المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيوت من رمال من الحلقة الحادية عشرة حتى الحلقة السادسة عشرة


صلاح ابوشنب
05/15/2011, 12:27 AM
بيوت من رمال من الحلقة الحادية عشرة الى الحلقة الخامس عشرة الحلقة الحادية عشرة
جَدَّ فى التفكير للعودة الى الوطن .. وأصبح ذلك شغله الشاغل.. لكن كيف يدبر ثمن تذكرة العودة.؟
خسر وظيفته فى القطاع العام وها هو قد ترك العمل لدى المقاول على إثر حادث مفاجىء.. والآن كيف يتصرف.؟
أيترك المقاول يَصْدُقُ فى مقولته : " إن رجعت دون أن تحقق نجاحا فسوف يسخر منك الجميع".. وهو واثق من صدق هذه المقولة.
أحضر سعد رغيفا من خبز التميس (خبز يمانى مشبع لذيذ الطعم ) مع قطعتين من الجبن الديمكس " البقرة الضاحكة" .. قدمهم الى سامح مع كوب من الشاى بالحليب المعلب.
بغير نفس تناول إفطاره .. جلس مفكرا يحتسى كوب الشاى...
فى هذه الاثناء جاء سعد بصحيفة عكاظ وقال لسامح :
- هذه الصحيفة اشتراها ممدوح من أجلك لأنه يعلم انك تحب مطالعة الصحف .. دفعها اليه : خذ سلى نفسك .
تلقفها سامح وراح يتصفحها .. برق امام عينيه اعلان كبير عن وظيفة مترجم فى سفارة دولة أوروبية.
سحب حقيبته بصعوبة شديدة .. فتحها .. أخرج كراسة وقلما.. كتب رسالة .. طلب من ممدوح أن يتكرم بإلقائها فى صندوق البريد المحلى.
مكث اسبوعا فى هذا المنفى يعانى الأمرين .. نفذت نقوده عن آخرها .. لم يتبق معه سوى ( هللات ) قريشات هى أصغر وحدات الريال .. ينتظر الرد على رسالته.
كل يوم يمر يترقب وصول رد على خطابه .. لكن دون جدوى.
لاحظ ممدوح حالة القلق والحيرة الباديتان عليه وذلك الترقب اليومى الغير مُجدٍ فأراد أن يستفسر .. أبلغه بأنه ينتظر ردا على الخطاب الذى سبق أن أرسله بواسطته.
- هل كتبت عنوانا واضحا على المظروف كى يراسلوك عليه.؟
- عنوان .. أى عنوان .. يبدو اننى لم اكتب عنوانا على الإطلاق.!!
- وكيف سيصلك الرد أن لم تذكر عنواناً واضحاً.؟
- يآه ..كم أنا غبى حقا.. يبدو أن الجراحة أثرت على بشكل واضح.
- بسيطة .
- كيف .؟
- إذهب اليهم بنفسك.
- والله فكرة ثاقبة.
كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة صباحا، فتش فى جيوبه فلم يجد سوى ( الهللات )...
سار يجرُّ قدميه جراً فى فضاء واسع من التراب حتى وصل الى الطريق السريع الذى كان خاليا من كل شىء ومغبرا باستثناء بعض المبانى المتباعدة والمتناثرة هنا وهناك .. لم تكن النهضة قد عرفت طريقها الى تلك الأطراف من المدينة بعد ..استقل حافلة وتوجه مباشرة الى مقر السفارة .. مبنى واسع يحوطه سور كبير عال بداخله عدة بنايات متفرقة من دور واحد عبارة عن مكاتب تتوسطها حديقة رحبة .. اتجه الى أقرب مبنى صادفه.
كان الجرح ما يزال ظاهراً خلف رأسه وقد غُطِّى بقطعة من الشاش والقطن يضُمها شريطٌ لاصق من البلاستر.
سمراءٌ .. استقبلته بترحاب تعلو شفتيها ابتسامة مُشرقة كالشمس تفحصت ملامحه جيدا .. يبدو أنها رقت لحاله لما كان يبدو عليه من ضعف أنحل جسمه .. طلبت منه أن يتفضل بالجلوس .. فعلت ذلك قبل أن تعرف من يكون..!!
جلس على المقعد الذى كان أمام مكتبها .. سألته :
- ماذا يمكننى أن أقدم لك .؟
قالتها بلهجة مصرية ارتاحت نفسه بعد سماعها.
قال : أرسلت طلب وظيفة ولم أتلق عليه ردا...
- ما اسم حضرتك.؟
-سامح سعيد.
تهادى صوته الى مسامع شخص أوروبى الملامح كان جالسا أمام المكتب المجاور ، وبدا كأنه المدير المسؤل .. ترك مكانه وجاء مسرعا ليشارك فى الحوار.
- حضرتك الاستاذ سامح سعيد.؟
- نعم .
- أنا فرناندو.
قالها بلهجة مصرية مصحوبة بلكنة أجنبيه ، ثم فحص الوراقة التى فوق مكتبه وأخرج الرسالة التى سبق أن أرسلها سامح وقال:
- اليست هذه رسالتك.؟
- نعم.
فرناندو: يا رجل كيف تطلب الرد ولم تذكر عنوانا.؟
- آسف ..لقد تذكرت ذلك مؤخرا.
- احترنا فى كيفية الاتصال بك.
