صلاح ابوشنب
03/12/2011, 03:25 AM
بيـــــــــــــوت مـــن رمــــــــــــال
الفصل الخامس
ارخى الليل أستاره .. بدا المكان مخيفا .. سواد حالك ينتشر فى كل مكان .. أضواء خافته لتيار يبدو انه منخفضا .. مصابيح مضاءة بدأت شبيهة بشموع تراقصت فى ظلالها خيالات الناس جيئة وذهابا .. انعكست الصور بأحجام عملاقة فوق صفحة الجبل فبدت وكأنها أشباح تمرح فى الظلام.!!
فوق المقاعد الخشبية البدائية الصنع التى صنعها العمال من أعواد وفروع الاشجار المجاورة جلست وجوه مختلفة .. باكستانيون .. هنود.. جاويون .. بخاريون.. افعان.. توانسة .. مغاربة .. موريتانيون .. افارقة .. طائفة من فقراء حول العالم .. شبابا .. شيوخا.. سُمر .. حُمر .. صُفر .. سُود .. توليفة جميلة من مختلف البقاع .. هذا التلاقى البشرى العشوائى كان هو أجمل ما فى الغربة..!!
أزياء متنوعة..زاهية ..فاقعة ..مزركشة ملونة .. مثل لغاتهم .. التفاهم صعب وشاق .. الاشارة هى التى تفصح عن العبارة .. بالاصابع تارة أو بالنقش على التراب بعود أو حجارة .
الانجليزية .. لغة التفاهم الرئيسية .. قليل من يعرفها .. باستثناء المتعلمين من الباكستانيين والهنود لانها ما تزال لغة سائدة فى تلك البلاد.
- كيه هالى هيه : معناها كيف حالك باللغة الأُردية (الباكستانية)، بعد الفحص والتقصى اتضح انها تحوير للكلمة العربية (كيف حالك).
- تى كيه : معناها بخير .. وهى رد على الكلمة السابقة .
- أوماندان أوماجا : معناها كيف حالك باللغة التجالية .. لغة أهل القبائل العريقة فى الفيليبين.
- أوماندان أوماجا دين.
معناها أنا بخير ، وهى رد على العبارة السابقة .
احضر ورقة وقلما وراح يكتب بضع كلمات من كل لغة مما كان يتحدث بها الحاضرون.
فى خلال شهر واحد استطاع أن يحفظ العديد من الكلمات لعدة لغات أسيوية.
أحد الحاضرين لاحظ اهتمامه .. اقترب منه .. جلس الى جانبه ، كان يرتدى زيا تلقيديا لبلاده .. حدثه بالانجليزية:
- السلام عليكم .
- عليكم السلام .
- من أين أنت.؟
- من مصر.
- الأزهر .. الأهرام والنيل أليس كذلك .؟
- نعم .. وأنت.؟
- اسلام اباد.
- باكستان.؟
- نعم.
- بلدكم جميل.
- شكرا.
- ما اسمك.؟
- عزيز خان.
- ماهى مهنتك.؟
- مهندس ميكانيكا.
- أوه .. رائع .. وماذا تعمل هنا.؟
- اعمل فى هذا المصنع .. وأشار الى مبنى قريب.
- وما هى وظيفتك.؟
- عامل .. عامل على ماكينة الويفر(البسكويت)..!!
- كان الله فى عونك.
- وأنت ما اسمك .؟
- سامح .. اسمى سامح .
- نايس نيم.
- شكرا.
- ماهى مهنتك.؟
- مترجم.
- ماذا تعمل هنا.؟
- عامل حفر.
- هل تتبع المصنع.
- لا .. اتبع لمقاول.
- هل تحمل إقامة.؟
- لا .. وأنت.؟
- لو كنت أحمل اقامة ما مكثت فى هذا العذاب المهين..!!
- ماذا تعنى بذلك.؟
- الا تعلم أن غالبية الذين يعملون فى هذا المكان المنعزل لايحملون تصاريح إقامة.؟
- هل الحصول على عمل فى بلادكم صعب.؟
- لا .. العمل عندنا كثير ولكن المقابل ضئيل .. لا يكفى شيئا.
- هنا تكمن المشكلة.
