المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صرخة هادئة ...!!


ابراهيم عبد المعطى داود
12/26/2008, 05:04 PM
صرخة هادئة
تطاير فى جو العمارة نبأ هام بأن العم المسافر منذ عشرين عاما قد عاد ...
تلقًت النبأ فى المطبخ .. شحب وجهها الصافى ولاحت فى عينيها الخضر اوين نظرة حزينة ..
علا صوت امها تحثها أن تطفىء نار الموقد لتذهب معها للسلام عليه كبقية الأهل والجيران .. لامفر إذا من مقابلته بل ومصافحته .. سرت فى بدنها قشعريرة ..حاولت أن تتلكأ قليلا ولكن ماذا يجدى وراء الحاح والدتها المستمر ...
قصدت شقته المجاورة مع أمها فى رداء محتشم .. وقف فى الصالون يستقبل الأهل والجيران وبجواره زوجته وطفلتيه .. طويل القامة ..ذو وجه أسمر وأنف مدبب وعينين جاحظتين .. تقدمت فى خطى خفيفة مركزة عيناها على الأرض متحاشية النظر نحو وجهه ثم مدت يدها ..ماذا تقول ..؟ بحثت بسرعة عن لفظ واحد تنطق به ولكنها خرست ..! ترى ماذا لاح فى عينيه ..؟ مالذى دار فى مخيلته ..؟
صافح يدها الرقيقة بيده الضخمة وقال بصوت هامس :
- أشكرك
استدارت بسرعة ومضت بقامتها الرشيقة .. وعلى أول مقعد فى شقتها جلست متهالكة وصدرها يعلو ويهبط ..
وتساءلت الأم :
- لماذا أنت شاحبة هكذا ..؟
قالت بايجاز :
- لاشىء
قصدت الأم المطبخ فتمتمت فى سرها :
- انه من الجنون أن أطرح الموضوع الآن ..!
بعد الطعام أوت الى حجرتها ...طاف الزمن البعيد فى خيالها .. زمن لاتستطيع أن تنساه تماما .. كيف ينسى ومطرقته تدق قلبها وجسدها وتجتاح كيانها كله .. فتحت عينيها على الحياة لتجده فى الشقة المجاورة تناديه ب"عمو" يحملها ..يهدهدها ..
يقبلها .. يضحك لضحكتها .. يجزع لبكائها .. وكلما أشفقت عليه أمها من حنانه الدافق أجاب ضاحكا :
- لو تزوجت لكان لى ابنة فى مثل سنها تماما ..
وتتركها الأم وتنصرف وهى تقول فى توكيد :
- أنت مثل والدها تماما ..!
ولكن فى سن الرابعة عشر .. حدث ماحدث !! لم تفطن فى أجواء براءتها المترامية وسذاجتها الطاهرة الى أى تغيير فى سلوكه لتأخذ حذرها .. انفرد بها ذات يوم ووقع المحظور .. تساءلت فى فزع "ماذا حدث ياعمو ..!؟"
همس لها "لاتخافى ..احتفظى بسرك ولا تخبرى أحدا ".
وبعدها باسبوع طار الى بلاد الخليج ...
ومع كرور السنين بلغت درجة من النضج أتاحت لها ادراكا لأبعاد مأساتها ..وتكشًفت لها الحقيقة المرًة ...,لكن مالحيلة ..؟؟
تلفتت حولها ..أبوها رحل عن دنياها منذ عامين ..وامها لاحول لها ولا قوة ..
فانطوت على نفسها واجتهدت فى دراستها ..وقررت اغلاق باب الأمل الى الأبد
ياله من موقف يدفع الانسان دفعا الى مايكره ..أصبحت جميلة بل فاتنة .. يضرب بها المثل فى الأدب الجم والبهاء الحسن .. لكنها عقدت العزم وانتهى الأمر ...
فى الجامعة تجنبت الحب وخافته ..,وزهدت فى العاطفة وعافتها .. صممت أن تمضى بكل قواها فى الحياة بهدوء وبدون ضجة .. مطمئنة بوحدتها .. سعيدة بحاضرها .. تلح على اقناع روحها بأن السعادة لاتنحصر فى الحب والزواج والأمومة .. وكلما جاء عريس هزت رأسها بالنفي فتزعق أمها فى حزن وحسرة :
- لماذا ياابنتى ..انه مناسب لك
فتجيب أجابة قاطعة :
- أنا أدرى بمصلحتى ياأمى ...!
وكلما دعيت الى حفل زفاف صديقةأوقريبة..عادت أكثر تصميما .. وهان عليها أن تضحى
بالزواج وألفة السنين وتاج الحياة .. وقالت أن الوحدة فى رفقة الكبرياء ليست وحدة .. فلم تندم قط على قرارها الصلب ..
من يدرى ...ماذا يخبىء لها الغد ..؟
حقا ..
انها تأسف لظهوره فى حياتها من جديد .. لقد جعل من الماضى حاضرا أليما ..
وصرخت من أعماق ذاتها :
- انى أكره الماضى كراهية الأرض للدم .. ولكن ماالحيلة ..؟
وفى اليوم التالى ندت عنها زفرة أسى وقالت لأمها فى صوت كالأنين :
- أمى .. هيا بنا نبحث عن مكان آخر غير هذه العمارة الملعونة .
أجابت الأم فى استسلام :
- كما تريدين حبيبتى ..
ثم
ثم قررت أن تركض فى دروب الحياة بعقل واع .. وقلب مكلوم .. وجسد ميت .
********************

