إبتسام إبراهيم تريسي
01/02/2009, 11:13 PM
ما قاله البحر
قال لها البحر ذاك المساء " انتظريه سيعود ! "
كانت على يقين من ذاك الشعاع الذي اخترق أطرافها بفتور مريب ، وهي ترنو إليه مقبلاً، حاملاً بيده كمشة ياسمين . التقط أصابعها ، وبقي صامتاً . وحدها فيروز كانت تتسلل إلى قلبها فتزيد دقاته ( لمّا لمحتو طل صرت ملبكة ، وعرفت قصدو وقلت بدو يشتكي ، فتشت ع كلمة تا افتحلو حديث ، وقفت ووقف واتنينا نسينا الحكي ) .
أطارت الريح أذيال الثوب ، وصبغ الأفق وجهها بلونه القرمزي ، وغاص كلّ شيء في صمت الليل القادم .
تذكرُ ، لم تقل له : أحبكَ ، ما تذكره بيقين أكبر ، أنّ عينيها قالتا أكثر من تلك الكلمة العاجزة . تذكرُ ، لم يقل لها : أحبكِ ، لكنّها على يقين أنّها كانت كلّ وجوده .
لامست أصابعها الشيب في الفودين بحنان ، وهي تتطلع إلى المشهد المسائي لغروب الشمس فوق سفن بعيدة منذ بدء الخلق .
لملمت شالها ، وسحبت جسدها إلى الأريكة بصعوبة ، وأغمضت عينين أرهقهما الانتظار . لماذا يلحّ عليها بحضوره منذ أصبحت وحيدة ؟ أم أنّها كانت تتذكره دون أن تدري في زحمة الحياة الّتي طحنتها بروتينها ، فأغلقت الأدراج على ما تبقى من ذكريات ! يوقظها البرد منبهاً ، تتمتم باستغراب : ( لكنّه الربيع !) .
ذاك الربيع الذي جمعهما على صخرة الشاطئ العالية ، وذاك الصمت ! كثيراً ما خفق قلبها لوقع خطواته القادمة في العتمة ، كثيراً ما حدّقت في الرمال الممتدة صوب هاوية البحر بلا جدوى ، ريحٌ .. ومدٌ ... وصمت ! وصوت فيروز يعبر الحلم (. ومن يومها عم نلتقي ونقعد سوا ، من يومها ، مدري الصدف بتسوقنا مدري الهوا ، حلّو بقى يفهم رح يهب الهوا ضيعان ما بيخبرو إنّك ذكي . )
رغم دأبها على النسيان ، لم تستطع أن تنسف حلم البحر الذي يلاحقها في غفوتها ، وإن هربت إلى الصحو ، تراه قادماً عبر الصخور ، مبللاً ، مرتعشاً ، يطلب حنانها ، وتنهمر أفواج الزهر اليابس من صفحات ديوانه الأوّل في حضنها .
تستعين بنظارتها كي تتأكد مما تراه ، ترتعش النظرة لاصطدامها بفراغ مقيم على الشاطئ ! كثيراً ما فكّرت بغموضه ، ولامت نفسها لتعلقّها بحبال الوهم . تعود لرسائله خبزها اليومي، تقرأ ذلك التدفق الحنون من الشكوى والهموم والأخبار والأحلام ، تبحث عن نفسها بين السطور ، فلا تجد في كلماته ما يشير إليها . تضحك بسخرية ، كثيراً ما سخرت من قناع الصداقة ذاك الذي غلّفت به مشاعرها ، وأخفت عن عينيه اضطرابها لنظراته الّتي تستقر صدفة على عينيها. هل كان .. ؟ فيروز تهمس برفق ( لما عيونك بتفيي وراق الزنبق بتندي ). كان عليها أن تخلص لمشاعرها ، وأن تتخذ قرارها ، فكتبت إليه عمّا ينسف القلب كإعصار .