- هل تعلم أنه يوجد هنا عدد كبير من اسلام اباد يعملون فى هذا المصنع .. معظمهم خريجو جامعات .. سكت برهة ثم قال: انظر الى زميلى هذا ، (وأشارالى شخص كان يقف على مقربة منهما) نظر نحوه ، فإذا هو شاب ممشوق القوام ، بشوش الوجه ، كث اللحية . ثم اردف : هل تعلم ما هى مهنته.؟
- لا طبعا.؟
- انه طبيب بشرى ، يعمل معى فى نفس المصنع عامل تنظيف وجامع قمامة ، وهذا الشخص الذى يتحدث معه .. انه بلال من نفس مدينتى .. انه مهندس زراعى يعمل فى تجميع علب الكرتون.
توقف سامح برهة وأخذته الدهشة .. فكر فى نفسه .. وفى الحوار الذى دار بينه وبين المقاول صباح نفس اليوم .. قال لنفسه:
- كلنا فى الهوا سواء .. ثم توجه نحوه وقال:
- لا شك ان هؤلاء جميعا تركوا أوطانهم بحثا عن فرصةعمل توفر لهم حياة افضل ؟
- هذا مؤكد .. لكنها لم تواتيهم بعد.
- وفى اعتقادك متى يمكن أن تأتيهم.؟
- لا أحد يعرف .. الله وحده يعلم .. ربما تكون مسألة حظ.
- ألم يفكروا فى العودة .؟
- لا يمكن للانسان ان يهرب من سوء الى أسوأ.
- وأنت .. ألم تطرأ على بالك فكرة العودة.؟
قال بلا تردد: مطلقا.
- أيعنى ذلك أنك تفضل البقاء هنا.؟
- كلا ..
- وماذا تنتظر.؟
- انتظر الفرصة مثل الباقين.
- الا يمكن أن تنتظرها فى بلادك.؟
- هناك قد لا تواتينى مطلقا.
- لماذا.؟
- عدد السكان المهول يجعل الفرصة ضئيلة وتكاد أن تكون معدومة.
- هل تتطلع الى فرصة بعينها.؟
- أأمل فى السفر الى المملكة المتحدة أو كندا.
- ولماذا تخص هاتين الدولتين.؟
- فيهما جاليات كبيرة من بلادنا منذ سنين طوال.
- وماذا تنتظر.؟
- المال .. بعض المال يا عزيزى .. لتحريك المسألة.
- وكيف ستحصل على تأشيرة الدخول.؟
- عن طريق الالتحاق باحدى الجامعات للدراسة .. هناك يمكننى أن ادرس واعمل فى نفس الوقت.
المال .. المال .. هذا الشىء الذى يلهث خلفه الجميع .. هكذا قال سامح فى نفسه.
كان حديثه مع عزيز واسمه الحقيقى" عبد العزيز" قد أعطاه بصيصا من الأمل ودفعه الى التمسك بشىء من الصبر.
القى نظرة نحو القمر الذى كان ما يزال حديث الولادة فى الافق المظلم خلف الجبل .. كان عزيز يراقبه ..
- الى أين سبحت ياصديقى ؟
- أفكر أن أحذو حذوك.
- تقصد الدراسة بالخارج.؟
- ليتنى استطيع .
- وما يمنعك.؟
- خلفى أسرة فى حاجة ماسة الى المال أكثر من حاجتى الى العلم.
لاحظ عزيز علامات الأسى بادية عليه فأراد أن يُسَرِّى عنه .. سأله إن كان يرغب فى أن يجرب مدى ذكائه.؟
أومأ اليه برأسه بالايجاب .. احضر عزيز ورقة وقلما .. طلب اليه ان يدون فيها مائة اسم وكلمة مختلفة تبدأ بأرقام متسلسلة من واحد الى مائة .
دون مائة اسم وكلمة .. طلب اليه أن يقرأها عليه بترتيبها التسلسلى مرة واحدة فقط.
جَلسَ عزيزُ (جلسة اليوجا) مُتربعاً مُغمض العينين ، بدا عليه وكأنه كان يستجمع قوى التركيز فى رأسه بينما راح سامح يقرأ عليه القائمة بانتظام.
بعد أن انتهى سامح من القراءة فتح عزيزعينيه المغمضتين وبدأ يسترجع القائمة من داخل ذاكرته بترتيبها التسلسلى دون أن يرتكب خطئا واحدا مما أدهشه وشد إعجابَه بعزيز الذى بدا واضحا أنه يتمتع بمقدرة عالية وذكاء غير عادى .
قام عزيز بتدريب سامح حتى استطاع فى غضون اسبوع واحد أن يتقنها ، وصدق عزيز عندما كان يؤكد له دائما أن عملية الذكاء يمكن اكتسابها بالتدريب.
