، كانت إحداها من نصيبه ، حين قرأها أدرك أنّ بوسعه هو أيضاً أن يكتب، فهو أفضل بكثير من هذا المهرج الذي ظلَّ يتحدّث بتقعر قرابة الساعتين ، ولم يقل شيئاً ، بدأ يخط روايته الأولى بهمة ، لم تعهدها زوجته فيه ،و لم يكن يلتفت لحديث زوجته المحبط كلما رأته جالسا وبيده الأوراق والقلم ، فقد كانت تحثه دوما على ترك هذا الهراء والبحث عن عمل، كان يرد أحيانا وفي أحيان أخرى يكتفي بالنظر إليها شذراً، وهو يكيل لها تهم الجهل والغباء ،
لم يمض شهران إلا وكان قد انتهى من كتابة روايته الأولى ، حملها بين يديه فرحاً وأخذ يُقبِّل أوراقها، وهو يحلم بأن تحقق له المجد والثراء ، أما زوجته فقد كانت تنظر إليه، وهي تمصمص شفتيها وتبتسم بسخرية ، لكن تلك النظرات لم تكن تزيده إلا تصميماً ، حمل روايته وذهب إلى إحدى دور النشر، نظر إليه صاحبها في احتقار بسبب هيئته الرثة، ضحك بسخرية وهو يقلِّب الأوراق، ثم أعادها إليه وهو يعتذر ، لم ييأس أمضى شهرا في البحث عن دار نشر تقبل روايته ، وبدلا من طلبه ثمنا لروايته في البداية ، أصبح يطلب نشرها وأخذ نصيبه من ريعها بعد البيع ، ثم تطور الأمر فأخذ يطلب مجرد نشرها وتنازله عن جميع حقوقه ، كان يحلم بأن يكتب غيرها ، المهم أن تحقق له هذه الرواية معرفة لدى الجميع بقدراته التي كان يؤمن بها ،
في النهاية نصحة أحدهم بأن يقوم هو بنفسه بتحمل تكلفة النشر كاملة وإذا نجحت روايته فإن طبعة ثانيه أو رواية أخرى ستعوضه ، سمع النصيحة وقد خاب أمله ، فمن أين له تكاليف الطباعة ، وهو بالكاد يجد ما يسد رمقه هو وزوجته وولده ، حمل أوراقة وعاد إلى بيته ، ألقى بالأوارق في زاوية الحجرة ، ومكث حزينا عدّة أيام ، كانت زوجته خلالها تخفف عنه تارة ، وتحفزه تارة لإيجاد عمل يكفيهم مذلة السؤال الجيران ، ولا تنسى تذكيره بأنها كثيرا ما نصحته أن يلتفت لعمله ويترك تلك الوساوس ، لكنه لا يستمع للنصح أبدا.
مضت أيامه كئيبة يعمل يوماً وأياما لا يجد ما يكفيه هو و زوجته وابنه الوحيد ، كان الحزن يعتصره ، والألم يلفه حتى في تلك الليالى التي كان يجلس مع زوجته وولده لمشاهدة التلفاز القديم الوحيد من طرازه على مستوى البسيطه ، والذي كان مثار تعليق زوجته المستمر ولمزها دوما بأن المتحف أولى به من بيتهم ، حتى في تلك الليالي كان يبدو ساهما مكفهر الوجه ، وهو يحاول أن يجد سبيلا لتحقيق حلمه الذي آمن به وهو أن يصبح كاتبا وتنشر رواياته، ويحقق حلمه بالثراء من بيعها ،
حتى أتى يومٌ، وهو يشاهد التلفاز وجد إعلاناً عن مسابقة للرواية جائزتها مجزية ، اعتدل في جلسته ، أصاخ سمعه ، قام إلى الأوراق وبدأ يكتب العنوان ، نظرت إليه زوجته في تعجب وهزت رأسها في أسى وهي تتحسر على عقل زوجها ، لم يعرها اهتماما ، في صباح اليوم التالي توجه إلى العنوان وقام بتقديم روايته ، استلمتها الموظفة بامتعاض ، سألها بلهفة عن تاريخ إعلان النتيجه ، ردت باقتضاب سيعلن عنها في التلفاز ،
