هدى محمد
12/26/2008, 12:05 AM
بين ق . ق . ج والشعر رذاذ وتلاوين الأجناس الأدبية ـــ أنور عبد العزيز
أول ما صدر للشاعر عمر العناز مجموعته (فجر الرؤى) 1999، ثم أتبعها بديوانه (لهاث الموج) 2001 وبعدها ساهم في مجموعة شعرية مشتركة بعنوان: (نقوش على وجنة البيبون) 2002، بالإضافة إلى نشره العديد من القصائد في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وأخيراً (رذاذ) من مطبوعات (الاتحاد العام للأدباء والكتاب في نينوى) 2007 بإصدار جميل من الحجم الصغير في خمس وستين صفحة ضمت خمساً وستين (مقطوعة).. مقطوعات غالبيتها لا تزيد على سطرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وواحدة منها فقط بلغت ستة أسطر...
عمر عنّاز بدأ شاعراً كلاسيكياً ملتزماً بعروض وأوزان وتقنيات ذلك العبقري المذهل الفراهيدي، وقد قيل إن عبقري البصرة ربّما استنبط أوزانه وترانيمه بعد أن مرّ بسوق الصفافير، ومنح سمعه الدقيق المرهف- وبتفاعل الموسيقي الكبير- لضربات وإيقاع تلك المطارق واهتزازات نغماتها الموزونة- مع اختلاف الضربات بحساسية نوعيات تلك المعادن، هذا ما تحدث به بعض رواة التراث الشعري، ومهما كانت الحقيقة فإن المسألة تبدو مقبولة، ثم هي تتعلق بالموسيقا والتنغيم، والشعر هو موسيقا الحياة بكل تلاوينها وعواطفها ومشاعرها ودفق انفعالاتها وبكل ما فيها من حدّة وقلق وتوتّر أو استرخاء ونعومة.
وإذا كان الشاعر عمر عنّاز قد جرب كل ألوان الشعر شكلاً ومضموناً: العروضي والحرّ والتفعيلة وقصيدة النثر، فإننا نجد في مجموعته الجديدة (رذاذ) شيئاً غريباً. هل (رذاذ) قصيدة واحدة فرّقها الشاعر بهذا الشكل كلمات محدودة وأسطر موزعة على خمس وستين صفحة؟! لا أرى ذلك وأستبعده.
نقرأ مقطعاً ومقطعين وثلاثة وعشرة وأكثر وأكثر وكل هذه (المقطوعات) أو (السونيتات) بلا عناوين، فنتحسّس أننا نقرأ لوناً وجنساً جديداً مغامراً ومغايراً من الشعر، وبسهولة وتلقائية وقناعة يستطيع قارئ وأكثر أن يقول: (هذه قصص قصيرة جداً) أراد الشاعر أن يمنحها (صفة الشعر وهويته)، عندها يتأمل الناقد في هذا القول فيجد فعلاً أنّ هذه (السونيتات) قد احتوت شروط القصة القصيرة جداً، وهي (التركيز والتكثيف والاقتصاد في قليل الأقل من الكلمات والموحيات والدلالات ومعها المفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ ويتفاعل معه وينفعل به) فيبدو مقنعاً أننا أمام (قصص قصيرة جداً) ولكن وبمراجعة نقدية متأنية ليست سريعة الحكم وتعتمد الحساسية والذائقة القرائية المنتبهة والدقيقة، نجد أن الشاعر لم يهدف لكتابة (قصص قصيرة جداً) وما كانت هذه رسالته وهاجسه عندما يقول:
