مشاهدة النسخة كاملة : " الرحيل .. " قصة فيصل الزوايدي (تونس)
فيصل الزوايدي
12/31/2008, 11:27 PM
الرحـيــلُ ..
يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذاقَت نَفسي وَجَعَ الفجائِعِ ..
من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.
فيــــصل الزوايـــــــدي
عماد تريسي
01/01/2009, 02:20 AM
الرحيل , الرحيل . . .
ذاك القَدر الذي يلبسنا دونما مشيئةٍ منّا !!!
تارة يحملنا بعيداً
و تاراتٍ يحمل شقائق الروح عنّا . . .
أخي الكريم فيصل ,
كلما قرأتُ هذا النص تأخذني صوره حيث لا أشتهي ,
لكن , متى كنا نبلغ ما نشتهي !!!
مباركٌ حرفكَ المتقن المبدع دائماً .
مودتي
دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/01/2009, 10:36 PM
أخي فيصل
قرأت هذا النص في مكان آخر.. وأذكر أنه شدني بلغته الآسرة الشجية وسرده المتقن .. بعض النصوص تعيش في ذاكرتنا أمداً طويلاً وبعضها يظل يعيش بداخلنا لأنه يمس الجزء الحي النابض في ضمائرنا ونصك هذا واحد من هذه النصوص التي تعيش معنا دوماً .. دام إبداعك الراقي أيها العزيز ..وتقبل أرق تحياتي.
فيصل الزوايدي
01/01/2009, 11:25 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عماد تريسي http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=17882#post17882)
الرحيل , الرحيل . . .
ذاك القَدر الذي يلبسنا دونما مشيئةٍ منّا !!!
تارة يحملنا بعيداً
و تاراتٍ يحمل شقائق الروح عنّا . . .
أخي الكريم فيصل ,
كلما قرأتُ هذا النص تأخذني صوره حيث لا أشتهي ,
لكن , متى كنا نبلغ ما نشتهي !!!
مباركٌ حرفكَ المتقن المبدع دائماً .
مودتي
أخي عماد تسعدني اطلاتلتك دوما و اعتز برأيك في النص و بتفاعلك العفوي معه أما الرحيل و آلامه فلا حيلة لنا معه و معها ..
دمت في الخير
مع الود الدائم
فيصل الزوايدي
01/01/2009, 11:27 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة دكتور/ محمد فؤاد منصور http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=18089#post18089)
أخي فيصل
قرأت هذا النص في مكان آخر.. وأذكر أنه شدني بلغته الآسرة الشجية وسرده المتقن .. بعض النصوص تعيش في ذاكرتنا أمداً طويلاً وبعضها يظل يعيش بداخلنا لأنه يمس الجزء الحي النابض في ضمائرنا ونصك هذا واحد من هذه النصوص التي تعيش معنا دوماً .. دام إبداعك الراقي أيها العزيز ..وتقبل أرق تحياتي.
أخي العزيز محمد فؤاد منصور .. يسعدني كثيرا تذكرك للنص و ثناؤك عليه فتقبل امتناني و تقديري
دمت فى الخير
مع الود الدائم
عبد الرشيد حاجب
01/02/2009, 03:52 AM
أحببت في هذه القصة تقنية السرد فيها..وتنويع الأساليب بما في ذلك المونولوج وغطاء السيرة الذاتية.
كان توظيف رمز الماء جميلا هنا ما بين حرارة الجنوب وثلجية الشمال من جهة (ثلج+حرارة =ماء) ثم الإشارات
الأخرى المتعددة من جهة أخرى: الماء/ السماء-القدر ثم الماء الأرض / الإرتباط-الأصالة والإستمرارية.
فشل الرحيل بسبب موت الأب هو دليل على وجوب الإستمرار ، فالرحيل لو تم كان يعني الإنقراض ، لذلك
كان على الأب أن يفسح الطريق / ويخلق أسباب بقاء الإستمرار ولو بشكل دراماتيكي محزن .
