صلاح ابوشنب
03/04/2011, 08:06 AM
الفصل الثانى من رواية بيوت من رمال لصلاح ابوشنب
توقفنا فى الفصل الاول عندما طافت الذكريات برأس بطل الرواية عندما كان يأتى فى الصباح لممارسة مهام وظيفته فيجد الكيس وبداخله السندوتشات ما تزال حارة.!!
يا تُرى لماذا تخلىَّ عنه فى تلك اللحظة وقد كان فى مسيس الحاجة الى وقوفه الى جانبه .؟
أكان ذلك عطفاً أم صدقة من مدير كبير لموظف صغير يعمل فى مكتبه. ؟
أم أنه اتخذ هذا الموقف المضاد بسبب رفضه للعرض الذى سبق أن عرضه عليه بالزواج من زميلته السكرتيرة التى كانت على وشك أن تصاب بالعنوسة ووجد نفسه قد فشل فى أن يوفق رأسين فى الحلال ويصبح من صلحاء المجتمع لذلك ردُّ له الصاع بصاعين .؟
قال بحدة : لا يتوفر بديل ، ثم استطرد.. إن لم تعد لمباشرة عملك بعد انتهاء الخمسة عشرة يوما التى صرحت لك بها فسوف تُفصل من العمل.
قال فى نفسه : الى هذا الحد يصل بك غضبك من أجلها .. إن شاء الله سيوفقنى ربى ولن أعود إليكم لأستجديكم إرجاعى الى العمل .
استيقظ من إجترار همومه على صوت المضيفة وهى تبتسم فى وجهه قائلة : فيما أنت سارح ؟
- عفوا .. لا شىء.
- من فضلك اربط حزام الأمان ، الطائرة على وشك الاقلاع .
لم يعرف كيف يربط حزام الامان .. طوقته المضيفة بذراعيها وربطته له .. رائحة عطرها ملأت أنفاسه .
سارت الطائرة ببطء ملحوظ فى ممر طويل ، قبل أن تصل الى نهايته ارتفعت أصوات محركات تكاد أن تصم اذنيه .. نظر من النافذة .. شاهد الجناح الأيمن يحمل محركين كبيرين ، يهتزان بشدة ، كادا ان ينفصلا عن جسم الطائرة ..
ازداد خوفا ، كلما استدارت الطائرة .. ارتفعت اصوات المحركات أكثر .. راحت ترعد .. اهتزت جوانبها حتى ظن أن اوصالها سوف تتقطع .. جرت بسرعة شديدة وارتفعت مقدمتها فجأة .. مال جسمها الى الخلف .. مالت رأسه معها .. أحس بقليل من الدوار ورغبة فى الغثيان ، أسرع يلهج بالشهادة .. سلم يارب.
انتهى من دعائه .. استوت فى السماء .. هدأ ازيز المحركات وانتظم دورانها وانسجم تحليقها.
لكن فى اذنيه طنين لا يتوقف ، استدعاها بزرعلى مسند المقعد..
جاءت تختال .. تدفع عربة ، سألته : أى صحيفة تريد ؟
- أرغب فى إزالة الطنين من أذنىَّ .
- إبتلع ريقك وسرعان ما يزول .
- أخبار اليوم من فضلك .
تصفحها على عجل ، فهو لا يرغب فى أن يفوِّت على نفسه الاستمتاع بالمناظر الخلابة التى يراها من خلال هذا البعد الشاهق عن الارض .. يرى زرقة صفحة ماء البحر كلوحة بديعة رسمتها القدرة الالهية العظيمة .. كان الشاطىء ما يزال خلفه على مرمى البصر واليابسة ليست ببعيد.
جاءت اخرى تتهادى .. أنيقة الملبس .. باسمة الثغر .. تدفع عربة مشابهة .. روائح طعام شهى عبَّقت المكان..اقتربت منه وقالت : هل تفضل لحما أم دجاجاً ؟
قال مازحا : لا بد من تذوق الاثنين حتى استطيع الحكم ..
لم تتردد .. بلطافة وسخاء ناولته وجبتين ، طبق لحم وآخر دجاج.
- كنت امزح .. دعينى اكتفى بالدجاج ..
- لا عليك .. اللحم أيضا لذيذ ..
- اشكرك .
بادره الجالس الى جواره بقوله : دع اللحم لى .. ومد يده كى يأخذ وجبة اللحم .. ناوله إياها وهو يبتسم ...
الطائرة تبدو وكأنها متوقفة فى الجو بلا حراك .. البحر هو الاخر لا تبدو له نهاية .. زرقته جذابة .. السفن كلعب أطفال متناثرة .. الطائرة هى الاخرى معلقة فى فضاء من فوقهم .