- أرجو المعذرة .. ها قد جئتكم بنفسى.
- لا عليك .. حسنا فعلت.
قالت السيدة : طلب سعادة السفير مقابلتك ، لكننا لم نجد لك عنوانا..
اكمل فرناندو: ماذا تود أن تشرب.؟
- لا شىء.
قالت السيدة : لا يمكن .. لا بد أن تتناول شيئا.
سامح : أى شىء تختارينه أنت.
توجه فرناندو الى ثلاجة صغيرة كانت فى احد اركان الحجرة فأحضر زجاجة عصير مشكل مثلجة مستوردة من اليابان ، وضعها أمامه .. وجاء فجلس الى جواره وقال: أين تعلمت لغتنا.؟
قال سامح : فى بلادى .
- تتحدث بطلاقة.
- اشكرك .. لكنك تجامل.
- هل تستطيع الكتابة على الآلة الكاتبة الانجليزية.؟
- انجليزية وعربية وبلغتكم أيضا.
- ممتاز.. هل تستطيع أن تقوم بالترجمة.؟
- نعم.
- أأنت مصرى.؟
- حتى النخاع.
- أنا مسرور بلقاءك.
- وأنا كذلك.
- لقد عشت فى مصر ثلاث عشرة سنة .
- إذن فأنت شبه مصرى.
- يشرفنى أن أكون مصريا.. لقد ناسبتكم وتزوجت من عندكم.
- يشرفنى معرفتكما.
- هذه الجميلة هى زوجتى " مارى" .. مصرية مائة فى المائة .. من القاهرة.
- واضح انها مصرية ألف فى المائة .. أنعم وأكرم .. إن لم تكن مصرية أصيلة ما فعلت معى ذلك .. لقد رحبَّت بى ترحيباً يُدلل على أصالتها المصرية.
أجابت مارى : يكفينى أنك مصرى.
- صدقينى .. أنا لا أعرف ماذا يمكننى أن أقول لكما .. فكلمة شكراً لاتكفى.
قال فرناندو: حسنا ..دعنى أبلغ سعادته ، فقد كلمنى فى الموضوع أكثر من مرة .
عاد بعد قليل .. طلب من سامح أن يصحبه لمقابلة السفير...
كان رجلا بشوشا ، باسم الثغر ، حليق الرأس ، فى كامل اناقته .. علم بلاده يتدلى من خلف مقعده ، ما أن شاهد سامح حتى قام ومد يده مصافحا وهو يبتسم:
- أهلا بك يا سيد سامح.. كم كنت أود أن تتم هذه المقابلة قبل هذا الوقت بكثير.
- أسعدنى لقاؤكم سعادة السفير.
- تفضل بالجلوس.
- شكرا جزيلا.
كانت مقابلة لطيفة ، بشوشة ، مطمئنة ، وفى نهاية اللقاء اعتمد طلب التعيين.
كان فرناندو يشغل منصب مدير الادارة القنصلية أما السيدة مارى فشغلت وظيفة سكرتيرة القسم.
عاد فرناندو مع سامح لمبنى الادارة حيث قامت مارى باعداد ملف توظيف لسامح واستكملت اجراءات التعيين فى سرعة مذهلة.
اصطحبه فرناندو الى المكتب المجاور ، الذى كان به اثنان من الموظفين ، تولى فرناندو تعريف سامح بهما .. أقدم لك السيد/ نديم والسيد/ حميد ، ثم أردف .. أقدم لكما السيد/ سامح الموظف الجديد الذى سوف يعمل معنا.
اربكهما الخبر المفاجىء ، ظلا لبرهة لا يعرفان بماذا يُجيبا .. لاحظ سامح فتوراً واضحاً قد ظهر عليهما عند استقبال الخبر وبدا عليهما الاستياء وعدم الارتياح ، مد الأول يده بتراخ وابتسامة باهتة بينما علق الثانى بقوله:
- يبدو أن الطاقم كله سيصبح مصريا.
أحدثت هذه العبارة رنيناً فى أذنى سامح ، لكنه لم يشأن يعقب أو يعلق بشىء وحاول أن يتجاهل الأمر.
كانت مشكلة سامح فى تلك اللحظة كيفية العودة الى الحاوية فهو فى الحقيقة لا يملك ما يعود به.
سألت مارى عن سبب الجُرح الذى كان فى رأسه .. حكى لهما .. تأثرت كثيراً وكذلك فرناندو.
همست بكلمات مع فرناندو .. نهض مُسرعا .. توجه مرة أخرى الى مكتب السفير ثم عاد وعلى وجهه علامات ارتياح .. فتح الخزانة ، أخرج راتب شهر مقدما دفعه الى سامح دون أية ضمانات سوى توقيعه على وريقه بأنه استلم هذا المبلغ ثم قال:
- سوف ننتظرك غدا كى تباشر عملك.
وقف سامح استعداداً للانصراف وهو يتمتم فى سره :
- مازلت الدنيا بخير ثم صافح فرناندو بحرارة وهو يقول :
- إن شاء الله.
- العمل عندنا يبدأ فى التاسعة صباحاً وينتهى فى الثانية بعد الظهر.
- وماذا عن السكن.؟
- سأحاول أن أدبر لك سكنا ولكن امهلنى بعض الوقت.

***


( الحلقة الثانية عشرة )

عاد فرحا ، لا تسعه الدنيا ، يشكر الله بلسانه وقلبه فى سره وعلنه .
