المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوفية عند أدونيس


عبدالسلام حمزة
03/30/2011, 08:30 PM
أخوتي في هذا الملتقى , موضوع أحببت أن أضعه بين أيديكم , لعله يحمل فائدة لي ولكم

لقد اصطدم أدونيس وهو يحاور الصوفية ويحاول أن يُدخلها ضمن نسق المفهوم الجديد

للشعر والكتابة , اصطدم - أول ما اصطدم - بمرتكزاتها الدينية , وهي مرتكزات - بحكم نشأتها وتاريخها

ومَدَاراتها وسياقاتها المتداخلة - ميتافيزقية متعالية بطبيعتها ووظيفتها , لا تستجيب للمنطق النقدي والمكان

العلماني الذي يصدر منه أدونيس ليؤسّس عبره فكرته عن الشعري والجميل .

هذا الفصل الحاد والمتعسّف والواثق الذي تغيّاه أدونيس بقوة , بين الصوفية وجانبها الديني , لا يعدو في

التمحيص أن يكون فصلا ً نظريا ً أكثر منه واقعيا ً , إنه فصل ٌ يسهل القيام به على الورق , وبجّرة قلم يمكن

القول به , لكن الممارسة والفعل والتاريخ يرفضونه , ويتأبّى الخطاب الصوفي عليه بما هو خطاب العشق

الإلهي والرغبة الوجودية في الفناء . إن الكوجيتو الصوفي رأسي ٌ وبسيط ( أنا الله ) , بمعنى أن الوجود مرتبط

بالله ولا وجود للكائن خارج هذا الوجود , هو المطلق الذي يحتويه , وفناؤه فيه هو عودة ٌ جنينية ٌ إلى الطينة

الأولى التي خلقها الله سبحانه بيديه , ونفخ فيه من روحه , فالصوفية بهذا المعنى الروحي المتعالي تنفلت ُ تماما ً

من أسر القراءة الوثنية - الوظيفية التي يعلنها أدونيس إزاءها , ويحاول عقلنة الصوفية عبرها , إنه يقرأها

بوصفها تجربة بحث ٍ عن المجهول , أو تعلقا ً عاطفيا ً بالمطلق , دونما هدف أو غاية أو طريق , وهو ما يجعله

يماثل بينها وبين جنون الحداثة ممثلا ً في السوريالية , وتلك غلطته الأولى والأساسية .

وللحديث بقية إن شاء الله .

نبيلة حمد
03/30/2011, 08:40 PM
أخي عبد السلام :
عند الحديث عن الصوفية وفلسفة ارتباط البشر بهذا الكون ..نجد ان هناك من أعياه البحث في جدلية العلاقة بين الأرض والسماء ..وحاول اختلاق روابط غريبة لا تتماشى مع مفهوم البشر ووظيفتهم في هذه الأرض .
إن من يدرس تلك المذاهب الفلسفية يعييه التعب والتفكير وببساطة الإنسان خلق لعمارة الأرض والحفاظ على مقاصد الشريعة : النفس والعرض والدين والمال والنسل ..وعبادة الله ..أما قضية التصوف والعشق الإلهي فلا مكان له في ديننا .
تحية لك عللى هذه المناقشة

عبدالسلام حمزة
03/31/2011, 10:12 AM
شكرا ً لك نبيلة , الموضوع لا يخص التصوف , إنما يخص التصوف الذي يتقمص أفكاره ومفرادته الكثير من الحداثيين ومنهم أدونيس , والموضوع هو تسليط الضوء على هذا الجانب تحديدا ً .

سلامي لك .

عبدالسلام حمزة
03/31/2011, 10:14 AM
إن السوريالي مسافر ٌ في ليل المعنى ويبدو بذلك توهما ً قريب الشبه بالصوفي , لكن ّ الفرق بينهما للناظر

الفاحص حاسم ٌ وجوهري , إن الأول يسافر بلا غاية , المعنى في لغته ملغى وكذلك النص يفتحه أبدا ً على

الخواء , دافعه القلق والسّأم والرفض , عقيدته العبثية ُ والفوضى , مغامر ٌ في الزمن , يخرج ُ من قضبان المنطق

متمردا ً على عقله المأزوم معلنا ً جنونه وينتظر الآتي , ويفتح قدره على المجهول , متوقعا ً شيئا ً ما , وليكن

أي شيء , الجنة أو الجحيم , الله أو الشيطان . تماما ً كمحارب يوناني قديم لا يرى فرقا ً بين موته وحياته إلا

فرقا ً في المملكة \ المكان . بينما يسافر الصوفي وقد حمل معه زاد الطريق , الإيمان والتقوى والوعد , وهو

يظن بالله ظن ّ الخير , لذا يطلب منه دائما ً ما يحتاجه وتريده الضرورة , دافعه الوحيد ليس السأم بل الشوق

وليس الجنس بل العشق , وليس العبث بل اليقين , خطواته محسوبة وطريقه قد حُف َّ بالمكاره , لذا يناضل أبدا ً

ضد َّ جسده , متساميا ً عليه بروحه , يعرف نهايته ويرغب في الوصول , لكن ّ الوصول لديه يُستبدل ُ في لحظة

فارقة ٍ بموعد انطلاق ٍ جديد .

الغموض في لغته إنما نابع ٌ من معاناة تجربته , فيحاول جاهدا ً الانتقال من سعة التجربة إلى ضيق اللغة , ومن

حر ِّ اللقاء إلى برد الكلام , وجنونُه ُ وجرأته ُ إفراط ٌ وليس تفريطا ً , قلبه مركّز على غايته وعقله مكرس لخدمة

وقته , الثقة لا الدهشة هي ما يملأه , لا يتوقع ُ بل ينتظر , ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) الحِجر .

