أحمد فؤاد
11/11/2008, 07:18 PM
قَلـب قـصـير
قرع صوت الجرس المُعلّق في ساحة المدرسة الإبتدائية ، ليُعلن عن إبتداء الحصة الخامسة من حصص اليوم الدراسي ، و حلّ صمت مُهيب لا يوحي بالضوضاء التي كانت تعم المكان منذ برهة أثناء الإستراحة. و لأنه كان من المحظور تواجد أي من الطلاب خارج الصف الخاص به أثناء الحصص الدراسية ، فقد كان من العجب أن أجد الطالب القادم من الرواق المقابل قاصداً مكتبي . رغم أن المسافة بين مكتبي و بين الرواق القادم منه الطالب ، إلا أنني لم أجد صعوبة في معرفة هويته ، فقد كانت قامته القصيرة جداً سبباً في شهرة ذلك الطالب ، رغم حداثة عهده مع المدرسة التي انتقل إليها منذ أسبوع واحد.
تصنّعت الإندماج في العمل إلى أن سمعت صوت طرقاته على باب مكتبي المفتوح . رفعت عيني تجاه الباب فوجدّته يقف ناظراً إلى الأسفل . قلت له في اقتضاب :" تفضّل"
و لم يلبث أن سمع كلمتي حتى بدأ رحلة الدخول إلى المكتب إلى أن توقّف أمامي و رفع عينيه ليقول في أدب جمّ : " أسامه سعيد … من الصف الثالث الأزرق. "
هممت بإخباره أن يأتي إليّ بعد نهاية اليوم الدراسي إن كانت لديه مشكلة ، و ذلك حتى لا يُعاقبه مدرس الصف ، إلا أن مشهد عيناه المليئتان بالدمع ألجم لساني .
وجدتني أقف و أدور حول المكتب و أجلس على المقعد المقابل و أنا أقول له " أجلس يا أسامه ".
لم انتبه إلى خطأي إلى بعد أن بعد أن اتجه إلى المقعد المقابل لي و هو يحاول بقامته القصيرة جداً أن يرفع نفسه لينجح في الجلوس في النهاية، قبل أن يتركني في خجل كبير.
قلت مرتبكاً و أنا أحاول أن ألطّف من الموقف بعد أن أحسست بالذنب " حسناً.. لماذا تود مقابلتي ؟"
رد بصوت متحشرج من أثر البكاء " لقد أخبرتنا بأن نأتيك طلباً للمساعدة ؛ إذا ما واجهتنا أي مشكلة "
ابتسمت قائلاً " نعم لقد أخبرتكم بهذا صحيح ... و لكنني أخبرتكم أيضاً بأن تكون زيارتكم لي في أوقات الراحة أو بعد انتهاء اليوم الدراسي."
ثم أتبعت قائلاً و أنا أميل عليه " لماذا إذن أتيت أثناء حصصك الدراسية ؟"
اندهشت و أنا أراه يرتعد و هو يقول " لأنني لا أستطيع أن أذهب إلى الصف"
عقّدت حاجباي و أنا أسأله في اهتمام " لماذا ؟"
أجابني و جسده مازال يواصل الارتعاد " سيؤذونني الطلاب ، لقد هددوني في الإستراحة بأنهم سيقومون بتعليقي على حائط الصف في نهاية اليوم الدراسي ، حتى اليوم التالي."
قلت غاضباً " لا أحد يستطيع إيذائك يا بني .. لا تخف "
تجرّعت المرارة المنسابة من قوله " و لكنهم قد نزعوا مني حذائي اليوم في الإستراحة و علّقوه أعلى باب المدرسة الحديدي ، حيث لا استطيع أن أصل إليه"
انتبهت حينها أنه يحاول أن يُخفي جوربه الذي لم يعد أبيض اللون، فساتشطت غضباً و قلت مُنفعلاً " من الذي فعل بك هذ؟..ا أعطني أسماءهم فوراً لأكتب فيهم مُذكرة لعقابهم"
أجاب في رعب بلسان مرتعش " أرجوك لا تفعل ، سيؤذونني .. سيؤذونني "
فأجبته في حزم " لا تخف .. و لكنهم يجب أن يُعاقبوا على فعلتهم معك ، كي لا يُكرروا فعلتهم."