إبتسام إبراهيم تريسي
12/26/2008, 06:46 PM
أخي إبراهيم
تحياتي ...
قرأت قصتك قبل أن نكسة الحكايا ، وأبديت رأيي فيها ، وأمر الآن للتحية ، وتأكيد إعجابي بطريقتك في القص .
وأؤكد على ضرورة الانتباه إلى أخطاء الكيبورد .
باقة مودة .

ريمه الخاني
12/28/2008, 12:27 PM
قصه كتبت بحساسيه عاليه وعواطف غضه جميله
سلمت لنا دوما

خديجة قرشي
12/30/2008, 03:43 AM
الأديب ابراهيم عبد المعطي داود

صرخة هادئة واحتجاج صامت يخفي جرحا دفينا يعتصرها،

وذكرى أليمة تلاحقها،

صيغت بشكل رائع يشد القارئ إلى النهاية الصادمة.

شكرا لحرفك الجميل

غفران طحّان
01/05/2009, 03:32 AM
قرأته هذا النص قبلاً
وبكيت..
كنت رائعاً..بروح حساسة وراقية كتب هذا النص
أستاذي الكريم
تقبل الياسمين
مودتي لروحك

دكتور/ محمد فؤاد منصور
05/14/2010, 07:25 PM
أخي الحبيب ابراهيم عبد المعطي
كلما عصف بي الشوق ، قلبت الصفحات لأعثر على أحد أعمالك لم أكن قد شاركت في الحفاوة به وهاأنا أعثر على هذه التحفة الأدبية في الصفحات المطوية ، مااجمل أسلوبك القصصي الذي لايقذف الحقائق كلها في وجه القارئ ينتقي منها مايشاء ، ولا يخفيها كلها حتى يضرب القارئ أخماساً في أسداس فلا ينتهي الأمر حتى يضرب رأسه بأقرب حائط يائساً من قدرته على الفهم والإمساك بالفكرة .
أنت هنا تقدم اوراقك القصصية بحنكة كاتب خبير وقاص أريب يمسك بخناق القارئ حتى يستعذب الحديث فلا يغادر مكانه وإن أفلته .. مدرستك القصصية آسرة ولها مريدوها وسنظل ننتظرك هنا حتى نتزود بمدد جديد من براعة القص ..
مودتي الدائمة .