حنان عبدالله عجاج
07/14/2011, 11:45 PM
رواية بعنوان:
دائرة الدم
الجزائر سنوات الظلام الدامي
(في تسعينيات القرن الماضي اجتاحت الجزائر عاصفة من القتل والتدمير على أيد عصابات مسلحة لم تعرف ماهيتها حتى وقتنا الحاضر,بالرغم من أنها نسبت إلى جماعات إسلامية متطرفة(حسبما تردد في حينه),والإسلام طبعا منها براء.ولإلقاء الضوء على الواقع الإنساني لأهل ذلك البلد العربي الحبيب في تلك الفترة الحرجة من تاريخه كانت هذه القصة التي وإن كانت معظم أحداثها قد تكون حقيقية, إلا أن شخوصها من خيال المؤلفة.كما و أهدي هذه القصة إلى أرواح كل من راحوا ضحية تلك الحرب البشعة ضد الإنسانية.)
إنه يوم الجمعة حيث استيقظت لمياء من نومها في حوالي الساعة الخامسة صباحا, وقد امتلأت حيوية ونشاطا, فاليوم ستخرج مع والديها وأخيها في رحلة إلى غابات الجزائر, صلت لمياء صلاة الفجر, ومن ثم جهزت نفسها وأسرعت لتتفقد استعدادات بقية الأسرة للخروج ,ولكنها فوجئت بأن والدتها لا تزال في ملابس النوم وهي تحضر مستلزمات الرحلة.السلام عليكم يا أمي ,أرى بأنك لازلت في ملابس النوم:قالت لمياء. أنا آسفة يا عزيزتي, لن يكون بإمكاني ووالدك مرافقتكم في هذه الرحلة,فقد اتصل أحدهم بوالدك وطلب لقاءه لأمر هام يتعلق بالعمل:ردت الوالدة .لا ,هذا لا يعقل, لقد اتفقنا أن نخرج معا ,كيف يمكن أن نذهب بدونكم:قالت لمياء وقد تبدلت ملامح وجهها تماما.لا بأس عزيزتي, خيرها في غيرها .وأرجو أن تحظيا بوقت مميز في رحلتكم هذه:أجابت الأم. إلا أن لمياء لم تقتنع بإجابة أمها وأسرعت نحو غرفة أخيها,طرقت الباب ودخلت بعد أن سمح لها بالدخول. حيث ألقت التحية على أخيها وقد بدت في مزاج سيء مما دفع أخاها للتساؤل:ما بالك وكأن أمرا ما يزعجك؟. لمياء :أمي وأبي.ثم صمتت قليلا وتابعت:اعتذرا عن الرحلة.عصام:آه هذا ما يضايقك إذا؟لمياء:ألا يضايقك هذا؟. عصام:علمت بأن أبي لن يذهب منذ ليلة البارحة ,أما أمي فليس لدي فكرة عن عدم ذهابها.وعلى أية حال عليك أن لا تغضبي فلكل التزاماته.لمياء بعصبية:أي التزامات هذه التي تمنعهما من تخصيص ولو جزء بسيط من وقتهما لنا.عصام:علينا أن نحمد الله بأن لدينا أبوان, فكثيرا من الأبناء محرومون من هذه النعمة.لمياء وكأنها لا تريد سماع المزيد حول هذا الموضوع:حسن حسن هيا أسرع وحضر نفسك ,أم أنك لن تذهب أيضا؟.عصام:طبعا سأذهب ,وهل أفوت رحلة كهذه؟ ولكن قبل ذلك أريد أن أرى ابتسامتك.ها, أين هي ابتسامتك.ابتسمت لمياء وقالت:يا لك من أخ,هيا ,هيا أسرع سأنتظرك في الصالة.وعندما انتهى عصام من تجهيز نفسه كانت السيدة نهاد قد انتهت من تحضير طعام الإفطار لولديها . تناول الابنان طعام الإفطار, ومن ثم توجها إلى باب الخروج ,حيث نادت السيدة نهاد على لمياء التي دارت بجسمها نحو أمها التي قالت :أرجو أن تسامحيني يا عزيزتي ,تمنيت لو أنني أستطيع مرافقتكما إلى هذه الرحلة,عديني بأنك ستحاولين الاستمتاع بوقتك.لمياء وقد شعرت بشيء من الحزن في كلام والدتها:أعدك,استودعك الله يا أمي.الوالدة :مع السلامة,رعاكما الله وحفظكما يا ولداي.
انطلقت الحافلة من أمام باب الجامعة في حوالي الساعة الثامنة صباحا,حيث اتخذ الجميع مقاعدهم في الحافلة,جلست لمياء بجانب النافذة في أحد المقاعد الخلفية, وجلس عصام إلى جانبها, وإلى جانبهما في المقعد المقابل جلس عادل ,وهو صديق حميم لعصام يدرس في السنة الرابعة في كلية الحقوق في نفس الجامعة.في البداية سار كل شيء على ما يرام, وأقيمت عدة فعاليات طلابية من مسابقات وما إلى ذلك من وسائل الترفيه المسلية والمفيدة المتاحة في الحافلة,إلى أن لفت انتباه لمياء شاب بدا لها غريب الأطوار, وبمعنى آخر لم ترتح له. ولم تكد لمياء تحدث أخاها عن ذلك الشاب, حتى لاحظت أن الحافلة قد غيرت مسارها لتسلك طريقا ترابيا متجهة نحو منطقة حرجية .ظن معظم الركاب بأن هذا الطريق هو طريق مختصر يؤدي إلى المنطقة المقررة للرحلة.ولكن سرعان ما تلاشى هذا الظن عندما أبرز ذلك الشاب الذي لم ترتح له لمياء مسدسا من جيبه وصوبه نحو الركاب آمرا إياهم بالتزام الهدوء,ومن ثم اتضح بأن السائق غيّر اتجاه الحافلة تحت تهديد السلاح الذي كان موجها إلى ظهره من قبل شاب آخر جلس وراءه مباشرة,وكان هذا كافيا ليبث الرعب في قلب كل من وجد في الحافلة ,وخصوصا لمياء التي لمحت بعد توقف الحافلة التي سارت بين الأشجار ما يقارب الساعة, مجموعة من الشباب الملثمين والمسلحين يتوجهون نحو الحافلة ويحيطون بها كما يحيط السوار بالمعصم, ومن ثم يصعد بعضهم إلى داخل الحافلة ويوجهون بنادقهم إلى صدور الركاب, آمرين إياهم بتسليم كل ما لديهم من مال ومتاع ,حيث كُلِّف أحدهم بجمعها بينما كُلِّف شخص آخر يسكب مادة ما حول الحافلة. هذا ما لاحظته لمياء عندما لمحت شخصا منهم يقوم بهذه المهمة, حيث توجهت بالكلام لأخيها والفزع يملأ نفسها:إلحق يا عصام ,انظر ماذا يفعلون .نظر عصام من النافذة وقال باضطراب :مستحيل .لمياء: ماذا هناك يا عصام ؟ما الذي يحدث؟ عصام:يبدو أنهم سيقدمون على إحراق الحافلة ؟لمياء :ونحن بداخلها؟صمت عصام ولم يعرف بماذا يجيب أخته.كما أنهما لم يكونا الوحيدين اللذين لاحظا ذلك فعادل أيضا انتبه لما يجري خارج الحافلة, وبالرغم من ذلك الخوف الذي كان يعصف بقلوب الجميع, إلا أنه لم يكن بيدهم ما يفعلونه سوى الصمت والانتظار.أما الرجل الذي جاب الحافلة وقام بجمع ما يمتلكه الموجودون فيها من مال, رفض أن يتحرك من أمام عصام وأخته بالرغم من أنهما أعطياه كل ما كان معهما من مال, حيث ظل واقفا مكانه يحدق في لمياء التي تجمدت في مكانها من الخوف, وما هي إلا لحظات حتى خاطبها قائلا:هل سأقف هنا طويلا؟.سأله عصام باستغراب:وماذا تريد؟نظر إليه الرجل بعينيه الحادتين وصرخ:لا شأن لك أنت, ومن ثم أسرع يمد يده نحو عنق لمياء ليخطف عقدا ذهبيا يحمل اسم والديها, إلا أن لمياء منعته من ذلك, فلهذا العقد ذكرى غالية على قلبها, ولما حاول أخذه بالقوة, أسرع عصام ليدافع عن أخته مما دفع أحد الملثمين إلى إطلاق النار على عليه حيث أسرع عادل لحماية صديقه, وفي تلك اللحظة عمت الحافلة فوضى عارمة انتهت بشكل لم يتوقعه أحد. فما لبثت الفوضى أن دبت في المكان, حتى شرع المسلحون بإطلاق النار وعشوائيا على كل من وجد فيه .لم يستغرق الأمر سوى ثوان معدودة, أسرع بعدها المسلحون لمغادرة الحافلة وقد ظنوا بأنهم أجهزوا على كل ركابها.ومن بين جثث الضحايا وفي المقعد الخلفي, اخذ عادل يحاول النهوض من مكانه وقد راعه ما رأى, حتى أنه ظن بأنه الناجي الوحيد من بين ركاب الحافلة, ولكن سرعان ما تلاشى اعتقاده هذا عندما سمع أنينا بجانبه,إنه عصام,لقد أصيب بعيار ناري في رجله, وإلى جانبه جلست لمياء وهي ترتعد من الخوف وكأنها أصيبت بصاعقة كهربائية.حاول عادل تهدئتها إلا أن صدمتها بما جرى كانت أشد من أن يزول تأثيرها في لحظات , ولكن, ما هذا؟: صرخ عادل, وقد لاحظ بأن دائرة من النيران تحيط بالحافلة حيث تابع : تبا لأولئك المجرمين, لم يكتفوا بقتلنا إنهم يحاولون حرقنا.عندها انفجرت لمياء بالبكاء إلا أن عادل خاطبها قائلا:لمياء,أرجوك ساعديني لا وقت للبكاء الآن.سنموت لو بقينا هنا ,ستنفجر الحافلة بمن فيها.عندها شعرت لمياء بمسؤولية كبيرة تقع على عاتقها وأن عليها أن تخوض معركة مع الموت فإما أن تنجو وإما أن تتحول إلى أشلاء.حاولت لمياء أن تتمالك أعصابها وتسترجع قوتها وقالت والدموع ما زالت تغطي وجهها:ماذا علينا أن نفعل؟عادل:لاأعرف.ثم صمت قليلا وتابع:لا لدينا حل واحد لاغير . سألت لمياء بصوت مضطرب:ماذا؟ عندها نهض عادل من مكانه وهو يقول:ساعديني حتى نقوم بإغلاق النوافذ وتغطيتها بالستائر:لمياء باستغراب:لماذا؟عادل :أسرعي أرجوك فلا وقت للأسئلة.أغلق الإثنان النوافذ والستائر بسرعة البرق ,ومن ثم جلست لمياء إلى جانب أخيها الذي يئن من الألم محاولة تهدئته متمسكة هي وأخاها بالمقعد تمسكهما بالأمل في النجاة, بينما توجه عادل الذي طلب منهما ذلك نحو مقعد السائق المقتول ,حيث أزاحه جانبا ومن ثم جلس مكانه أمام المقود وتوجه بنظره إلى الأفق البعيد وكأنه ينتظر أن يقابل عزيزا غائبا وراء ذلك الحاجز الناري الملتهب. وبيدان ترتجفان يحركهما عقل مدبر يسعى إلى النجاة, أمسك المقود ومن ثم داس على مدوس البنزين حيث انطلقت الحافلة مسرعة نحو النيران المتأججة.وقد شعرت لمياء للحظات بأن قلبها قد توقف عن الخفقان عندما وجدت نفسها تعبر ذلك الحاجز الناري ,لقد أغلقت عينيها بشدة خوفا مما يمكن أن يحدث خلال هذا العبور الأنتحاري خصوصا وأن المسافة المتاحة للحافلة للتوقف بعد العبور كانت ضئيلة جدا. وفي لحظات انتهى كل شيء ليجد عادل وعصام ولمياء أنفسهم بعيدين عن مكان النيران بمتر واحد. حصل ذلك كله أمام عيون لمياء التي وحتى تلك اللحظة لم تكن لتصدق أو تستوعب ما يجري حولها, مسلحون مجرمون يقتحمون الحافلة ويرتكبون مجزرة بشعة تودي بحياة أصدقائها, ومن ثم تعبر حاجزا من النيران الملتهبة وكأنها جهنم لتخرج منها سالمة لابد أنها تحلم! أكيد هذا حلم, بل كابوس هذا ما كانت تحدث به نفسها. أما عادل فلم يعرف حتى كيف أقدم على ذلك العمل, فما إن توقفت الحافلة حتى استرخى على المقعد وجبينه يتصبب عرقا وقلبه يخفق يشدة .لقد نجونا ,وما كادت تقفز هذه الفكرة إلى ذهنه حتى قفز من مكانه مهللا : لقد نجونا,نجونا, نجونا ومن ثم انفجر بالبكاء لدرجة أنه لم يلاحظ بأن هناك خطرا آخر يتهددهم . خطر لم يحسبوا له حسابا عندما اجتازوا ذلك الحاجز الناري. إلا أن القدر شاء أن تلمح لمياء ذلك الدخان المتصاعد من مقدمة الحافلة وتلك النيران المشتعلة بمؤخرتها لتصرخ قائلة:عادل,الحافلة ستنفجر.ما كان على عادل أن يفكر كثيرا فما إن سمع تحذير لمياء حتى أسرع ليحمل عصام طالبا منها أن تسرع بالخروج من الحافلة.لكنها لم تحرك ساكنا وسألت والحسرة تملأ نفسها: ماذا عن الركاب ؟عادل وبمرارة: لقد قتلوا جميعا.لمياء وبأمل بدا وكأنه وهم: قد يكون من بينهم أحياء. عادل حاثا إياها على الخروج بسرعة: مستحيل لو أن بينهم أحياء لاستيقظوا هيا أسرعي لا وقت لدينا. لم تتحرك لمياء من مكانها عندها صرخ عادل بأعلى صوته: أرجوكم إن كان من بينكم أحياء فليستيقظوا, الوقت قصير جدا.تأثرت لمياء بكلامه وأدركت بأنه ليس بالإمكان الاقتراب من الركاب واحدا تلو الآخر والتأكد من موتهم فأسرعت لتغادر الحافلة التي ما لبثت أن انفجرت بعد أن غادروها بلحظات, ليلقي بهم دويها بعيدا عنها بحوالي ثلاثة أمتار مع جثث الركاب التي تحولت إلى أشلاء ممزقة.