عادت من جديد ..اقتربت ..ابتسمت وقالت : شاى أم قهوة؟
شاى من فضلك ..
فتحت(صينية) بلاستيكية مثبتة خلف المقعد الذى امامه ،وضعت فى ثقبها كوبا من بلاستيك وسكبت شايا شديد السخونة.
جاء الشاى فى الوقت المناسب ، فقد بدأت أجهزة التكييف التى تنفث برودتها من فوق رأسه تأتى ثمارها فى أوصاله ...
لم يكد يكمل قراءة بعض مقالات صحيفة أخبار اليوم حتى أعلنت المضيفة ضرورة ربط أحزمة المقاعد استعدادا للهبوط...
اقتربت منه ثانية .. امسكت بأطرافها حزام الامان .. شدته حول بطنه .. عرفت بخبرتها أنه حديث العهد بركوب الطائرات ..
خفّضت الطائرة سرعتها .. قللت من ارتفاعها .. ظهرت الابنية واضحة .. شاهد المدرج كخط مستقيم فوق صفحة من كراسة طفل.
مالت مؤخرتها الى الخلف وكأنها أرجوحة تمازح الركاب بينما ارتفعت مقدمتها الى أعلى .. نظر من خلال النافذة .. صندوقٌ صغيرٌ قد انفتح فى بطنها .. قوائم هيدروليكية تمددت فى الهواء كمخالب نسر استعد للانقضاض على فريسته.
وقفت المضيفة بكامل رقتها وأناقتها عند المقدمة واجهت الركاب وقالت: سيداتى وسادتى .. مصر للطيران تحييكم .. حمدا لله على سلامتكم ..انتم الآن فوق مطار جدة الدولى، ابقوا فى اماكنكم لحين فتح ابواب النزول .. درجة الحرارة فى الخارج 45 درجة مؤية .. نتمنى أن نراكم مرة أخرى على متن مصر للطيران.
اجراءات سهلة ، صالة المطار صغيرة تشبه مطار الاسكندرية باستثناء كونها مكيفة الهواء .. يعيبها أنها داخل الكتلة السكنية.
وقف خارج المطار يتطلع حوله ، جو شديد الحرارة ، تفصد جسمه عرقا ، لم تمر على وجهه نسمة هواء منذ خروجه حتى ركوبه الأجرة ذات اللون الأصفر..
ناول السائق قصاصة بها العنوان ، نظر السائق فى الورقة وقال: ها المكان بعيد .
- لا بأس .
- سوف تدفع عشرة ريالات .
- كم تبلغ المسافة .؟
- خمسة عشر كيلو مترا.
- لا بأس .. توكل على الله .
السيارة غير مكيفة الهواء .. الجو قاس .. بقائه داخل سيارة غير مكيفة أرحم بكثير من وقوفه فى الشارع .. فلم يشأ أن يساوم.
انطلق السائق مسرعا .. فى اقل من ربع ساعة وصل .. نظر حوله .. عن يمينه وشماله صحراء وفى الخلف جبالٌ شمٌ سود .
سيارة شرطة على حافة الطريق ..أرشده الشرطى الى العنوان.
سار فوق الرمال يحمل حقيبته .. لا شىء يقى رأسه حرارة الشمس اللافحة.. تنبه الى أهمية غطاء الرأس الذى يرتديه الأهالى.
الشخص الذى يسأل عنه غير موجود .. أحدهم ارشده الى شخص طويل القامة مقوس الكتفين ذو شارب متهدل كشارب ذكر روبيان عجوز .. قالوا انه هو المسؤل عن العمل حاليا.
قابله بفتور ملحوظ .. نادى احد الشغالين ، طلب منه اصطحابه الى أحد البيوت القريبة من موقع العمل .
بيت ارضى مكون من غرفتين بفناء صغير يسمونه "حوش" ، منه الى الشارع مباشرة ، كل البيوت فى ذاك المكان تشبه بعضها فى الشكل واللون .
حوائطها تنفث حرارة ووهجا .. مروحة معلقة فى وسط السقف تكابد كى تجلب لفحة من هواء حار.
بعد حوالى ساعة من الوقت جاء هذا الشخص وبعد محادثة قصيرة طلب اليه أن يستعد لممارسة العمل فى صباح اليوم التالى..
شعر بقلق بعد سماعة تلك الكلمات ، وسأل نفسه فى صمت ترى أى عمل يتحدث عنه هذا ، وماعلاقته بالعمل الذى أتى من أجله ؟ لكنه لم يرغب فى استباق الأحداث .. كان متعبا من عناء السفر فلم يعقب وفضل أن يختصر الحديث ليتابع نومه والصباح رباح .