قرأت وتمتعت ووجدت القصة تفتح أمامي بابا بعد باب كلما أوغلت.
شكرا وهنيئا على هذا الإبداع أخي فيصل.
فيصل الزوايدي
01/03/2009, 07:49 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الرشيد حاجب http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=18187#post18187)
أحببت في هذه القصة تقنية السرد فيها..وتنويع الأساليب بما في ذلك المونولوج وغطاء السيرة الذاتية.
كان توظيف رمز الماء جميلا هنا ما بين حرارة الجنوب وثلجية الشمال من جهة (ثلج+حرارة =ماء) ثم الإشارات
الأخرى المتعددة من جهة أخرى: الماء/ السماء-القدر ثم الماء الأرض / الإرتباط-الأصالة والإستمرارية.
فشل الرحيل بسبب موت الأب هو دليل على وجوب الإستمرار ، فالرحيل لو تم كان يعني الإنقراض ، لذلك
كان على الأب أن يفسح الطريق / ويخلق أسباب بقاء الإستمرار ولو بشكل دراماتيكي محزن .
قرأت وتمتعت ووجدت القصة تفتح أمامي بابا بعد باب كلما أوغلت.
شكرا وهنيئا على هذا الإبداع أخي فيصل.
أخي عبد الرشيد حاجب اعتز بشهادتك في القصة كثيرا و انا ممتن لتفاعلك و لمتابعتك الراقية ..
دمت في الخير
مع الود
إبتسام إبراهيم تريسي
01/03/2009, 09:53 PM
مرحباً فيصل
القصة جميلة تعيد السيرة المكررة ذاتها ، التي تحكي فاجعة الاغتراب . الأسلوب جميل ، والنهاية جاءت محبوكة بطريقة فنية عالية.
فقط اود أن أشير إلى مسألة لغوية شائعة ، لاحظتها في قصص ونصوص كثيرة ، وهي ربط المفعول به بحرف الجر الباء . مثال ذلك في قصتك ( تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ ) لماذا تلقي بالنظرات ، ولا تلقي النظرات ؟
باقة مودة .
فيصل الزوايدي
01/03/2009, 11:44 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إبتسام إبراهيم تريسي http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=18667#post18667)
مرحباً فيصل
القصة جميلة تعيد السيرة المكررة ذاتها ، التي تحكي فاجعة الاغتراب . الأسلوب جميل ، والنهاية جاءت محبوكة بطريقة فنية عالية.
فقط اود أن أشير إلى مسألة لغوية شائعة ، لاحظتها في قصص ونصوص كثيرة ، وهي ربط المفعول به بحرف الجر الباء . مثال ذلك في قصتك ( تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ ) لماذا تلقي بالنظرات ، ولا تلقي النظرات ؟
باقة مودة .
اهلا بك اخت ابتسام و قد اسعدني رأيك في القصة كثيرا و شكرا للملاحظة اللغوية ..
دمت في الخير
غفران طحّان
01/05/2009, 03:15 AM
أخي العزيز فيصل
قد يكون الرحيل مرحلةً نحو الأجمل
وقد يكون
دمت متألقاً
احترامي لنبضك
فيصل الزوايدي
01/06/2009, 12:59 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة غفران طحّان http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=18986#post18986)
أخي العزيز فيصل
قد يكون الرحيل مرحلةً نحو الأجمل
وقد يكون
دمت متألقاً
احترامي لنبضك
أخت غفران شكرا للاطلالة و للمشاعر الراقية كثيرا التي اعتز بها
دمت في الخير
عبدالوهاب موسى
01/06/2009, 01:13 AM
أصافح
حكيا ماتعا من قاص سامق
بدأبمرارة الصبر التى أعطت
النص حلاوة الوطنية .
لك محبتى فى الله
ولى عودة لأستمتع
فيصل الزوايدي
01/07/2009, 12:44 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالوهاب موسى http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=19169#post19169)
أصافح
حكيا ماتعا من قاص سامق
بدأبمرارة الصبر التى أعطت
النص حلاوة الوطنية .
