خالد عاشور
12/23/2008, 10:40 PM
قصة قصيرة
موت السيد الرئيس
* خالد عاشور
- مات الرئيس...!!!
قالها أحد الموظفين معنا فى العمل وهو يخفى فرحته بعد أن أقسم بالله العظيم أن الخبر صحيح وأن بعض الأذاعات الأجنبية قد بثت الخبر منذ قليل برغم تكتم إذاعاتنا الصماء الغبية، فجاء يبشرنا بالخبر السار... بعدها إختفى منتقلاً بين المكاتب والطرقات لبث الخبر السار.!
لم أصدق الخبر فى البدء، غير أنه بعد ثوان من مضى زميلنا والذى نقل الخبر للتو لم يكن لأحد من الموظفين فى مصلحتنا الحكومية حديث إلا عن خبر موت السيد الرئيس:
- مات الرئيس...!!!
- مات الرئيس...!!!
- مات الرئيس...!!!
كنت حذراً من مجاراة الزملاء والخوض فى خبر موت السيد الرئيس – حفظه الله - وسألت نفسى فى سذاجة:
- هل من الممكن أن يموت الرئيس..؟!
- كيف يموت...؟!
- هل يجرؤ عزرائيل على قبض روح السيد الرئيس..؟!
وكأن زميلى الجالس أمامى يتجسس على أفكارى فبادرنى قائلاً:
- أخيراً مات الرئيس...؟!
لم أعبء بما قال ولم أرد عليه، غير أننى تركت نفسى مستمتعاً بموقع المستمع والمتفرج بين الزملاء، والمنشغلين بالخبر. بعضهم إلتزم الصمت مثلى، البعض الأخر كان متهوراً فى فرحته خاصة زميلنا الأخوانى الذى هتف دون شعور:
- مات الرئيس...
- مات الطاغية...
- مات الظالم...
قبل أن يكمل هتافه قاطعه أحد الزملاء ذو الميول اليسارية:
- ها قد جاء يومكم... تنتظرون موت الرئيس لتحكمون البلاد... أنتم صورة أخرى من الديكتاتورية العمياء.. ولكنها ديكتاتورية بإسم الدين... ستحرموننا من كل شىء وتحرمون علينا كل شىء... ستعيدوننا إلى الوراء آلاف السنين إن حكمتم...
قاطعه الأخوانى فى غضب:
- الكفرة أمثالك هم من يقولون ذلك.. أتسمى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله تخلف.. أنت ذنديق يجب قتله على الفور يا كافر...
قبل أن يشتبك الأثنان فى عراك كان زميل آخر يفرق بينهما قائلاً وهو يبتسم:
- تتعاركون الأن وتتناسون المصيبة؟
بهت الجميع غير أنه عقب:
- نعم موت السيد الرئيس مصيبة...!! هو لم يترك نائباً يحل محله... وبوفاته ستعم الفوضى البلاد أكثر مما هى فيه، بلادنا ترتع فى الفساد واللصوصية يا سادة، بيعت بلادنا بأرخص الأثمان بعد أن تحكم فيها الفاسدون ورجال الأعمال... لم يترك الرئيس أحداً يُعتمد عليه.. جعل الجميع عبارة عن مسخ لا يستحق الرئاسة، جعلهم إمعات خانعون له فى هوان ومذله، ولو كان الخبر صحيحاً ستكون الطامة الكبرى، إذ من سيحكم بعده...؟!
بهت الجميع ولم ينطق أحد..