كان كمال فى انتظاره .. عرف بمكانه من بعض العمال فجاء يُبلغه برسالة من قبل المقاول.
كان المقاول قد حَمَّل كمال رسالةً مفادُها أن يعود سامح لممارسة عمله لدية من باب الشفقة عليه بدلا من مكوثه عاطلا عالةً على غيره ( يقصد التجائه الى المبيت فى الحاوية ) وقد حَمَّل كمال ما اعتبره نصيحة لسامح مفادها ألاَّ يحاول البحث عن عمل لان ذلك سيكون مُتعذارا مادام لا يحمل إقامة نظامية مما يعرضة للمطاردة من قبل الشرطة .
- لا أرغب فى العودة للعمل لديه وليس لدى ما أرد به عليه.
- وماذا أنت صانع .؟
- إن الله لا ينسى أحداً.
- هل ما زال معك نقود تنفق منها.؟
- شىءٌ فى سرك يا كمال .. لقد وفقنى الله بعمل يا كمال والحمد لله.
- أحقا ما تقول.؟
- نعم.
- الحمد لله .. أين .؟
- فى إحدى السفارات.
- هذا خبر مُفرح وسوف ينزل كالصاعقة على رأسه.
- أرجوك بألاَّ تخبره يا كمال .. خلى الموضوع بينى وبينك على الاقل فى الوقت الحاضر.
- أترغب أن تدارى على شمعتك حسب المثل المصرى .؟
- أرجو أن تنفذ لى طلبى هذا ويستحسن الا تبلغ أحداً على الاطلاق.
- حسنا.
- هل معك نقود حقا.؟
- وأنت هل معك نقود ياكمال.؟
- لقد صرف لى بالأمس راتب الأسبوع الماضى والحمد لله.
- إن احتجت الى نقود فلا تتردد .
- اشكرك يا سامح.
بعد أن انصرف كمال جاء بعده ممدوح ليبلغه بأنه قد عثرعلى سكن فى أحد الأحياء الشعبية وطلب منه أن يحمل حقيبته ويأتى للعيش معه.
اقترب سامح من ممدوح وصارحه بما حدث .. فرح ممدوح فرحاً كبيرا .. لا بد من إبلاغ "أم تامر" الخبر المفرح .. لقد أكثرت الدعاء فى الحرم من أجلك.
- ألف حمد لله.
نادى ممدوح على سعد وأبلغه الخبر.. لم يتمالك سعد نفسه من الفرحة وهو يقول : إن الله لا ينسى أحدا.
- والله يا جماعة أنتم مثال حى للمصريين الأصلاء.
أصر ممدوح على اصطحاب سامح الى مسكنه الجديد .. كان المسكن فى حى شعبى قريب من مكان عمل سامح .. من فوق عتبة الباب زف ممدوح الخبر الى " أم تامر" التى لم تقلها الأرض من شدة الفرح وقالت :
- لابد أن أصلى ركعتين شكرا لله .
فى تلك اللحظة اتخذ سامح على نفسه عهداً أن يسمى أول مولود يرزق به باسم " تامر".
مضت الأيام مسرعة وانتهى موسم الحج وعادت أم تامر الى الوطن ، وترك ممدوح المسكن الذى كان يستأجره وعاد للعيش مع سعد.
ذات يوم اشتاق سامح لرؤية ممدوح وسعد .. ذهب لزيارتهما فوجد الشركة قد أنتهت من اتمام المشروع وسلمته الى أصحابه ومن ثم انتقل الاثنان للعمل فى مشروع جديد.. فشل سامح فى العثور على عنوانهما.
أما كمال فقد اضطرته الظروف الى السفر مع عمال المقاول الى وسط الصحراء للعمل هناك فى مشروع جديد ولم يستطع سامح تتبع أخباره .
صورٌ تلألأت فى أعماقه نوراً وأخرى توارت فى حُلكة الظلمة .. تلاشت مثلما تتلاشى الأشباح وسقطت فى بئر النسيانُ.
كان فرناندو قد جهز مكتبا لسامح وبدأ عمله من ثانى يوم لتوقيعه للعقد.
لم يمض وقت طويل حتى كان فرناندو قد استطاع الحصول على موافقة من السفير بتشييد مبنى جديد فى الجهة المقابلة.
انتقل فرناندو ومارى ومعهما سامح الى المبنى الجديد بينما ظل الموظفون الاخرون يعملون كما هم فى المكتب القديم.
كان تحالف البعض ضد فرناندو وزوجته قد سبب لهما مضايقات كثيرة واستاء فرناندو للغاية مما جعله يفكر أكثر من مرة فى تقديم استقالته لولا أن مارى كانت تشجعه وتطلب اليه ضروة التحلى بالصبر والوقوف بصلابة.
لم تستطع مارى أن تخفى سرورها وابتهاجها بتعيين سامح الذى جاء وصوله فى وقت كانا فى أشد الحاجة الى من يقف الى جانبهما لمواجهة هذا التيار العاتى الذى كان يندفع نحوهما من اجل الاستئثار بالنفوذ.
رغم أن المكتب الجديد لم يكن يبعد عن القديم بأكثر من ثلاثين متراً ، الا أن هذه المسافة القصيرة كانت سببا فى إجهاض مخططات الاخرين الذين كانوا قد شكلوا مركزا للقوى ضدهما.