علمني (عريف الفصيل): يميناً أنظر، ربّما أراد أن يوهمني أنكِ غير موجودة في بيت القلب ص12، من صفات هذه المقطوعة (المفاجأة)-وهي من مستلزمات القصة القصيرة جدّاً، ولكن مسألة (القلب) سحبت (السونيتة) لصف شعر التفعيلة.. ومثلها (وحدهم السورياليون، يستطيعون أن يستوعبوا فوضى ارتمائك في ذاكرة الياسمين) ص41 ومثلها (عندما تراودني الكتابة، أتذكرك، فتعشب في راحتي أمنية ذابلة) ص26، هذا شعر وليس بقصة قصيرة جداً، ومثلها (عندما أمطرت السماء، عطراً وموسيقى، نبت الشاعر ص16 وهذا أيضاً شعر وليس بقصة قصيرة جداً، ومثلها (من فروة هذا البدوي المتعب، تورق أحلام الصحراء) ص17 وأيضاً (أحلم أن أطوق، مثلما يطوّق نهر جزيرة خضراء أنجبتها موجة عاشقة) ص53، وشبيه بذلك (ما بين الدمعة والدمعة، تتنفس آلاف الصلوات) ص23 هذا كله شعر ومثل ذلك كثير مما اكتنزته تلك (السونيتات) المكروسكوبية الوديعة، ومع هذا الاجتهاد فإنّ كثيراً من تلك (المقطوعات) حمل صفة وشرط (ق.ق.ج) ومثال لذلك (لم أنجح في الجغرافية، إلا بعد أن رسمت لحبنا خريطة بلا حدود) ص5، وأيضاً (هؤلاء، كيف لا ينجحون وأنفاسك تلون كراريسهم) وقل مثل ذلك عن (كل عناترة التاريخ خرافة، والشاهد أن الأرض تكررهم) ص20 ونضيف (لأنني يا طفلتي، مدجج بالأسئلة، أبحث عن قصيدة عنوانها: (علامة استفهام) ص9، وغير هذا كثير إذا أردنا التدقيق في النصوص لأدخلناها في (خانة ق.ق.ج)، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فالفارق بين الشعر والقصة والنصّ في زمن التمازج والتناغم بين الأجناس الأدبية وفي (رذاذ) يكاد لا يبين أحياناً وحدوده أضحت أضعف من شعرة رقيقة دقيقة، لذا كان الشاعر حذراً وواقعياً عندما لم (يحدّد) تسمية لمجموعته وحتى عناوين لقصائده، وهي فعلاً كذلك، وأستطيع القول إنني خرجت بنتيجة أن الشاعر بهذا المزج الجميل غير المتعّسف بين الأجناس الأدبية المختلفة قد أوجد (شيئاً) ربما لم يجد ـ ونحن معه ـ ضرورة لتسميته بوضوح أو حتى لإعطائه هوّية محدّدة تطوقه وتقيده وتخنقه بأسوار صارمة مغلقة..
مهارة الشاعر عمر عنّاز واستبطانه العميق لدلالات الحياة بشرياً ومادياً وروحيّاً ـ كإنسان وشاعر ـ مع موجعات الحوادث والأحداث وحيرة تفسير غوامض أحزان الدنيا وفي وقائعها اليومية التائهة الأليمة، مع تميّزه بمحبة وعشق التراث الحضاري العريق وتقنياته التي ظلت مضيئة عبر العصور، مضافاً إليها هذا الجديد من الشعر في أشكاله ومضامينه وصوره الفنية، هو الذي أضاف لمنجزه الشعري وبموهبته الفطرية غير المصنوعة والمتكلفة، هذا الإبداع الجديد، وهذه المهارة في تلاوين (رذاذ) التي يمكن القول عنها وبكل ثقة وبلا تردد إنها إضافة حيوية خلاقة بنبضها الشعري جديرة باهتمام القراء والتأمل.
وجدير أكثر بأن يتعامل معها النقاد بكل حرص وعناية وجدية وقبول لهذا الشكل الجديد، دون إشغال أنفسهم ـ نقدياً ـ لإيجاد تسمية مميزة له أو اضطرارهم لتقنية ضمن أطر جامدة، فما منحه الشاعر لقصائده من مديات مفتوحة غير المنغلقة، ومع هذه الانسيابية المستحبة التي ربما همست لعيون القراء وعقولهم ومشاعرهم وضمائرهم ـ حتى المخفي المستور منها ـ برسائل عذبة الصدق شيقة في همس التواصل والتوصيل لنفوس القراء، وفي هذا ما يكفي!