بعد قليل إبتسم زميلنا الكافر كما قال الأخوانى مردفاً فى سخرية:
- لا تصدقوا الخبر.. إنها إشاعة...فى بلادنا يموت الرئيس مقتولاً أو مسموماً، أما أن يأخذ روحه عزرائيل فذلك مستحيل... عزرائيل لا يجرؤ على قبض روح السيد الرئيس.. وحتى لو افترضنا أن عزرائيل تهور ذات يوم وسولت له نفسه الأمارة بقطف الأرواح على فعلتها فسوف يلاقى ما لا يحمد عقباه... مباحث أمن الدولة ستقذف به فى المعتقل، وستلفق له تهمة التأمر على روح السيد الرئيس بالأضافة إلى تهم عده فى إنتظاره، من قبيل أنه يزعزع أمن البلاد، أو أنه جاسوس لأسرائيل وسيثبتون أن إسمه الأصلى مشتق من إسرائيل لأنه ببساطة عزرائيل... عزرائيل باع القضية وهرب بجلده يا رفاق...
قالها زميلنا وضحك وهو يتابع نظرات الأخوانى والذى بدت عليه علامات التذمر قائلاً فى صوت منخفض:
- لعن الله الكفرة محبى العلمانية والفسوق أمثالك... سنحكمكم قريباً ونعيد الشارد منكم إلى طريق الصواب أيها المارقون عن حظيرة الإيمان...
مرقت أنا بعدها ولم أكمل أحاديث العراك، والتى سببها خبر إشاعة موت السيد الرئيس مستأذناً فى مغادرة العمل مبكراً هروباً من مجاراة الجميع فى دولتنا البوليسة المحبب فيها المثل القائل " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب " فأغلقت فمى اللعين حتى لا يكون سبباً فى حدفى بأحد المعتقلات المنتشرة بطول البلاد وعرضها والمستعدة دائماً على استقبال زوار جدد كل يوم، وكأنها نار الله الموقدة تقول لنا هل من مزيد...!! ومضيت غير مكترث بموت الرئيس ممنياً نفسى فى سرية تامة أن يكون الخبر صحيح... فقط متمنياً دون الأفصاح، فأولادى الثلاثة مازالوا فى طور الطفولة، وزوجتى لازالت تتمتع بشبابها ولا أريد أن ينعم بها أحد إن أفصحت عن فرحتى بموت الرئيس....! فى الطريق كان هاتفى المحمول يرن فى تواصل دون أن يظهر على شاشته اللعينة أى رقم، مما حدى بى إلى التوجس قبل أن أرد، كان صديقى صابر يتحدث من كندا ليسألنى عن صحة الخبر الذى سمعه مبكراً فى إذاعاتهم الكندية النشيطة عن موت الرئيس، ضحكت وأنا أقول له:
- لا تصدق يا عزيزى فبلادنا بلاد الأشاعات والجهل.. الناس تريد أن تصدق ما يشيعون... لا تكترث يا صديقى هى مجرد إشاعة... إهتم أنت بنفسك وبدراستك حتى تعود إلى وطن الجهل علك تمحوا قليل منه....
تعجب صديقى صابر دون أن يتكلم كثيراً فى الخبر... فقط قبل أن ينهى معى الحديث من بلاد الحرية والتى يصر على أنها أكثر منا تقدما وتمسكاً بتعاليم الأسلام التى هجرها الجميع قائلاً فى زهول:
- لكى الله يا بلادى ... لك الله فى تنعمك بنعمة الخوف والجهل...
بعدها أغلق الهاتف ليتركنى فى قلق كبير، فقد تملكنى شعور بأنه ربما قد يكون حديثنا الهاتفى مسجلاً من قبل الأمن والذى بدأت أتيقن أنه يطلع على كل أسرارنا، حتى أننى عزفت عن لقاء الخميس بينى وبين زوجتى خشية أن تكون قد زُرعت لى كاميرات تصوير فى غرفتى ليعرفوا ما يدور بينى وبين زوجتى الشابة، وهل أنا مواطن مثالى من وجهه نظرهم أم لا..؟ زوجتى اللعينة تقول أننى أصبحت غير قادر على التواصل معها فى لقائنا الخميسيى الوحيد والذى لا يدوم غير دقائق معدودة بعدها أتكوم أنا فى ثبات عميق، مما جعلها تبدأ يوم الخميس بأغنية قذرة لا أدرى من يغنيها وأين إستمعت إليها، ترددها على صباح كل خميس وهى تغنى فى سخرية:
- إنت ما بتعرفش... إنت ما بتقدرش...