لك محبتى فى الله
ولى عودة لأستمتع
أخي عبد الوهاب موسى أعتز كثيرا باطلالتك و بمحبتك النقية و انا ممتن فعلا لهذه المشاعر الراقية و سأكون في انتظار العودة قريبا ان شاء الله ..
دمت في الخير
أحمد فؤاد
01/13/2009, 10:58 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الأديب الموهوب / فيصل الزوايدي بداية أود أن أشدّ على يدك التي أبدعت لنا هذا العمل الجميل ، و الذي لم أقرأ مثله منذ زمن ليس بالقصير. جذبني نصّك رغماً عني ، فوجدّتني أسبح عبر حروفه إلى أن انتهيت من القراءة على مُفاجأة من العيار الثقيل ، نجحت في تقديمها في صورة رائعة حقاً. نأتي لقراءة قصّتك الجميلة
العنوان
"الرحيل" جاء اختيارك لعنوان قصّتك مُوفّق إلى حد كبير ، فالعنوان هُنا يضع القارئ في حالة تأهّب للدخول إلى القصة ، مع إضافة لمحة ألم مُتوَقّعة لإقتران الرحيل غالباً بالألم ، أو بمعنى أدق بالشجن
المُقدّمة
بداية القصة هنا كانت قطعة نثرية رمزية ، و من وجهة نظري الشخصية أن البدايات من هذا النوع لا تخدم القصة القصيرة ، لأنه ما أضفته في الواقع ، يدخل تحت بند المُقدّمة التي تصلح لبداية كتاب أو رواية ، بيد أنها لا تُقدّم للقارئ شيئاً قبل شروعه في القراءة ، بل على العكس قد تأتي بنتيجة سلبية لكونها تقوم بنوع من التشتت ، خصوصاً لوقوعها بعد العنوان الشيّق ، فأصبحت كحاجز يفصلها عن البداية الحقيقية للقصة. على كل حال هذه مُجرد وجهة نظر شخصية قد أكون على خطأ فيها أو على صواب.
البداية
بداية القصة جاءت على قدر كبير من الحرفية ، و نجحت ببراعة في الإفلات من براثن ملل المُقدّمة ، الذي يقع فيه العديد من الكُتّاب ، فجاءت البداية سلسة تجعل القارئ يدخل إلى القصة في هدوء جميل و فوري.
النص
حقيقة... أذهلتني قدرتك على تطويع النص الأدبي ، و تحويل المُفردات البلاغية و الأساليب الإبداعية إلى نثريات دُمجت بعناية لتحيك لنا نصّاً رائع قوي اللغة و قوي الأسلوب ، يجعل القارئ يسبح في كل صورة بلاغية على حده. كما كنت رائعاً في إختزالك الرائع للحلم في جملتك بالإضافة إلى سرعة التنقّل بين الأحداث و الشروح ، و تعريف أبطال القصة بشكل سريع عملي غير مُخلّ لبناء القصة ، مما أبعد الملل عن النص.
الشخصيّات
كان تقديم الشخصيّات حقاً رائع ، و نسبة التركيز كانت عالية ،برغم قِلّة السرد ، و يرجع ذلك لتحرّك الكاميرا الداخلية بين النص
النهاية :
جاءت نهاية النص بارعة الإحكام ، فهي جاءت بعيدة عن جميع التوقّعات ، بل و خارج الزمن الحدث الفعلي للقصة ، فجاءت لمسة انتقالك الزمني خفيفة غير مُتكلّفة ، كما أنها تجبر القارئ على أخذ هُدنة مع نفسه للتفكير و الإبتسام رغماً عنه على تلك النهاية السعيدة و الغير متوقّعة.