كانت كلّ مساء تجرّ خيبتها وانكسارها ، وتدفنهما في وسادة من الدمع ، و قرارها الشجاع ينغرس سهاماً مسمومة في جسدها ، كلّ لحظة تمر دون أن يرد على رسالتها !
لم تعرف أهو الألم الذي دفعها إلى نسيانه زمناً ؟ أم كبرياءٌ جُرحت بإهماله ؟
أيقنت أنّه هاجر ، وتزوج ، ولم يعد أمامها سوى قرار تتخذه بشجاعة ( لن تنتظره أكثر ) !
عشرون عاماً ، وهي تلحظ الألوان المتقلّبة للغروب ، وتغيّر لوحة المساء الكئيبة ، وتسمع وقع الخطوات القادمة من حلم البحر . منذ أصبحت وحيدة في البيت المنفي على الشاطئ المقفر ، وهي تتمسك بزمن توقف عند ذاك الربيع في نيسان ، حيث التقته ، هناك ، على تلك الصخور ، عندما مدّ الصمت بينهما جسراً للقلق والتوقعات .
ما لم تتوقعه ، أن تجده أمامها بكلّ بساطة بعد تلك السنوات الطوال . ارتعشت أصابعها وهي تفتح الصفحة الخاصة بموقعه ، رأته ، صورته بالأسود والأبيض ، كما تعرفه ! الابتسامة الشاحبة ، و النظرة المغرقة في غموضها . تذكرُ أول لقاء بينهما ، طاولة صغيرة ازدحمت بوجوه أصدقاء رحلوا ، ضجيج ، ونقاشات ، أشربة ساخنة وباردة ، فنجانه يتربص بأصابعه ، ويتلاشى بخاره ، وهو يحتضن صمته ، وروحه تسبح في فضاء آخر !
كان صوت فيروز يتسلل متسائلاً ( كيفك أنت ؟ )مختصراً التساؤلات المرّة الّتي لاكتها طويلاً ، وبصقتها على الشاطئ نفسه و الحلم ذاته ، ردّ بحياد على سؤالها برسالة ، ومضت كالبرق بحضورها في شاشة الكمبيوتر ( هل قهوتك جاهزة ؟ ) لم تدرك معنى السؤال ، قلّبت الأمور في ذهنها ، وأعادت صياغة أمسها كلمة ، كلمة ، لم تجد لتلك القهوة وجوداً، أم ذاكرتها بدأت تتعب ؟ تحايلت على الجواب بسؤاله "كيف يشربها بعد هذا الزمن ؟ " تدفقت شكواه ، أخباره ، الأولاد ، الحياة ، الكتابة ، كلّ شيء ، ولم تجد نفسها بين الحروف ! بل وجدت فنجاناً من القهوة المرة ، يرتعش بين يديها ، ويلسع بخاره زجاج النظارة ، فتغيم الرؤية . هل تسأله لماذا لم يرد على رسالتها ؟
آثرت إغلاق الجرح ، وتنفست بعمق ، وهي تدعوه لزيارتها قرب الصخرة الربيع القادم . لم تتلق جواباً ، انتظرت أياماً ، ليكتب لها أنّه مشغول ، الامتحانات ، الأولاد ، المرض...
لكنّها وجدت شيئاً مشتركاً بينهما ، القهوة المرّة ، تُعدّها بفنجانين صباحاً ، وتجلس إلى الشاشة ، تحاوره ، فيقول لها "الليل موحش ، الجميع نيام ، وأنا أسرق الوقت لأحادثك" . تنتبه إلى أنّ الربيع مختلف ، وأنّه في الطرف الآخر من الكرة الأرضية ، لن يجد طعماً لقهوة صباحها المشرق بالزهر ، فهي افتراضية في كلّ الأحوال ! هل وجوده ثانية في حياتها افتراضي أيضاً ؟ " بترجع ع راسي رغم العيال والنّاس أنت الأساسي وبحبك بالأساس ، بحبك أنت ، ملا أنت " . تحسرت على أيام الورق والصناديق الحديدية ، يومها كان المفتاح يعني لها حبّاً من نوع آخر !