ألعنها سعتئذ وأحاول أن أثبت لها أننى مازلت أعرف وأقدر، متحدياً إياها حتى لا تجرح رجولتى المهانة كل خميس ملعون....!!
حين عدت إلى المنزل حاولت أن أطرد الخبر الكئيب من رأسى والتى أشك أن الأمن يعلم ما يدور بداخلها، فهززت رأسى حتى أبعد الخبر المشئوم، وحمدت الله أن اليوم ليس هو الخميس، ففى حالتى تلك ستتأكد زوجتى من أننى لا أعرف ولا أقدر أيضاً، فتسللت إلى الغرفة فى توجس خشية أن تجبرنى زوجتى على أن أعرف أو أقدر واليوم ليس يومها الخميسيى الملعون...
فى المساء استيقظت على صوت زوجتى...
فى البدء ظننت أنها تريدنى أن أواقعها، غير أنها قالت فى غضب :
- السيد الرئيس لم يمت... ها هو ذا يخطب فى التلفاز...
إنتفضت مسرعاً لأشاهد الرئيس حفظه الله من كل سوء ومن كل إشاعة وكلى غيظ من أن الأشاعة الملعونة تحولت إلى كذبه...
كان السيد الرئيس يخطب فى ثقة وكأنه يقول لنا لا تصدقوا خبر موتى ... كنت أسمعه يهمس إلىّ مستهزءاً منا ومن الأشاعة:
- أنا لا أموت ... أنا حى باقى فوق رؤسكم... وحتى لو حدث ذلك...!! فقد استنسخت لكم نفسى وتركت لكم سلالتى حتى تنعموا أيها الحسالة ناكرى الجميل...!!
أغلقت التليفزيون الغبى وقمت منتفضاً هارباً إلى النوم تتبعنى زوجتى بعد أن إرتدت قميصها الشفاف ووضعت عطرى المحبب حتى تستدرجنى إلى تقديم لقاؤنا الخميسيى الذى لا أحبه أن يأتى..
حاولت زوجتى أكثر من مرة كى توقظ همتى وتوقف الدم فى عروقى التى يبسها الخبر، غير أنها فى النهاية نامت فى كمد وغيظ وأنا أسمعها تغنى أغنيتها المفضلة قبل أن تنام:
- إنت ما بتعرفش... إنت ما بتقدرش...
فى الصباح ذهبت إلى العمل متكاسلاً وكلى رغبة فى عدم المضى، غير أن رصيدى من الأجازات كان ينادينى مثل رصيد المحمول الذى أحمله مردداً فى عقلى:
- لقد نفذ رصيدكم من الأجازات... يرجى تناسى الأعتيادى والعارضة....!
على مكتبى وجدت عم بيومى الفراش يضع قهوتى الخالية من السكر الذى دب فى جسدى فوهبنى مرضاً جديداً بالأضافة إلى الضغط والكبد اللذان يرتعان فى جسدى النحيل...!
قبل أن أنعم بشرب قهوتى الصباحية بادرنى أحد الزملاء بأن التعليمات الصادرة اليوم للمصلحة الحكومية التى أعمل بها تقول بأنهم سوف يخرجوننا بعد قليل لنحتفل فى مسيرة تنادى بحياة السيد الرئيس لتكذيب الأشاعة التى إنتشرت بالأمس، تذكرت على الفور زميلنا صاحب الأشاعة فسألت عليه لأننى لاحظت عدم وجوده، حين سألت عنه نظر إلى الجميع فى إستغراب وخوف دون أن ينطق أى منهم بكلمة، غير أن عيونهم كانت تجيب بوضوح عن مصير زميلنا المسكين الذى قتلته الأشاعة.!
