المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أين الكلمة المفقودة .. ياثوار التاميل ؟


علي الدهامي
11/11/2008, 09:47 AM
ذات ليلة..أعلم أنها ليست كالليالي.. فمن يبالي.. فهي ليلة..!!
ذات ليلة.. كان القمر يرقب عشاقه.. والنجوم تعبث في الخيال.. وأي ليلة..!!
استسلمت نفسي لأنفاس الليالي.. كأنما تقاد لمذبح العشق دون حيلة..!!
صحوت على الآذان.. توضأت.. و مررت الفرشاة على أسناني.. شربت بعض الماء..!! صليت .. وعدت.. إنها الخامسة والنصف.. صباحا لا أريد أن أنام.. اشغلت نفسي ببعض الأشياء..
تداعت الأفكار..داعبت الشعور واللاشعور .. أردت كلمة .. كنت أبحث عنها في تفاصيل الفراغ..
أعرف أني قد سمعتها.. و حفظتها ليوم قد يمد يده ليسألني مفردة..
لكنها ككل الأشياء حين نعصر رفوف الذاكرة لا نجدها..!!
قد تكون ضمن العصير.. فمن يدري.. المهم.. أنى فقدتها.. ضمن أكوام فقدت..!!
ضمن أيام مضت من يهمّه أمر كلمه..؟؟
وحدي أنا قلق.. ففقدي لها يعني إنني قد أفقد أشياء لا تمت للمفردات بصلة..
لكنها غالية علي.. حسنا من يهتم..؟؟
بحثت في أرجاء نفسي.. في دهاليز الفراغ.. تعمّقت أكثر.. لكنني رأيت أنني أصبحت أخسر..
تبّا للشيب اللعين..!! بدأت اعبث في الذاكرة .. أمسكت الهاتف الجوال..
كان يشير الى وجود رسائل..قرأت الرسائل.. خمسة رسائل سخيفة..
نكت على أبناء منطقة .. احبهم فهم الرجال.. بل وأعتقد أنهم أخر أجيال العرب ..
استوقفتني رسالة من غائب قد هاتفته ليلة البارحة.. أخفيتها.. سأقرأها لاحقا مع قهوة الصباح.. وأول سيجارة..
قمت بتثاقل .. وضعت إبريق الماء على النار ملأته حتى ثمل.. أردت أن استحم.. واجرّب صابون جديد .. يقولون أنه منعش .. كذلك يقولون في الدعاية.. أخذت منشفتي.. و ملأت المغطس ماء.. جلست فيه .. كنت قد اختلست نظرة على فحوى الرسالة.. لكن أردت فقط أن لا أتذكرها الآن.. لم تبارح خيالي .. همسة رائعة تقول .. صباح الورد .. يا قمر..
ضحكت .. لو يعلمون ما القمر؟؟ لقد زرته ذات مرّة ووجدته مليئا بالحفر.. و الأخاديد.. وبعض الحجارة.. أحضرتها لاثبت للناس أني كنت هناك..
مررت بالمرآة .. ابتسمت..
ليت أني أستطيع كسر هذه المرآة .. وكل المرايا .. أكره صدقها.. أكملت لبس ثيابي على عجل..
احتجت للمرايا.. وقفت أمام مرايا غرفة النوم..حمدت الله أني لم أكسرها..!!
أنا أحب أن تظهر ياقتي منشاة .. وشماغي الجميل.. المكوي بعناية..
فربما مررت ببنت لطيفة مثلي تائهة.. تبحث عن ذاتها....
فنلتقي معا في منفى الذات هناك.
استعجلت قليلا.. فالماء يغلي.. ذهبت أرقبه ،. أحب هذا فكأنه يتطهر من أدرانه بالنار .. كأنه يبوح عن ما في خاطره.. أحبه أن يعترف لي بما اقترف.. بحثت عن البن.. نسيت أني كتبته ضمن ما يحتاجه البيت من مئونة.. لا بأس ببعض القهوة الفورية.. فهي لذيذة مع العسل.. وسأضيف لها نكهة الفانيلا.. أحضرت كوب القهوة الذي أحبه.. فيه لونان جميلان.. و موشىً بثالث ضمن نفس الدرجات اللونية.. أحب اللون الأزرق.. فهو عميق يستحث الذاكرة للتداعي.. وقد أجد تلك المفردة..!!