أحست مارى بأن تضرعها الى الله هو السبب الذى جاء بسامح الى هذا المكان للوقوف الى جانب فرناندو .
أعطى تعيين سامح لفرناندو مبررا منطقيا للحصول على موافقة السفير ببناء المكتب المستقبل والذى أخذ على عاتقه اعمال الترجمة والسكرتارية والبريد المحلى ، بينما تُرك لموظفى المكتب القديم تولى أعمال العلاقات الخارجية والبريد الدبلوماسى" الحقيبة".
كان نجاح فرناندو فى هذا المسعى يمثل انتصاراً حقيقيا ، انتظره سنوات طوال.
هذا الانهزام للجانب الاخر جعل وتيرة العداء تضطرمُ بدلا من أن تخبو .
كانوا واثقين بأن كل ما حدث من تغييرات كان سببها الرئيسى تعيين سامح وتذكية فرناندو الواضحة له مما وضع سامح فى بؤرة العداء الى جانب فرناندو وزوجته .
كانت التوأمة والانسجام فى محيط العمل والذى كان واضحا من خلال النجاح المستمر والانجازات التى حققها المكتب الجديد فى وقت وجيز مما دفعهم الى حياكة مؤامرات وكيد خفى جعلهم يسعون الى تصيد الاخطاء مهما كانت طفيفة وتضخيمها ورفعها.
لكن فرناندو لم يعبأ ولم يحاول أن يلتفت وراءه وظل ثابتا صلبا رغم ما كان يصيبه من توتر فى بعض الاحيان لم يكن يستطيع أخفائه.
سُرعان ما أصبح سامحُ محل ثقة انطونيو ومارى فعهد اليه بجميع الاعمال الاداية والترجمة بالاشتراك مع مارى التى كانت تجيد أكثر من لغة وتجيد الكتابة على الالة الكاتبة بنوعيها بينما اكتفى هو بتولى مسؤلية ادارة الحسابات التى كانت تشكل عبئا ليس بالهين على شخص بمفرده.
جَاءَ فصلُ الصيف وارتفعت درجاتُ الحرارة الى حدودها القصوى وأخذت أشجارالحديقة ومزروعاتها فى الذبول فى وقت كان فيه الحارس العجوز الشرق أسيوى يقضى اجازة فى وطنه ففكر فرناندو فى طريقة يمكن أن تعود بها الحياة الى تلك المزروعات المقبلة على الموت.
أسرع الى موقف (الوايتات) - سيارات نقل تحمل على متنها خزانات لشفط مياه الصرف الصحى - .. كانت آنذآك متوفرة بكثرة، نظرا لعدم توفر شبكة صرف صحى بالمدنية فى ذاك الوقت.
كان المتعارف عليه ان يدفع أصحاب البيارات الممتلئة أجرة شفط مياه الصرف الى أصحاب الوايتات ، لكن فرناندو عكس المنظومة وأغرى السائق بمبلغ من المال كى يُلقى بحمولته داخل الحديقة .. تلك المياه المختلطة بطبيعة الحال بالمخلفات الآدمية.
أصدر فرناندو هذا القرار مع نفسه دون أن يخبر أو يستشير أحداً.
ما أن ألقى السائق بحمولته العفنة فى حديقة المبنى الواسعة حتى حملت الريح الروائح الى داخل المكاتب وغرف المبنى السكنى ووصلت سريعا الى الفيلا التى يسكنها السفير.
خرج جميع الموظفين كالجراد المنتشر الى عرض الشارع ، واهتز السفير فى مقعده ، وهب الى النافذة كى يستطلع الأمر .. لم يقو على الاستمرار فى إبقائها مفتوحة فأغلقها على الفور وهويتوعد..
اتصل باحدهم صارخاً :
- من فعل هذا.؟
- فرناندو .
- فليحضر فورا الى مكتبى.
أسرع فرناندو الذى كان واقفا يحاول تصريف المياه التى أغرقت الحديقة .
كان السفير الذى سارع بوضع منديل من قماش أبيض فوق أنفه مُستاءاً للغاية من تصرف فرناندو وألقى جام غضبه عليه ، لكن فرناندو الذى اعتاد الدفاع عن مواقفه بشدة وقف يشرح له مزايا وفوائد مياه الصرف الصحى فى سرعة إنماء المزروعات وتقويتها، لكنه لم يأبه لتبريراته وواصل تأنيبه بشدة وأمره بضرورة التصرف الفورى والا سيكون العقاب قاسيا.
قضب فرناندو جبينه مطأطأ الرأس وهو يقول فى نفسه :
- فى كل مرة يحدثُ فيها شىءٌ بسيطٌ تنتفض وتهدد وتتوعد .. وأنا اكثر الحاملين لعبىء العمل فى هذا المكان وأعمل ليل نهار دون التقييد بساعات عمل كالآخرين وفى النهاية لا ألقى منك سوى اللوم والتهديد .. بينما الذين يراؤون ويداهنون يلقون كل ثناء وتقدير..
قال سامح يخاطب فرناندو بماذا تتمتم ياصديقى .؟
قال فرناندو وقد بدا عليه عدم الإكتراث بما قاله السفير :
- فليفعل ما يشاء لقد سئمت هذا العمل الذى لا حمد فيه ولا جميل .. فى كل مرة يهددنى .. الرازق هو الله .