لحظات وكانت الأتوبيسات الحكومية التابعة للمصلحة تنقلنا لتجمع المواطنين والمحتفلين بحياة السيد الرئيس وتكذيب الأشاعة الملعونة، التعليمات تؤكد أن التجمع سيكون بالجامع الأزهر ومنه ستنطلق شرارة الأحتفال بحياة الرئيس...
ركبت الأتوبيس وأنا أجر قدماى فى تكاسل، إلى جوارى جلس زميلنا الأخوانى وأمامه كان يجلس زميلنا الكافر – اليسارى - كما أنعم عليه الأخوانى بالأمس بالقب الجديد... الجميع كان صامتاً دون أن ينبس بكلمة، فقط كنا ننظر إلى بعضنا البعض فى توجس وريبة...
حين وصلنا إلى الجامع الأزهر كانت الجموع الغفيرة من موظفى الحكومة تطن كخلية نحل وهى ملتحمة كجسد واحد رهيب له آلاف الأيدى والأرجل...!!!
لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أشارك فيها فى تظاهرة من هذا النوع فقد تعودت فى كل إنتخابات تجديد للرئيس حفظه الله على أن تنقلنا نفس الأتوبيسات جميعاً وفى نفس المكان أمام الجامع الأزهر حتى نعبر عن رأينا فى حرية!!! ونؤكد بقاء الرئيس فى منصبه دون منافس... صحيح أننى لم أكن أدخل لجان الأنتخابات أو أصوت للرئيس أو غيره أنا أو أى من زملائى، وصحيح أيضاً أننا كنا نذهب فقط لأن المتخلف منا كان يوقع عليه خصم من الراتب لست فى احتماله، غير أن الغريب أن رئيسنا أدام الله عليه نعمة الرئاسة والمنصب كان ينجح دائماً بأكتساح وبنسبة تتعدى التسعة والتسعين بالمائة..!!!
لحظات قليلة بعد نزولنا وبدأت جموع الناس تهتف بحياة الرئيس... نظرت فى زهول إلى الجميع فوجدتهم يهتفون فى قوة:
- بالروح... بالدم... نفديك يا زعيم....
كنت أنا الوحيد الذى لا يهتف... حتى زميلى الإخوانى كان يصرخ معهم بنفس القوة وصوته يعلوا فى وضوح وهو يهتف:
- يعيش الرئيس... يحيا الرئيس...
الكافر أيضاً كان يشاركه نفس الهتاف وبنفس القوة وقد تعانق الأثنان وهما يهتفان فى حماس متناسياً الأخوانى أنه قد منّ عليه يوم البارحة بتهمة الكفر...
أنا الوحيد الصامت إذاً...!
أنا الوحيد الذى لا يهتف...!
الويل لى إن رأنى أحد...
فى بلادى لا أمان لأحد حتى لو كان أخيك... فى بلادى الجبن والصمت وحدهما لا يكفيان.... عقلى الباطن اللعين يرفض الهتاف ويؤكد لى فى غباء أن السيد الرئيس قد مات... ملعون أيها العقل الخرب، ستقذف بى إلى الهلاك أيها الملعون... عيناى مغمضتان وأنا اسير مغيباً مع المنادون بحياة الرئيس... إنطق ايها اللسان الغبى، سترمينى إلى الهلاك إن لاحظنى أحد من الزبانية... تكلم يا أنا يا أيها الغبى الدائم... كنت أحاول بأصرار وفى كل مرة ينعقد لسانى...!! غير أننى فجأة هتفت مع الجميع بعد أن فكت عقدتى، فصرخت فى قوة وبصوت أعلى من الجميع وأنا أرتعش:
- عاش الرئيس... يحيا الرئيس...