أحضرت صحيفة الصباح من تحت الباب.. فجاري يضعها لي هناك دائما..
و لا بأس ببعض البسكويت.. قاتل الله الحمية..
وضعته في طبق.. و ذهبت للكرسي.. أطفأت ما بقي من الليل ..
فتحت الستائر.. الشمس لطيفة حينما تبدأ في البزوغ .. و كأنها تحيي أول من قام من الناس ليصفق لها.. مغرورة بعض الشيء لا بأس.. فهي تستحق.. حتى وهي تغادر .. تصطبغ بألوان الكابة.. تريدنا أن نحزن عليها.. ولن أفعل.. فهي ستأتي غدا..!!
و ضعت طبق البسكويت .. رتبت طاولة الشاي..الصحيفة بالوسط.. مطويّة بعناية.. الصحن.. الكوب.. كأس الماء البارد.. طفاية السجائر.. الهاتف الجوال.. كل شيء كما يجب .. رتبته وكأني أنتظر طارقا عزيزا ..
قررت أن أحضر بعض عصير البرتقال .. لتكتمل الوجبة.. لا أحب البرتقال كثيرا..و خصوصا الطازج منه!! .. لكنّ لونه مغر.. أمزجه بالعسل لاستسيغه.. حركت الكأس بملعقة العسل وتطايرت اشلاء البرتقالة الصغيرة.. وحبيباتها للأعلى.. اذا سأعثر على الكلمة المفقودة..!!
ذهبت.. أحسنت جلستي.. تناولت قطعة من البسكويت.. لذيذ مع البرتقال..
في الصباح كل شيء يكون لذيذا.. اذا اكتفيت بالنوم..
رددت هذا بيني وبين نفسي..
بدأت أحتسي القهوة .. رائحة القهوة تعبق بالبيت...
آه هناك شيء من الروعة استبقيته.. حتى لا أفقد كل شيء..
لا أعلم لم أفعل هذا..؟؟ هل هو خوف من أن يحدث ما يعكر صفو المزاج..
فتكون لي بمثابة العزاء.. ربما.. أو أردت أن أطيل مدة الفرح.. أيضا ربما..
أشعلت لفافتي الأولى.. أحسست ببعض الدوار اللذيذ.. قرأت الرسالة.. تجاهلت أني مررت بها من قبل..التهمتها بنهم.. إنها تقول.." صباح الخير .. يا قمر.. صباح الخير أيها الحبيب الحاضر الغائب..".. ابتسمت .. جميل أن تجد (من يصمك) بالحبيب.. !!
و سرحت قليلا.. أحسست ببعض الخدر يسري في جسمي..
تأففت.. جمعت أمتعة السفر إلى عالمي الآخر إلى العمل..
أجمل شيء في الحياة أن تقسم حياتك إلى عوالم مختلفة.. تسعى جاهدا أن لا تتداخل..
هكذا تعلمت من شخص عزيز.. أخذت حقيبة العمل.. كانت خفيفة.. تذكرت أني نسيت بعض الأعمال على طاولة المكتب .. وجدتها مع قلمي الحبر المذهب..
أحب الكتابة بالحبر الأسود .. لا ادري لماذا؟ هل أعتقد أنني أثبت به شيئا للتاريخ فلا تمحوه الأيام ؟؟ ... وضعت الجميع داخل الحقيبة.. أخذت الصحيفة.. ووضعتها بعناية،أغلقت الحقيبة.وتأهبت للخروج.. إلى عالم الشارع.. أكره التلوّن.. بحجم كرهي لتعدد عوالمي..
الساعة السابعة وخمس دقائق.. مازال الوقت مبكرا..
أغلقت الباب خلفي.. حتى لا تمنيني نفسي بالعودة مرّة أخرى.. فقد فعلت ذلك أكثر من مرّة.. قررت المرور على صندوق بريدي.. في طريقي.. كان الشارع فارغ تقريبا.. هذا صباح جميل.. أكره الازدحام .. فذات مرة صدمني أحد المتهورين.. من الخلف .. واعتذر مني ببلاهة و هو داخل سيارته ..آه كم حقدت عليه.. مضيت و تجاوزني ..!!