***
الفصل الخامس
ارخى الليل أستاره .. بدا المكان مخيفا .. سواد حالك ينتشر فى كل مكان .. أضواء خافته لتيار يبدو انه منخفضا .. مصابيح مضاءة بدأت شبيهة بشموع تراقصت فى ظلالها خيالات الناس جيئة وذهابا .. انعكست الصور بأحجام عملاقة فوق صفحة الجبل فبدت وكأنها أشباح تمرح فى الظلام.!!
فوق المقاعد الخشبية البدائية الصنع التى صنعها العمال من أعواد وفروع الاشجار المجاورة جلست وجوه مختلفة .. باكستانيون .. هنود.. جاويون .. بخاريون.. افعان.. توانسة .. مغاربة .. موريتانيون .. افارقة .. طائفة من فقراء حول العالم .. شبابا .. شيوخا.. سُمر .. حُمر .. صُفر .. سُود .. توليفة جميلة من مختلف البقاع .. هذا التلاقى البشرى العشوائى كان هو أجمل ما فى الغربة..!!
أزياء متنوعة..زاهية ..فاقعة ..مزركشة ملونة .. مثل لغاتهم .. التفاهم صعب وشاق .. الاشارة هى التى تفصح عن العبارة .. بالاصابع تارة أو بالنقش على التراب بعود أو حجارة .
الانجليزية .. لغة التفاهم الرئيسية .. قليل من يعرفها .. باستثناء المتعلمين من الباكستانيين والهنود لانها ما تزال لغة سائدة فى تلك البلاد.
- كيه هالى هيه : معناها كيف حالك باللغة الأُردية (الباكستانية)، بعد الفحص والتقصى اتضح انها تحوير للكلمة العربية (كيف حالك).
- تى كيه : معناها بخير .. وهى رد على الكلمة السابقة .
- أوماندان أوماجا : معناها كيف حالك باللغة التجالية .. لغة أهل القبائل العريقة فى الفيليبين.
- أوماندان أوماجا دين.
معناها أنا بخير ، وهى رد على العبارة السابقة .
احضر ورقة وقلما وراح يكتب بضع كلمات من كل لغة مما كان يتحدث بها الحاضرون.
فى خلال شهر واحد استطاع أن يحفظ العديد من الكلمات لعدة لغات أسيوية.
أحد الحاضرين لاحظ اهتمامه .. اقترب منه .. جلس الى جانبه ، كان يرتدى زيا تلقيديا لبلاده .. حدثه بالانجليزية:
- السلام عليكم .
- عليكم السلام .
- من أين أنت.؟
- من مصر.
- الأزهر .. الأهرام والنيل أليس كذلك .؟
- نعم .. وأنت.؟
- اسلام اباد.
- باكستان.؟
- نعم.
- بلدكم جميل.
- شكرا.
- ما اسمك.؟
- عزيز خان.
- ماهى مهنتك.؟
- مهندس ميكانيكا.
- أوه .. رائع .. وماذا تعمل هنا.؟
- اعمل فى هذا المصنع .. وأشار الى مبنى قريب.
- وما هى وظيفتك.؟
- عامل .. عامل على ماكينة الويفر(البسكويت)..!!
- كان الله فى عونك.
- وأنت ما اسمك .؟
- سامح .. اسمى سامح .
- نايس نيم.
- شكرا.
- ماهى مهنتك.؟
- مترجم.
- ماذا تعمل هنا.؟
- عامل حفر.
- هل تتبع المصنع.
- لا .. اتبع لمقاول.
- هل تحمل إقامة.؟
- لا .. وأنت.؟
- لو كنت أحمل اقامة ما مكثت فى هذا العذاب المهين..!!
- ماذا تعنى بذلك.؟
- الا تعلم أن غالبية الذين يعملون فى هذا المكان المنعزل لايحملون تصاريح إقامة.؟
- هل الحصول على عمل فى بلادكم صعب.؟
- لا .. العمل عندنا كثير ولكن المقابل ضئيل .. لا يكفى شيئا.
- هنا تكمن المشكلة.