وللحديث بقية إن شاء الله .

عبدالسلام حمزة
04/03/2011, 05:56 PM
أدونيس وهو يقرأ الصوفية بعيون وثنية , إنما يعلن انتماءه لما يسمّيه صوفية ملحدة , وهوتركيب قد يبدو

- أول وهلة - مُربكا ً , فتقرّبه من الصوفية الإسلامية إنما لاشتراكه معها في ظاهر الجرأة على الذات الإلهية

وعلى اختراق الحُجُب والوصول إلى مقام الفناء , وهي جرأة - إذا جاز الإصرار على تسميتها كذلك - نابعة

عند الصوفيين من طول عبادتهم وقربهم ومعايشتهم لله في كل لحظة , لا يتسنى فهمها للعامة لذا يلوذ الصوفي

مرارا ً بالصمت أو بعتمة اللغة , بينما هي عند أدونيس جرأة إنكار ٍ وإلحاد ٍ واختراق متواصل للعلّو , جرأة

مباهاة ٍ وعزّة , فلا يغريه في الصوفية جانُبها الديني الذي يسمّيه - إمعانا ً في تهميشه - جانبا ً إيديولوجيا ً ,

ولا تستثيره ُ معالمها القائمة على الخضوع الكلِّي لله وإرادته العليا , ولا يهتم إلا بلغة الشطحات وما يبدو له

تجاوزا ً كبَّارا ً لظاهر الشريعة ومألوف العبادة والسّنن , فهو لا يرى الله غير فكرة غامضة قديمة أسطورية عن

المطلق , تلّخص أفكار قوم تفلسفوا - ذات زمن - بمقولات متعالية مجرّدة عن اللانهائي , والسرمدي والأزلي .

وللحديث بقية إن شاء الله ...

محمد قسايمة
04/04/2011, 02:07 AM
مُتابع ..

شكراً لك على المجهود

عبدالسلام حمزة
04/04/2011, 11:24 AM
الأديب محمد قسايمة

شكرا ً لمتابعتك .

عبدالسلام حمزة
04/04/2011, 11:28 AM
فهو لا يرى الله غير فكرة غامضة قديمة أسطورية عن المطلق , تلّخص أفكار قوم تفلسفوا - ذات زمن -

بمقولات متعالية مجرّدة عن اللانهائي , والسرمدي والأزلي .

اتخذت تلك الأفكار صورة أديان وأساطير لها التعدد والانتشار , وتشكّلت بما يوافق كل دين وملّة .

فأدونيس - على الإجمال - يقارب ُ الموضوع / المطلق مقاربة مناقضة في جوهرها لمقاربة الصوفية علما ً

ورسما ً , وإن استعان بمعجمها التقني , صوتا ً ولفظا ً , وأُعجب َ بشجاعة أصحابها في التمرّد على السُّلط

السياسية , ومجابهة الفقهاء , وخرق طريقتهم في التفكير والتأطير , والثبات في مواجهة منطق التكفير , لكنه

لا يحمل ُ في ذاته شيئا ً من إيمانهم , ولا يعتقد البتة َ بمعتقدهم , فهي إذن : صوفية حداثية , تقنية , شكلية , أساسها

السعي نحو المطلق والتجاوز والكشف الذي يحصل بقوة الفكر والنظر العقلي , أفكارا ً وتحليلا ً ومنطقا ً واجتهادا ً

وحتى الجنون فيها معقلن ٌ كما أثبته نصّه الشعري , وليس أساسها التقرّب إلى الله والطاعة له والكشف ُ الذي

يحصل بفضله ومنته , سجيّة وفطرة ورفعا ً للحجب أورادا ً وواردات ٍ .

إنها صوفية محوّرة معدّلة , وربما مشوشة , أو مشوهه , الصوفي فيها - إذا جاز له الاحتفاظ ُ بهذا الاسم

والاتصال بهذا الرسم - لا يعتبر نفسه عبدا ً لله خاضعا ً مريدا ً , راغبا ً مشتاقا ً ذليلا ً , بل ندّا ً وشريكا ً للخالق

الباري , كاشفا ً وحرّا ً ورافضا ً ومناقشا ً ومبدعا ً وسيّدا ً حصوراً , يعتقد أن عقله - وإن أضناه فوضعه - ناصره

ومعينه , ورؤيته الرؤيا التي تُخضع الأشياء لإرادته , يضع المعايير , يحطِّم القوانين , يرفض الشرائع ويُقيم مملكة

الفوضى في جنة الإله الميّت .

قد يحلو له أي يطفئ النار بأنفاس رفضه وحرّيته , ويشعّل َ الحرائق - إن أراد - في الشجر الأخضر بفكره

وشعوره , إله ٌ غير متوج , خلقه الله على صورته , ثم نهض إلى إلهه هذا فقتله , فهواه ورغبته إلهُه ُ الجديد .

لقد أخذ أدونيس - في جماع القول - من الصوفية قشورها , ومظاهرها وكلماتها , ووظف بعض شخصياتها

واقتبس بعض شطحاتها , واستعار معجمها وإيقاع لغتها , لكنه أبدا ً لم يصل إلى جوهرها الذي قامت وتقوم عليه

هذا الجوهر الذي لا يمكن أن يكون إلا دينيا ً , بكل محمول هذا المصطلح الجامع لمعاني الخضوع والإسلام

والقبول والإيمان ... وهي المصطلحات / المفاهيم / المعالم التي لا يمكن لأدونيس أن يُعجب بها أو أن يدعو إليها

وللحديث بقية إن شاء الله ...