* قاص من مصر
K_metwaly@hotmail.com
موت السيد الرئيس
* خالد عاشور
- مات الرئيس...!!!
قالها أحد الموظفين معنا فى العمل وهو يخفى فرحته بعد أن أقسم بالله العظيم أن الخبر صحيح وأن بعض الأذاعات الأجنبية قد بثت الخبر منذ قليل برغم تكتم إذاعاتنا الصماء الغبية، فجاء يبشرنا بالخبر السار... بعدها إختفى منتقلاً بين المكاتب والطرقات لبث الخبر السار.!
لم أصدق الخبر فى البدء، غير أنه بعد ثوان من مضى زميلنا والذى نقل الخبر للتو لم يكن لأحد من الموظفين فى مصلحتنا الحكومية حديث إلا عن خبر موت السيد الرئيس:
- مات الرئيس...!!!
- مات الرئيس...!!!
- مات الرئيس...!!!
كنت حذراً من مجاراة الزملاء والخوض فى خبر موت السيد الرئيس – حفظه الله - وسألت نفسى فى سذاجة:
- هل من الممكن أن يموت الرئيس..؟!
- كيف يموت...؟!
- هل يجرؤ عزرائيل على قبض روح السيد الرئيس..؟!
وكأن زميلى الجالس أمامى يتجسس على أفكارى فبادرنى قائلاً:
- أخيراً مات الرئيس...؟!
لم أعبء بما قال ولم أرد عليه، غير أننى تركت نفسى مستمتعاً بموقع المستمع والمتفرج بين الزملاء، والمنشغلين بالخبر. بعضهم إلتزم الصمت مثلى، البعض الأخر كان متهوراً فى فرحته خاصة زميلنا الأخوانى الذى هتف دون شعور:
- مات الرئيس...
- مات الطاغية...
- مات الظالم...
قبل أن يكمل هتافه قاطعه أحد الزملاء ذو الميول اليسارية:
- ها قد جاء يومكم... تنتظرون موت الرئيس لتحكمون البلاد... أنتم صورة أخرى من الديكتاتورية العمياء.. ولكنها ديكتاتورية بإسم الدين... ستحرموننا من كل شىء وتحرمون علينا كل شىء... ستعيدوننا إلى الوراء آلاف السنين إن حكمتم...
قاطعه الأخوانى فى غضب:
- الكفرة أمثالك هم من يقولون ذلك.. أتسمى الحكم بكتاب الله وسنة رسوله تخلف.. أنت ذنديق يجب قتله على الفور يا كافر...
قبل أن يشتبك الأثنان فى عراك كان زميل آخر يفرق بينهما قائلاً وهو يبتسم:
- تتعاركون الأن وتتناسون المصيبة؟
بهت الجميع غير أنه عقب:
- نعم موت السيد الرئيس مصيبة...!! هو لم يترك نائباً يحل محله... وبوفاته ستعم الفوضى البلاد أكثر مما هى فيه، بلادنا ترتع فى الفساد واللصوصية يا سادة، بيعت بلادنا بأرخص الأثمان بعد أن تحكم فيها الفاسدون ورجال الأعمال... لم يترك الرئيس أحداً يُعتمد عليه.. جعل الجميع عبارة عن مسخ لا يستحق الرئاسة، جعلهم إمعات خانعون له فى هوان ومذله، ولو كان الخبر صحيحاً ستكون الطامة الكبرى، إذ من سيحكم بعده...؟!
بهت الجميع ولم ينطق أحد..