روح النص / حركة الكاميرا
اسمح لي أن أقدّم جزءاً غير مرئي في قصّتك ، قد لا ينتمي للأدب النثري بشكل خاص ، و لكنه ينتمي لأدب القصة أو أدب التصوير . أعجبني جداً حركة الكاميرا الداخلية في الأحداث ، بدايةً من بداية القصة ، حيث تأتي الكاميرا بكادر عريض للصحراء ، و أكاد أسمع صوت الريح و أشعر بلهيب البرد على حد تعبيرك. ثم تتحرك الكاميرا في روعة و هي تنتقل بين أبطال القصة لتلقي الضوء على البعض و تلقي مزيداً من الضوء على البعض الآخر، حتى التفاصيل الدقيقة لم تتركها ، و جاءت روعة تحرّكها في سرعتها الرشيقة مع دمج أحداث الحاضر مع الذكرى الماضية (Flash Back) في أسلوب لم يشوبه خطأ
كما أعجبني انتقالات الكاميرا (Transitions) ، و ذلك في النقطتين التاليتين:
1. أسلوب المزج (Dissolve)الذي تم استخدامه في مزج أزمنة القصة الثلاثة ، ذكريات البطل وهو طفل صغير امتزجت مع حاضر القصة ، و انتهت بزمن البطل الذي يحكي منه روايته في الحقيقة. جاء المزج رائع جداً و هي تقنية قلّما أراها بعيني في نص أدبي مكتوب.
2. أما ما أثار دهشتي بالفعل فهو روعة استخدامك للكاميرا في النهاية ، فاستخدامك لمفهوم القطع القافز و هو أحد أساليب التلاشي المتقاطع المُباشر( القطع المُباشر ) 0 (Cross- Fade)، حيث كانت لقطة وقوع القدح في مشهد النهاية ، هي أقوى لقطة في القصة ككل. و المفاهيم المذكورة أعلاه تتضح في المعلومات أدناه.
طريقة "المزج Dissolve" التي تستعمل كثيرا لتدعيم وحدة الفيلم . وفي هذه النقلة تتلاشى الصورة السابقة تدريجيا من على الشاشة في نفس الوقت الذي تحل فيه الصورة الجديدة محلها تدريجيا أيضاً*
القطع المُباشر حيث تحل على الفور صورة محل صورة سابقة ، ويمكن أن يستخدم القطع المباشر لاحلال موضوع معين مكان موضوع آخر داخل مشهد أو لتغيير المشاهد إلى زمان أو مكان مختلف تماما . ومعظم نقلات هذا النوع تمتاز بالتنوع الذي أجيد إعداده حيث يعطي الحوار أو العناصر المرئية في نهاية اللقطة مؤشرا لما يأتي في اللقطة التالية. صيغة أخرى للقطع المباشر هي القطع القافز حيث يستبعد جزء من الحدث ويرى المشاهد جزء فحسب من هذا الحدث*
* المراجع
1. التذوق السينمائي ، تأليف : آلان كاسبيار ، ترجمة : وداد عبدالله
2. تعريف النقد السينمائي ، تأليف علي شلش
3. دليل الناقد الفني ، تأليف : د.نبيل راغب
و في النهاية أقدّم لك خالص الشكر ، لإمتاعي بتلك القصة الرائعة ، و أتمنى قراءتك دائماً. دُمت بخير
أحمد فؤاد
هشام أيوب موسى
01/15/2009, 02:45 PM
الأخ القاص فيصل الزوايدي
//////////////////////////////
الرحيل ... قصة تحكي الوجع بأسلوب الحياة والانتقال من مرحلة الى مرحلة ، وبأسلوب قصصي ممتع وجاد وتنقلنا المشاهد من زاويا المكان الى داخل احساس الأنسان في ساعة اتخاذ القرار ضمن رؤية سينمائية مذهلة ومدهشة .
مع الاحترام
هشام // واشكر اخي احمد فؤاد على هذه الدراسة والقراءة العميقة للقصة .