ظل ينتظر كل ليلة تحقق حلمه ، حتى أتت ليلة وهو جالس يحتسي الشاي مع زوجته وجد تنويه عن نتائج المسابقة ، هب واقفا اقترب من التلفاز وهو يحدق مشدوها ، لقد فازت روايته بألف جنيه ، لم تصدق زوجتة نفسها ، قام إليها يحتضنها ويقبل ابنه وهو غير مصدق ، رقص فرحا ودمعت عيناها وهي ترى لأول مرة منذ زواجهما الحظ يبتسم لهما ،
باتت ليلتها تحلم بشراء كل ما حرمت منه ، وكل ما تمنت أن تشتريه لولدها ومنعتها الفاقة وضيق ذات اليد ، وعلى مقربة منها نام زوجها وعقله يعانق الحلم الذي سيطر عليه وهو أن ينشر روايته لقد واتته الفرصة ، ليحقق حلمه في الشهرة والثراء ، وغير بعيد كان ابنهما ينام قرير العين ، تلتقي أحلامهما فوق رأسه رغم تعارضها من أجل مستقبله .
حين فتح عينيه في الصباح وجد زوجته قد أعدت له فطورا بسيطا ، ربتت صدره وهي توقظه ، ابتسم متعجبا في سعادة ، فهو لم يتلقى منها مثل هذه المعاملة منذ مرور شهر العسل وحتى اليوم ، اعتدل جالسا، قبَّلها فوق وجنتها وهو يلمح كوب الشاي الذي حملته بيدها ، وهي تحثه على النهوض بسرعة قبل أن يبرد ، قام متثاقلا غسل وجهه وعاد منتعشا ، جلس يحتسي الشاي وهو يتناول فطوره ، كانت تلقمه بيدها كلما توقف عن الأكل وقد لاحظت شروده ، سألته فيمَ يفكر؟ ومتى سيذهب لاستلام جائزته ؟ وهل ستأتي معه ليشتريا في طريق عودتهما كل ما هم بحاجه إليه ؟ كانت أسئلتها متلاحقة وهي تغسل أوراق الملوخيه ، ثم تنثرها فوق صفحة الجريدة لتجففها ، أما هو فقد كان ساهما لم يرد ، ذفر تنهيدة من صدره وهو يهم بالحديث ، كان يعلم أن ردة فعلها ستكون شديدة فقد انتظرت هذا اليوم كثيرا ، حلمت بأن يكون لديهم مبلغاً كهذا المبلغ لتحقق بعض أحلامها وهاهو يهم بأن يجهض كل أحلامها بكلمة ، تردد قليلا، وتنحنح ، ثم ازدرد ريقه وهو يشير إليها أن تناوله كوبا من الماء، وضع الكوب بجواره ، ثم قال بصوت متقطع ربما سنؤجل شراء ما تحتاجينه لبعض الوقت ، لطمت صدرها بيدها، وقد تفاجأت بحديثه، ثم صاحت مستفهمة عن السبب ، أطرق إلى الأرض وبصوت خفيض همس سأطبع الرواية ، لطمت خدها ولعنت حظها ، وهي تهدده بترك البيت في حال أصر على موقفه ، أغمض عينيه ولم يجب ، شعرت بأنه مصمم على ما أخبرها به ، لملمت ملابسها القليلة ، أمسكت بيد ولدها الذي كان قد استيقظ على صراخها ، وخرجت ساخطة من الباب وقد اختلطت دموعها بندبها لحظها العاثر ، أما هو فقد ارتدى ملابسه في هدوء ، وخرج حاملا روايته ،
عند الظهيرة كان قد أتم ما عزم عليه، استلم المال ، ودفعه إلى إحدى دور النشر مع روايته ، طمأنه صاحبها أنه في غضون أسبوعين ستكون الرواية بين يديه ، وعرض عليه أن يقوم بتوزيعها نظير نسبة ، كانت مشاعرة متضاربة وهو يشعر بأنه قريب من تحقيق حلمه ، وفي الوقت ذاته يشعر بألم فراق زوجته ، ألقى بجسده على السرير وقد جافاه النوم طيلة الليل ، وهاهو اليوم يفيق متذكرا كل ما دار بالأمس وكأنه حلم .