- لديك حق يا صديقى العزيز ولكن فى مثل هذه الظروف لابد لنا أن ندع الموجة تمر من فوق رؤسنا ونفوِّت الفرصة على المتربصين بتصيد التافه من الأخطاء.
- لديك حق يا مصرى.
كان الموقف مؤسفاً ، بل لنقل مضحكاً ومحزناً فى أنٍ واحدٍ .. فمن يعرف فرناندو يعلم جيداً بأنه إنسان حسن النية وطيب القلب .. شفوق .. يتصرف على سجيته .. ولم لا وقد عايشه سامح وعرف سجاياه عن قرب منذ اللقاء الأول بينهما.. وعندما قال انه إنما فعل ذلك من أجل إحياء المزروعات فقد كان صادقا كل الصدق وكان حقا يشفق على الاشجار من شبح الموت الذى خيم عليها.
هكذا اربكه رد الفعل المعاكس للآخرين ووقع فى حيص بيص ولم يعرف كيف يتصرف.
سارع سامح يبحث فى أرجاء الحديقة بحثا عن قطع الاخشاب المهملة ليصنع منها معابر وسط برك المياه التى أغرقت المكان.
فتح فرناندو بمساعدة سامح أغطية جميع البيارات التى بداخل المبنى الواسع لكنهما فؤجئا بأنها ممتلئة عن آخرها وغير قابلة لاستيعاب أية مياه أخرى.
حملوا أكياسا من التراب وأخرى من الرمل والقوا بها وسط برك المياه علها تتمكن من امتصاص ما يمكن امتصاصة من هذا الفيض المتعفن الذى تعوم فوق صفحته القاذورات متناثرة فى كل مكان.
كانت هذه الواقعة محل استغلال الآخرين وراحوا ينفخون فى بالونها.
ظلت الرائحة الكريهة كامنة لفترة طويلة ولم تقضى عليها سوى حرارة الشمس الشديدة التى حولتها الى حمأة أفادت الزرع كثيرا فأينع واخضرت الأوراق واعترف الجميع فى النهاية بفكرة فرناندو ولكن بعد درس قاس مر بصعوبة بالغة ، تلك الواقعة كانت تُضحك الجميع كلما مرت بالذاكرة حتى السفير نفسه.

***

"]( الحلقة الثالثة عشرة [/center])
كان السفير رجلا خلوقا طيب القلب ، يقدر العاملين من حوله وخاصة البسطاء منهم ، لم يحدث يوما أنه تسبب فى قطع عيش أحد.. صحيح انه كان فى بعض الأحيان يغضب على إثر سماعة لبعض الوشايات التى قد يُلقى بها على مسامعه بعض الكائدين إلا أن هذا الغضب الذى قد يصلُ الى حد الصياح والتهديد أحيانا ، لكنه لم يصل أبدا الى حد قطع عيش أحد من العاملين بالسفارة.
كان اذا جاء شهر رمضان وصام العاملين الملتصقين به وجلهم من الخدم والطباخين والسائقين والسفرجية يأبى الرجل أن يطلب الى أى منهم أن يصنع أو يقدم له طعاما أو شرابا اثناء النهار.. يسارع بارسال عائلته الى بلاده ويبقى هو وحده .. بعد انتهاء فترة العمل يصعد الى فيلته ويغلق حجرته على نفسه.
حين يأتى موعد الإفطار ويستعد العاملون المسلمون فى تجهيز الحُصر لفرشها فى أحد أركان "التراسينة" التى كانت فى الدور الأرضى من الفيلا .. فى تلك اللحظات التى تسبق مغيب الشمس يفتح باب نافذته من أعلى ويطل على الجميع برأسه مُحييا ثم يشير بأصبعه الى اسفل بما يعنى انه قادم.
يهبط الدرج مُسرعا .. يجلس بينهم يتناول الطعام كأنه واحد منهم ، يأكل الملوخية السودانى والويكة والكبسة السعودى والسمبوسك ثم يحلى بالكنافة ويشرب الشاى من البيالات الصغيرة مرة تلو الاخرى وفق العادات العربية وهو يبتسم فى وجه الجميع.
ذات مرة وبشكل مفاجىء كان عليه الذهاب الى اجتماع رسمى هام وعاجل فى الخارجية .. كان الدوام الرسمى قد انتهى .. أطل من نافذته فلم يجد سوى سامح يجلس فى الحديقة .. طلب منه أن يستدعى سائقه حالا.. توجه سامح الى الملحق الذى يعيش فيه السائق فلم يجده .. قيل أنه أخذ السيارة الرسمية وذهب لزيارة أحد أقاربه دون علم السفير.
حين علم بالقصة .. لم يتضجر ولم يتأفف .. لم يَصُبْ جام غضبه على باقى الموظفين .. ولم يصرخ فى وجه أحد.. لم يتوعد السائق..!!
هبط الدرج سريعا وهو يعبث برباطة عنقه التى يبدو أنه علقها فى رقبته على عجل .. وصل الى الحديقة .. كان سامح يقف هناك .. دنا من سامح حتى أصبحا وجها لوجه وقال:
- سيد سامح هل تتفضل بتعديل هذه الكرافت بالشكل المناسب.؟
كان قلقا خشية أن يفوت عليه الاجتماع .. يقطع المسافة بين مبنى المكتب ومبنى الفيلا جيئة وذهابا مُفكرا وهو ينظر فى ساعتة على أمل أن تسوق الاقدارُ السائق فى تلك اللحظة لكنه لم يأت وفى نهاية الامر التفت الى سامح وقال:
- استدع لى الحارس.