فيصل الزوايدي
01/15/2009, 04:49 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد فؤاد http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=20920#post20920)
بسم الله الرحمن الرحيم
الأديب الموهوب / فيصل الزوايدي بداية أود أن أشدّ على يدك التي أبدعت لنا هذا العمل الجميل ، و الذي لم أقرأ مثله منذ زمن ليس بالقصير. جذبني نصّك رغماً عني ، فوجدّتني أسبح عبر حروفه إلى أن انتهيت من القراءة على مُفاجأة من العيار الثقيل ، نجحت في تقديمها في صورة رائعة حقاً. نأتي لقراءة قصّتك الجميلة
العنوان
"الرحيل" جاء اختيارك لعنوان قصّتك مُوفّق إلى حد كبير ، فالعنوان هُنا يضع القارئ في حالة تأهّب للدخول إلى القصة ، مع إضافة لمحة ألم مُتوَقّعة لإقتران الرحيل غالباً بالألم ، أو بمعنى أدق بالشجن
المُقدّمة
بداية القصة هنا كانت قطعة نثرية رمزية ، و من وجهة نظري الشخصية أن البدايات من هذا النوع لا تخدم القصة القصيرة ، لأنه ما أضفته في الواقع ، يدخل تحت بند المُقدّمة التي تصلح لبداية كتاب أو رواية ، بيد أنها لا تُقدّم للقارئ شيئاً قبل شروعه في القراءة ، بل على العكس قد تأتي بنتيجة سلبية لكونها تقوم بنوع من التشتت ، خصوصاً لوقوعها بعد العنوان الشيّق ، فأصبحت كحاجز يفصلها عن البداية الحقيقية للقصة. على كل حال هذه مُجرد وجهة نظر شخصية قد أكون على خطأ فيها أو على صواب.
البداية
بداية القصة جاءت على قدر كبير من الحرفية ، و نجحت ببراعة في الإفلات من براثن ملل المُقدّمة ، الذي يقع فيه العديد من الكُتّاب ، فجاءت البداية سلسة تجعل القارئ يدخل إلى القصة في هدوء جميل و فوري.
النص
حقيقة... أذهلتني قدرتك على تطويع النص الأدبي ، و تحويل المُفردات البلاغية و الأساليب الإبداعية إلى نثريات دُمجت بعناية لتحيك لنا نصّاً رائع قوي اللغة و قوي الأسلوب ، يجعل القارئ يسبح في كل صورة بلاغية على حده. كما كنت رائعاً في إختزالك الرائع للحلم في جملتك بالإضافة إلى سرعة التنقّل بين الأحداث و الشروح ، و تعريف أبطال القصة بشكل سريع عملي غير مُخلّ لبناء القصة ، مما أبعد الملل عن النص.
الشخصيّات
كان تقديم الشخصيّات حقاً رائع ، و نسبة التركيز كانت عالية ،برغم قِلّة السرد ، و يرجع ذلك لتحرّك الكاميرا الداخلية بين النص
النهاية :
جاءت نهاية النص بارعة الإحكام ، فهي جاءت بعيدة عن جميع التوقّعات ، بل و خارج الزمن الحدث الفعلي للقصة ، فجاءت لمسة انتقالك الزمني خفيفة غير مُتكلّفة ، كما أنها تجبر القارئ على أخذ هُدنة مع نفسه للتفكير و الإبتسام رغماً عنه على تلك النهاية السعيدة و الغير متوقّعة.
روح النص / حركة الكاميرا
اسمح لي أن أقدّم جزءاً غير مرئي في قصّتك ، قد لا ينتمي للأدب النثري بشكل خاص ، و لكنه ينتمي لأدب القصة أو أدب التصوير . أعجبني جداً حركة الكاميرا الداخلية في الأحداث ، بدايةً من بداية القصة ، حيث تأتي الكاميرا بكادر عريض للصحراء ، و أكاد أسمع صوت الريح و أشعر بلهيب البرد على حد تعبيرك. ثم تتحرك الكاميرا في روعة و هي تنتقل بين أبطال القصة لتلقي الضوء على البعض و تلقي مزيداً من الضوء على البعض الآخر، حتى التفاصيل الدقيقة لم تتركها ، و جاءت روعة تحرّكها في سرعتها الرشيقة مع دمج أحداث الحاضر مع الذكرى الماضية (Flash Back) في أسلوب لم يشوبه خطأ
كما أعجبني انتقالات الكاميرا (Transitions) ، و ذلك في النقطتين التاليتين:
1. أسلوب المزج (Dissolve)الذي تم استخدامه في مزج أزمنة القصة الثلاثة ، ذكريات البطل وهو طفل صغير امتزجت مع حاضر القصة ، و انتهت بزمن البطل الذي يحكي منه روايته في الحقيقة. جاء المزج رائع جداً و هي تقنية قلّما أراها بعيني في نص أدبي مكتوب.