- هل تعلم أنه يوجد هنا عدد كبير من اسلام اباد يعملون فى هذا المصنع .. معظمهم خريجو جامعات .. سكت برهة ثم قال: انظر الى زميلى هذا ، (وأشارالى شخص كان يقف على مقربة منهما) نظر نحوه ، فإذا هو شاب ممشوق القوام ، بشوش الوجه ، كث اللحية . ثم اردف : هل تعلم ما هى مهنته.؟
- لا طبعا.؟
- انه طبيب بشرى ، يعمل معى فى نفس المصنع عامل تنظيف وجامع قمامة ، وهذا الشخص الذى يتحدث معه .. انه بلال من نفس مدينتى .. انه مهندس زراعى يعمل فى تجميع علب الكرتون.
توقف سامح برهة وأخذته الدهشة .. فكر فى نفسه .. وفى الحوار الذى دار بينه وبين المقاول صباح نفس اليوم .. قال لنفسه:
- كلنا فى الهوا سواء .. ثم توجه نحوه وقال:
- لا شك ان هؤلاء جميعا تركوا أوطانهم بحثا عن فرصةعمل توفر لهم حياة افضل ؟
- هذا مؤكد .. لكنها لم تواتيهم بعد.
- وفى اعتقادك متى يمكن أن تأتيهم.؟
- لا أحد يعرف .. الله وحده يعلم .. ربما تكون مسألة حظ.
- ألم يفكروا فى العودة .؟
- لا يمكن للانسان ان يهرب من سوء الى أسوأ.
- وأنت .. ألم تطرأ على بالك فكرة العودة.؟
قال بلا تردد: مطلقا.
- أيعنى ذلك أنك تفضل البقاء هنا.؟
- كلا ..
- وماذا تنتظر.؟
- انتظر الفرصة مثل الباقين.
- الا يمكن أن تنتظرها فى بلادك.؟
- هناك قد لا تواتينى مطلقا.
- لماذا.؟
- عدد السكان المهول يجعل الفرصة ضئيلة وتكاد أن تكون معدومة.
- هل تتطلع الى فرصة بعينها.؟
- أأمل فى السفر الى المملكة المتحدة أو كندا.
- ولماذا تخص هاتين الدولتين.؟
- فيهما جاليات كبيرة من بلادنا منذ سنين طوال.
- وماذا تنتظر.؟
- المال .. بعض المال يا عزيزى .. لتحريك المسألة.
- وكيف ستحصل على تأشيرة الدخول.؟
- عن طريق الالتحاق باحدى الجامعات للدراسة .. هناك يمكننى أن ادرس واعمل فى نفس الوقت.
المال .. المال .. هذا الشىء الذى يلهث خلفه الجميع .. هكذا قال سامح فى نفسه.
كان حديثه مع عزيز واسمه الحقيقى" عبد العزيز" قد أعطاه بصيصا من الأمل ودفعه الى التمسك بشىء من الصبر.
القى نظرة نحو القمر الذى كان ما يزال حديث الولادة فى الافق المظلم خلف الجبل .. كان عزيز يراقبه ..
- الى أين سبحت ياصديقى ؟
- أفكر أن أحذو حذوك.
- تقصد الدراسة بالخارج.؟
- ليتنى استطيع .
- وما يمنعك.؟
- خلفى أسرة فى حاجة ماسة الى المال أكثر من حاجتى الى العلم.
لاحظ عزيز علامات الأسى بادية عليه فأراد أن يُسَرِّى عنه .. سأله إن كان يرغب فى أن يجرب مدى ذكائه.؟
أومأ اليه برأسه بالايجاب .. احضر عزيز ورقة وقلما .. طلب اليه ان يدون فيها مائة اسم وكلمة مختلفة تبدأ بأرقام متسلسلة من واحد الى مائة .
دون مائة اسم وكلمة .. طلب اليه أن يقرأها عليه بترتيبها التسلسلى مرة واحدة فقط.
جَلسَ عزيزُ (جلسة اليوجا) مُتربعاً مُغمض العينين ، بدا عليه وكأنه كان يستجمع قوى التركيز فى رأسه بينما راح سامح يقرأ عليه القائمة بانتظام.
بعد أن انتهى سامح من القراءة فتح عزيزعينيه المغمضتين وبدأ يسترجع القائمة من داخل ذاكرته بترتيبها التسلسلى دون أن يرتكب خطئا واحدا مما أدهشه وشد إعجابَه بعزيز الذى بدا واضحا أنه يتمتع بمقدرة عالية وذكاء غير عادى .
قام عزيز بتدريب سامح حتى استطاع فى غضون اسبوع واحد أن يتقنها ، وصدق عزيز عندما كان يؤكد له دائما أن عملية الذكاء يمكن اكتسابها بالتدريب.
***