بعد قليل إبتسم زميلنا الكافر كما قال الأخوانى مردفاً فى سخرية:
- لا تصدقوا الخبر.. إنها إشاعة...فى بلادنا يموت الرئيس مقتولاً أو مسموماً، أما أن يأخذ روحه عزرائيل فذلك مستحيل... عزرائيل لا يجرؤ على قبض روح السيد الرئيس.. وحتى لو افترضنا أن عزرائيل تهور ذات يوم وسولت له نفسه الأمارة بقطف الأرواح على فعلتها فسوف يلاقى ما لا يحمد عقباه... مباحث أمن الدولة ستقذف به فى المعتقل، وستلفق له تهمة التأمر على روح السيد الرئيس بالأضافة إلى تهم عده فى إنتظاره، من قبيل أنه يزعزع أمن البلاد، أو أنه جاسوس لأسرائيل وسيثبتون أن إسمه الأصلى مشتق من إسرائيل لأنه ببساطة عزرائيل... عزرائيل باع القضية وهرب بجلده يا رفاق...
قالها زميلنا وضحك وهو يتابع نظرات الأخوانى والذى بدت عليه علامات التذمر قائلاً فى صوت منخفض:
- لعن الله الكفرة محبى العلمانية والفسوق أمثالك... سنحكمكم قريباً ونعيد الشارد منكم إلى طريق الصواب أيها المارقون عن حظيرة الإيمان...
مرقت أنا بعدها ولم أكمل أحاديث العراك، والتى سببها خبر إشاعة موت السيد الرئيس مستأذناً فى مغادرة العمل مبكراً هروباً من مجاراة الجميع فى دولتنا البوليسة المحبب فيها المثل القائل " إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب " فأغلقت فمى اللعين حتى لا يكون سبباً فى حدفى بأحد المعتقلات المنتشرة بطول البلاد وعرضها والمستعدة دائماً على استقبال زوار جدد كل يوم، وكأنها نار الله الموقدة تقول لنا هل من مزيد...!! ومضيت غير مكترث بموت الرئيس ممنياً نفسى فى سرية تامة أن يكون الخبر صحيح... فقط متمنياً دون الأفصاح، فأولادى الثلاثة مازالوا فى طور الطفولة، وزوجتى لازالت تتمتع بشبابها ولا أريد أن ينعم بها أحد إن أفصحت عن فرحتى بموت الرئيس....! فى الطريق كان هاتفى المحمول يرن فى تواصل دون أن يظهر على شاشته اللعينة أى رقم، مما حدى بى إلى التوجس قبل أن أرد، كان صديقى صابر يتحدث من كندا ليسألنى عن صحة الخبر الذى سمعه مبكراً فى إذاعاتهم الكندية النشيطة عن موت الرئيس، ضحكت وأنا أقول له:
- لا تصدق يا عزيزى فبلادنا بلاد الأشاعات والجهل.. الناس تريد أن تصدق ما يشيعون... لا تكترث يا صديقى هى مجرد إشاعة... إهتم أنت بنفسك وبدراستك حتى تعود إلى وطن الجهل علك تمحوا قليل منه....
تعجب صديقى صابر دون أن يتكلم كثيراً فى الخبر... فقط قبل أن ينهى معى الحديث من بلاد الحرية والتى يصر على أنها أكثر منا تقدما وتمسكاً بتعاليم الأسلام التى هجرها الجميع قائلاً فى زهول:
- لكى الله يا بلادى ... لك الله فى تنعمك بنعمة الخوف والجهل...
بعدها أغلق الهاتف ليتركنى فى قلق كبير، فقد تملكنى شعور بأنه ربما قد يكون حديثنا الهاتفى مسجلاً من قبل الأمن والذى بدأت أتيقن أنه يطلع على كل أسرارنا، حتى أننى عزفت عن لقاء الخميس بينى وبين زوجتى خشية أن تكون قد زُرعت لى كاميرات تصوير فى غرفتى ليعرفوا ما يدور بينى وبين زوجتى الشابة، وهل أنا مواطن مثالى من وجهه نظرهم أم لا..؟ زوجتى اللعينة تقول أننى أصبحت غير قادر على التواصل معها فى لقائنا الخميسيى الوحيد والذى لا يدوم غير دقائق معدودة بعدها أتكوم أنا فى ثبات عميق، مما جعلها تبدأ يوم الخميس بأغنية قذرة لا أدرى من يغنيها وأين إستمعت إليها، ترددها على صباح كل خميس وهى تغنى فى سخرية:
- إنت ما بتعرفش... إنت ما بتقدرش...