كان الانفجار قويا لدرجة أنه رفع عادل وعصام ولمياء وضربهم بالأرض بقوة كبيرة جعلت لمياء تفقد وعيها, أما عادل فقد كان قويا بما فيه الكفاية ليتحمل الضربة ,حيث نهض من مكانه ليفاجأ بالنتيجة التي وصلوا إليها, فالحافلة قد تحطمت بالكامل وتجمعت حولها الأشلاء. والأسوأ من هذا ألسنة اللهب التي انتشرت في تلك المنطقة الحرجية وأخذت تحاصر المكان الذي تواجدوا فيه,أخذ عادل يتفقد المكان حوله لعله يجد أثرا لعصام ولمياء ,وما إن لمح جسد عصام الملقى على الأرض حتى أسرع نحوه ليجد لمياء ملقاة بجانبه فاقدة الوعي .كان عصام مستيقظا ويتأوه من الألم, وقد منعته إصابته من الحركة.حاول عادل إيقاظ لمياء وقد نجح في ذلك بتوجيهات من عصام الطالب بكلية الطب في السنة الرابعة, عندها كانت النيران قد اقتربت كثيرا منهم وكان عليهم الإسراع بالهرب من المكان .كانت الطريق صعبة والسير فيها أصعب. لقد كان عليهم تسلق الجبال ليبتعدوا قدر الإمكان عن النيران, إلى أن وصلوا إلى تجويف صخري استطاعوا من خلاله الاحتماء من النار.كانت أوقاتا صعبة وخاصة على عصام الذي كان يجب أن يعالج من الإصابة التي تعرض لها ,حيث أمسك عادل بسكين كانت معه وقربها من شعلة من النار حصل عليها من مكان الحريق.سألت لمياء باستغراب :ماذا ستفعل؟ عادل:لابد من معالجته. لمياء : ستخرج الرصاصة؟ عادل :هل لديك حل آخر.صمتت لمياء ليتابع عادل كلامه قائلا:سيفقد أخاك قدمه إن لم نعالجه. ولم ينتظر ردها بل قرب السكين من رجل عصام بعد أن طلب منه أن يتمالك أعصابه قدر المستطاع .كان الأمر صعبا جدا على لمياء التي انفطر قلبها وهي تسمع صرخات أخيها نتيجة الألم الذي صاحب هذه العملية. وما إن انتهى عادل من محاولته إزالة الرصاصة, حتى استسلم عصام لنوم عميق أما عادل فتوجه نحو لمياء التي لم تتحمل رؤية أخاها بهذه الحالة فاتجهت نحو بداية التجويف. وما إن رأت عادل حتى أسرعت لتسأله:كيف حاله. عادل :نجحت بحمد الله في إخراج الرصاصة ,وأتمنى أن يكون بخير.لمياء: تتمنى؟ .عادل : إن شاء الله سيكون بخير اطمئني.لمياء :وماذا علينا أن نفعل الآن؟.عادل و بيأس واضح:لا أعرف .أظن بأن علينا الانتظار حتى تهدأ هذه العاصفة النارية أو يأتي أحدهم لنجدتنا. لمياء وقد بدت في حالة شرود واضحة:نجدتنا؟ عادل متسائلا:لمياء,هل أنت بخير؟ لمياء : بعد كل ما حدث,لا أظن. عندها ألقى عادل بجسده المنهك على الأرض وكأن كلام لمياء عاد ليذكره بهذا الصباح المأساوي الذي لم ينتهي بعد. وبعد ساعتين من الانتظار المرير, أسرعت لمياء نحو فتحة التجويف وقد بدا لها أنها سمعت صوتا يشبه صوت محرك طائرة عمودبة , حيث وقف عادل الذي تبادر إلى مسامعه ذلك الصوت. إنها هناك:هتفت لمياء وهي تشير إلى الطائرة العمودية التي اقتربت من المكان.أما عادل فقد أخذ يلوح للطائرة بكل قوته وهو يصرخ بأعلى صوته وقد بدأ الأمل يتسلل إلى نفسه : نحن هنا,أنقذونا,النجدة,النجدة. ولكن سرعان ما تلاشى هذا الأمل وهو يراقب الطائرة التي دارت في اتجاه معاكس لتعود من حيث أتت, مما دفعه للصراخ :لا,عودوا, نحن هنا ,لا تتركونا.عندها قالت لمياء وقد أجهشت بالبكاء:هذا يكفي يا عادل,لقد رحلوا .لقد حجبتنا سحب الدخان عن أعينهم ,لن يجدونا, سنموت ولن يعثر علينا أحد.تراجع عادل وقد شعر بمرارة شديدة وصدمة كادت تطيح به أرضا لولا ذلك الأنين الذي تردد إلى مسامعه من داخل التجويف.إنه عصام :هتفت لمياء وهي تسرع الخطا نحو أخيها, ولكن ما لبثت أن وصلت إلى حيث يوجد أخاها ,حتى تسمرت في مكانها وهي تراقب أفعى حطت رحالها فوق صدر أخيها الذي كان يوشك على الاستيقاظ من نومه.لم ينتظر عادل طويلا, ولم يمنح نفسه فرصة للتفكير, فما إن رأى الأفعى حتى أسرع ليلتقطها من رأسها ومن ثم ينهال عليه بحجر موجود في المكان.فزعت لمياء مما رأت, وألقت بجسدها المنهك على الأرض ودموعها لا تنفك تنهمر من عينيها ولسان حالها يقول:ليت كل هذا يكون حلما ,ليتني أستيقظ من هذا الكابوس.فتح عصام عينيه وكان أول ما رآه أخته التي غرقت في دموعها مما جعله يستعيد أحداث هذا اليوم الدامي
لم تشأ لمياء أن تزيد من آلام أخيها ,حيث أمسكت بيده وشدت عليها وهي تقول: إن شاء الله .ولم تزد على ذلك.مرت الساعات ثقيلة ,وخيم الظلام على المنطقة التي كانت مظلمة أصلا بفعل الحريق ,وما كان من عادل ولمياء إلا أن استسلما للنوم وقد بدا بأنهما فقدا الأمل بالنجاة .أما عصام فقد ظل طوال الليل يحاول كتم أناته خشية أن توقظ أخته الرقيقة ,طالبة الفنون الجميلة, والتي التحقت بالجامعة بداية هذا العام, وكانت هذه هي رحلتها الأولى مع الجامعة وقد بدا بأنها ستكون الأخيرة.
إنها السادسة من صباح اليوم التالي, حيث استيقظ عادل على صوت أشبه بصوت طائرة عامودية.أسرع عادل نحو فتحة التجويف ليجد بأن النيران قد أخمدت ,وانقشعت سحب الدخان بينما كانت طائرة عامودية تحلق قريبا من المكان. وما إن لمحت عيناه الطائرة حتى أخذ يلوح لها وينادي طالبا النجدة .استيقظت لمياء وأخيها الذي تمكن النوم منه في الساعات الأولى من الصباح على صوت عادل ,وأسرعت لمياء لتستوضح الأمر, وكم كانت سعادتها كبيرة حينما بدا بأن الطائرة استجابت لنداءات عادل, حيث أخذت تقترب من المكان شيئا فشيئا وقد أطل أحد الأشخاص منها وكأنه يقول بأن كل شيء سيكون على ما يرام. وفعلا تم انتشال عادل ولمياء وعصام ونقلهم للمستشفى, حيث أجريت لهم الفحوصات اللازمة وقدمت العلاجات المناسبة. وما إن تم إبلاغ أهلهم بنجاتهم ومكان تواجدهم ,حتى أسرع الأهل للاطمئنان على فلذات أكبادهم,وكم كان اللقاء مؤثرا حيث ألقت لمياء بنفسها في أحضان والدتها وهي تطلب السماح لما اعتراها غضب عندما علمت بتخلي والديها عن فكرة مرافقتها وأخيها في الرحلة.ربتت الأم على ابنتها, وقالت والحزن الممزوج بالسعادة يملأ نفسها: لا عليك يا عزيزتي, المهم هو نجاتكم ,الحمدلله الذي أعادكما إلي سالمين.ولم ينتهي الأمر هنا, بل كان لابد لقوات الأمن والصحافة من أخذ دورهم في هذه التجربة المريرة,و التي خلقت في نفوس من عاشوها جرحا لم يلتئم أبدا, خصوصا بأن من يقفون وراء تلك الحادثة ظلوا طلقاء, لتعصف بالجزائر وفي تلك المرحلة موجة من القتل العشوائي البشع الذي طال العديد العديد من الأبرياء . وفي كل مرة يقع حادث مماثل, كانت حسرة لمياء وعصام وعادل تزداد, وألمهم يكبر, وذاكرتهم تعود للوراء لتحيي فيهم تلك الشاعر المؤلمة التي عاشوها في تلك التجربة.
وبعد مرور ستة أشهر على الحادثة, وبينما كانت السيدة نهاد تقوم بإعداد طعام العشاء, اقتربت لمياء منها لتسألها عن كتاب هي بحاجة إليه في دراستها .أشارت الأم لابنتها بأن الكتاب قد يكون موجودا في القبو, تلك الغرفة أسفل المنزل حيث تحتفظ العائلة بكل ما هو قديم. أسرعت لمياء لتحضر الكتاب, ولكنها ولسوء حظها أو حسن حظها تعثرت بصندوق موجود في القبو, لتسقط على رأسها مغشيا عليها. وبعد ساعتين, فتحت لمياء عينيها لتجد بأنها ما زالت في تلك الغرفة, حيث نهضت من مكانها وهي تشعر بألم في رأسها وهمت بمغادرة الغرفة وقد أهملت أمر الكتاب الذي جاءت لتبحث عنه. وما إن صعدت إلى الطابق العلوي ,حتى أصابها القلق لما رأت, فأحد لم يكن موجودا في المنزل بينما كان باب المنزل مفتوحا وقطرات الدم تناثرت في أرجائه. صرخت لمياء:أبي, أمي ,عصام. إلا أن أحدا لم يجب.وشيئا فشيئا أخذت تقترب من باب المنزل,وشيء ما يحدثها بأن مصيبة قد وقعت.وصلت لمياء إلى الباب,وبخطوات متثاقلة اتجهت نحو ساحة المنزل, لترى ما لم تتخيل أن تراه في أسوأ كوابيسها. وللحظة تسمرت أمام أشلاء ملقاة هنا وهناك,رؤوس بلا أجساد, وأيد وأرجل إلى أن وقعت عيناها على أشلاء والديها وأخيها والتي كانت موضوعة بجانب بعضها البعض, وكأن الذي وضعها كان يقصد ذلك.لم تحتمل لمياء ما رأت,أرادت أن تبكي فلم تستطع, أرادت أن تصرخ فلم تستطع, وكأن شيئا ما كان يكتم أنفاسها .وفجأة, صرخت بقوة, وأخذت تصرخ وتصرخ, ومن ثم تركت لقدميها العنان لتحملاها إلى حيث لا تعلم. وبينما هي تركض وقد فقدت الإحساس بكل ما حولها إذا بشخص يوقفها متسائلا عن السبب الذي أوصلها لهذه الحالة.إنه عادل ولكنها لم تتعرف عليه فقد استمرت بالصراخ وكأنها تطلب منه أن يتركها لتكمل طريقها, وما هي إلا لحظات حتى انهارت أمامه.كان عادل في طريقه لزيارة بيت عمته في نفس الحي الذي تقطن فيه لمياء وعائلتها ,والحالة التي رأى عليها لمياء جعلته يفقد توازنه ويسرع راكضا نحو الحي ليقف مشدوها عاجزا عن الحركة أمام ذلك المشهد البشع الذي رآه.
كانت عمته وعائلتها من بين الضحايا.لقد شعر بالغثيان لما رآه ,ومن ثم لفت به الدنيا وسقط مغشيا عليه .استيقظ عادل ليجد نفسه على سرير في غرفة جمعت إليه والده ووالدته التي سارعت بالقول:حمدا لله على سلامتك يا بني.عندها تذكر عادل تلك اللحظة المشؤومة, ومن ثم سأل وبلهفة:لمياء,هل هي بخير؟الوالدة:إنها بخير ,اطمئن.أريد أن أراها:قال عادل وهو يحاول النهوض من مكانه.الوالد محاولا منعه:إنها مصابة بانهيار عصبي,ولا تشعر بمن حولها. عندها اعتدل عادل في جلسته وتنهد قائلا: لا أصدق بأن أمرا كهذا قد حصل.مجزرة بكل ما للكلمة من معنى. الوالد:مات الجميع ,كل أفراد عائلة عمتك, لم يبقى أحد على قيد الحياة .عادل :وعائلة لمياء, وغيرهم. ومن ثم تابع متسائلا:أبي, أريدك أن تخبرني, لماذا يحدث كل هذا ,من يقف وراء هذه الجرائم؟ صمت الوالد ولم يعرف بماذا يجيب, فلا أحد يستطيع وحتى تلك اللحظة الإجابة على ذلك السؤال.