أول ما صدر للشاعر عمر العناز مجموعته (فجر الرؤى) 1999، ثم أتبعها بديوانه (لهاث الموج) 2001 وبعدها ساهم في مجموعة شعرية مشتركة بعنوان: (نقوش على وجنة البيبون) 2002، بالإضافة إلى نشره العديد من القصائد في الصحف والمجلات العراقية والعربية، وأخيراً (رذاذ) من مطبوعات (الاتحاد العام للأدباء والكتاب في نينوى) 2007 بإصدار جميل من الحجم الصغير في خمس وستين صفحة ضمت خمساً وستين (مقطوعة).. مقطوعات غالبيتها لا تزيد على سطرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وواحدة منها فقط بلغت ستة أسطر...
عمر عنّاز بدأ شاعراً كلاسيكياً ملتزماً بعروض وأوزان وتقنيات ذلك العبقري المذهل الفراهيدي، وقد قيل إن عبقري البصرة ربّما استنبط أوزانه وترانيمه بعد أن مرّ بسوق الصفافير، ومنح سمعه الدقيق المرهف- وبتفاعل الموسيقي الكبير- لضربات وإيقاع تلك المطارق واهتزازات نغماتها الموزونة- مع اختلاف الضربات بحساسية نوعيات تلك المعادن، هذا ما تحدث به بعض رواة التراث الشعري، ومهما كانت الحقيقة فإن المسألة تبدو مقبولة، ثم هي تتعلق بالموسيقا والتنغيم، والشعر هو موسيقا الحياة بكل تلاوينها وعواطفها ومشاعرها ودفق انفعالاتها وبكل ما فيها من حدّة وقلق وتوتّر أو استرخاء ونعومة.
وإذا كان الشاعر عمر عنّاز قد جرب كل ألوان الشعر شكلاً ومضموناً: العروضي والحرّ والتفعيلة وقصيدة النثر، فإننا نجد في مجموعته الجديدة (رذاذ) شيئاً غريباً. هل (رذاذ) قصيدة واحدة فرّقها الشاعر بهذا الشكل كلمات محدودة وأسطر موزعة على خمس وستين صفحة؟! لا أرى ذلك وأستبعده.
نقرأ مقطعاً ومقطعين وثلاثة وعشرة وأكثر وأكثر وكل هذه (المقطوعات) أو (السونيتات) بلا عناوين، فنتحسّس أننا نقرأ لوناً وجنساً جديداً مغامراً ومغايراً من الشعر، وبسهولة وتلقائية وقناعة يستطيع قارئ وأكثر أن يقول: (هذه قصص قصيرة جداً) أراد الشاعر أن يمنحها (صفة الشعر وهويته)، عندها يتأمل الناقد في هذا القول فيجد فعلاً أنّ هذه (السونيتات) قد احتوت شروط القصة القصيرة جداً، وهي (التركيز والتكثيف والاقتصاد في قليل الأقل من الكلمات والموحيات والدلالات ومعها المفاجأة الصادمة التي تصل حدّ الإثارة وتحفيز مخيلة القارئ وهواجسه تجاه ما يقرأ ويتفاعل معه وينفعل به) فيبدو مقنعاً أننا أمام (قصص قصيرة جداً) ولكن وبمراجعة نقدية متأنية ليست سريعة الحكم وتعتمد الحساسية والذائقة القرائية المنتبهة والدقيقة، نجد أن الشاعر لم يهدف لكتابة (قصص قصيرة جداً) وما كانت هذه رسالته وهاجسه عندما يقول:
علمني (عريف الفصيل): يميناً أنظر، ربّما أراد أن يوهمني أنكِ غير موجودة في بيت القلب ص12، من صفات هذه المقطوعة (المفاجأة)-وهي من مستلزمات القصة القصيرة جدّاً، ولكن مسألة (القلب) سحبت (السونيتة) لصف شعر التفعيلة.. ومثلها (وحدهم السورياليون، يستطيعون أن يستوعبوا فوضى ارتمائك في ذاكرة الياسمين) ص41 ومثلها (عندما تراودني الكتابة، أتذكرك، فتعشب في راحتي أمنية ذابلة) ص26، هذا شعر وليس بقصة قصيرة جداً، ومثلها (عندما أمطرت السماء، عطراً وموسيقى، نبت الشاعر ص16 وهذا أيضاً شعر وليس بقصة قصيرة جداً، ومثلها (من فروة هذا البدوي المتعب، تورق أحلام الصحراء) ص17 وأيضاً (أحلم أن أطوق، مثلما يطوّق نهر جزيرة خضراء أنجبتها موجة عاشقة) ص53، وشبيه بذلك (ما بين الدمعة والدمعة، تتنفس آلاف الصلوات) ص23 هذا كله شعر ومثل ذلك كثير مما اكتنزته تلك (السونيتات) المكروسكوبية الوديعة، ومع هذا الاجتهاد فإنّ كثيراً من تلك (المقطوعات) حمل صفة وشرط (ق.ق.ج) ومثال لذلك (لم أنجح في الجغرافية، إلا بعد أن رسمت لحبنا خريطة بلا حدود) ص5، وأيضاً (هؤلاء، كيف لا ينجحون وأنفاسك تلون كراريسهم) وقل مثل ذلك عن (كل عناترة التاريخ خرافة، والشاهد أن الأرض تكررهم) ص20 ونضيف (لأنني يا طفلتي، مدجج بالأسئلة، أبحث عن قصيدة عنوانها: (علامة استفهام) ص9، وغير هذا كثير إذا أردنا التدقيق في النصوص لأدخلناها في (خانة ق.ق.ج)، ولكن الأمر ليس بهذه السهولة فالفارق بين الشعر والقصة والنصّ في زمن التمازج والتناغم بين الأجناس الأدبية وفي (رذاذ) يكاد لا يبين أحياناً وحدوده أضحت أضعف من شعرة رقيقة دقيقة، لذا كان الشاعر حذراً وواقعياً عندما لم (يحدّد) تسمية لمجموعته وحتى عناوين لقصائده، وهي فعلاً كذلك، وأستطيع القول إنني خرجت بنتيجة أن الشاعر بهذا المزج الجميل غير المتعّسف بين الأجناس الأدبية المختلفة قد أوجد (شيئاً) ربما لم يجد ـ ونحن معه ـ ضرورة لتسميته بوضوح أو حتى لإعطائه هوّية محدّدة تطوقه وتقيده وتخنقه بأسوار صارمة مغلقة..
مهارة الشاعر عمر عنّاز واستبطانه العميق لدلالات الحياة بشرياً ومادياً وروحيّاً ـ كإنسان وشاعر ـ مع موجعات الحوادث والأحداث وحيرة تفسير غوامض أحزان الدنيا وفي وقائعها اليومية التائهة الأليمة، مع تميّزه بمحبة وعشق التراث الحضاري العريق وتقنياته التي ظلت مضيئة عبر العصور، مضافاً إليها هذا الجديد من الشعر في أشكاله ومضامينه وصوره الفنية، هو الذي أضاف لمنجزه الشعري وبموهبته الفطرية غير المصنوعة والمتكلفة، هذا الإبداع الجديد، وهذه المهارة في تلاوين (رذاذ) التي يمكن القول عنها وبكل ثقة وبلا تردد إنها إضافة حيوية خلاقة بنبضها الشعري جديرة باهتمام القراء والتأمل.
وجدير أكثر بأن يتعامل معها النقاد بكل حرص وعناية وجدية وقبول لهذا الشكل الجديد، دون إشغال أنفسهم ـ نقدياً ـ لإيجاد تسمية مميزة له أو اضطرارهم لتقنية ضمن أطر جامدة، فما منحه الشاعر لقصائده من مديات مفتوحة غير المنغلقة، ومع هذه الانسيابية المستحبة التي ربما همست لعيون القراء وعقولهم ومشاعرهم وضمائرهم ـ حتى المخفي المستور منها ـ برسائل عذبة الصدق شيقة في همس التواصل والتوصيل لنفوس القراء، وفي هذا ما يكفي!