أجابني الحزن الساكن في صوته " و لكني لم آتي إليك لأوشي بهم "
توقّفت عن الكلام مُتعجّباً لبرهه ؛ قبل أن أسأله " لماذا أتيت لي إذن؟!"
أجابني قبل أن يجهش بالبكاء " لا أريد أن آتي هذه المدرسة مرة أخرى .. أرجوك "
قتلني بكاؤه الهستيري ، ففتح - دون أن يدري - نهر العطف داخلي ليُغرق كل الغضب الذي كان . هدأت من روعه ، و طلبت له مشروباً بارداً ، و أرسلت عامل النظافة ليأتي بحذاءه ، و لم تمض نصف ساعة حتى حانت لحظة شروق الإبتسامة على سماء وجهه بعد أن أقنعته بضرورة نقله من الصف الموجود فيه إلى صف آخر ، و بأنني سآخذ تعهداً من أولئك الذين آذوه و هددوه بعدم التعرض له مرة أخرى بعد عقابهم أولاً ، و طمأنته أنه سيكون في أمان بإذن الله . اتجه في فرح إلى باب المكتب في طريقه للعودة و هو يمسك في يده إذن تغيّب منّي لمُدرّس الحصة الذي تغيّب عنه ، و كأنه نسى بقلبه الطفولي مأساته.
تذكّرت شيئاً ما ، فاستوقفته مُنادياً " أسامه ... لماذا قام زملاؤك بتعليق حذاءك اليوم ؟"
التفت إليّ و قد اغرورقت عيناه بالدموع و هو يقول في حسرة " كنت أريد أن ألعب معهم ".
تـَمَّـت
أحمد فؤاد
قرع صوت الجرس المُعلّق في ساحة المدرسة الإبتدائية ، ليُعلن عن إبتداء الحصة الخامسة من حصص اليوم الدراسي ، و حلّ صمت مُهيب لا يوحي بالضوضاء التي كانت تعم المكان منذ برهة أثناء الإستراحة. و لأنه كان من المحظور تواجد أي من الطلاب خارج الصف الخاص به أثناء الحصص الدراسية ، فقد كان من العجب أن أجد الطالب القادم من الرواق المقابل قاصداً مكتبي . رغم أن المسافة بين مكتبي و بين الرواق القادم منه الطالب ، إلا أنني لم أجد صعوبة في معرفة هويته ، فقد كانت قامته القصيرة جداً سبباً في شهرة ذلك الطالب ، رغم حداثة عهده مع المدرسة التي انتقل إليها منذ أسبوع واحد.
تصنّعت الإندماج في العمل إلى أن سمعت صوت طرقاته على باب مكتبي المفتوح . رفعت عيني تجاه الباب فوجدّته يقف ناظراً إلى الأسفل . قلت له في اقتضاب :" تفضّل"
و لم يلبث أن سمع كلمتي حتى بدأ رحلة الدخول إلى المكتب إلى أن توقّف أمامي و رفع عينيه ليقول في أدب جمّ : " أسامه سعيد … من الصف الثالث الأزرق. "
هممت بإخباره أن يأتي إليّ بعد نهاية اليوم الدراسي إن كانت لديه مشكلة ، و ذلك حتى لا يُعاقبه مدرس الصف ، إلا أن مشهد عيناه المليئتان بالدمع ألجم لساني .
وجدتني أقف و أدور حول المكتب و أجلس على المقعد المقابل و أنا أقول له " أجلس يا أسامه ".