بعد أسبوع من وقوع تلك الفاجعة تحسنت حالة لمياء قليلا حيث استعادت وعيها, إلا أنها لم تحدث أحدا , حتى عادل وعائلته الذين لم ينقطعوا عن زيارتها والسؤال عنها, خصوصا وأنها لم يكن لها من الأقارب من يقف معها في هذه المحنة, فعمها الوحيد ترك الجزائر منذ زمن طويل ويقيم الآن في سورية.ظلت لمياء صامتة شاردة تخفي في نفسها حزنا كانت ملامحه واضحة في عيونها وعلى وجهها, إلى أن تمكن الطبيب النفسي الذي أشرف على علاجها, وبعد أسبوع آخر من إقامتها في المستشفى, تمكن الطبيب المعالج من استدراجها وحثها على الحديث مما ساهم في المزيد من التحسن في حالتها, لتخرج وبعد أسبوع ثالث من المستشفى وتنتقل للإقامة في بيت عادل بما أنها فقدت كل قريب لها في ذلك البلد.وفي اليوم التالي لخروجها فوجئت لمياء باتصال هاتفي من عمها في بيت عادل ,لتقول وقد أجهشت بالبكاء:عمي,كيف حالك,وأين كنت كل هذا الوقت؟العم باكيا: عرفت بالحادث منذ يومين فقط عن طريق أحد الأصدقاء, ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول التحدث إليك إلى أن حصلت على هذا الرقم من المشفى الذي كنت تعالجين فيه.لمياء وقد تعثرت الكلمات على لسانها:لقد ماتوا جميعا,أمي ,أبي وعصام. العم :لا يمكنني تصديق ذلك .لمياء:لقد ضاع كل شيء .العم وقد شعر بأن عليه التخفيف من حزن ابنة أخيه بدلا من إعادتها إلى تلك اللحظات الأليمة:فلنحمد الله على سلامتك يا عزيزتي,ولنطلب الرحمة لهم فهذا كل ما يمكننا فعله الآن. لمياء والدموع لا تكاد تفارق عينيها: رحمة الله عليهم جميعا.العم وبلهجة بدت آمرة:اسمعي يا لمياء ,لم يبقى لك أحد أو شيء يدفعك للبقاء في الجزائر بعد الآن,سأقوم بعمل كل الترتيبات اللازمة من أجل إقامتك في سورية,فكم تحتاجين من الوقت كي تكوني جاهزة للسفر. لمياء وقد تبدلت ملامح وجهها كليا لدرجة أن من حولها لاحظوا هذا التغيير: ولكن عمي أنا...قاطعها العم قائلا :أرجوك يا لمياء لا أريد نقاشا في هذا الموضوع,لقد حسمت أمري ولا أرى بأن من حقك أن تحرميني من آخر ما بقي لي من أخي وعائلتي كلها,كما أنه لم يبق لك أحد في ذلك البلد الذي غمرته الدماء.لمياء وما زالت تحت تأثير الصدمة: والجامعة ,والأصدقاء. العم: سبق وأخبرتك بأن كل هذه الأمور سيتم الترتيب لها, أما بالنسبة للأصدقاء فأنا أعلم بأنك فقدت معظمهم في حادث سابق, وليس من الصعب تكوين صداقات جديدة وفي بلد عربي آخر .لمياء وباستسلام واضح: كما تشاء ,كما تشاء.العم:أرجو أن تتصلي بي على هذا الرقم عندما تكوني جاهزة للسفر. أخذت لمياء الرقم من عمها و من ثم أنهت المكالمة والشرود لا زال يلازم ملامحها ,حتى أنها لم تسمع عادل وهو يسألها عن السبب وراء تغير ملامحها المفاجيء, حيث تركته وأمه والاستغراب باد عليهما وتوجهت إلى أقرب مقعد وألقت بنفسها عليه .وبالرغم من أنه لم يكن من السهل عليها القبول بطلب عمها إلا أنها لم تجد بديلا منطقيا سواه, حتى عادل وعائلته الذين رغبوا ببقائها لم يكن لديهم المبرر الكافي لتمسكهم ببقائها في منزلهم وعمها يطلب حقه في رعايتها. وما هي إلا ثلاثة أيام حتى كانت لمياء على متن الطائرة المتوجهة إلى سورية والحزن يعتصر قلبها على فراق بلدها الذي وإن عاشت فيه أكبر وأقوى مآسيها, إلا أن الحب الذي تكنه له أكبر من قدرتها على فراقه.
وبعد ثلاثة أيام على رحيل لمياء وبينما كان عادل في طريقه لمنزله بعد انتهاء دوامه الجامعي,فوجيء بسيارة مسرعة تتجه نحوه محاولة النيل منه, ولولا رعاية الله وانحراف عادل عن مساره في آخر لحظة لكان ضحية لعجلاتها , ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد, فقد استمرت السيارة بملاحقته إلى أن تمكن من الإفلات منها بعدما أعاقت حركتها سيارة أخرى ظهرت أمامها, مما أعطى لعادل الوقت الكافي ليستقل أول سيارة قابلته ويختفي عن الأنظار بحيث لم تعد تلك السيارة قادرة على ملاحقته. دخل عادل إلى منزله وعلامات القلق والإرهاق بادية على وجهه لدرجة أنه لم يلق التحية على والديه, هو لم يراهماأصلا,لقد توجه نحو غرفته ومن ثم ألقى بنفسه على السرير وقد غرق في بحر من الأفكار والتساؤلات التي حملته إلى نقطة البداية حيث وقعت مجزرة باص الجامعة مرورا بالمجزرة التي راح ضحيتها عائلة لمياء ومن ثم هذه السيارة,وكأن هناك ما يربط بين هذه الأمور كلها ,هل يا ترى علم المجرمون بنجاتي أنا وعصام ولمياء من حادث الباص لذلك حاولوا القضاء علينا فيما بعد؟. عادل,كان هذا صوت والد عادل الذي انتشله من بحر أفكاره ليعتدل في جلسته ويقول:السلام عليكم .الوالد:لم تقلها عندما دخلت المنزل؟ عادل:أنا آسف,فهناك ما يشغلني.الوالد:هذا واضح,فهل يمكنني معرفته؟عادل وبارتباك :أبدا ,مشكلة صغيرة في الجامعة. إلا أن الوالد لم يقتنع بكلام عادل وألح عليه ليخبره بالحقيقة إلى أن رضخ عادل لإلحاح والده وأخبره بما حدث معه وبمخاوفه, وما كان من الوالد إلا أن قال وبدون مقدمات:عادل ,عليك أن تغادر الجزائر لتعيش مع عمك في البحرين.تسمر عادل في مكانه وأراد أن يناقش والده في هذا القرار إلا أن الوالد لم يترك له مجالا للمناقشة ,حيث غادر الغرفة وهو يردد: ستسافر في الأسبوع القادم ولن أقبل بأي نقاش في هذا الموضوع.وبالرغم من محاولات عادل المستمرة لثني والده عن قراره حتى اللحظات الأخيرة قبل السفر وحتى في المطار ظل الوالد مصرا على رأيه.ولما كان النداء الأخير لركاب الطائرة المتجهة للبحرين ,ضم الوالد عادل إلى أحضانه وقال:يجب أن تعلم بأنني فعلت ما فعلت من أجلك فليس من السهل علي أن أفارقك ولكن فراق مؤقت خير من فراق دائم.رفع عادل رأسه من بين أحضان والده وقد عجز عن قول أي شيء في تلك اللحظة وكل ما فعله هو تقبيل جبهة والده ومن ثم الإسراع للحاق بالطائرة أما والدته والتي كان قلبها ينفطر على فراق ابنها فقد ودعته في المنزل ولم تتمكن من مرافقته للمطار بسبب وعكة صحية ألمت بها. وكان يمكن للأمور أن تسير كما خطط لها والد عادل لولا وجود من استعذب القتل والتدمير والعيش على مصائب الناس,لقد كان والد عادل صحفيا مشهورا اعتاد أن يقول الحقيقة في كتاباته ويهاجم كل من يسعى نحو الخراب والتدمير, وما إن غادرت سيارته المطار حتى فوجئ بسيارة مسرعة تعترض طريقه, ليطلق أحد ركابها النار عليه فيرديه قتيلا , مما جعل سيارته تنحرف عن مسارها وتنقلب ومن ثم تنفجر محدثة دويا رهيبا شعر به عادل في قلبه إلا أنه لم يدرك وحتى لحظة وصوله بيت عمه في البحرين ماهية ذلك الشعور.
وعلى عكس ما توقع لم يجد عادل أحدا بانتظاره في المطار, مما دفعه لاستقلال سيارة أجرة إلى بيت عمه الذي يعرفه جيدا,فقد قام بزيارات متعددة إليه في سنوات سابقة .ولما وصل إلى المنزل استغرب ذلك الوجوم الذي بان على وجوه كل من وجد هناك ,سواء عمه أو زوجة عمه وخالته في الوقت نفسه وكذلك أولادهما وهما عبارة عن شابان وفتاة هم تقريبا في مثل سنه.
لقد شعربأنه ضيف غير مرغوب فيه,وما هي إلا لحظات حتى بدأت خالته بالبكاء ,مما دفعه للسؤال وباستغراب واضح:ماذا بكم؟وما هذا الوجوم الذي على وجوهكم.إلا أنه لم يجد ردا ,بل زادت حيرته عندما لمح الدموع في عيني عمه,مما جعله يقترب منه ويجثو على ركبتيه راجيا إياه أن يخبره بحقيقة ما يجري, ليتسبب رجاؤه هذا في إجهاش عمه بالبكاء, مما دفع سالم الابن الأكبر لعمه للتدخل حيث أمسك بيده وقال :حمدا لله على سلامتك,نأسف لأننا لم نكن بانتظارك في المطار.عادل وبلهفة:شكرا لك, ولكن ما أريد معرفته هو ما يجري في هذا المنزل ويدفع الجميع للبكاء؟ سالم بالله عليك أخبرني بالحقيقة وإلا سأعود أدراجي من حيث أتيت.شعر سالم بأنه لا مفر من قول الحقيقة, فعادل سيعرفها إن عاجلا أم آجلا. وبارتباك واضح خاطب عادل قائلا:عادل...الأعمار بيد الله.عادل وبعصبية:ماذا تريد أن تقول؟ سالم :عظم الله أجرك.عادل وقد بدا بأنه على وشك الانهيار:فيمن؟ سالم وبتردد:والدك,قضى في حادث سير صباح هذا اليوم.نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على أذني عادل وقال وهو يحاول تكذيب ما سمع: ما الذي تقوله يا سالم؟قل كلاما غير هذا يا رجل,لقد كان معي في المطار وودعني ومن ثم عاد بسلام إلى المنزل فلماذا تكذب علي؟أنتم لا تريدون أن أبقى هنا حسنٌ, لن أبقى ,ولكن لا تقولوا مثل هذا الكلام.نهض السيد وليد من مكانه وقال:هذا يكفي يا عادل,لقد رحل والدك ,اغتاله المجرمون,صدمتنا بالخبر الذي أذاعته معظم القنوات الفضائية ليس بأقل من صدمتك,كما أن والدتك وفي اتصال هاتفي أكدت لنا الخبر.عادل وهو لا يصدق ما يسمعه وقد فقد جزءا كبيرا من توازنه:يا إلهي ,هذا مستحيل,لقد كنت معه وبين يديه,لقد ودعني,كنت أشعر بأن هناك شيء غير طبيعي ,ولكن لم أتصور أبدا بأنها ستكون آخر مرة أراه فيها...لقد أبعدني عن الخطر ليقع هو فيه,ما كان يجب أن أتركه,ما كان يجب أن أسافر.وهم بمغادرة المنزل لولا أن أسرع عمه ليمسك به محاولا تهدئته بقوله:اسمع يا بني, لابد أنك متعب من السفر وعليك أن ترتاح, وأعدك بأنني سأقوم بكل ما يلزم في هذا الموضوع.عادل متسائلا:أهدأ؟ أرتاح؟كيف؟ أنا لم أذق طعم الراحة منذ حادثة الحافلة,منذ ذلك اليوم والموت يلاحقني ويأخذ مني أعز أصدقائي وأحبابي.قالها والحرقة تملأ كل نبرة من نبرات صوته ودموعه تغطي وجهه حتى أن ابنة عمه سوزان آثرت الانسحاب نحو غرفتها قبل أن تنفجر بالبكاء.أما السيدة سامية فقد أسرعت لتضم ابن أختها بين يديها وترجوه أن يهدأ.إلا أنه انتفض من مكانه وصرخ:أمي ,ترى كيف هي الآن وماذا تفعل؟يجب أن أعود لأكون إلى جانبها.العم:ما هذا الكلام ياعادل؟ لقد وصلت الآن من السفر.عادل:إنه والدي.العم:وأخي أيضا,ولكن السفر بحاجة إلى العديد من الترتيبات.عندها قال عادل بيأس:ماذا علي أن أفعل إذن؟ أجاب سالم بقوله: تجلس وتهدأ وترتاح من السفر,الحادث مفجع وأليم,ليس بالنسبة لك فقط ,بل بالنسبة لنا جميعا,ولكن التصرف المتسرع لن يؤدي إلا للندم.ومن ثم تابع:غرفتك جاهزة,اذهب واخلد للراحة الآن ونحن سنتدبر كل شيء.نظر إليه عادل بنظرة ملؤها الحزن واليأس والغضب في الوقت نفسه, ولم يكن بيده شيء يفعله ,لقد توجه نحو غرفته وأغلق الباب من وراءه ومن ثم ألقى بنفسه على السرير وأخذ يبكي بشكل مؤثر جدا .
جلست سوزان في غرفتها وهي متأثرة جدا وتفكر بما سمعته ورأته, وبينما هي كذلك دخل عليها أخاها حسين وهو شاحب الوجه ,حيث اجتلس كرسيا في الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة.أما سوزان فقد خاطبته قائلة:كان ذلك مؤثرا جدا.إلا أنه لم يجب فقالت:حسين,أنا أكلمك.رد حسين بتذمر:ماذا تريدين؟سوزان:ما بك؟.حسين:أنا لا أفهم لماذا هذا الفتى متمسك بالعودة للجزائر بعد كل ما لقيه فيها! سوزان:بلده يا حسين,وبلدنا أيضا.حسين:لا, بلدنا هي البحرين.سوزان: والدنا ولد في الجزائر, وعاش هناك وكون نفسه هناك أيضا.حسين:نحن ولدنا هنا وتربينا هنا.سوزان:هذا صحيح ولكن هذا لا يعني أن نتنكر لبلد آبائنا وأجدادنا.حسين باستهزاء:يا لك من فيلسوفة.سوزان :أن أكون فيلسوفة أفضل من أن أكون ناكرة للمعروف. حسين : ماذا تقصدين يا سوزان؟ سوزان: الذي لا يعترف بحق بلده عليه ماذا يكون؟ حسين بعصبية: سوزان لو زدت كلمة واحدة فلا تلومي إلا نفسك. سوزان وقد تظاهرت بأنها ستبكي: هكذا, هكذا تصرخ في وجهي, حسنا , سأريك, سأخبر والدي. وأسرعت لتخرج من الغرفة لتشكو حسين إلى والدها الذي لحق بها وهو يردد: يا لك من ماكرة يا سوزان, لم أفعل لك شيئا.ولكنه فوجئ بها تقف أمام غرفة والديها بصمت والحزن باد على وجهها وقد هم بمخاطبتها لولا أن تسلل إلى مسامعه صوت والده وهو يقول: ياه,كم كنت مشتاقا إليه,لقد رحل دون أن أراه,كان رجلا رائعا,آه يا أخي العزيز. السيدة سامية وفي محاولة لتهدئة زوجها: الأعمار بيد الله يا أبا سالم,أدعوا له بالرحمة. سار حسين نحو غرفته وهو يشعر بالخجل من نفسه وكذلك سوزان التي خاطبت أخيها قائلة : أظن بأن علينا أن نشعر ببعض المسؤولية تجاه ما يجري.حسين: هل تعلمين يا سوزان ؟ الفراق صعب, صعب جدا. لقد حزنت عندما توفي صديقي فكيف عندما يتعلق الأمر بقريب عزيز. ومن ثم صمت قليلا ليتابع: أنا لست ساخطا على الجزائر ولكن ما يحدث هناك أمر فظيع. سوزان: هذا صحيح, ولكن لكل شىء نهاية. حسين: أخشى أن تكون هذه النهاية متأخرة جدا. سوزان: سأذهب لأحضر الطعام لابن عمنا لابد أنه جائع.في هذه اللحظة دخل سالم الذي قال:دعي ابن عمك وشأنه الآن , لا أظن بأنه سيقبل أن يأكل شيئا, لابد أنه يريد البقاء وحده بعض الوقت.