توجه سامح الى حيث غرفة الحارس فوجده جالسا يستمع الى بعض الأغانى اليمانية لبلاده ، كان يستمع الى أغنية ابو بكر سالم بالفقيه تلك الاغانى التى يهواها سامح.
أسرع الحارس نحو السفير الذى كان يعرف بعض الكلمات العربية .. تحدث الى الحارس بما استطاع أن يلم به من الكلمات العربية .. كان يمكن ان يطلب من سامح ان يترجم له ما يريد ، لكنه أحب أن يتحدث الى الحارس بشكل مباشر ليعطيه نوع من الحميمية التى كثيرا ما تفتقد بين الرئيس ومرؤسيه الصغار.
- هل عندك سيارة يا حمدان.؟
ما أن سمع حمدان السفير يحدثه بلغته حتى انتشى وارتفعت اكتافه الى أعلى وارتدت رقبته الى الورآء وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول بصوت مسموع :
- سعاد السفير يكلم حمدان الغفير.. يا يبختك يا سعدك يا حمدان بيه.
التفت السفير الى سامح وسأله عما يقوله حمدان فأخبره انه سعيد بتحدثه اليه بالعربية وفى هذه اللحظة قال حمدان :
- عندى "دباب" يا سعادة السفير .. (الدباب هو عبارة عن سيارة نقل سوزوكى صغيرة) ، كان قد اشتراها حمدان كى يسترزق بها بعد انتهاء فترة الدوام الرسمى.
لم يستطع السفير فهم ما قاله حمدان بالضبط فالتفت الى سامح وقال ماذا يقول حمدان .؟
- يقول ان لديه سيارة نصف نقل صغيرة لاتتناسب مع مقام سعادتكم.
- حسنا فليأت بها ويأخذنى الى مقر الوزارة فوراً.
أسرع حمدان فارتدى ثوبه الأبيض الناصع ، وجهز "دبابه" الصغير .. جلس السفير الى جانب حمدان مبتسما وهو ينظر فى مرءاة الكابينة ليتأكد من رباطة عنقه التى ربطها له سامح .
انطلق حمدان خارجاً من الباب الرئيسى للسفارة بينما السفير يلوح لسامح بيده شاكراً ومودعاً.

***









"]( الحلقة الرابعة عشرة )[/[/center]size]

كان نطاق العمل يزداد يوما بعد يوم مما اضطر فرناندو الى أن يطلب تزويد القسم القنصلى بموظف آخر يتحدث اللغتين بطلاقة.
عرض الفكرة على السفير فوافق من حيث المبدأ لكن المشكلة انحصرت فى تحديد الشخص الذى يمكن أن يتولى ذلك العمل ، وهل سيتم من خلال عمل اعلان بالصحف المحلية وتعينه محليا .. أم يُستقدم بعقد عمل من ا لخارج ، وكان الراجح هو عمل اعلان وتعيين من يقع عليه الإختيار تعيناً محلياً وظلت المسألة محل نقاش لفترة طويلة.
فاتح فرناندو سامح فى الأمر .. فكر سامح فى الموضوع جديا وأخيرا طرأت فى رأسه فكرة وقال لفرناندو:
- لقد عثرت على الحل يا صديقى.
- كيف .؟
- لقد وجدت الشخص المناسب.
قال فرناندو فى لهفة :
- هل تعرف أحداً تنطبق عليه هذه المواصفات.؟
- نعم أعرف ولكنه موجود فى مصر..!!
كان بابلو صديقا لسامح منذ أن كان سامح يدرس بالمركز الثقافى فى الاسكندرية ، وهناك التقى ببابلو وتعرف عليه .. كان بابلو شاباً وسيماً فارع الطول ممشوق القوام رياضِىُّ البُنيةِ .. قضى فترة يُدَرِّس بالمركز .. كان يتميز بإجادته للغة العربية بحيث لا تستطيع أن تفرق بينه وبين أهل الاسكندرية فى النطق واللهجة. قضى فترة فى مدن الجنوب اثناء دراسته العلمية ونال شهادته العليا من مصر .. أحب بابلو مصر لدرجة انه ارتبط بها ارتباطاً وثيقا جعله يتزوج من هناك.
ما أن أخبر سامح فرناندو باسم بابلو حتى صاح الاخير مُتعجبا .. كيف تاه اسم بابلو عن ذهنه.؟
فى تلك اللحظة اكتشف سامح أن بابلو كان صديقا حميما لفرناندو عندما كان يعمل هو الآخر فى سفارة بلاده بالقاهرة.
طلب فرناندو من سامح أن يجهز البرقية اللازمة لاستقدام بابلو للعمل الى جانبه .. فى تلك الفترة كان بابلو حديث العهد بزواجه من نيفين المصرية التى أحبها وهام بها .
عاد سامح بذاكرته الى الوراء يوم أن جاء بابلو الى المركز مبتهجا تعلو وجهه ابتسامة بعد ارتباطه بنيفين .. فى تلك اللحظة هنأه الطلبة والطالبات بالتصفيق الحاد.
لم يمر وقتٌ طويلٌ حتى كان بابلو ونيفين قد حضرا ، واستلم كلٌ منهما مهامَ عمله جنبا الى جنب مع فرناندو ومارى.