تحسس وجهه كأنما يتأكد أنه مستيقظ ، قام إلى النافذه ، ابتسم وهو يرى الكل منشغل بعمله ، صياح الصبية ذكره بولده ، خطا إلى ركن الحجرة ، جلس ساهما حزينا ، تناول القلم وقد واتته بعض الأفكار ، جلس يخط ، ولم يشعر إلا وقد أظلمت الحجرة بعدما أطل الليل ، شعر بالجوع نظر إلى الطاولة وجد كسرة خبز جافة تناولها ثم تبعها بكوب الماء الذي أحضرته له صباح الأمس ، آوى إلى سريره، وقد أنهكته الوحدة وفتَّ الألم عضده .
أمضى الأسبوعين على تلك الحالة ، بعدما رفضت زوجته العودة ، وسمع تأنيب والدتها التي اتهمته بالأنانية والجحود ، كعادته كان يصحو ليبحث عن أي سبيل للرزق ، وإذ لم يوفق عاد إلى أوراقه وقلمه ، يمضي النهار هكذا فإذا أطل الليل تكوم على سريره وحيدا ، منصتا للصمت الذي كان يلف المكان بعد أن تهدأ حركة المارة بالشارع ، كان يمني نفسه كل ليله بنجاح روايته والثراء الذي ستدره عليه ، وكان عازما أن يحمل كل ما سيحصل عليه ويلقيه بين يدي زوجته ، علها تصدقه وتؤمن بموهبته .
حين استلم أولى النسخ نظر إليها باعتزاز وفخر ، قلبها بين يديه ثم ضمها لصدره ، لمح الناشر الفرحه في عينيه ، همس: ما رأيك ؟ هل نبدأ في التوزيع ؟ , أومئ إليه موافقا وانصرف بعدما أخذ بعض النسخ ، كان يود لو يعطي كل من يقابله نسخه وهو يصيح هذا أنا هذه روايتي ، فكّر أن يذهب إلى زوجته، لكنه تراجع فهي لا زالت غاضبة ، وقد عزم ألا يذهب إليها إلا وبيده أكثر مما كانت تحلم به من مال . إذاً لينتظر بيع الرواية .
مرّت الأيام تباعا وهو على حاله ، وإن ازداد شوقه إلى زوجته وولده ، بدأ اليأس يتسرب إلى نفسه ، كلما ذهب إلى الناشر يسلمه بضع جنيهات ، معتذرا بأن روايته لا تحقق الكثير ولا يباع منها إلا القليل ، شعر بإحباط ، لم يعد يهتم بالكتابة كما كان ، خجل من نفسه وشعوره بالتقصير في حق ولده وزوجته يكاد يخنقه، هداه تفكيره للبحث عن عمل دائم ، راقته الفكرة .
أمضى يومان يبحث بلا جدوى ، لكنه كان مصمما هذه المرة على إيجاد عمل يضمن به عودة زوجته وولده اللذان افتقدهما كثيرا ، في اليوم الثالث لمح إعلان لأحد المصانع تطلب عمالا ، تقدم وهو يتضرع لله أن يوفقه للحصول على هذا العمل ، حين استلم قرار التعين، كاد يغشى عليه من شدة الفرح ، بعد شد وجذب عادت زوجته من بيت أهلها ، كانت تؤنبه طوال طريق عودتهم ، وكان هو يبتسم وينظر إلى الأرض ، حين ضمتهم الغرفة ، حاول أن يشرح لها ما فعله ولماذا ؟ ، لم تقتنع لكنها دارت ابتسامة رضا وهو يقسم لها أنه يحبها ويتمنى لو يحضر لها قطعه من القمر ، همست ضاحكة: لا أريد القمر، كنت أريد فقط ملابس لي وللولد .
ربت كتفها، وهو يقبّل رأسها ، أكملت ، كنت أريد أن أشاهد الممثلين بالألوان ، أن نتعشى إذا تغدينا. ضمها برفق وقد دمعت عيناه ، نام بجوارها وقد وسَّدها ذراعه ، حملقا في سقف الغرفة ، وقد أنصتا لضجيج الأصوات المنبعثة من الشارع ، أغمض عينيه في راحة ، أما هي، فتبسمت وهي تتخيله يقدم لها قطعه من القمر.