كان يوما شاقا على عادل وكان آخر ما فعله فيه هو الاتصال بوالدته التي آثرت أن تبدي قدرا من الصلابة أمام ابنها حتى لا يثير ضعفها في نفسه الرغبة بمغادرة البحرين والعودة إلى الجزائر,لقد نصحته بالبقاء هناك لبضعة أيام حتى تهدأ الأمور . وبالرغم من عدم اقتناعه بكلامها إلا أنه طمأنها بأنه سيصغي له. وفي صباح اليوم التالي استيقظ عادل من نومه وقد فوجئ بأن الساعة تشير إلى العاشرة. خرج عادل من غرفته و توجه إلى المطبخ حيث كانت خالته تحضر طعام الإفطار. السلام عليكم يا خالة:قال عادل. السيدة سامية: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته,كيف أصبحت يا بني؟ عادل: الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه,أين بقية الأسرة؟ الخالة:عمك ذهب لقضاء بعض الأعمال, وسوزان وحسين ذهبا إلى الجامعة, أما سالم فهو في عمله, وأنت عليك أن تتناول طعام الإفطار مع عمتك.عادل:لا أشعر برغبة في تناول الطعام.الخالة:لا يا بني,هذا لا يجوز, أنت لم تأكل منذ البارحة.كما أنه لا يجب أن تعاقب نفسك فأنت لست مسؤولا عما حدث. عادل:هذه جريمة بشعة يا خالة وقد ارتكبتها أيدي أناس لا تعرف قلوبهم الرحمة.الخالة :لو دخلنا في دهاليز هذا النقاش فلن نأكل اليوم.وما إن بدآ بتناول الطعام حتى رن جرس الهاتف الذي ردت عليه السيدة سامية ومن ثم عادت لتكمل طعامها.من كان على الهاتف:سأل عادل.الخالة :إنه عمك.عادل:هل حجز لي تذكرة للسفر إلى الجزائر؟ الخالة:ماذا؟ السفر؟ لا.عادل وباستغراب:وهل سأبقى هنا وأترك والدتي هناك؟ الخالة: طبعا لا .أمك ستأتي... ومن ثم وضعت يدها على فمها وكأنها تفوهت بما لا يجب أن يعرفه عادل ,ليسارع عادل بسؤالها:ما الذي تتحدثين عنه يا خالة؟ الخالة: أليس هذا ما تريده؟أن تكونا معا؟.عادل: ونترك الجزائر نهائيا؟الخالة: يا عادل. نهض عادل من مكانه وهو يقول: لا أريد أن أسمع شيئا. ومن ثم توجه نحو باب الخروج والغضب واضح على وجهه وما هي إلا لحظات حتى دخلت سوزان عائدة من جامعتها وقد سألتها الأم بلهفة :هل قابلت عادل في طريقك. سوزان:وقد كان غاضبا جدا. الأم: أرجوك يا ابنتي إلحقي به.سوزان:ولكن ماذا حدث؟ الأم: لاوقت للشرح الآن هيا. أسرعت سوزان لتلحق بابن عمتها الذي سألها عن سبب لحاقها به.فأجابت :إنها خالتك,خافت أن تضيع فألحقتني بك. عادل:سوزان أنا آسف, أنا متضايق جدا وأخشى أن أضايقك بكلامي. سوزان :لا عليك,تستطيع أن تثق بي, قل ما تريد فكلي آذان صاغية.عادل وقد شعر برغبة في الحديث عما يعتمر في صدره من حزن وألم لمن يمكن أن يفهمه:مشكلتي بدأت منذ زمن طويل,منذ ذلك الحادث الذي أودى بحياة العديد من أعز أصدقائي, ومن ثم تلك الحوادث المتكررة التي كان أفظعها تلك المجزرة البشعة التي أودت بحياة عائلة عمتنا والآن والدي ,لقد تغيرت حياتي تماما وليتها تغيرت فحسب, لقد تداخلت أحداثها وأغلقت أبوابها في وجهي.أنا أشعر بضياع شديد,لقد بدأت أفقد الثقة بنفسي.لقد أحببت بلدي كثيرا,أنا لست أنانيا,أحب والدتي وأخاف عليها, وفي نفس الوقت أشعر بأني إن تخليت عن وطني وكأنني أتخلى عن روحي.ما يربطني بالجزائر أكبر من كلمة وطن, ما يربطني بها ذكريات ولو ابتعدت عنه أخشى أن أفقد كل شعور بالمسؤولية تجاه الانتقام من مرتكبي تلك الجرائم. استمعت سوزان باهتمام لكلام عادل ومن ثم قالت: مع أن كلامك يفتقد لشيء من الاتزان, إلا أنني فهمت تقريبا ما تريد قوله, ما أنت بحاجة إليه الآن هو الشعور بالأمان وطريق صحيح يستطيع أن يقودك إلى هذا الأمان. قدوم والدتك وإخوتك إلى هنا سيخفف كثيرا من توترك.عادل,مصيبة الموت تبدأ كبيرة ومن ثم تصغر,والبقاء مع عائلتك هنا والأشخاص الذين يحبونك سيساعدك على التخلص من حزنك وقلقك, وعندها ستكون قويا وقادرا على مواجهة أعدائك بكل قوة ,فالأمان هو من أهم أسس السعادة والقوة.عادل بيأس: وهل يمكنني أن أنسى مصائبي؟ سوزان: أنت لن تنساها ولكن وقعها على نفسك سيخف تدريجيا حتى ينتهي ويبقى مجرد ذكريات,وإن كانت كلمة ذكريات تعني الماضي فهذا لا يمنع من أن يكون الحاضر مبنيا عليها,أظنك تفهمني, أليس كذلك؟. عادل متسائلا:ما أعرفه عنك هو أنك طالبة في السنة الثانية في كلية الصحافة,فكيف تحولت إلى عالمة نفس؟سوزان:أنا مهتمة بهذا المجال وقرأت العديد من الكتب فيه.وبينما كانا يتبادلان أطراف الحديث لاحظ عادل وجود هاتف عمومي بالقرب من المكان الذي كانا يسيران فيه, وبعد أن استأذن من سوزان توجه نحوه حيث أخرج من جيبه ورقة صغيرة ومن ثم أخذ يضغط على أزرار الهاتف, وبعد دقائق معدودة وضع عادل السماعة من يده وتوجه نحو سوزان وقد بدا في حالة أسوأ من تلك التي غادر بها, مما دفع سوزان للاستفسار عن السبب .لقد قام عادل بالاتصال بمنزل عم لمياء في سورية ولكنه فوجئ بأن عم لمياء قام بترك المنزل منذ يومين بعد أن باعه للشخص الذي رد عليه عبر الهاتف,كما أن صاحب المنزل الجديد ليس لديه أي معلومات من ممكن أن تفيد عادل,هذا ما أخبر به عادل سوزان والتي دفعها فضولها لتسأل عن لمياء وسبب اهتمام عادل بها.وبينما كان الاثنان في طريق عودتهما إلى المنزل قام عادل بإخبار سوزان عن قصته مع لمياء وما واجهه الإثنان من صعوبات ومآسي منذ حادث الحافلة المشؤوم.
وفي المنزل تنفس السيد سعيد وزوجته الصعداء عندما علما بتراجع عادل عن فكرة السفر إلى الجزائر, كما أشادا بقدرة سوزان على إقناعه بأمر مماثل .وبعد ثلاثة أيام كان عادل وعمه في استقبال والدة عادل وإخوته الصغار,نادية وتامر في المطار, حيث كان اللقاء مؤثرا وقد لفت انتباه العديد من الأشخاص الذين تواجدوا هناك,وكذلك كان حال اللقاء في منزل السيد سعيد.وفي المنزل الذي جهزه السيد سعيد والذي يقع بالقرب من منزله أقام عادل ووالدته وإخوته, حيث مرت الأيام متلاحقة وكذلك الشهور وكانت الجزائر لا زالت ترزح تحت وطأة مجازر لم يكن هناك ما يشير إلى قرب انتهائها.وبعد عامين من الجد والاجتهاد تمكن عادل من الحصول على درجة البكالوريوس في الحقوق,وقد كان حدثا سعيدا بالنسبة لأم عادل التي انتظرته منذ عام مضى لولا الظروف التي مرت بها العائلة إلا أن عادل عكر صفو هذه المناسبة على أمه عندما أخبرها برغبته في السفر إلى الجزائر للعمل هناك في سلك الشرطة .جن جنون الوالدة عندما علمت برغبة ابنها وقالت والحزن يملأ صوتها:لماذا تريد أن تنغص علي فرحتي بنجاحك؟لماذا تريدني أن أفقدك كما فقدت والدك؟ عادل:ومن قال بأنك ستفقدينني؟الأم :لن أناقشك في هذا الموضوع يا عادل,لن تعود للجزائر,يعني لن تعود. عادل وبتوسل:أرجوك يا أمي افهميني. عندها صرخت الأم في وجه ابنها باكية:أنت من عليه أن يفهمني,حرام عليك ما تفعله بي ,يا عادل أنت أكبر أبنائي وأنا بحاجة إليك.قالت هذه الكلمات ومن ثم جلست على كرسي في الغرفة وقد أخفت وجهها بين كفيها والدموع لا تكاد تفارق وجهها.أما عادل فقد أسرع ليترك المكان والغضب الممزوج بالحزن يسيطر على ملامحه.
لم يفاتح عادل والدته في هذا الموضوع مجددا بعد ما لقيه من معارضة منها, إلا أن حاله ومنذ ذلك اليوم تغير كثيرا, فلقد أصبح شخصا عصبيا ومنزويا على نفسه, لا يحدث أحدا, حتى أن شهيته للطعام قد خفت كثيرا ولم يعد يأكل إلا القليل القليل, وفي بعض الأحيان لا يأكل أبدا, لدرجة أنه وفي أحد الأيام دخلت عليه والدته بالطعام وطلبت إليه أن يأكل وقد لاحظت شحوب وجهه ,وذاك الضعف الذي حل به, إلا أنه أبدى عدم رغبته بتناول أي شيء,مما أثار غضب الوالدة التي صرخت في وجهه قائلة:ماذا يا عادل هل تعاقبني؟.عادل وقد بدا بأنه وبالكاد يستطيع الكلام:أعاقبك؟لماذا تقولين هذا الكلام يا أمي؟.عندها تساءلت الأم وبحزن واضح:أمك؟ لو كنت أمك لما فعلت بي ما تفعله الآن,تريد أن تجبرني على الموافقة على سفرك للجزائر,أليس كذلك؟ عادل وقد نهض من مكانه محاولا نفي كلام والدته:لا يا أمي أنا لا يمكن أن ...وفجأة وقبل أن يكمل عبارته سقط على الأرض مغشيا عليه.فزعت الأم وأسرعت لتتلقف ابنها بين يديها ولما وجدت بأنه فقد وعيه أسرعت لتتصل بالطبيب الذي ما إن وصل وقام بفحصه حتى أسرع ليتصل بسيارة الإسعاف لتنقله إلى المستشفى, فحسب رأيه ومشاهداته فإن عادل يعاني من هبوط شديد قد يكون فيه خطرعلى حياته.وفي المستشفى استعاد عادل وعيه ليجد نفسه محاطا بأفراد عائلته وكذلك عائلة عمه الذين انهالوا عليه بعبارات التهنئة والحمد لله على سلامته.أما والدته والتي تهللت أساريرها برؤية ولدها يستعيد وعيه, اقتربت منه وأمسكت بيده وقالت:حمدا لله على سلامتك يا بني,لم أكن أعرف بأنك تحب الجزائر إلى هذا الحد.اسمع يا عادل,استعد أنت صحتك ومن ثم سافر إلى حيث تشاء.لن أقف في وجهك بعد اليوم.لم يصدق عادل ما سمعه وبالرغم من الضعف الذي كان يعاني منه أسرع ليلقي بنفسه في أحضان أمه وهو يردد:شكرا لك يا أمي, لكن صدقيني لم يكن ذلك بيدي.الأم:أصدقك يا بني,أصدقك.وفي محاولة منها لتجاوز تلك اللحظة بما سببته من أفراح وأحزان قالت سوزان:حمدا لله على سلامتك يا عادل , لقد أقلقتنا عليك.مما دفع عادل للقول : شكرا لك يا سوزان, وآسف على ما سببته لكم من إزعاج .عندها رد عليه سالم قائلا:ما هذا الكلام يا عادل أنت غال علينا يا رجل.عندها شعر عادل بدفء غريب يجتاح كل جزء من جسده وقال مخاطبا كل من وجد في الغرفة:شكرا لكم جميعا ,ما أحطموني به من حب وعطف لا يمكن أن أنساه أبدا.أنا فعلا آسف.