أحدث التقاء بابلو بسامح عند قدومه مفاجأة له لم يكن يتوقعها لأنه لم يكن يعلم بأن سامح يعمل مع فرناندو ومارى ، كما لم يكن يعلم أيضا انه هو الذى طرح الفكرة على فرناندو.
شكل وجود بابلو ونيفين سنداً قويا لكل من فرناندو ومارى وكانت صداقتهما القديمة عاملاً إيجابيا فى صنع فريق متوائم ومنسجم بشكل مستمر.
***

[size="6"](الحلقة الخامسة عشرة )


فى كثير من الأحيان تأتى الرياحُ بما لا تشتهى السفن ، سريعا وبشكل مفاجىء صدر قرار بنقل السفير واستعد الرجل الانسان الطيب للرحيل ومغادرة البلاد.
كان يوما مشهودا، ذاك اليوم الذى أنزل فيه الخادم الحقائب والأمتعة ، كانت الدموع فى عيون الجميع واضحة.
كان البستانى العجوز أكثر المودعين بكاء، تلاه الطباخ السودانى الذى خدمه عشرين عاما وسافر معه عدة دول وكان دائماً يرتعد من طقس انجلترا البارد الذى كثيرا ما أصابه بالبرد، الى جانبه وقف السفرجى ذاك الشاب الأسمر الذى كان يدارى دموعه بكلتا يديه.
أما سائقه السودانى أيضا ، ذاك الرجل البدين القوى الجسم ، كان دائم الابتسامة يحب المصريين مثله مثل باقى اخوانه ، فقد أخذته نشوة العاطفة الجياشة فأقسم انه لن يقود لاحد من بعده وأنه سوف يعود الى بلاده ، تعلم سامح من هؤلاء البسطاء طريقة اعداد الملوخية والويكة السودانى الشهية .
كان السفير أثناء توديعه لهم يربت برفق على أكتافهم مُطئنا لهم بأنه قد أوصى خَلَفَه بحسن معاملتهم .
لقد أحسوا بفقد أب كان يحنو على الجميع ، وعلى البسطاء بصفة خاصة .. لا يُشعرهم مُطلقا بوجود فارق بينه وبينهم .. كان أنساناً بكل ما تحمل الكلمة من معان.
ظلت حوائط المبنى حزينة تبكى الرجل الذى عاش فيها أكثر من عشرين عاما حتى أصبح عميداً لسفراء العاصمة ، أسس خلالها علاقات إنسانية طيبة مع كل من حوله صغيراً وكبيراً.
كانت الفترة الانتقالية مملوءة بالقلق ، مشوبة بالخوف على مستقبل غير مُستقر ولا يُطمئن بخير.
ترك كل واحد منهم العنان لخياله كى يرسم له تصورا أو تخيلا لما سوف تكون عليه الصورة فى المستقبل القريب .. لكن هذا الخيال عند أغلبهم كان يجنح الى التشاؤم أكثر مما يبشر بالتفاؤل.
ها قد مرت الأيام مسرعة ووصل السفير الجديد .. طويل القامة عريض المنكبين ، أنيق الملبس لكنه كان جامد القسمات ، كأنه من قادة الجيش ، لا يستطيع أحد مهما كانت فراسته أن يتكهن بما تنم عنه قسمات وجه وملامح بشرته.
كانت المعاملة شبه الجافة والصارمة فى أغلبها تشير الى قرب هبوب رياح التغيير التى كان واضحا بأنها ستكون عاتية وقد تـُحطم كل الصوارى التى بالكاد تقف على أقدامها فى مجابهة أمواج التغيير العاتية.
فى صباح أحد الأيام رن جرس الهاتف ، كان المتحدث على الجانب الاخر سفير دولة عربية يطلب مقابلة السفير.
تلقى سامح المكالمة وأحس بأن الذى كان على الجانب الاخر قد تملكه السرور حينما استقبل الرد بلغة عربية وبلهجة مصرية على وجه الخصوص.
عندما جاء موعد المقابلة أصر سامح على استقباله عند البوابة بترحاب واهتمام ثم قام فرناندو باصطحابه والتوجه به الى حيث كان يقف السفير لاستقباله.
عند انصرافه عَرَّجَ على مكتب سامح الذى كان على طريقه وصافحه مودعا وعرض عليه قبول العمل لديه، لكن سامح اعتذر بلباقة وشكره على عرضه.. لكن الرجل ترك له العرض مفتوحا.
لم يمر سوى شهر واحد حتى كان القلق قد بلغ مداه .
ذات يوم جاء مبكراً ، طلب فرناندو عن طريق الهاتف وأمره باستدعاء كل أفراد الطاقم .
استدعى فرناندو أو المطلوبين .. كان رجلا طيبا من شرق اسيا .. عجوزا أحنى الفقر ظهره ، وأنحله الضعف من قلة الغذاء .. كان ذاك هو البستانى ، رجل يكافح خطوب الدهر رغم كبر سنه الذى يحتم عليه أن يبقى فى البيت .. كنا نعلم أنه لولا تحمله لمسؤلية أسرة عديدة الأفراد وشدة احتياجه للمال ما ترك بلاده وهو فى هذا العمر المتأخر ، ومع ذلك فقد ساقه سوء الحظ ليكون أول المسرحين ، رغم أن كل ما كان يتقاضاه من أجر لا يتعدى الثلاثمائة ريال شهريا بحال من الأحوال مما جعله أقل العاملين أجراً.