حين سمعتْ صوته بعد تلك السنوات متدفقاً بالحنين ، ممتزجاً بأقحوان السهول ، احتضنت الهاتف ، حاولت لمس صوته بأذنيها أطول وقت ممكن ، كان يتدفق بأحاديث كثيرة ، ثمّ صمت قليلاً ، ليقول " صعبٌ أن أواجهك بعد هذا العمر ، لكنّي لن أنسى طعنتك أبداً ، لماذا فعلتِ بي ذلك ؟ " وأغلق الخط .
كادت تجن ، قطعت المسافة بين البحر والبيت مئات المرات ، وهي تسأل نفسها " ماذا فعلتُ به ، ألا يكفي أنّه تركني للموت البطيء طوال تلك السنوات ؟ ".
حين واجهت صندوقها الافتراضي مساء ، كانت رسالته القصيرة جداً ، تواجهها بأكثر مما تحتمل .
" لم أذق في حياتي أطيب من قهوة ( الموعد ) . تعلمين لماذا ؟ لأنّي كنت في انتظارك . "جمدت طويلاً ، وهي تفتش عن كلمة لا بدّ موجودة في ثنايا الحروف ، أحسّت بها ، شقّت القلب ، فتحته على مصراعيه ، طارت فراشات ، وغرّدت عصافير ، وحطّت قريباً من أقحوان الروح . باغتتها الفكرة ،
الصندوق ، صرخت بفزع " أين المفتاح ؟ " تصوّرت أنّ عفريتاً طلع من سطح البحر ، وقهقه عالياً " نعم القفل ، المفتاح ! "
المد العالي طعن روحها ، كان ( أبو ألوسه )* يفرغ غضبه على الشاطئ ، ويغمر مداخل البيوت بماء العتب بضجيجه المعهود وقت الرحيل . خاضت بدمع حزنه ، وهي تعبر إلى صندوقها .
عندما كسر ت القفل الصدئ ، تهاوت الرسائل والجرائد الصفراء أرضاً . بخوف ممزوج بفرحة طفلة ، التقطت ذلك الماضي ، وأقفلت باب غرفتها ، وأسدلت ستائرها على أمسها . بيد مرتجفة فتحت رسالته ، كانت قصيرة جداً ، أذهلتها الكلمات " هذه رسالتي الثانية ، سأنتظرك يوم الخميس في مقهى الموعد ، الخامسة مساء . إن لم تأتي أعرف أنّك ارتبطت بغيري . " طحنتها الرعشات ، وكادت تقع مغشياً عليها ، متى وكيف ؟
سنة كاملة ، وهي تفتح الصندوق الحديدي المرابط على عمود الباب الخارجي ، فيهزأ من مشاعرها ببرود ، ويطلّ الخواء مفزعاً من جوفه الغامض كمغارة ، فتغلقه بيأس . متى وكيف ؟ وهو لم يحدّثها عن حبه ، لم يقل مرّة إنّها تعني له أكثر من صديقة يفرغ على كتفها الألم والهموم والأحلام بمستقبل مختلف ! كان عليها أن تفهم أنّ الحب لا يحتاج للكلمات أحيانا ً و أنّها كانت كلّ شيء في حياته كما كان...
تأخر الوقت ، لكنّها كتبت له بكلّ شجاعة إنّها تحبه وستنتظره ، ولن تكون لسواه و .... ...
كانت الأنغام العذبة تتلاشى مع عبارة واحدة " بحبك أنت ملا أنت " .
برزت رسالة صفراء أخرى ، بعينيها الذاهلتين رأت خطّها بوضوح ، إلى جانبه تمدّ لسانها متشفيةً طلاسمُ بحروف غير مقروءة تقول : ( لم نعثر على عنوان المرسل إليه ) !
نيسان 2005
ــــــــــــــــــــ
ألوسه : اسم شعبي للقبعة ، تضعها آخر زوابع البحر على رأسها وترحل في الرابع عشر من نيسان .