2. أما ما أثار دهشتي بالفعل فهو روعة استخدامك للكاميرا في النهاية ، فاستخدامك لمفهوم القطع القافز و هو أحد أساليب التلاشي المتقاطع المُباشر( القطع المُباشر ) 0 (Cross- Fade)، حيث كانت لقطة وقوع القدح في مشهد النهاية ، هي أقوى لقطة في القصة ككل. و المفاهيم المذكورة أعلاه تتضح في المعلومات أدناه.
طريقة "المزج Dissolve" التي تستعمل كثيرا لتدعيم وحدة الفيلم . وفي هذه النقلة تتلاشى الصورة السابقة تدريجيا من على الشاشة في نفس الوقت الذي تحل فيه الصورة الجديدة محلها تدريجيا أيضاً*
القطع المُباشر حيث تحل على الفور صورة محل صورة سابقة ، ويمكن أن يستخدم القطع المباشر لاحلال موضوع معين مكان موضوع آخر داخل مشهد أو لتغيير المشاهد إلى زمان أو مكان مختلف تماما . ومعظم نقلات هذا النوع تمتاز بالتنوع الذي أجيد إعداده حيث يعطي الحوار أو العناصر المرئية في نهاية اللقطة مؤشرا لما يأتي في اللقطة التالية. صيغة أخرى للقطع المباشر هي القطع القافز حيث يستبعد جزء من الحدث ويرى المشاهد جزء فحسب من هذا الحدث*
* المراجع
1. التذوق السينمائي ، تأليف : آلان كاسبيار ، ترجمة : وداد عبدالله
2. تعريف النقد السينمائي ، تأليف علي شلش
3. دليل الناقد الفني ، تأليف : د.نبيل راغب
و في النهاية أقدّم لك خالص الشكر ، لإمتاعي بتلك القصة الرائعة ، و أتمنى قراءتك دائماً. دُمت بخير
أحمد فؤاد
أخي أحمد .. تعلم اعتزازي الشديد بهذه القراءة المتميزة لقصة الرحيل و قد كان رأيها دعما أشتد به أزرًا فشكرا لك أيها العزيز
دمت في الخير
مع الود الدائم
فيصل الزوايدي
01/15/2009, 04:52 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هشام أيوب موسى http://www.al7akaia.com/forums/al7kaya/buttons/viewpost.gif (http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?p=21375#post21375)
الأخ القاص فيصل الزوايدي
//////////////////////////////
الرحيل ... قصة تحكي الوجع بأسلوب الحياة والانتقال من مرحلة الى مرحلة ، وبأسلوب قصصي ممتع وجاد وتنقلنا المشاهد من زاويا المكان الى داخل احساس الأنسان في ساعة اتخاذ القرار ضمن رؤية سينمائية مذهلة ومدهشة .
مع الاحترام
هشام // واشكر اخي احمد فؤاد على هذه الدراسة والقراءة العميقة للقصة .
أخي هشام أسعدني اعجابك بالقصة كثيرا و اعتز برأيك فيها فتقبل امتناني و تقديري
دمت في الخير
أيهم سليمان
01/31/2009, 06:11 PM
الجزء الأخير من القصة و الذي كان كمفتاح لمعرفة ما حدث حين وقت الرحيل و بعده
أجدت صياغته يا فيصل بشكل جعلني أعيد قراءة النص من جديد
ناهيك عن اللغة التي تملكها
كل ما في القصة مغر للقراءة
دمت متميزا
ود