ألعنها سعتئذ وأحاول أن أثبت لها أننى مازلت أعرف وأقدر، متحدياً إياها حتى لا تجرح رجولتى المهانة كل خميس ملعون....!!
حين عدت إلى المنزل حاولت أن أطرد الخبر الكئيب من رأسى والتى أشك أن الأمن يعلم ما يدور بداخلها، فهززت رأسى حتى أبعد الخبر المشئوم، وحمدت الله أن اليوم ليس هو الخميس، ففى حالتى تلك ستتأكد زوجتى من أننى لا أعرف ولا أقدر أيضاً، فتسللت إلى الغرفة فى توجس خشية أن تجبرنى زوجتى على أن أعرف أو أقدر واليوم ليس يومها الخميسيى الملعون...
فى المساء استيقظت على صوت زوجتى...
فى البدء ظننت أنها تريدنى أن أواقعها، غير أنها قالت فى غضب :
- السيد الرئيس لم يمت... ها هو ذا يخطب فى التلفاز...
إنتفضت مسرعاً لأشاهد الرئيس حفظه الله من كل سوء ومن كل إشاعة وكلى غيظ من أن الأشاعة الملعونة تحولت إلى كذبه...
كان السيد الرئيس يخطب فى ثقة وكأنه يقول لنا لا تصدقوا خبر موتى ... كنت أسمعه يهمس إلىّ مستهزءاً منا ومن الأشاعة:
- أنا لا أموت ... أنا حى باقى فوق رؤسكم... وحتى لو حدث ذلك...!! فقد استنسخت لكم نفسى وتركت لكم سلالتى حتى تنعموا أيها الحسالة ناكرى الجميل...!!
أغلقت التليفزيون الغبى وقمت منتفضاً هارباً إلى النوم تتبعنى زوجتى بعد أن إرتدت قميصها الشفاف ووضعت عطرى المحبب حتى تستدرجنى إلى تقديم لقاؤنا الخميسيى الذى لا أحبه أن يأتى..
حاولت زوجتى أكثر من مرة كى توقظ همتى وتوقف الدم فى عروقى التى يبسها الخبر، غير أنها فى النهاية نامت فى كمد وغيظ وأنا أسمعها تغنى أغنيتها المفضلة قبل أن تنام:
- إنت ما بتعرفش... إنت ما بتقدرش...
فى الصباح ذهبت إلى العمل متكاسلاً وكلى رغبة فى عدم المضى، غير أن رصيدى من الأجازات كان ينادينى مثل رصيد المحمول الذى أحمله مردداً فى عقلى:
- لقد نفذ رصيدكم من الأجازات... يرجى تناسى الأعتيادى والعارضة....!
على مكتبى وجدت عم بيومى الفراش يضع قهوتى الخالية من السكر الذى دب فى جسدى فوهبنى مرضاً جديداً بالأضافة إلى الضغط والكبد اللذان يرتعان فى جسدى النحيل...!
قبل أن أنعم بشرب قهوتى الصباحية بادرنى أحد الزملاء بأن التعليمات الصادرة اليوم للمصلحة الحكومية التى أعمل بها تقول بأنهم سوف يخرجوننا بعد قليل لنحتفل فى مسيرة تنادى بحياة السيد الرئيس لتكذيب الأشاعة التى إنتشرت بالأمس، تذكرت على الفور زميلنا صاحب الأشاعة فسألت عليه لأننى لاحظت عدم وجوده، حين سألت عنه نظر إلى الجميع فى إستغراب وخوف دون أن ينطق أى منهم بكلمة، غير أن عيونهم كانت تجيب بوضوح عن مصير زميلنا المسكين الذى قتلته الأشاعة.!