مررت بمكتب البريد.. دلفت له من حيث لا يراني البائع.. أكره ثرثرته.. فهو دائما ما يتكلم عن أشياء لاتمت للبريد بصلة.. أخذت رسائلي.. لم أكن مشتاقا لأخذها.. أربع فواتير.. امتعضت .. المصائب تأتي مجتمعة.. هكذا نحن ( و كل مصيبة نشنقها على كلمة نحن .. و من نحن ؟ ) .. نريد أن نستمتع بدون مقابل .. اختلست نظرة لها.. لونها الأبيض يشع بالنقاء.. أكره اللون الأبيض..!! تحركت بتثاقل.. وأنا أتأفف.. أستاذ.. أستاذ.. إنه البائع.. ربّاه كيف أتملص منه.. أعتقد أنه يجب أن أكون ثعبانا لأتملص من قبضة هذا الغريق الذي يمسك بخناق منقذه.. التفت ، ضحكة صفراء باهته.. مني له..
أهلا صباح الخير أبو عمر قلتها وأنا أتفرس بوجهه النحيل.. كأني أراه لأول مرة.. أسنانه التي أصبحت كخدود الزمن .. الله .. كم دخّن هذا من لفافة تبغ.. وكم مضغ من حزمة قات...؟؟ لحيته التي انسابت إلى منتصف حلقه.. مشوبة بالحناء وأشياء أخرى.. قد وخطها الشيب..
قال لي و وكأنه يخاطب أحد أولاده .. يا ولدي .. أيش هي العولمة..؟؟
ففتحت عيني باندهاش .. ثم تأهبت لأخذ وضعية الأستاذ.. أمارسها مع هذا البائس..
سألته ومن أخبرك عن العولمة..؟؟
قال قرأتها في صحيفة.....
اممم .. إذا أنت تقرا..؟ قلت له ولكني مستعجل قليلا..
قال لي لا بأس يا أستاذ.. أحسست أن هذا الخبيث يلعب معي لعبة..
" أعلم كم هو داهية.. ولكنه لم يتلقى نصيبه من التعليم.. وإلا لأصبح أنسانا عاديا "..
عيناه تبرقان.. لمعان غريب.. أشحت ببصري عنه .. وقلت له العولمة.. العولمة يا أبا عمر إن تصبح جميع الدول في العالم دولة واحدة.. أسرع بسؤاله الآخر.. ومن سيكون الملك أستاذ..؟؟
احترت.. أجبته بسرعة .. الأقوى يا أبا عمر..!!
ـ طيب احنا عارفين مين الاقوى دحين.. هي مين غير أمريكا قاتلها الله.. قالها وهو يتصنع الأسف..
ـ أبا عمر.. ياعم.. من قال لك أنها الأقوى..؟ قلت له وأنا أتأفف من الواقع ..
آه ليتني كسرت المرايا.. ليتني كسرت وجه الحقيقة..
رفع بصره إلي و نظر إلى نظرة المزهو بانتصاره ..
ـوقال ايوه.. يعني أنتا مو عارف ..؟
قلت ماذا يا أبا عمر ؟
.. وجلست أتكلم معه عن موازين القوى الجديدة .. و..و.. و هو يطأطأ رأسه و يحوقل..
أول مرة أنتصر في معركة مع جاهل.. أعلنت اني سأحتفل.. و دعته.. ركبت سيارتي.. إذا بصوته من جديد.. ينادي.. أستاذ .. أستاذ.. فتحت نافذة السيارة.. ماذا يا أبا عمر..قال عفوا أستاذ ولكنّك نسيت أن تأخذ الفواتير.. شكرته وأخذتها..
نظر إلي وكأنه أسدى إلى معروفا.. أستاذ ..كما تعلم.. ابن أختي حمزة قد حصل على شهادة المتوسطة الليلية وتقديره جيد .. هل أجد لديك عملا له..؟؟
امتعضت قليلا.. وقلت له أبا عمر.. أنت تعلم أنه لا يوجد وظائف هذه الأيام..
لماذا لا تشغله عندك..؟
ـايه.. تعرف أولاد هذا الزمن .. انهم يريدون مكاتبا.. وكراس دوارة.. قلت حسنا سأسأل ..ثم أخبرك..
لم يقنعه كلامي.. كسر في نفسي فرحتي بالنصر.. أمسكت بمقود السيّارة .. فرحت أن خرجت من عالم أبي عمر .. بأقل الخسائر..!!
دلفت عالم السيارات من جديد .. أحب الرياض تحت المطر..