خرج عادل من المستشفى بعد يومين ليبدأ بتحضير نفسه للسفر, وما هو إلا أسبوع حتى كان عادل في المطار يودع عائلة عمه وأمه التي وبالرغم من حزنها الشديد على فراقه, حاولت أن تبقى متماسكة أمامه .أما هو فقد وعد بأن يبقى على اتصال دائم معها ومع عمه, وأن يأتي لزيارتهم في كل اجازة ومن ثم توجه بحديثه نحو سوزان وحسين وقال مداعبا:ما يضايقني هو أنني سأحرم من مشاداتكما الكلامية .عندها تنهدت سوزان وقالت:أعادك الله إلينا سالما إن شاء الله. أما حسين فقال:لا عليك يا ابن عمي سأسجلها على شريط وأرسلها لك في البريد فما رأيك؟.ضحك الجميع إلا أن سعادتهم لم تدم طويلا حيث سرت قشعريرة في جسد والدة عادل بعد أن سمعت النداء الأخير على الطائرة المتوجهة إلى الجزائر , ليغادرهم عادل وقلبه يخفق بشدة في انتظار ما يمكن أن يواجهه في بلد يغرق بدماء أهله .
وصل عادل إلى الجزائر وأقام في فندق في وسط العاصمة الجزائرية خوفا من خطورة ما يمكن أن يترتب على عودته إلى منزله هناك.وبعد عدة إجراءات عين عادل ضابطا في مباحث أمن الدولة,حيث تمكن بعدها من استئجار شقة في العاصمة وأقام فيها.
وبعد مرور عامين على عودة عادل إلى الجزائر وبينما كان جالسا في مكتب رئيس دائرة المباحث إذا بالباب يطرق ,وما إن دخل الطارق حتى تسمر عادل في مكانه.فالشخص الذي رآه وبالرغم من أنه كان يتمنى رؤيته منذ زمن طويل كان آخر شخص يتوقع رؤيته وفي ذلك المكان بالذات.وبالرغم من تسمر جسده إلا أن لسانه انطلق ليقول وبكل علامات الاستغراب والدهشة:لمياء؟وما كادت لمياء تسمع اسمها حتى التفتت إلى ذلك الشخص الذي يجلس على الكرسي أمامها بلباس عسكري, ولم تكن دهشتها تقل أبدا عن دهشة عادل. وللحظات ساد المكان صمت مهيب قطعه رئيس الدائرة بقوله:ماذا؟هل تعرفان بعضكما؟ .وبسرعة استعاد كل منهما توازنه حيث قال عادل مخاطبا رئيس الدائرة:ما يربطنا ببعضنا قصة طويلة ومحزنة.
وبعد أن أخبراه بقصتهما استأذنا منه وخرجا معا وكل منهما متلهف لسماع أخبار الآخر .وفي مطعم قريب روى عادل للمياء ما حدث معه منذ سفرها إلى سورية حتى اللحظة التي قابلها فيها,وكم كانت دهشته عندما علم بأن لمياء عادت إلى الجزائر بعد شهر واحد فقط من مغادرتها له.عندما سافرت لمياء إلى سورية استقبلها عمها وزوجته استقبالا حافلا, وكانت تظن بأنها ستقضي أياما سعيدة معهما, إلا أنها سرعان ما واجهت معاملة سيئة جدا من زوجة عمها وفي غيابه لدرجة أتها لم تستطع تحمل الحياة معها , وفي المقابل لم يكن بإمكانها إخبار عمها بتصرفات زوجته كي لا تتسبب بوقوع مشاكل بينهما, لتقرر بعد ذلك العودة للجزائر حيث حزمت أمتعتها ومن غير أن تخبر أحدا توجهت إلى السفارة الجزائرية والتي ساعدتها على العودة بعد أن عرفت قصتها. وبعد عودتها واجهت لمياء صعوبات كثيرة سواء من حيث الإلتحاق بالجامعة حيث قررت الالتحاق بكلية الشرطة بدلا من الفنون الجميلة, أو من حيث البحث عن عمل تصرف به على نفسها ودراستها, إلى أن قابلت وبعد ستة شهور من المعاناة خالها الذي كان يقيم خارج البلاد ولم يكن يعرف عنه أحد أي شيء, وهو أيضا لم يعرف بما جرى لعائلة أخته إلا عندما عاد إلى الجزائر حيث التقت به لمياء عن طريق الصدفة بينما كانت تبحث عن عمل في إحدى الشركات الكبرى, لتفاجأ بأنه وكيل لشركة كبيرة في الخارج لها فرع في الجزائر كما أنه لم يكن قد تزوج حتى ذلك اليوم وانتقلت لتعيش معه في منزله وتحت رعايته. وبعد مواجهتها لبعض الصعوبات تمكنت من الإلتحاق بمباحث أمن الدولة.استمع عادل باهتمام لقصة لمياء ليسألها بعد ذلك: ما الذي دفعك لتغيير تخصصك والإلتحاق بكلية الشرطة؟ لمياء وبحزم:أردت أن أثأر لكل من طالته أيدي أولئك الأوغاد,أردت أن أثأر لهذا الوطن .عادل:أفهم جيدا ما تقصدينه,ولكن ألم يحاول عمك الاتصال بك؟لمياء: لقد تركت له رسالة أخبره فيها بعودتي إلى الجزائر, وأطلب منه عدم محاولة إعادتي إلى سورية, وأظن بأن سلطة زوجته عليه كانت أقوى من رغبته في إعادتي. قال عادل مشفقا:لقد عانيت كثيرا.لمياء:المهم أني وصلت إلى ما أريد.عادل:كلانا مر بظروف صعبة,إلا أننا وبفضل الله تمكنا من تجاوزها. لمياء:ليت بإمكاني الكشف عن حقيقة هؤلاء المجرمين,هل هم بشر مثلنا,وإن كانوا بشرا فما هي ملتهم؟ وكيف يفكرون؟.عادل:يقال بأنهم ينتمون لجماعات إسلامية متطرفة. لمياء:وهل تصدق مثل هذا الكلام؟جماعات إسلامية متطرفة؟الإسلام أعظم وأكبر من ذلك بكثير, ولا يمكن لمسلم إن كان مسلما فعلا,أن يقدم على عمل مشابه.عادل:معك حق,الإسلام أعظم وأسمى من أن يضم تحت اسمه أشخاصا من أمثال هؤلاء.لمياء:فلنتعاهد على أن نعمل على كشف حقيقة أولئك الأشخاص الذين دمروا حياتنا فيما مضى ,وأغرقوا بلدنا في بحر من الدماء.عادل وقد دبت الحماسة في نفسه:أجل فلنتعاهد.ومن ثم تابع:لمياء,هل تتزوجين بي؟ فوجئت لمياء بطلب عادل وقد انحنت برأسها نحو الطاولة لشدة ما شعرت به من الخجل.ليحثها عادل على الكلام بقوله:ما رأيك؟أجيبي.لمياء وقد ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها:وهل ترى بأن هذا هو المكان المناسب للحديث في هذا الموضوع؟عادل:أود سماع رأيك قبل التحدث مع خالك.صمتت لمياء ولم تعرف بماذا تجيب, ليقول عادل بدوره:أنت موافقة إذن,أشعر بأن الدنيا ستضحك لنا من جديد.استمعت لمياء إلى كلمات عادل الأخيرة وكلها أمل بأن يصدق حدسه.
زار عادل منزل خال لمياء في اليوم التالي, وقام بطلب يدها منه, وفعلا تمت الخطبة وكذلك عقد القران اللذان علمت بهما والدة عادل في البحرين وباركتهما, لتنتظر وبشوق إقامة حفل الزفاف والذي اتفق على أن يكون بعد شهر من الخطبة. و في البحرين أيضا حيث ومنذ سنة مضت تخرجت سوزان من كلية الصحافة وكانت صحفية ممتازة, لدرجة أن الصحيفة التي تعمل بها رشحتها للسفر إلى الجزائر للقيام بتحقيق صحفي حول الأوضاع هناك.في ذلك اليوم عادت سوزان إلى المنزل والسعادة مرتسمة على وجهها حيث ألقت التحية على والديها وسالم الذين كانوا يجلسون معا ليسألها سالم عن سبب سعادتها.لتجيب بدورها:يجب أن تباركوا لي فقد رشحت للسفر في بعثة صحفية للقيام بتحقيق صحفي هام.تساءلت الأم التي لم يرق لها الأمر وقالت:تسافرين وحدك؟ .سوزان:لا يا أمي إنها بعثة صحفية وسنذهب في مجموعة. الأب: وإلى أين ستسافرين؟سوزان وبتردد:إلى...إلى الجزائر.الأب وبعصبية لم تخلو من الدهشة:ماذا؟الجزائر؟ طبعا لا.سوزان:ماذا تعني بلا يا أبي.الأب:سفر إلى الجزائر لا.سوزان وقد زالت تلك السعادة التي صاحبتها لمنزلها:ولم لا؟الأب وبغضب:وكأنك لا تعلمين ما يجري في ذلك الجزء من العالم يا سوزان؟.سوزان وفي محاولة للدفاع عن قرارها:عندما وافقت على دخولي إلى كلية الصحافة كنت تعلم بأنها مهنة المتاعب,أليس كذلك؟الأب:لكل شيء حدود.سوزان:وهل ترى بأن إطلاع الناس على ما يجري في بلدنا هو خارج عن الحدود؟.الاب وقد بدا مصرا على رأيه:لا أريد نقاشا في هذا الموضوع.سوزان وقد بدا الضيق واضحا عليها:ما بك يا سالم؟قل شيئا.سالم:أنا لا أعرف ماذا أقول,لأبي الحق في الخوف عليك ثم...لم يكمل سالم عبارته حيث قاطعته سوزان وقالت بعصبية:وعادل لم تخافوا عليه؟سالم:عادل رجل ويستطيع أن يتدبر أمره,كما أن خالتي لم توافق على سفره بل اضطرت للموافقة.سوزان:ولكنه واجبي إن لم يكن بسبب عملي فبسبب البلد التي أنجبتك يا والدي ولها حق عليك,لقد تركتها منذ زمن طويل فهل تجد بأنه من الكثير عليها أن ترسل ابنتك إليها لتقوم بأقل ما يمكن القيام به نحوها؟ألا تريد معرفة من قتل أخاك ليموت قبل حتى أن تراه؟عندها قاطع الأب ابنته وقال وبحزم واضح:هذا يكفي,اذهبي إلى غرفتك ولا أريد سماع أي كلمة أخرى في هذا الموضوع,مفهوم.وقفت سوزان للحظات وعيناها تحدقان بالأرض التي تقف عليها بغضب شديد, ومن ثم توجهت إلى غرفتها حيث ألقت بحقيبتها بتذمر وجلست على سريرها وهي تشتعل غيظا وغضبا, ليدخل عليها حسين ويقول ممازحا:يا سلام,أول مرة في حياتي أراك غاضبة بهذا الشكل.ردت عليه سوزان وبغضب:حسين ,أنا في مزاج سيء لا يسمح لي بالمزاح.حسين:ماذا حدث لكل هذا؟سوزان:أنت تعلم جيدا ماذا حدث لقد سمعت كل شيء.حسين:أنا لم أسمع شيئا ولكن فهمت بأنك تريدين السفر إلى الجزائر وأبي يعارض ذلك.وأظن بأنه على حق.سوزان وقد حاولت جاهدة السيطرة على أعصابها:إذن فاخرج من هنا فورا .عندها دخل سالم وقال مخاطبا أخته:هل السفر إلى الجزائر مهم عندك لهذا الحد؟.سوزان :إنه مستقبلي يا سالم والأهم من هذا أنني أريد أن أؤدي ولو جزءا يسيرا من حق ذلك البلد علي وعلينا جميعا.سالم:أليس من الغريب أن تهتمي بذلك البلد بالرغم من أنك لم تزوريه سوى مرات قليلة وكسائحة.سوزان:كلامك هو الغريب يا سالم وكأنك نسيت بأنه موطن والدنا حيث نشأ وترعرع وكون نفسه, ولولا أن والدتي صممت على البقاء في البحرين بسبب الظروف التي كانت تمر بها عائلتها لكنا الآن نعيش هناك,وإذا كان والدي نسي فضل ذلك البلد عليه وما أعطته إياه فأنا لا يمكن أن أسمح له بأن ينسى طويلا ,ولن أسمح لنفسي بأن أسكت على هذا الموضوع.وفي هذه اللحظة دخل الأب الغرفة وكان قد سمع كل ما قالته ابنته, حيث اقترب منها وأمسك بيدها ثم قال:لا يا سوزان,لا يا ابنتي,أنا لم أنسى ولن أنسى,سافري يا سوزان ولكن بشرط.سوزان وباندفاع:ما هو شرطك يا والدي؟الأب:أن أسافر معك.سوزان وقد كانت سعيدة بما سمعته غير مصدقة له:معقول يا والدي,أنا لا أصدق,أنت رائع,أنت أروع أب في الدنيا كلها.وأخذت تقبل يديه وجبينه.فقال مبتسما:هذا يكفي يا ابنتي,لقد اشتقت لبلدي كثيرا وأظن بأن الوقت حان لأزورها.سوزان:كم أحبك يا أبي. وفي هذه اللحظة تدخل حسين ليقول وبتهكم:طبعا,ألم يحقق لك رغبتك؟.سوزان:أنت تغار يا حسين؟.حسين:أغار؟ منك أنت؟ سوزان: ولم لا؟ حسين:رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.سوزان:ماذا تقصد؟ عندها أطلق الوالد ضحكة عالية وقال:أطفال,حتى بعد دخولكما الجامعة وتخرجكما منها ستبقيان كما أنتما ولن تتغيرا.