ثانى من سُرِّح كان الطباخ .. قيل أنه ليس بحاجة الى طباخ (محلى) ، فقد جاء يرافقه طباخه الخاص الذى لا يأكل الا من تحت يديه.
ثالث المُسَرَّحين كان السفرجى .. قيل أنه ليس بحاجة اليه ، وسوف يتولى طباخه الخاص المهمتين معاً.
هؤلاء الفقراء البسطاء الذين سُرِّحوا قضوا ما يقرب من عشرين عاما فى الخدمة وكان صبرهم ليس من أجل الأجر القليل الذى كانوا يتقاضونه وإنما لسببين آخرين أولهما شعورهم بأنهم يعملون فى هيئة دبلوماسية لها احترامها حيث يفاخرون بها أمام الآخرين ، وثانيهما المعاملة الحسنة التى كانوا يلقونها من قبل الرجل الذى رحل.
رابعهم سامح .. استدعاه فرناندو وقال له : الرئيس يطلبك.
عرف سامح أن الدور دوره فازدادت نبضات قلبه وهو يصعد الدرجات الرخامية التى تسبق الدخول الى مكتب السفير .. كان القنصل العام يجلس على مقربة من السفير يدخن سيجاره وقد وضع ساقا فوق ساق بينما بادر السفير سامح بقوله: هل تستطيع القيادة .؟
- لا .
- مع الأسف .. نحن نحاول الاقتصاد بتوفير العمالة ، لذلك سنسمح لك بالبقاء على إقامتنا حتى تعثر لنفسك على عمل جديد.
تلك الكلمات القليلة عصفت بسامح كما تعصف الرياح العاتية بقوارب الصيد الصغيرة ، ولم يجد ما يقوله سوى : شكرا لكرمكم البالغ يا سعادة السفير ، ثم استدار الى الخلف وخرج .
الخامس : أحد الموظفين الآخرين الذى يبدو أنه كان محظوظا..
قال له السفير: هل تستطيع القيادة .؟
- نعم سيدى .
- هل تملك رخصة قيادة سارية المفعول.؟
- نعم سيدى.
- سيكون عملك من الآن هو قيادة سيارة العلاقات العامة ، سكت برهة ثم قال : ذلك طبعا الى جانب عملك الأساسى .
- أمرك سيدى.
السادس : موظف آخر ..
- ما هو عملك .؟
- أعمال ادارية والة كاتبة سيدى.
- هل تملك رخصة قيادة سارية المفعول .؟
- نعم سيدى .
- ستتولى القيادة بالتناوب مع زميلك لقضاء الأعمال الخارجية .
- ليس لدى أى مانع سيدى .
وهكذا فى غمضة عين أقيل معظم الموظفين المحليين ولم يُبقى إلا على القلة القليلة التى لم تتجاوز عدد أصابع اليد.
بذل فرناندو جهداً ملحوظاً للإبقاء على سامح مُبررا للسفير احتياج العمل اليه لكنه لم يعبأ.
وجد سامح نفسه فى وسط اللـُّجة وبدا لزاماً عليه أن يبدأ مشوار البحث من جديد.
***

فاطمة أسعد
05/16/2011, 06:35 PM
جميل
ضحكت مع(فرناندو) وتصرفاته العفوية

متابعة معك أستاذ صلاح

صلاح ابوشنب
08/29/2011, 04:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الاخت الفاضلة زينة الحداد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صدقت لكل طاغية يوم لا يتقدم عنه او يتأخر .. ولقد كتبت هذه الاقصوصة قبل الثورة بمدة وربطت حاضرنا الاليم بماضينا الاليم ايضا .. ايام كنا نرزح تحت حكم السلاطين الاتراك يولون علينا تركيٌ من قبلهم فيفعل فى اهل الولايات الافاعيل ، وبرحيلهم ظننا اننا قد نفضنا عن كواهلنا الطاغوت ، فاذا بالطاغوت الذى مضى قد خلفه طاغوت اطغنى منه واكثر فتكا وعتواً هو الطاغوت الفرنسى ثم البريطانى وما أن فرغنا منهما وظننا اننا سوف نتنفس الصعداء حتى بدا المش يصنع ديدانه من داخل نفسه ، لتهاجم بعضها بعضا وتأكل بعضها بعضا وتنهب بضعها بعضا .. ذهب العثمانيون بعد أن سرقوا تراثنا الاسلامى الثمين جدا من اثار الرسل والصحابة والتابعين وتركوا لنا تماثيلا برونزية كى تذكرنا بجبروتهم ، وسار على نهجهم الفرنسيون فسرقوا تراثنا الحضارى الفرعونى من تمثايل وموميات ومسلات شاهقة وكذلك فعلل خلفهم الانجليز . ثم سَرَقَنـَا من بعدهم ديدانُ واقزامُ الطواغيت الذين هم منا ، ولم يتركوا لنا حتى الفتات . فوقف البطل يحادث التمثال البرونزى القائم فى ميدان عرابى فى الاسكندرية يمتطى حصانه وقد تمثل فيه حاكمنا السابق الذى نهبت بلادنا فى عهده نهبا لم يسبق له مثيل .. ولم يمض سوى وقت قليل حتى كان الله قد ازاحه ونكل به . وحقا سبحان الذى يمهل ولايهمل