المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليل مشغول بالفتنة ـ الانسحاب إلى العتمة


إبتسام إبراهيم تريسي
01/02/2009, 11:02 PM
الانسحاب إلى العتمة في «ليل مشغول بالفتنة»




http://www.awan.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1230732377640097900.jpgالخميس, 1 يناير 2009


عبدالرحمن حلاق


تدخل الشاعرة الكويتية «سعدية مفرح»، في إصدارها الأخير، مجال القصيدة الرواية، فترصد تاريخ امرأة منذ لحظة الولادة وحتى لحظة الموت، امرأة لم تعرف في حياتها غير توالي الانكسارات وتوالي الانهدامات، لم تعرف غير التجاهل والإهمال مع كل ما تمتلكه من قدرة على الإشراق والتوهج، لكنها سريعة الانطفاء، تنسحب رويداً رويداً إلى داخلها، وتنكفئ في ليلها المشغول بالفتنة، فهل أصبح الليل ملاذ المرأة الأخير، وهل أصبح قدر المرأة مع الرجل أن تكون خادمته المطيعة وشهرزاده التي تزين له ليله:
تخلطين الذهب بالفضة
والرمل بالغيم
لتصنعي مزاجه الأحلى
في سهرتكما المنفردة.
تغزلين خيوط ثيابه
وتغسلين شعر رأسه... و... و... إلى آخر ما هنالك من خدمات لا تُظهر غير شعور هذه المرأة بالدونية والحاجة الشديدة إلى هذا الكائن (الرجل) لتستكين في نهاية المطاف (لهسيس النار المشتعلة في طرف السيجارة).
إن سعدية مفرح ترسم هنا ملامح امرأة تعد أنموذجاً لشريحة واسعة اجتماعياً، حيث حدود الوعي تتوقف عند الرغبة الجامحة في فعل الحياة، وحيث الهدف الأخير هو تحقيق هذا الاشتهاء الذي يعتمل في صدرها كما يعتمل في صدره، ولأجل تحقيق هذا الفعل لا بد من المناورة والمخاتلة وخلق حيل جديدة:
وتغتنمين فرصة سانحة لخلق حيلة جديدة
فيخاتل فيك فرط اشتهائك
وتخاتلين فيه فرط اشتهائه.
ولكن ماذا لو كانت كل هذه الرغبة الجامحة للحياة مجرد حلم، وكل هذه الحيل الجديدة مجرد سلم حجري طويل جداً، تستدعيه صانعة الحياة (المرأة) في الحلم لحظة انكسار مؤلم، تعيشه في ليل طويل، أرادت أن تطرزه بالفتنة، وهي تدرك تماماً أن صباحاً كسولاً سيشرق عليها، وأن كل ما حدث ليس أكثر من أخبار (موشومة على جدران الفنجان الأخير).
نعم إنه الحلم، الحلم الذي يفرض سطوته على المرأة لحظة وحدتها، فالرجل الذي حاولت أن يكون لها السر الأول والأخير، وحاولت به أن تكون المرأة الأولى والأخيرة، استطاع خذلانها ببساطة شديدة:
ليجد ذات صيف
مبلل برطوبته
ومكتظ بحكاياته العائلية
بدلاً منك
أخرى أجمل وأكثر أناقة.
لنكتشف بعد كل هذه الصفحات الدلالة الحقيقية للفعل (تجيئين ) الذي ابتدأت به القصيدة.. فالراوية في هذا النص تخاطب المرأة الثانية في حياة رجلها، الذي يتنقل من امرأة لامرأة، من قصيدة لأخرى، وها هي تخبرها بأنه:
ينام بعيداً عنك وعنها
وعن قلبه المهترئ دخاناً.
وذلك قبل أن يتوسد رماد قصيدته المبتسرة وينام أيضاً، فالنساء في هذا النص مجموعة قصائد يقرؤها الرجل وينام بينما:
تستيقظين، وكأنك لم تنامي أبداً.
فتنزوي هذه المرأة «المُستَبْدَلَة» في سمائها السابعة تراقب اكتمال المشهد بالمرآة وثوب العرس، والورود، و... و.... ليستبدّ بها القهر، فتغدو دمعتها الباردة غيمة بائسة. ومن هذه اللحظة تبدأ سعدية مفرح برصد أنثاها في «ليل مشغول بالفتنة»، محاولة التقاط جوهر الأزمة النفسية لبطلتها التي بدأت بعد فوت الأوان تدريباتها على المشي، وإن بخطوات يثقلها الظن والشك في إمكانية الوصول أو عدمه، مع علمها المسبق بأن «المحاولة تبرير جيد لكل فشل بشري»، لذلك نراها تنسحب إلى حلمها متجاهلة ما يصطرع في رأسها من أفكار، تتكور إلى بعضها دفاعاً عن النفس في مواجهة واقع مؤلم لا يتعدى فحواه حالة الإقصاء والتهميش، معلنة أن «للخذلان كوابيسه المستيقظة ليلاً ونهاراً»، ولهذا كله تبدأ المرأة الشرقية في هذا النص رحلتها السرية بحيَل سرية «في قفر ما»، والتي تبدأ الحياة فيها وتنتهي:
« ملفعة بالأسود القاتم رغم أناقته المستعارة» منتهية إلى «قبر ضيق دون شواهد» بينما:
«للرجال حيلهم العلنية
فلهم تنحاز السماء
وتمنحهم ما يتبقى من بياضها
ولهم تنجاز الأرض
فتنبسط لخطواتهم خضرة وقبوراً واسعة
بشواهد فاخرة جداً
وصلوات جماعية».
وإذ تستحضر سعدية مفرح ذكورية الدين «السماء»، وذكورية العادات والتقاليد «الأرض»، فإنما تستحضرها للإمعان في إظهار حالة الإقصاء والتهميش لهذه المرأة الشرقية التي لم يتبق لها سوى التنزه وحيدة على «شواطئ اللذة الأحادية»، تنظر بعد انقضاء العمر لساعةٍ توقفت، تحتاج حياة إضافية بموت إضافي.. يحتاج قبراً إضافياً.
تلك هي قصة المرأة في بلاد الشرق.. تاريخ حافل بالإسكات والإقصاء، وكل محاولات التحرر والتمرد لم تكن أكثر من محاولات سكونية تجنّ في رحم الحلم لا أكثر، أكان حلماً ساعة نوم، أم كان حلم يقظة عبر الورق حيناً وعبر الذهن أحياناً، لتنتهي المغامرة «الأنثوية» بحالة من العبث واللاجدوى:
تغامرين بالسكينة والسكون
فتهاجمك طيور جارحة
نهشاً لبقاياك
تروحين وتجيئين.. تروح
ــــــــــ جريدة أوان

http://www.awan.com/node/156495

عبدالوهاب موسى
01/03/2009, 12:22 AM
أتعطرمن شذا رؤية نقدية نمنمتها يد ناقدة لديها التذوق للجمال عاليا فى نص لمبدعة راقية
كنت أود أن تبدأ الرؤية بالنص وهذا ما أفعله فى ومضاتىالنقدية.
لك تقديرى واحترامى
ولى عودة
فهذا مرور أول للمصافحة فقط!!

إبتسام إبراهيم تريسي
01/04/2009, 01:38 AM
أخي عبد الوهاب ، شكراً لك مرورك على نقد عبد الرحمن ، أرحب بآرائك .
باقة مودة .