قال لها البحر ذاك المساء " انتظريه سيعود ! "
كانت على يقين من ذاك الشعاع الذي اخترق أطرافها بفتور مريب ، وهي ترنو إليه مقبلاً، حاملاً بيده كمشة ياسمين . التقط أصابعها ، وبقي صامتاً . وحدها فيروز كانت تتسلل إلى قلبها فتزيد دقاته ( لمّا لمحتو طل صرت ملبكة ، وعرفت قصدو وقلت بدو يشتكي ، فتشت ع كلمة تا افتحلو حديث ، وقفت ووقف واتنينا نسينا الحكي ) .
أطارت الريح أذيال الثوب ، وصبغ الأفق وجهها بلونه القرمزي ، وغاص كلّ شيء في صمت الليل القادم .
تذكرُ ، لم تقل له : أحبكَ ، ما تذكره بيقين أكبر ، أنّ عينيها قالتا أكثر من تلك الكلمة العاجزة . تذكرُ ، لم يقل لها : أحبكِ ، لكنّها على يقين أنّها كانت كلّ وجوده .
لامست أصابعها الشيب في الفودين بحنان ، وهي تتطلع إلى المشهد المسائي لغروب الشمس فوق سفن بعيدة منذ بدء الخلق .
لملمت شالها ، وسحبت جسدها إلى الأريكة بصعوبة ، وأغمضت عينين أرهقهما الانتظار . لماذا يلحّ عليها بحضوره منذ أصبحت وحيدة ؟ أم أنّها كانت تتذكره دون أن تدري في زحمة الحياة الّتي طحنتها بروتينها ، فأغلقت الأدراج على ما تبقى من ذكريات ! يوقظها البرد منبهاً ، تتمتم باستغراب : ( لكنّه الربيع !) .
ذاك الربيع الذي جمعهما على صخرة الشاطئ العالية ، وذاك الصمت ! كثيراً ما خفق قلبها لوقع خطواته القادمة في العتمة ، كثيراً ما حدّقت في الرمال الممتدة صوب هاوية البحر بلا جدوى ، ريحٌ .. ومدٌ ... وصمت ! وصوت فيروز يعبر الحلم (. ومن يومها عم نلتقي ونقعد سوا ، من يومها ، مدري الصدف بتسوقنا مدري الهوا ، حلّو بقى يفهم رح يهب الهوا ضيعان ما بيخبرو إنّك ذكي . )
رغم دأبها على النسيان ، لم تستطع أن تنسف حلم البحر الذي يلاحقها في غفوتها ، وإن هربت إلى الصحو ، تراه قادماً عبر الصخور ، مبللاً ، مرتعشاً ، يطلب حنانها ، وتنهمر أفواج الزهر اليابس من صفحات ديوانه الأوّل في حضنها .
تستعين بنظارتها كي تتأكد مما تراه ، ترتعش النظرة لاصطدامها بفراغ مقيم على الشاطئ ! كثيراً ما فكّرت بغموضه ، ولامت نفسها لتعلقّها بحبال الوهم . تعود لرسائله خبزها اليومي، تقرأ ذلك التدفق الحنون من الشكوى والهموم والأخبار والأحلام ، تبحث عن نفسها بين السطور ، فلا تجد في كلماته ما يشير إليها . تضحك بسخرية ، كثيراً ما سخرت من قناع الصداقة ذاك الذي غلّفت به مشاعرها ، وأخفت عن عينيه اضطرابها لنظراته الّتي تستقر صدفة على عينيها. هل كان .. ؟ فيروز تهمس برفق ( لما عيونك بتفيي وراق الزنبق بتندي ). كان عليها أن تخلص لمشاعرها ، وأن تتخذ قرارها ، فكتبت إليه عمّا ينسف القلب كإعصار .
كانت كلّ مساء تجرّ خيبتها وانكسارها ، وتدفنهما في وسادة من الدمع ، و قرارها الشجاع ينغرس سهاماً مسمومة في جسدها ، كلّ لحظة تمر دون أن يرد على رسالتها !