وفي اليوم التالي قام السيد سعيد بالاتصال بعادل في الجزائر وأبلغه بموعد وصولهم إلى هناك حيث عبر عادل عن سعادته بتلك الزيارة.وبعد حوالي أسبوع سافرت سوزان مع والدها والبعثة الصحفية . وفي المطار كان عادل بانتظارهم مع لمياء, وبعد أن رحب بهم وعرفهم على خطيبته ومن ثم قامت سوزان بالاتفاق مع زملائها على كيفية الاتصال بها, اصطحب عادل عمه وابنة عمه إلى شقته بعد أن قام بإيصال لمياء إلى عملها . سارت الأمور على ما يرام في اليوم الأول والثاني للزيارة ,فسوزان كانت تخرج لعملها بينما كان السيد سعيد يخرج بصحبة عادل الذي حصل على إجازة من عمله ليزورا أماكن عديدة في الجزائر كان السيد سعيد يود زيارتها بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات. وفي مساء اليوم الثالث تأخرت سوزان بالعودة إلى المنزل مما أثار قلق والدها الذي خاطب عادل قائلا:الساعة تشير إلى الثامنة وسوزان لم تعد بعد.عادل مطمئنا:اهدأ يا عمي,قد تكون في الفندق الآن أو في طريقها إلى هنا.سأتصل بالفندق لأطمئن على الفريق كله.اتصل عادل بالفندق وطلب التحدث إلى أحد أفراد البعثة الصحفية البحرينية حيث رد عليه شخص يدعى كامل,قام عادل بسؤال كامل عن سوزان ليرد عليه كامل قائلا:هي لم تعد إلى المنزل حتى الآن ,يبدو أنها نفذت ما في رأسها وذهبت إلى بيت السيدة سمية عبد الباقي.عادل:ومن هي السيدة سمية؟كامل:إنها سيدة تسكن في بلدة قريبة من العاصمة تضررت بسبب الحوادث المتكررة,كنا قد اتفقنا معها أن نقابلها اليوم, لكن الوقت لم يسمح,أما سوزان فقد كانت مصممة على لقائها.عادل:وهل تركتموها تذهب لوحدها.كامل: لا يبدو أنها ذهبت بصحبة المصور شادي,فهو أيضا لم يعد إلى الفندق.عادل:حسنا,هل تستطيع أن تحدد لي المكان بالضبط؟.كامل:أنا آسف يا أستاذ, سوزان وحدها تعرف العنوان.عادل:واسم المنطقة.كامل:أنا آسف جدا, ما حصل هو أنها قابلت امرأة اليوم, وكانت هذه المرأة في حال يرثى لها, حصلت منها على بعض المعلومات كان من ضمنها مكان إقامتها,ولما طلبت منا أن نرافقها إلى ذلك العنوان ورفضنا بسبب تأخر الوقت ذهبت من دون أن تعطينا أي معلومات.عادل:وكيف تذهب من دون أن تتأكد من تلك المعلومات ؟ كامل:لا.لابد أنها فعلت ذلك بطريقة ما,سوزان صحفية ذكية ونشيطة.عادل:لا بأس شكرا لك.كامل:أرجو أن تطمئننا في حال عودتها للمنزل.عادل:إن شاء الله,مع السلامة.أنهى عادل المكالمة وقد بدا عليه التوتر الشديد مما دفع عمه للاستفسار عن السبب.لم يشأ عادل أن يقلق عمه فرد قائلا:مازال لديها المزيد من العمل لتنجزه. فرد السيد سعيد قائلا:عادل لقد سمعتك وأنت تتحدث,وأرى جيدا التوتر الواضح في ملامحك,أخبرني بالحقيقة أرجوك.أضطر عادل لإخبار عمه بحقيقة الموقف ومخاوفه تجاهه ولكنه طمأنه بالقول بأن هذه مجرد تخمينات ليس إلا, وبأنه لا داعي للقلق, ومن ثم أجرى اتصالا هاتفيا طلب فيه الاستفسارعن هوية تلك السيدة التي تدعى سمية.مر الوقت ببطء شديد ,دقيقة تلو دقيقة, وساعة تلو أخرى دون أن تعود سوزان, أو يكون هناك أي أخبار عنها اللهم ذلك الاتصال الذي تلقاه عادل والذي يفيد بأن لا معلومات محددة عن تلك السيدة المدعوة سمية.وعندما أشارت الساعة إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل,نهض السيد سعيد من مكانه وقال:هذا أمر لا يمكن السكوت عليه,يجب أن نفعل شيئا.عادل:معك حق,سأذهب لأغير ملابسي وأتوجه لمركز الشرطة.السيد سعيد:سأذهب معك.عادل:ولكن قد نتلقى اتصالا هاتفيا منها في أي وقت,لابد أن يبقى أحدنا هنا.السيد سعيد:لن تحتمل أعصابي البقاء هنا يا عادل.عادل:كما تشاء.وفي المركز قام عادل بإبلاغ المسؤولين بحقيقة الموقف وخطورته وقاموا بدورهم باتخاذ الإجراءات اللازمة, حيث أوعزوا لجميع دورياتهم في المناطق القريبة من العاصمة بالقيام باللازم لمعرفة مكان تواجد سوزان وجلسوا ينتظرون نتيجة تلك الإجراءات.وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ,رن جرس الهاتف ليرد عليه الضابط المناوب ومن ثم يخبر عادل بأنه مطلوب في مباحث أمن الدولة.أثار هذا الاتصال قلق عادل الذي طلب من عمه البقاء في المركز حتى يعود, إلا أن عمه أبى إلا أن يرافقه حيث يذهب ,مما دفع عادل للإستسلام لرغبة عمه.
وفي دائرة مباحث أمن الدولة, طلب عادل من عمه الانتظار خارج غرفة رئيس الدائرة بينما دخل هو ليفاجأ بوجود لمياء في الغرفة,وبعد أن ألقى التحية سأل عن سبب طلبه للحضور.أجاب رئيس الدائرة وبضيق واضح:مجزرة جديدة.لقد اعتاد عادل على سماع تلك الأخبار ولكن وقع الخبر عليه هذه المرة كان مختلفا تماما.توجهت قوة كبيرة من الشرطة بقيادة عادل وبصحبة لمياء والسيد سعيد الذي أصر على الذهاب إلى مكان الحادث. وعند وصولهم إلى المكان قال عادل:أرجوك يا عمي لا تغادر السيارة,ابقى هنا فأنت لن تحتمل رؤية تلك المشاهد البشعة.العم : وابنتي؟ عادل:لا يوجد ما يؤكد وجودها هنا,اسمع الكلام يا عمي أرجوك.توجهت لمياء مع عادل وبعض الجنود إلى مكان الحادث الذي بدا وكأنه ساحة قتال بعد انتهاء المعركة.كانت مجزرة بشعة فعلا,ولما رأت لمياء ما أسفرت عنه تلك المجزرة, أخذت دموعها تسيل لوحدها غير قادرة على التحكم بها, لقد أعادها هذا الجو إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه عائلتها, إلا أن دموعها لم تمنعها من رؤية شخص تهيأ لها بأنها تعرفه,حيث صرخت:عادل,انظر هناك.نظر عادل إلى حيث أشارت, إلا أنه لم يلحظ شيئا مميزا فقال متسائلا:ماذا هناك يا لمياء؟لمياء:ذلك الشاب, ألا يشبه الشخص بالصورة هنا؟اقترب كلاهما من ذلك الشخص,ليقول عادل وبمرارة وخوف في آن معا:شادي ,إنه المصور.أسرعت لمياء لتتأكد من أن ذلك الشخص ما زال على قيد الحياة أم لا,لتقول وبلهفة:ما يزال حيا.حدق عادل بالجثث الموجودة أمامه إلا أنه لم يجد أثرا لسوزان ,فأسرع يعطي تعليماته للجنود معه بتفتيش البيوت الموجودة في المنطقة بيتا بيتا بحثا عن أي جثث أو جرحى آخرين,وقد جن جنونه عندما فشل الجميع في العثور على أي أثر لسوزان .تدخلت لمياء قائلة:اهدأ يا عادل,يجب أن نفكر في الموضوع بهدوء وبتعقل لنتمكن من معرفة ما يجري.عادل وبعصبية: العقل يقول بأن سوزان اختطفت,اختطفت يا لمياء.ماذا سأقول لعمي الآن , يا إلهي ماذا سأفعل؟إنهم وحوش لا ترحم.لمياء:يكفي بأننا عرفنا بأنها ما زالت حية ترزق.عادل:حية؟حتى ولو كان ذلك صحيحا فإن الموت سيكون أهون بكثير عليها,إنهم وحوش بشرية.لمياء:هل تقول لي أنا هذا الكلام؟هل نسيت بأنني انكويت بنارهم؟.عادل:عمي ينتظرني في السيارة الآن ,ماذا سأقول له؟صمتت لمياء ولم تعرف بماذا تجيب,فالوضع صعب ومحرج ولكن الحقيقة هي أفضل الحلول, هذا ما قالته بعد صمت دام للحظات, ومن ثم أضافت:يجب أن تسرع إليه وتخبره بما يجري قبل أن يأتي إلى هنا ويصاب بانهيار عصبي لما سيراه.ولما وصلا إلى حيث يوجد عمه أسرع السيد سعيد ليسأل عن ابنته.ارتبك عادل ولم يعرف بماذا يجيب, بينما قالت لمياء:أنا آسفة يا عمي,لم نعثر لها على أي أثر هناك.السيد سعيد:وماذا يعني هذا؟ألم تكن موجودة هنا؟أراد عادل أن يجيب عمه ولكن, وقبل أن يفعل تردد إلى مسامعهم صوت صراخ لم يكن غريبا على عادل وعمه.إنها سوزان!:صرخ السيد سعيد .وما إن أطلت سوزان من خلف الشجيرات التي كانت تحيط بالمكان, حتى دوى صوت رصاصات لامست إحداها كتفها الأيسر لتسقط بين ذراعي والدها الذي أسرع هو ولمياء وعادل للاحتماء خلف هيكل السيارة, في حين اتخذت القوات المرافقة لعادل مواقعهم في المكان, ودار إطلاق نار عنيف بينهم وبين أشخاص لم يتمكنوا من رؤيتهم أو معرفة هويتهم. أما سوزان فقد كانت ترتجف من الخوف بين ذراعي والدها وقد أصيبت بحالة هستيرية بذل الوالد جهدا كبيرا ليخلصها منها. وبينما كان عادل ولمياء منهمكين في إطلاق النار على مصدر إطلاقها من الجهة المقابلة ,شعرت لمياء بشيء ما اخترق صدرها لتكتم صرختها في جوفها, ومن ثم وبهدوء ,وحتى لا تلفت انتباه عادل مما قد يتسبب في تشتيت تفكيره وتعريضه للخطر, تقوم بالتراجع لتستند إلى جدار كان خلفها مباشرة.وما هي إلا لحظات حتى انتهى إطلاق النار فجأة كما بدأ فجأة.وما إن توقف إطلاق النار حتى التفت عادل إلى حيث يجلس عمه وابنة عمه ليسألهما وبلهفة:هل أنتما بخير؟.رد العم بصوت بالكاد كان مسموعا:أجل ,نحن بخير.وبسرعة وإلى حيث جلست لمياء توجه عادل و سأل بقلق:لمياء,هل أنت بخير؟وما إن أمعن النظر قليلا حتى صرخ:يا إلهي,أنت تنزفين!لترد بدورها وبصوت ضعيف لم تخلو نبراته من الأنين:يبدو أن ساعة الرحيل قد حانت .عادل وقد ازداد قلقا وتوترا:ماهذا الكلام يا لمياء؟الأمر بسيط,بإذن الله ستكونين بخير.لمياء:إنهم بانتظاري,أمي ,أبي,عصام,لقد اشتقت إليهم كثيرا.عادل:لا تقولي مثل هذا الكلام فأنا أحتاجك.لمياء:الجزائر تحتاجك يا عادل,اسمعني جيدا,كان علينا أن نكشف معا حقيقة أولئك المجرمين.كان علينا أن نثبت بأنهم ليسوا مسلمين ولا يمتون للإسلام بصلة,فالإسلام أعظم وأسمى من ذلك بكثير,والمسلم لا يمكن أن يقدم على قتل أخيه مهما كانت الظروف والأسباب,سامحني يا عادل, لن أستطيع أن أكمل هذا الطريق معك, ولكن عدني ,عدني بأنك ستبذل ما تستطيع من جهد لتكشف حقيقة هؤلاء المجرمين وتقدمهم للعدالة.عادل محاولا طمأنتها ورافضا لفكرة رحيلها: سأفعل, وستكونين معي.لمياء وقد بدت بأنها على وشك الرحيل:لابد بأنك ستجد من سيكمل هذا الطريق معك , أما أنا فعلي أن أرحل.نظر عادل حوله وهو يصرخ:لا يمكن أن تفعلي هذا بي,أين الأطباء,أين رجال الإسعاف."أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"نطقت لمياء الشهادتين لتغيب بعدها عن الدنيا .حدق عادل بوجه لمياء للحظات قبل أن يدرك بأنها فارقت الحياة, ليقول وقد أجهش بالبكاء:سأكمل الطريق يا لمياء ,وسأكشف المجرمين,سأثأر لك, ولعصام ,ولأبي ,سأثأر لكم جميعا,سأثأر للجزائر يا لمياء,سأثأر لها بإذن الله.حصل ذلك كله أمام عيني سوزان التي لطالما حلمت أن تكون شاهدة على معركة كهذه لتجعل منها تحقيقا صحفيا رائعا, ولكنها لم تكن تعلم بأن هذه المعركة ستخلف في نفسها جرحا عميقا يصعب التئامه.لقد حاول أولئك المجرمون اختطافها بعد أن هاجموا بيت السيدة سمية بينما كانت هي فيه, حيث أعدموا تلك السيدة وآخرون غيرها أمام عينيها, ولكنها وبفضل الله تمكنت من الهرب منهم .هي لم ترى وجوههم ولا يمكنها التعرف على أحدهم ,ولكنها متأكدة وكما قالت لمياء بأنهم ليسوا مسلمين ولا يمكن أن يكونوا كذلك ,فما ارتكبوه من فظاعات لا يمكن للإسلام أن يقبل به .لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه في أثناء الحروب بالإمتناع عن قتل النساء والأطفال والشيوخ وهم على غير دين الإسلام ,فما بالكم إذا كانوا مسلمين.هذا ما كانت سوزان تحدث به نفسها وهي تراقب ما يجري حولها.وبالرغم من كل ما مرت به, راح عقلها الصحفي يبحث عن عنوان يليق بما شاهدته وسمعته وأحست به في تلك الليلة الدامية,ولم تجد عنوانا أفضل من تلك الكلمات التي باحت بها لها تلك السيدة المدعوة سمية قبل وفاتها."الظلام الدامي",نعم, هي سنوات الظلام الدامي في الجزائر, فمن يقف وراء تلك السنوات الدامية؟ وهل سيقدمون للعدالة في يوم ما؟.سؤال يبقى بحاجة لمن يجيب عليه.