***
توقفنا فى الفصل الاول عندما طافت الذكريات برأس بطل الرواية عندما كان يأتى فى الصباح لممارسة مهام وظيفته فيجد الكيس وبداخله السندوتشات ما تزال حارة.!!
يا تُرى لماذا تخلىَّ عنه فى تلك اللحظة وقد كان فى مسيس الحاجة الى وقوفه الى جانبه .؟
أكان ذلك عطفاً أم صدقة من مدير كبير لموظف صغير يعمل فى مكتبه. ؟
أم أنه اتخذ هذا الموقف المضاد بسبب رفضه للعرض الذى سبق أن عرضه عليه بالزواج من زميلته السكرتيرة التى كانت على وشك أن تصاب بالعنوسة ووجد نفسه قد فشل فى أن يوفق رأسين فى الحلال ويصبح من صلحاء المجتمع لذلك ردُّ له الصاع بصاعين .؟
قال بحدة : لا يتوفر بديل ، ثم استطرد.. إن لم تعد لمباشرة عملك بعد انتهاء الخمسة عشرة يوما التى صرحت لك بها فسوف تُفصل من العمل.
قال فى نفسه : الى هذا الحد يصل بك غضبك من أجلها .. إن شاء الله سيوفقنى ربى ولن أعود إليكم لأستجديكم إرجاعى الى العمل .
استيقظ من إجترار همومه على صوت المضيفة وهى تبتسم فى وجهه قائلة : فيما أنت سارح ؟
- عفوا .. لا شىء.
- من فضلك اربط حزام الأمان ، الطائرة على وشك الاقلاع .
لم يعرف كيف يربط حزام الامان .. طوقته المضيفة بذراعيها وربطته له .. رائحة عطرها ملأت أنفاسه .
سارت الطائرة ببطء ملحوظ فى ممر طويل ، قبل أن تصل الى نهايته ارتفعت أصوات محركات تكاد أن تصم اذنيه .. نظر من النافذة .. شاهد الجناح الأيمن يحمل محركين كبيرين ، يهتزان بشدة ، كادا ان ينفصلا عن جسم الطائرة ..
ازداد خوفا ، كلما استدارت الطائرة .. ارتفعت اصوات المحركات أكثر .. راحت ترعد .. اهتزت جوانبها حتى ظن أن اوصالها سوف تتقطع .. جرت بسرعة شديدة وارتفعت مقدمتها فجأة .. مال جسمها الى الخلف .. مالت رأسه معها .. أحس بقليل من الدوار ورغبة فى الغثيان ، أسرع يلهج بالشهادة .. سلم يارب.
انتهى من دعائه .. استوت فى السماء .. هدأ ازيز المحركات وانتظم دورانها وانسجم تحليقها.
لكن فى اذنيه طنين لا يتوقف ، استدعاها بزرعلى مسند المقعد..
جاءت تختال .. تدفع عربة ، سألته : أى صحيفة تريد ؟
- أرغب فى إزالة الطنين من أذنىَّ .
- إبتلع ريقك وسرعان ما يزول .
- أخبار اليوم من فضلك .
تصفحها على عجل ، فهو لا يرغب فى أن يفوِّت على نفسه الاستمتاع بالمناظر الخلابة التى يراها من خلال هذا البعد الشاهق عن الارض .. يرى زرقة صفحة ماء البحر كلوحة بديعة رسمتها القدرة الالهية العظيمة .. كان الشاطىء ما يزال خلفه على مرمى البصر واليابسة ليست ببعيد.
جاءت اخرى تتهادى .. أنيقة الملبس .. باسمة الثغر .. تدفع عربة مشابهة .. روائح طعام شهى عبَّقت المكان..اقتربت منه وقالت : هل تفضل لحما أم دجاجاً ؟
قال مازحا : لا بد من تذوق الاثنين حتى استطيع الحكم ..
لم تتردد .. بلطافة وسخاء ناولته وجبتين ، طبق لحم وآخر دجاج.
- كنت امزح .. دعينى اكتفى بالدجاج ..
- لا عليك .. اللحم أيضا لذيذ ..
- اشكرك .
بادره الجالس الى جواره بقوله : دع اللحم لى .. ومد يده كى يأخذ وجبة اللحم .. ناوله إياها وهو يبتسم ...
الطائرة تبدو وكأنها متوقفة فى الجو بلا حراك .. البحر هو الاخر لا تبدو له نهاية .. زرقته جذابة .. السفن كلعب أطفال متناثرة .. الطائرة هى الاخرى معلقة فى فضاء من فوقهم .