لم تعرف أهو الألم الذي دفعها إلى نسيانه زمناً ؟ أم كبرياءٌ جُرحت بإهماله ؟
أيقنت أنّه هاجر ، وتزوج ، ولم يعد أمامها سوى قرار تتخذه بشجاعة ( لن تنتظره أكثر ) !
عشرون عاماً ، وهي تلحظ الألوان المتقلّبة للغروب ، وتغيّر لوحة المساء الكئيبة ، وتسمع وقع الخطوات القادمة من حلم البحر . منذ أصبحت وحيدة في البيت المنفي على الشاطئ المقفر ، وهي تتمسك بزمن توقف عند ذاك الربيع في نيسان ، حيث التقته ، هناك ، على تلك الصخور ، عندما مدّ الصمت بينهما جسراً للقلق والتوقعات .
ما لم تتوقعه ، أن تجده أمامها بكلّ بساطة بعد تلك السنوات الطوال . ارتعشت أصابعها وهي تفتح الصفحة الخاصة بموقعه ، رأته ، صورته بالأسود والأبيض ، كما تعرفه ! الابتسامة الشاحبة ، و النظرة المغرقة في غموضها . تذكرُ أول لقاء بينهما ، طاولة صغيرة ازدحمت بوجوه أصدقاء رحلوا ، ضجيج ، ونقاشات ، أشربة ساخنة وباردة ، فنجانه يتربص بأصابعه ، ويتلاشى بخاره ، وهو يحتضن صمته ، وروحه تسبح في فضاء آخر !
كان صوت فيروز يتسلل متسائلاً ( كيفك أنت ؟ )مختصراً التساؤلات المرّة الّتي لاكتها طويلاً ، وبصقتها على الشاطئ نفسه و الحلم ذاته ، ردّ بحياد على سؤالها برسالة ، ومضت كالبرق بحضورها في شاشة الكمبيوتر ( هل قهوتك جاهزة ؟ ) لم تدرك معنى السؤال ، قلّبت الأمور في ذهنها ، وأعادت صياغة أمسها كلمة ، كلمة ، لم تجد لتلك القهوة وجوداً، أم ذاكرتها بدأت تتعب ؟ تحايلت على الجواب بسؤاله "كيف يشربها بعد هذا الزمن ؟ " تدفقت شكواه ، أخباره ، الأولاد ، الحياة ، الكتابة ، كلّ شيء ، ولم تجد نفسها بين الحروف ! بل وجدت فنجاناً من القهوة المرة ، يرتعش بين يديها ، ويلسع بخاره زجاج النظارة ، فتغيم الرؤية . هل تسأله لماذا لم يرد على رسالتها ؟
آثرت إغلاق الجرح ، وتنفست بعمق ، وهي تدعوه لزيارتها قرب الصخرة الربيع القادم . لم تتلق جواباً ، انتظرت أياماً ، ليكتب لها أنّه مشغول ، الامتحانات ، الأولاد ، المرض...
لكنّها وجدت شيئاً مشتركاً بينهما ، القهوة المرّة ، تُعدّها بفنجانين صباحاً ، وتجلس إلى الشاشة ، تحاوره ، فيقول لها "الليل موحش ، الجميع نيام ، وأنا أسرق الوقت لأحادثك" . تنتبه إلى أنّ الربيع مختلف ، وأنّه في الطرف الآخر من الكرة الأرضية ، لن يجد طعماً لقهوة صباحها المشرق بالزهر ، فهي افتراضية في كلّ الأحوال ! هل وجوده ثانية في حياتها افتراضي أيضاً ؟ " بترجع ع راسي رغم العيال والنّاس أنت الأساسي وبحبك بالأساس ، بحبك أنت ، ملا أنت " . تحسرت على أيام الورق والصناديق الحديدية ، يومها كان المفتاح يعني لها حبّاً من نوع آخر !