لم انتبه إلى خطأي إلى بعد أن بعد أن اتجه إلى المقعد المقابل لي و هو يحاول بقامته القصيرة جداً أن يرفع نفسه لينجح في الجلوس في النهاية، قبل أن يتركني في خجل كبير.
قلت مرتبكاً و أنا أحاول أن ألطّف من الموقف بعد أن أحسست بالذنب " حسناً.. لماذا تود مقابلتي ؟"
رد بصوت متحشرج من أثر البكاء " لقد أخبرتنا بأن نأتيك طلباً للمساعدة ؛ إذا ما واجهتنا أي مشكلة "
ابتسمت قائلاً " نعم لقد أخبرتكم بهذا صحيح ... و لكنني أخبرتكم أيضاً بأن تكون زيارتكم لي في أوقات الراحة أو بعد انتهاء اليوم الدراسي."
ثم أتبعت قائلاً و أنا أميل عليه " لماذا إذن أتيت أثناء حصصك الدراسية ؟"
اندهشت و أنا أراه يرتعد و هو يقول " لأنني لا أستطيع أن أذهب إلى الصف"
عقّدت حاجباي و أنا أسأله في اهتمام " لماذا ؟"
أجابني و جسده مازال يواصل الارتعاد " سيؤذونني الطلاب ، لقد هددوني في الإستراحة بأنهم سيقومون بتعليقي على حائط الصف في نهاية اليوم الدراسي ، حتى اليوم التالي."
قلت غاضباً " لا أحد يستطيع إيذائك يا بني .. لا تخف "
تجرّعت المرارة المنسابة من قوله " و لكنهم قد نزعوا مني حذائي اليوم في الإستراحة و علّقوه أعلى باب المدرسة الحديدي ، حيث لا استطيع أن أصل إليه"
انتبهت حينها أنه يحاول أن يُخفي جوربه الذي لم يعد أبيض اللون، فساتشطت غضباً و قلت مُنفعلاً " من الذي فعل بك هذ؟..ا أعطني أسماءهم فوراً لأكتب فيهم مُذكرة لعقابهم"
أجاب في رعب بلسان مرتعش " أرجوك لا تفعل ، سيؤذونني .. سيؤذونني "
فأجبته في حزم " لا تخف .. و لكنهم يجب أن يُعاقبوا على فعلتهم معك ، كي لا يُكرروا فعلتهم."
أجابني الحزن الساكن في صوته " و لكني لم آتي إليك لأوشي بهم "
توقّفت عن الكلام مُتعجّباً لبرهه ؛ قبل أن أسأله " لماذا أتيت لي إذن؟!"
أجابني قبل أن يجهش بالبكاء " لا أريد أن آتي هذه المدرسة مرة أخرى .. أرجوك "
قتلني بكاؤه الهستيري ، ففتح - دون أن يدري - نهر العطف داخلي ليُغرق كل الغضب الذي كان . هدأت من روعه ، و طلبت له مشروباً بارداً ، و أرسلت عامل النظافة ليأتي بحذاءه ، و لم تمض نصف ساعة حتى حانت لحظة شروق الإبتسامة على سماء وجهه بعد أن أقنعته بضرورة نقله من الصف الموجود فيه إلى صف آخر ، و بأنني سآخذ تعهداً من أولئك الذين آذوه و هددوه بعدم التعرض له مرة أخرى بعد عقابهم أولاً ، و طمأنته أنه سيكون في أمان بإذن الله . اتجه في فرح إلى باب المكتب في طريقه للعودة و هو يمسك في يده إذن تغيّب منّي لمُدرّس الحصة الذي تغيّب عنه ، و كأنه نسى بقلبه الطفولي مأساته.
تذكّرت شيئاً ما ، فاستوقفته مُنادياً " أسامه ... لماذا قام زملاؤك بتعليق حذاءك اليوم ؟"
التفت إليّ و قد اغرورقت عيناه بالدموع و هو يقول في حسرة " كنت أريد أن ألعب معهم ".
تـَمَّـت
أحمد فؤاد