عادت من جديد ..اقتربت ..ابتسمت وقالت : شاى أم قهوة؟
شاى من فضلك ..
فتحت(صينية) بلاستيكية مثبتة خلف المقعد الذى امامه ،وضعت فى ثقبها كوبا من بلاستيك وسكبت شايا شديد السخونة.
جاء الشاى فى الوقت المناسب ، فقد بدأت أجهزة التكييف التى تنفث برودتها من فوق رأسه تأتى ثمارها فى أوصاله ...
لم يكد يكمل قراءة بعض مقالات صحيفة أخبار اليوم حتى أعلنت المضيفة ضرورة ربط أحزمة المقاعد استعدادا للهبوط...
اقتربت منه ثانية .. امسكت بأطرافها حزام الامان .. شدته حول بطنه .. عرفت بخبرتها أنه حديث العهد بركوب الطائرات ..
خفّضت الطائرة سرعتها .. قللت من ارتفاعها .. ظهرت الابنية واضحة .. شاهد المدرج كخط مستقيم فوق صفحة من كراسة طفل.
مالت مؤخرتها الى الخلف وكأنها أرجوحة تمازح الركاب بينما ارتفعت مقدمتها الى أعلى .. نظر من خلال النافذة .. صندوقٌ صغيرٌ قد انفتح فى بطنها .. قوائم هيدروليكية تمددت فى الهواء كمخالب نسر استعد للانقضاض على فريسته.
وقفت المضيفة بكامل رقتها وأناقتها عند المقدمة واجهت الركاب وقالت: سيداتى وسادتى .. مصر للطيران تحييكم .. حمدا لله على سلامتكم ..انتم الآن فوق مطار جدة الدولى، ابقوا فى اماكنكم لحين فتح ابواب النزول .. درجة الحرارة فى الخارج 45 درجة مؤية .. نتمنى أن نراكم مرة أخرى على متن مصر للطيران.
اجراءات سهلة ، صالة المطار صغيرة تشبه مطار الاسكندرية باستثناء كونها مكيفة الهواء .. يعيبها أنها داخل الكتلة السكنية.
وقف خارج المطار يتطلع حوله ، جو شديد الحرارة ، تفصد جسمه عرقا ، لم تمر على وجهه نسمة هواء منذ خروجه حتى ركوبه الأجرة ذات اللون الأصفر..
ناول السائق قصاصة بها العنوان ، نظر السائق فى الورقة وقال: ها المكان بعيد .
- لا بأس .
- سوف تدفع عشرة ريالات .
- كم تبلغ المسافة .؟
- خمسة عشر كيلو مترا.
- لا بأس .. توكل على الله .
السيارة غير مكيفة الهواء .. الجو قاس .. بقائه داخل سيارة غير مكيفة أرحم بكثير من وقوفه فى الشارع .. فلم يشأ أن يساوم.
انطلق السائق مسرعا .. فى اقل من ربع ساعة وصل .. نظر حوله .. عن يمينه وشماله صحراء وفى الخلف جبالٌ شمٌ سود .
سيارة شرطة على حافة الطريق ..أرشده الشرطى الى العنوان.
سار فوق الرمال يحمل حقيبته .. لا شىء يقى رأسه حرارة الشمس اللافحة.. تنبه الى أهمية غطاء الرأس الذى يرتديه الأهالى.
الشخص الذى يسأل عنه غير موجود .. أحدهم ارشده الى شخص طويل القامة مقوس الكتفين ذو شارب متهدل كشارب ذكر روبيان عجوز .. قالوا انه هو المسؤل عن العمل حاليا.
قابله بفتور ملحوظ .. نادى احد الشغالين ، طلب منه اصطحابه الى أحد البيوت القريبة من موقع العمل .
بيت ارضى مكون من غرفتين بفناء صغير يسمونه "حوش" ، منه الى الشارع مباشرة ، كل البيوت فى ذاك المكان تشبه بعضها فى الشكل واللون .
حوائطها تنفث حرارة ووهجا .. مروحة معلقة فى وسط السقف تكابد كى تجلب لفحة من هواء حار.
بعد حوالى ساعة من الوقت جاء هذا الشخص وبعد محادثة قصيرة طلب اليه أن يستعد لممارسة العمل فى صباح اليوم التالى..
شعر بقلق بعد سماعة تلك الكلمات ، وسأل نفسه فى صمت ترى أى عمل يتحدث عنه هذا ، وماعلاقته بالعمل الذى أتى من أجله ؟ لكنه لم يرغب فى استباق الأحداث .. كان متعبا من عناء السفر فلم يعقب وفضل أن يختصر الحديث ليتابع نومه والصباح رباح .
***