حين سمعتْ صوته بعد تلك السنوات متدفقاً بالحنين ، ممتزجاً بأقحوان السهول ، احتضنت الهاتف ، حاولت لمس صوته بأذنيها أطول وقت ممكن ، كان يتدفق بأحاديث كثيرة ، ثمّ صمت قليلاً ، ليقول " صعبٌ أن أواجهك بعد هذا العمر ، لكنّي لن أنسى طعنتك أبداً ، لماذا فعلتِ بي ذلك ؟ " وأغلق الخط .
كادت تجن ، قطعت المسافة بين البحر والبيت مئات المرات ، وهي تسأل نفسها " ماذا فعلتُ به ، ألا يكفي أنّه تركني للموت البطيء طوال تلك السنوات ؟ ".
حين واجهت صندوقها الافتراضي مساء ، كانت رسالته القصيرة جداً ، تواجهها بأكثر مما تحتمل .
" لم أذق في حياتي أطيب من قهوة ( الموعد ) . تعلمين لماذا ؟ لأنّي كنت في انتظارك . "جمدت طويلاً ، وهي تفتش عن كلمة لا بدّ موجودة في ثنايا الحروف ، أحسّت بها ، شقّت القلب ، فتحته على مصراعيه ، طارت فراشات ، وغرّدت عصافير ، وحطّت قريباً من أقحوان الروح . باغتتها الفكرة ،
الصندوق ، صرخت بفزع " أين المفتاح ؟ " تصوّرت أنّ عفريتاً طلع من سطح البحر ، وقهقه عالياً " نعم القفل ، المفتاح ! "
المد العالي طعن روحها ، كان ( أبو ألوسه )* يفرغ غضبه على الشاطئ ، ويغمر مداخل البيوت بماء العتب بضجيجه المعهود وقت الرحيل . خاضت بدمع حزنه ، وهي تعبر إلى صندوقها .
عندما كسر ت القفل الصدئ ، تهاوت الرسائل والجرائد الصفراء أرضاً . بخوف ممزوج بفرحة طفلة ، التقطت ذلك الماضي ، وأقفلت باب غرفتها ، وأسدلت ستائرها على أمسها . بيد مرتجفة فتحت رسالته ، كانت قصيرة جداً ، أذهلتها الكلمات " هذه رسالتي الثانية ، سأنتظرك يوم الخميس في مقهى الموعد ، الخامسة مساء . إن لم تأتي أعرف أنّك ارتبطت بغيري . " طحنتها الرعشات ، وكادت تقع مغشياً عليها ، متى وكيف ؟
سنة كاملة ، وهي تفتح الصندوق الحديدي المرابط على عمود الباب الخارجي ، فيهزأ من مشاعرها ببرود ، ويطلّ الخواء مفزعاً من جوفه الغامض كمغارة ، فتغلقه بيأس . متى وكيف ؟ وهو لم يحدّثها عن حبه ، لم يقل مرّة إنّها تعني له أكثر من صديقة يفرغ على كتفها الألم والهموم والأحلام بمستقبل مختلف ! كان عليها أن تفهم أنّ الحب لا يحتاج للكلمات أحيانا ً و أنّها كانت كلّ شيء في حياته كما كان...
تأخر الوقت ، لكنّها كتبت له بكلّ شجاعة إنّها تحبه وستنتظره ، ولن تكون لسواه و .... ...
كانت الأنغام العذبة تتلاشى مع عبارة واحدة " بحبك أنت ملا أنت " .
برزت رسالة صفراء أخرى ، بعينيها الذاهلتين رأت خطّها بوضوح ، إلى جانبه تمدّ لسانها متشفيةً طلاسمُ بحروف غير مقروءة تقول : ( لم نعثر على عنوان المرسل إليه ) !
نيسان 2005
ــــــــــــــــــــ
ألوسه : اسم شعبي للقبعة ، تضعها آخر زوابع البحر على رأسها وترحل في الرابع عشر من نيسان .