لحظات وكانت الأتوبيسات الحكومية التابعة للمصلحة تنقلنا لتجمع المواطنين والمحتفلين بحياة السيد الرئيس وتكذيب الأشاعة الملعونة، التعليمات تؤكد أن التجمع سيكون بالجامع الأزهر ومنه ستنطلق شرارة الأحتفال بحياة الرئيس...
ركبت الأتوبيس وأنا أجر قدماى فى تكاسل، إلى جوارى جلس زميلنا الأخوانى وأمامه كان يجلس زميلنا الكافر – اليسارى - كما أنعم عليه الأخوانى بالأمس بالقب الجديد... الجميع كان صامتاً دون أن ينبس بكلمة، فقط كنا ننظر إلى بعضنا البعض فى توجس وريبة...
حين وصلنا إلى الجامع الأزهر كانت الجموع الغفيرة من موظفى الحكومة تطن كخلية نحل وهى ملتحمة كجسد واحد رهيب له آلاف الأيدى والأرجل...!!!
لم تكن تلك هى المرة الأولى التى أشارك فيها فى تظاهرة من هذا النوع فقد تعودت فى كل إنتخابات تجديد للرئيس حفظه الله على أن تنقلنا نفس الأتوبيسات جميعاً وفى نفس المكان أمام الجامع الأزهر حتى نعبر عن رأينا فى حرية!!! ونؤكد بقاء الرئيس فى منصبه دون منافس... صحيح أننى لم أكن أدخل لجان الأنتخابات أو أصوت للرئيس أو غيره أنا أو أى من زملائى، وصحيح أيضاً أننا كنا نذهب فقط لأن المتخلف منا كان يوقع عليه خصم من الراتب لست فى احتماله، غير أن الغريب أن رئيسنا أدام الله عليه نعمة الرئاسة والمنصب كان ينجح دائماً بأكتساح وبنسبة تتعدى التسعة والتسعين بالمائة..!!!
لحظات قليلة بعد نزولنا وبدأت جموع الناس تهتف بحياة الرئيس... نظرت فى زهول إلى الجميع فوجدتهم يهتفون فى قوة:
- بالروح... بالدم... نفديك يا زعيم....
كنت أنا الوحيد الذى لا يهتف... حتى زميلى الإخوانى كان يصرخ معهم بنفس القوة وصوته يعلوا فى وضوح وهو يهتف:
- يعيش الرئيس... يحيا الرئيس...
الكافر أيضاً كان يشاركه نفس الهتاف وبنفس القوة وقد تعانق الأثنان وهما يهتفان فى حماس متناسياً الأخوانى أنه قد منّ عليه يوم البارحة بتهمة الكفر...
أنا الوحيد الصامت إذاً...!
أنا الوحيد الذى لا يهتف...!
الويل لى إن رأنى أحد...
فى بلادى لا أمان لأحد حتى لو كان أخيك... فى بلادى الجبن والصمت وحدهما لا يكفيان.... عقلى الباطن اللعين يرفض الهتاف ويؤكد لى فى غباء أن السيد الرئيس قد مات... ملعون أيها العقل الخرب، ستقذف بى إلى الهلاك أيها الملعون... عيناى مغمضتان وأنا اسير مغيباً مع المنادون بحياة الرئيس... إنطق ايها اللسان الغبى، سترمينى إلى الهلاك إن لاحظنى أحد من الزبانية... تكلم يا أنا يا أيها الغبى الدائم... كنت أحاول بأصرار وفى كل مرة ينعقد لسانى...!! غير أننى فجأة هتفت مع الجميع بعد أن فكت عقدتى، فصرخت فى قوة وبصوت أعلى من الجميع وأنا أرتعش:
- عاش الرئيس... يحيا الرئيس...
* قاص من مصر
K_metwaly@hotmail.com