أشرف نبوي


أخي أشرف :
لديك بذرة قاص جيد ... وسارد مميزأتمنى أن يتفوق على نفسه .. لكن أخي لي بعض ملحوظات ولا أعتبرها إلا محض تحليقات متلق، فتقبل مروري...

لاحظت تطويلا في سرد المواقف كان يمكن أن يكثف أكثر؛ حتى يمتع القارئ ، ووجدت بعض هنات لغوية كان يمكن تفاديها بشيء من مراجعة النص قبل نشره ؛ حتى لاتفقد نصك عنصرجاذبية ، وأيضا أحيانا ما تنسى الفرق بين الهاء المربوطة والتاء ، وهي هنات بسيطة يمكن تفاديها ، واحذر عزيزي من تكرار المعاني ، أو شرح بعضها للمتلقي ؛ حتى لا تملله من المتابعة .

ربما يكون ثقيلا عليك ما كتبت ... لكنها عين المتلقي الذي يود لك مزيدا من التقدم .
لك كل الود أخي من قلب الحكايا .

دكتور/ محمد فؤاد منصور
12/26/2008, 11:26 AM
عزيزي أشرف
سعيد بأن ألقاك في هذا المكان المميز .. كعادتك دائماً تبحر بنا في انسيابية ونعومة تشدنا الحكاية حتى نسبق الأحداث لنصل إلى نهايتها .. أنت رصدت حالة الكثيرين منا حين لاتغني الموهبة عن العلاقات التي تصل بصاحبها إلى مايريد .. لك الود كله ..
وتقبل تحياتي.

ابراهيم عبد المعطى داود
12/26/2008, 04:41 PM
الأستاذ / أشرف
تحية عاطرة
هي مشكلتنا جميعا ...نحاول أن نحقق الأمل ونظفر بالوعود ولكن مع مجموعة من المشاكل المعقدة
والتى أفرزها وضع اجتماعي لا يهتم ..لا بالثقافة ..ولا بالأدب ..
هنا قد نلجأ الى اليأس ..ثم الحسرة ..ثم اجترار الماضي فى كآبة ..
وضعت أناملك أخي على جرح عميق آملا أن يندمل ..لكن كيف ..؟
خالص ودى وتقديرى .
ابراهيم عبد المعطى داود

اشرف نبوي
11/21/2010, 05:14 PM
ابتسام إبراهيم تريسي

بداية اشكر لك طيب حرفك واشكرك علي تعليقك البسيط والمجمل والذي اسعدني

اما بخصوص التعديل فطالما لم يمس صلب القصه فأنا اعتز باي تصحيح خاصة اذا كان علي يد انسانه واعيه مثلك


كل الشكر وبالغ التقدير

اشرف نبوي

اشرف نبوي
11/21/2010, 05:18 PM
حنان عبد القادر

شكرا لما تفضلت به عليا من نصح والذي اري لك فيه بعض الحق خاصة فيما يتعلق بالمراجعه وإن كنت اعتمد علي دار النشر في تلك المراجعه حيث يقوم اساتاذه متخصصون هم افضل مني بكثير بالمراجعه والتصحيح وهذا خطأ مني لكني لكني تعودته في معظم كتبي فاعتذر منك

ارجو ان تتقبلي عذري وان يكون لديك وقت للأطلاع علي بعض كتبي المنشوره والتي مر علي بعضها عدة سنوات فنشرتها بالويب

وهذه بعض الروابط

http://ohibek.blogspot.com/
http://allmbaalhamra.blogspot.com/
http://ohabik.blogspot.com/

اشرف نبوي
11/21/2010, 05:22 PM
د محمد فؤاد منصور

استاذي الغالي اخيرا استطعت ان اصل إليك

حدث مشكله في جهازي فأنقطعت عنك واحزنني هذا كثيرا

صدرت المجموعه القصصيه بمقدمه انارتها وزادت من رونقها بقلمك الحبيب

وحاولت ان اصل لك لاهديك بعض كتبي وعلي رأسها ( أحبك ولن أكتفي) لعلي في زيارتي القادمه لمصر انعم بصحبتك

إليك رابط للكتاب علي الويب

http://ohibek.blogspot.com/

لك خالص ودي وبالغ تقديري ايها الحبيب


اشرف نبوي

اشرف نبوي
11/21/2010, 05:23 PM
ابراهيم عبد المعطي داود

صدقت هو جرح وما وظيفتنا كأدباء الا محاولة مداواة هذا الجرح

شكرا لاحرفك النديه

اشرف نبوي