تمت بحمد الله
بقلم:حنان عبدالله
دائرة الدم
الجزائر سنوات الظلام الدامي
(في تسعينيات القرن الماضي اجتاحت الجزائر عاصفة من القتل والتدمير على أيد عصابات مسلحة لم تعرف ماهيتها حتى وقتنا الحاضر,بالرغم من أنها نسبت إلى جماعات إسلامية متطرفة(حسبما تردد في حينه),والإسلام طبعا منها براء.ولإلقاء الضوء على الواقع الإنساني لأهل ذلك البلد العربي الحبيب في تلك الفترة الحرجة من تاريخه كانت هذه القصة التي وإن كانت معظم أحداثها قد تكون حقيقية, إلا أن شخوصها من خيال المؤلفة.كما و أهدي هذه القصة إلى أرواح كل من راحوا ضحية تلك الحرب البشعة ضد الإنسانية.)
إنه يوم الجمعة حيث استيقظت لمياء من نومها في حوالي الساعة الخامسة صباحا, وقد امتلأت حيوية ونشاطا, فاليوم ستخرج مع والديها وأخيها في رحلة إلى غابات الجزائر, صلت لمياء صلاة الفجر, ومن ثم جهزت نفسها وأسرعت لتتفقد استعدادات بقية الأسرة للخروج ,ولكنها فوجئت بأن والدتها لا تزال في ملابس النوم وهي تحضر مستلزمات الرحلة.السلام عليكم يا أمي ,أرى بأنك لازلت في ملابس النوم:قالت لمياء. أنا آسفة يا عزيزتي, لن يكون بإمكاني ووالدك مرافقتكم في هذه الرحلة,فقد اتصل أحدهم بوالدك وطلب لقاءه لأمر هام يتعلق بالعمل:ردت الوالدة .لا ,هذا لا يعقل, لقد اتفقنا أن نخرج معا ,كيف يمكن أن نذهب بدونكم:قالت لمياء وقد تبدلت ملامح وجهها تماما.لا بأس عزيزتي, خيرها في غيرها .وأرجو أن تحظيا بوقت مميز في رحلتكم هذه:أجابت الأم. إلا أن لمياء لم تقتنع بإجابة أمها وأسرعت نحو غرفة أخيها,طرقت الباب ودخلت بعد أن سمح لها بالدخول. حيث ألقت التحية على أخيها وقد بدت في مزاج سيء مما دفع أخاها للتساؤل:ما بالك وكأن أمرا ما يزعجك؟. لمياء :أمي وأبي.ثم صمتت قليلا وتابعت:اعتذرا عن الرحلة.عصام:آه هذا ما يضايقك إذا؟لمياء:ألا يضايقك هذا؟. عصام:علمت بأن أبي لن يذهب منذ ليلة البارحة ,أما أمي فليس لدي فكرة عن عدم ذهابها.وعلى أية حال عليك أن لا تغضبي فلكل التزاماته.لمياء بعصبية:أي التزامات هذه التي تمنعهما من تخصيص ولو جزء بسيط من وقتهما لنا.عصام:علينا أن نحمد الله بأن لدينا أبوان, فكثيرا من الأبناء محرومون من هذه النعمة.لمياء وكأنها لا تريد سماع المزيد حول هذا الموضوع:حسن حسن هيا أسرع وحضر نفسك ,أم أنك لن تذهب أيضا؟.عصام:طبعا سأذهب ,وهل أفوت رحلة كهذه؟ ولكن قبل ذلك أريد أن أرى ابتسامتك.ها, أين هي ابتسامتك.ابتسمت لمياء وقالت:يا لك من أخ,هيا ,هيا أسرع سأنتظرك في الصالة.وعندما انتهى عصام من تجهيز نفسه كانت السيدة نهاد قد انتهت من تحضير طعام الإفطار لولديها . تناول الابنان طعام الإفطار, ومن ثم توجها إلى باب الخروج ,حيث نادت السيدة نهاد على لمياء التي دارت بجسمها نحو أمها التي قالت :أرجو أن تسامحيني يا عزيزتي ,تمنيت لو أنني أستطيع مرافقتكما إلى هذه الرحلة,عديني بأنك ستحاولين الاستمتاع بوقتك.لمياء وقد شعرت بشيء من الحزن في كلام والدتها:أعدك,استودعك الله يا أمي.الوالدة :مع السلامة,رعاكما الله وحفظكما يا ولداي.
انطلقت الحافلة من أمام باب الجامعة في حوالي الساعة الثامنة صباحا,حيث اتخذ الجميع مقاعدهم في الحافلة,جلست لمياء بجانب النافذة في أحد المقاعد الخلفية, وجلس عصام إلى جانبها, وإلى جانبهما في المقعد المقابل جلس عادل ,وهو صديق حميم لعصام يدرس في السنة الرابعة في كلية الحقوق في نفس الجامعة.في البداية سار كل شيء على ما يرام, وأقيمت عدة فعاليات طلابية من مسابقات وما إلى ذلك من وسائل الترفيه المسلية والمفيدة المتاحة في الحافلة,إلى أن لفت انتباه لمياء شاب بدا لها غريب الأطوار, وبمعنى آخر لم ترتح له. ولم تكد لمياء تحدث أخاها عن ذلك الشاب, حتى لاحظت أن الحافلة قد غيرت مسارها لتسلك طريقا ترابيا متجهة نحو منطقة حرجية .ظن معظم الركاب بأن هذا الطريق هو طريق مختصر يؤدي إلى المنطقة المقررة للرحلة.ولكن سرعان ما تلاشى هذا الظن عندما أبرز ذلك الشاب الذي لم ترتح له لمياء مسدسا من جيبه وصوبه نحو الركاب آمرا إياهم بالتزام الهدوء,ومن ثم اتضح بأن السائق غيّر اتجاه الحافلة تحت تهديد السلاح الذي كان موجها إلى ظهره من قبل شاب آخر جلس وراءه مباشرة,وكان هذا كافيا ليبث الرعب في قلب كل من وجد في الحافلة ,وخصوصا لمياء التي لمحت بعد توقف الحافلة التي سارت بين الأشجار ما يقارب الساعة, مجموعة من الشباب الملثمين والمسلحين يتوجهون نحو الحافلة ويحيطون بها كما يحيط السوار بالمعصم, ومن ثم يصعد بعضهم إلى داخل الحافلة ويوجهون بنادقهم إلى صدور الركاب, آمرين إياهم بتسليم كل ما لديهم من مال ومتاع ,حيث كُلِّف أحدهم بجمعها بينما كُلِّف شخص آخر يسكب مادة ما حول الحافلة. هذا ما لاحظته لمياء عندما لمحت شخصا منهم يقوم بهذه المهمة, حيث توجهت بالكلام لأخيها والفزع يملأ نفسها:إلحق يا عصام ,انظر ماذا يفعلون .نظر عصام من النافذة وقال باضطراب :مستحيل .لمياء: ماذا هناك يا عصام ؟ما الذي يحدث؟ عصام:يبدو أنهم سيقدمون على إحراق الحافلة ؟لمياء :ونحن بداخلها؟صمت عصام ولم يعرف بماذا يجيب أخته.كما أنهما لم يكونا الوحيدين اللذين لاحظا ذلك فعادل أيضا انتبه لما يجري خارج الحافلة, وبالرغم من ذلك الخوف الذي كان يعصف بقلوب الجميع, إلا أنه لم يكن بيدهم ما يفعلونه سوى الصمت والانتظار.أما الرجل الذي جاب الحافلة وقام بجمع ما يمتلكه الموجودون فيها من مال, رفض أن يتحرك من أمام عصام وأخته بالرغم من أنهما أعطياه كل ما كان معهما من مال, حيث ظل واقفا مكانه يحدق في لمياء التي تجمدت في مكانها من الخوف, وما هي إلا لحظات حتى خاطبها قائلا:هل سأقف هنا طويلا؟.سأله عصام باستغراب:وماذا تريد؟نظر إليه الرجل بعينيه الحادتين وصرخ:لا شأن لك أنت, ومن ثم أسرع يمد يده نحو عنق لمياء ليخطف عقدا ذهبيا يحمل اسم والديها, إلا أن لمياء منعته من ذلك, فلهذا العقد ذكرى غالية على قلبها, ولما حاول أخذه بالقوة, أسرع عصام ليدافع عن أخته مما دفع أحد الملثمين إلى إطلاق النار على عليه حيث أسرع عادل لحماية صديقه, وفي تلك اللحظة عمت الحافلة فوضى عارمة انتهت بشكل لم يتوقعه أحد. فما لبثت الفوضى أن دبت في المكان, حتى شرع المسلحون بإطلاق النار وعشوائيا على كل من وجد فيه .لم يستغرق الأمر سوى ثوان معدودة, أسرع بعدها المسلحون لمغادرة الحافلة وقد ظنوا بأنهم أجهزوا على كل ركابها.ومن بين جثث الضحايا وفي المقعد الخلفي, اخذ عادل يحاول النهوض من مكانه وقد راعه ما رأى, حتى أنه ظن بأنه الناجي الوحيد من بين ركاب الحافلة, ولكن سرعان ما تلاشى اعتقاده هذا عندما سمع أنينا بجانبه,إنه عصام,لقد أصيب بعيار ناري في رجله, وإلى جانبه جلست لمياء وهي ترتعد من الخوف وكأنها أصيبت بصاعقة كهربائية.حاول عادل تهدئتها إلا أن صدمتها بما جرى كانت أشد من أن يزول تأثيرها في لحظات , ولكن, ما هذا؟: صرخ عادل, وقد لاحظ بأن دائرة من النيران تحيط بالحافلة حيث تابع : تبا لأولئك المجرمين, لم يكتفوا بقتلنا إنهم يحاولون حرقنا.عندها انفجرت لمياء بالبكاء إلا أن عادل خاطبها قائلا:لمياء,أرجوك ساعديني لا وقت للبكاء الآن.سنموت لو بقينا هنا ,ستنفجر الحافلة بمن فيها.عندها شعرت لمياء بمسؤولية كبيرة تقع على عاتقها وأن عليها أن تخوض معركة مع الموت فإما أن تنجو وإما أن تتحول إلى أشلاء.حاولت لمياء أن تتمالك أعصابها وتسترجع قوتها وقالت والدموع ما زالت تغطي وجهها:ماذا علينا أن نفعل؟عادل:لاأعرف.ثم صمت قليلا وتابع:لا لدينا حل واحد لاغير . سألت لمياء بصوت مضطرب:ماذا؟ عندها نهض عادل من مكانه وهو يقول:ساعديني حتى نقوم بإغلاق النوافذ وتغطيتها بالستائر:لمياء باستغراب:لماذا؟عادل :أسرعي أرجوك فلا وقت للأسئلة.أغلق الإثنان النوافذ والستائر بسرعة البرق ,ومن ثم جلست لمياء إلى جانب أخيها الذي يئن من الألم محاولة تهدئته متمسكة هي وأخاها بالمقعد تمسكهما بالأمل في النجاة, بينما توجه عادل الذي طلب منهما ذلك نحو مقعد السائق المقتول ,حيث أزاحه جانبا ومن ثم جلس مكانه أمام المقود وتوجه بنظره إلى الأفق البعيد وكأنه ينتظر أن يقابل عزيزا غائبا وراء ذلك الحاجز الناري الملتهب. وبيدان ترتجفان يحركهما عقل مدبر يسعى إلى النجاة, أمسك المقود ومن ثم داس على مدوس البنزين حيث انطلقت الحافلة مسرعة نحو النيران المتأججة.وقد شعرت لمياء للحظات بأن قلبها قد توقف عن الخفقان عندما وجدت نفسها تعبر ذلك الحاجز الناري ,لقد أغلقت عينيها بشدة خوفا مما يمكن أن يحدث خلال هذا العبور الأنتحاري خصوصا وأن المسافة المتاحة للحافلة للتوقف بعد العبور كانت ضئيلة جدا. وفي لحظات انتهى كل شيء ليجد عادل وعصام ولمياء أنفسهم بعيدين عن مكان النيران بمتر واحد. حصل ذلك كله أمام عيون لمياء التي وحتى تلك اللحظة لم تكن لتصدق أو تستوعب ما يجري حولها, مسلحون مجرمون يقتحمون الحافلة ويرتكبون مجزرة بشعة تودي بحياة أصدقائها, ومن ثم تعبر حاجزا من النيران الملتهبة وكأنها جهنم لتخرج منها سالمة لابد أنها تحلم! أكيد هذا حلم, بل كابوس هذا ما كانت تحدث به نفسها. أما عادل فلم يعرف حتى كيف أقدم على ذلك العمل, فما إن توقفت الحافلة حتى استرخى على المقعد وجبينه يتصبب عرقا وقلبه يخفق يشدة .لقد نجونا ,وما كادت تقفز هذه الفكرة إلى ذهنه حتى قفز من مكانه مهللا : لقد نجونا,نجونا, نجونا ومن ثم انفجر بالبكاء لدرجة أنه لم يلاحظ بأن هناك خطرا آخر يتهددهم . خطر لم يحسبوا له حسابا عندما اجتازوا ذلك الحاجز الناري. إلا أن القدر شاء أن تلمح لمياء ذلك الدخان المتصاعد من مقدمة الحافلة وتلك النيران المشتعلة بمؤخرتها لتصرخ قائلة:عادل,الحافلة ستنفجر.ما كان على عادل أن يفكر كثيرا فما إن سمع تحذير لمياء حتى أسرع ليحمل عصام طالبا منها أن تسرع بالخروج من الحافلة.لكنها لم تحرك ساكنا وسألت والحسرة تملأ نفسها: ماذا عن الركاب ؟عادل وبمرارة: لقد قتلوا جميعا.لمياء وبأمل بدا وكأنه وهم: قد يكون من بينهم أحياء. عادل حاثا إياها على الخروج بسرعة: مستحيل لو أن بينهم أحياء لاستيقظوا هيا أسرعي لا وقت لدينا. لم تتحرك لمياء من مكانها عندها صرخ عادل بأعلى صوته: أرجوكم إن كان من بينكم أحياء فليستيقظوا, الوقت قصير جدا.تأثرت لمياء بكلامه وأدركت بأنه ليس بالإمكان الاقتراب من الركاب واحدا تلو الآخر والتأكد من موتهم فأسرعت لتغادر الحافلة التي ما لبثت أن انفجرت بعد أن غادروها بلحظات, ليلقي بهم دويها بعيدا عنها بحوالي ثلاثة أمتار مع جثث الركاب التي تحولت إلى أشلاء ممزقة.