لكني أكره ازدحام الطريق.. نظرت إلى ساعتي أنها السابعة والنصف و خمسة دقائق.. بقي من الزمن خمس وعشرون دقيقة..
آه لقد لهف ذلك العجوز كل ذلك الوقت.. أسرعت و قد فتحت المذياع ..
كانت نشرة الأخبار توشك أن تنتهي..أكملت ما تبقى منها..
" ثوار التاميل يقتلون أحد عشر جنديا من القوات الحكومية.. "
أف .. أتمنى أن أعلم أين تقبع هذه الجماعة من الثوار.. لعلي اقنع ابا عمر بالذهاب للاشتراك مع القوات الحكومية .. و يأخذ معه ابن أخته حمزة..أدرت مسجل السيارة على صوت مغني قديم..لم أرى صورته في حياتي وان كنت أعرف اسمه.. تمتمت معه بعض أغنيته.. وفي الطريق.. كان الزحام صعبا جدا.. ياااه كيف لي أن أتجاوز الجميع..؟؟ لا أريد أن أصل متأخرا.. فقد قررت أن أترك السجائر .. وأصل إلى العمل مبكرا.. قلتها بصوت يسمعه المغني .. هل قلت أترك السجائر..؟؟
رباه.. ماذا فعلت لقد نسيت قراري.. تأسفت لنفسي.. حزنت بعض الشيء أو..
لأكن منصفا لقد تصنعت الأسف.. أردت أن أفلسف الوضع قليلا.. ربما.. اممم ..العقل الباطن يرفض الألم... يؤجل الفكرة.. إلى فرصة مواتية.. ماذا أقول لزملاء العمل.. أف .. أكره أن أكون في هذا الوضع المحرج.. أكره أن أكون ضعيفا.. حسنا سأدعي أن هناك ظرفا أدى إلى تأجيل الفكرة... إلى الغد .. فقط إلى الغد.. أحب هذا التبرير.. أحب المماطلة..المهم أن النية موجودة..هذا يكفي.. وهم طيبون بعض الشيء و سيعذرونني.. اجتزت سيارتين .. وذلك المغني الشعبي يغني موالا .. ياليل .. ياعين.. لاأعلم لم الليل و لم العين ؟؟.. على كل حال .. من يهتم للأمر؟؟
فجأة شعرت بضربة في أعلى ظهري.. آه إنها مؤلمة.. رفعت رأسي للمرآة الأمامية..
انه ذلك المعتوه ثانية.. و هو يشير يده بالاعتذار.. زممت شفتي. . وتمتمت بكلمات لم أعيها.. و تمنيت أن ارسله مع ابا عمر و ابن أخته.. لمقاتلة ثوار التاميل..
وصلت الى العمل.. انها الثامنة و أربع دقائق.. سجل الحضور والانصراف يقبع في مقدمة مكتب فيصل السكرتير.. أشعر أن بيننا عداوة متأصلة...سحبت القلم ووقعت .. واتجهت الى مكتبي.. طلبت الشاي .. وأكملت البروتوكولات المتعلقة بالحضور..
لا أدري .. أعتقد أني مثل الشمس احدث ضجيجا ليعلم الجميع أني حضرت..
جاء الفراش بالشاي .. ومعه بعض الأوراق.. سلمني واحدة.. قرأتها..
إنها بلاغ بترقيتي إلى وظيفة أعلى.. فرحت كثيرا .. واشعلت لفافة.. تمعنت بالخطاب ثلاث مرات .. لقد كانت الفقرة الأخيرة تقول.. ينقل المذكور.. إلى ادارة الاتصالات.. مديرا عاما..
مديرا عاما .. و مذكور.. لعنت من اخترع هذه الكلمة..
في بريطانيا حينما يصدر حكما باعدام أحد .. نعم اعدام ـ قبل التوقف عن العمل به ـ تكون الصيغة :
" وقد صدر الحكم باعدامك سيدي"..!!
سيدي .. واعدام ..و ترقية .. ومذكور.. انه يغتالون الفرح.. كما فعل معي ذلك العجوز اللعين..
لابأس مادام أنه ليس اعداما .. لكني تمنيت أن ارسل المدير ليقاتل ضد ثوار التاميل...
ولم أجد الكلمة المفقودة.. التي ترتق جيوب القمر.. وخدود الورد !!