كان الانفجار قويا لدرجة أنه رفع عادل وعصام ولمياء وضربهم بالأرض بقوة كبيرة جعلت لمياء تفقد وعيها, أما عادل فقد كان قويا بما فيه الكفاية ليتحمل الضربة ,حيث نهض من مكانه ليفاجأ بالنتيجة التي وصلوا إليها, فالحافلة قد تحطمت بالكامل وتجمعت حولها الأشلاء. والأسوأ من هذا ألسنة اللهب التي انتشرت في تلك المنطقة الحرجية وأخذت تحاصر المكان الذي تواجدوا فيه,أخذ عادل يتفقد المكان حوله لعله يجد أثرا لعصام ولمياء ,وما إن لمح جسد عصام الملقى على الأرض حتى أسرع نحوه ليجد لمياء ملقاة بجانبه فاقدة الوعي .كان عصام مستيقظا ويتأوه من الألم, وقد منعته إصابته من الحركة.حاول عادل إيقاظ لمياء وقد نجح في ذلك بتوجيهات من عصام الطالب بكلية الطب في السنة الرابعة, عندها كانت النيران قد اقتربت كثيرا منهم وكان عليهم الإسراع بالهرب من المكان .كانت الطريق صعبة والسير فيها أصعب. لقد كان عليهم تسلق الجبال ليبتعدوا قدر الإمكان عن النيران, إلى أن وصلوا إلى تجويف صخري استطاعوا من خلاله الاحتماء من النار.كانت أوقاتا صعبة وخاصة على عصام الذي كان يجب أن يعالج من الإصابة التي تعرض لها ,حيث أمسك عادل بسكين كانت معه وقربها من شعلة من النار حصل عليها من مكان الحريق.سألت لمياء باستغراب :ماذا ستفعل؟ عادل:لابد من معالجته. لمياء : ستخرج الرصاصة؟ عادل :هل لديك حل آخر.صمتت لمياء ليتابع عادل كلامه قائلا:سيفقد أخاك قدمه إن لم نعالجه. ولم ينتظر ردها بل قرب السكين من رجل عصام بعد أن طلب منه أن يتمالك أعصابه قدر المستطاع .كان الأمر صعبا جدا على لمياء التي انفطر قلبها وهي تسمع صرخات أخيها نتيجة الألم الذي صاحب هذه العملية. وما إن انتهى عادل من محاولته إزالة الرصاصة, حتى استسلم عصام لنوم عميق أما عادل فتوجه نحو لمياء التي لم تتحمل رؤية أخاها بهذه الحالة فاتجهت نحو بداية التجويف. وما إن رأت عادل حتى أسرعت لتسأله:كيف حاله. عادل :نجحت بحمد الله في إخراج الرصاصة ,وأتمنى أن يكون بخير.لمياء: تتمنى؟ .عادل : إن شاء الله سيكون بخير اطمئني.لمياء :وماذا علينا أن نفعل الآن؟.عادل و بيأس واضح:لا أعرف .أظن بأن علينا الانتظار حتى تهدأ هذه العاصفة النارية أو يأتي أحدهم لنجدتنا. لمياء وقد بدت في حالة شرود واضحة:نجدتنا؟ عادل متسائلا:لمياء,هل أنت بخير؟ لمياء : بعد كل ما حدث,لا أظن. عندها ألقى عادل بجسده المنهك على الأرض وكأن كلام لمياء عاد ليذكره بهذا الصباح المأساوي الذي لم ينتهي بعد. وبعد ساعتين من الانتظار المرير, أسرعت لمياء نحو فتحة التجويف وقد بدا لها أنها سمعت صوتا يشبه صوت محرك طائرة عمودبة , حيث وقف عادل الذي تبادر إلى مسامعه ذلك الصوت. إنها هناك:هتفت لمياء وهي تشير إلى الطائرة العمودية التي اقتربت من المكان.أما عادل فقد أخذ يلوح للطائرة بكل قوته وهو يصرخ بأعلى صوته وقد بدأ الأمل يتسلل إلى نفسه : نحن هنا,أنقذونا,النجدة,النجدة. ولكن سرعان ما تلاشى هذا الأمل وهو يراقب الطائرة التي دارت في اتجاه معاكس لتعود من حيث أتت, مما دفعه للصراخ :لا,عودوا, نحن هنا ,لا تتركونا.عندها قالت لمياء وقد أجهشت بالبكاء:هذا يكفي يا عادل,لقد رحلوا .لقد حجبتنا سحب الدخان عن أعينهم ,لن يجدونا, سنموت ولن يعثر علينا أحد.تراجع عادل وقد شعر بمرارة شديدة وصدمة كادت تطيح به أرضا لولا ذلك الأنين الذي تردد إلى مسامعه من داخل التجويف.إنه عصام :هتفت لمياء وهي تسرع الخطا نحو أخيها, ولكن ما لبثت أن وصلت إلى حيث يوجد أخاها ,حتى تسمرت في مكانها وهي تراقب أفعى حطت رحالها فوق صدر أخيها الذي كان يوشك على الاستيقاظ من نومه.لم ينتظر عادل طويلا, ولم يمنح نفسه فرصة للتفكير, فما إن رأى الأفعى حتى أسرع ليلتقطها من رأسها ومن ثم ينهال عليه بحجر موجود في المكان.فزعت لمياء مما رأت, وألقت بجسدها المنهك على الأرض ودموعها لا تنفك تنهمر من عينيها ولسان حالها يقول:ليت كل هذا يكون حلما ,ليتني أستيقظ من هذا الكابوس.فتح عصام عينيه وكان أول ما رآه أخته التي غرقت في دموعها مما جعله يستعيد أحداث هذا اليوم الدامي
لم تشأ لمياء أن تزيد من آلام أخيها ,حيث أمسكت بيده وشدت عليها وهي تقول: إن شاء الله .ولم تزد على ذلك.مرت الساعات ثقيلة ,وخيم الظلام على المنطقة التي كانت مظلمة أصلا بفعل الحريق ,وما كان من عادل ولمياء إلا أن استسلما للنوم وقد بدا بأنهما فقدا الأمل بالنجاة .أما عصام فقد ظل طوال الليل يحاول كتم أناته خشية أن توقظ أخته الرقيقة ,طالبة الفنون الجميلة, والتي التحقت بالجامعة بداية هذا العام, وكانت هذه هي رحلتها الأولى مع الجامعة وقد بدا بأنها ستكون الأخيرة.
إنها السادسة من صباح اليوم التالي, حيث استيقظ عادل على صوت أشبه بصوت طائرة عامودية.أسرع عادل نحو فتحة التجويف ليجد بأن النيران قد أخمدت ,وانقشعت سحب الدخان بينما كانت طائرة عامودية تحلق قريبا من المكان. وما إن لمحت عيناه الطائرة حتى أخذ يلوح لها وينادي طالبا النجدة .استيقظت لمياء وأخيها الذي تمكن النوم منه في الساعات الأولى من الصباح على صوت عادل ,وأسرعت لمياء لتستوضح الأمر, وكم كانت سعادتها كبيرة حينما بدا بأن الطائرة استجابت لنداءات عادل, حيث أخذت تقترب من المكان شيئا فشيئا وقد أطل أحد الأشخاص منها وكأنه يقول بأن كل شيء سيكون على ما يرام. وفعلا تم انتشال عادل ولمياء وعصام ونقلهم للمستشفى, حيث أجريت لهم الفحوصات اللازمة وقدمت العلاجات المناسبة. وما إن تم إبلاغ أهلهم بنجاتهم ومكان تواجدهم ,حتى أسرع الأهل للاطمئنان على فلذات أكبادهم,وكم كان اللقاء مؤثرا حيث ألقت لمياء بنفسها في أحضان والدتها وهي تطلب السماح لما اعتراها غضب عندما علمت بتخلي والديها عن فكرة مرافقتها وأخيها في الرحلة.ربتت الأم على ابنتها, وقالت والحزن الممزوج بالسعادة يملأ نفسها: لا عليك يا عزيزتي, المهم هو نجاتكم ,الحمدلله الذي أعادكما إلي سالمين.ولم ينتهي الأمر هنا, بل كان لابد لقوات الأمن والصحافة من أخذ دورهم في هذه التجربة المريرة,و التي خلقت في نفوس من عاشوها جرحا لم يلتئم أبدا, خصوصا بأن من يقفون وراء تلك الحادثة ظلوا طلقاء, لتعصف بالجزائر وفي تلك المرحلة موجة من القتل العشوائي البشع الذي طال العديد العديد من الأبرياء . وفي كل مرة يقع حادث مماثل, كانت حسرة لمياء وعصام وعادل تزداد, وألمهم يكبر, وذاكرتهم تعود للوراء لتحيي فيهم تلك الشاعر المؤلمة التي عاشوها في تلك التجربة.
وبعد مرور ستة أشهر على الحادثة, وبينما كانت السيدة نهاد تقوم بإعداد طعام العشاء, اقتربت لمياء منها لتسألها عن كتاب هي بحاجة إليه في دراستها .أشارت الأم لابنتها بأن الكتاب قد يكون موجودا في القبو, تلك الغرفة أسفل المنزل حيث تحتفظ العائلة بكل ما هو قديم. أسرعت لمياء لتحضر الكتاب, ولكنها ولسوء حظها أو حسن حظها تعثرت بصندوق موجود في القبو, لتسقط على رأسها مغشيا عليها. وبعد ساعتين, فتحت لمياء عينيها لتجد بأنها ما زالت في تلك الغرفة, حيث نهضت من مكانها وهي تشعر بألم في رأسها وهمت بمغادرة الغرفة وقد أهملت أمر الكتاب الذي جاءت لتبحث عنه. وما إن صعدت إلى الطابق العلوي ,حتى أصابها القلق لما رأت, فأحد لم يكن موجودا في المنزل بينما كان باب المنزل مفتوحا وقطرات الدم تناثرت في أرجائه. صرخت لمياء:أبي, أمي ,عصام. إلا أن أحدا لم يجب.وشيئا فشيئا أخذت تقترب من باب المنزل,وشيء ما يحدثها بأن مصيبة قد وقعت.وصلت لمياء إلى الباب,وبخطوات متثاقلة اتجهت نحو ساحة المنزل, لترى ما لم تتخيل أن تراه في أسوأ كوابيسها. وللحظة تسمرت أمام أشلاء ملقاة هنا وهناك,رؤوس بلا أجساد, وأيد وأرجل إلى أن وقعت عيناها على أشلاء والديها وأخيها والتي كانت موضوعة بجانب بعضها البعض, وكأن الذي وضعها كان يقصد ذلك.لم تحتمل لمياء ما رأت,أرادت أن تبكي فلم تستطع, أرادت أن تصرخ فلم تستطع, وكأن شيئا ما كان يكتم أنفاسها .وفجأة, صرخت بقوة, وأخذت تصرخ وتصرخ, ومن ثم تركت لقدميها العنان لتحملاها إلى حيث لا تعلم. وبينما هي تركض وقد فقدت الإحساس بكل ما حولها إذا بشخص يوقفها متسائلا عن السبب الذي أوصلها لهذه الحالة.إنه عادل ولكنها لم تتعرف عليه فقد استمرت بالصراخ وكأنها تطلب منه أن يتركها لتكمل طريقها, وما هي إلا لحظات حتى انهارت أمامه.كان عادل في طريقه لزيارة بيت عمته في نفس الحي الذي تقطن فيه لمياء وعائلتها ,والحالة التي رأى عليها لمياء جعلته يفقد توازنه ويسرع راكضا نحو الحي ليقف مشدوها عاجزا عن الحركة أمام ذلك المشهد البشع الذي رآه.
كانت عمته وعائلتها من بين الضحايا.لقد شعر بالغثيان لما رآه ,ومن ثم لفت به الدنيا وسقط مغشيا عليه .استيقظ عادل ليجد نفسه على سرير في غرفة جمعت إليه والده ووالدته التي سارعت بالقول:حمدا لله على سلامتك يا بني.عندها تذكر عادل تلك اللحظة المشؤومة, ومن ثم سأل وبلهفة:لمياء,هل هي بخير؟الوالدة:إنها بخير ,اطمئن.أريد أن أراها:قال عادل وهو يحاول النهوض من مكانه.الوالد محاولا منعه:إنها مصابة بانهيار عصبي,ولا تشعر بمن حولها. عندها اعتدل عادل في جلسته وتنهد قائلا: لا أصدق بأن أمرا كهذا قد حصل.مجزرة بكل ما للكلمة من معنى. الوالد:مات الجميع ,كل أفراد عائلة عمتك, لم يبقى أحد على قيد الحياة .عادل :وعائلة لمياء, وغيرهم. ومن ثم تابع متسائلا:أبي, أريدك أن تخبرني, لماذا يحدث كل هذا ,من يقف وراء هذه الجرائم؟ صمت الوالد ولم يعرف بماذا يجيب, فلا أحد يستطيع وحتى تلك اللحظة الإجابة على ذلك السؤال.
بعد أسبوع من وقوع تلك الفاجعة تحسنت حالة لمياء قليلا حيث استعادت وعيها, إلا أنها لم تحدث أحدا , حتى عادل وعائلته الذين لم ينقطعوا عن زيارتها والسؤال عنها, خصوصا وأنها لم يكن لها من الأقارب من يقف معها في هذه المحنة, فعمها الوحيد ترك الجزائر منذ زمن طويل ويقيم الآن في سورية.ظلت لمياء صامتة شاردة تخفي في نفسها حزنا كانت ملامحه واضحة في عيونها وعلى وجهها, إلى أن تمكن الطبيب النفسي الذي أشرف على علاجها, وبعد أسبوع آخر من إقامتها في المستشفى, تمكن الطبيب المعالج من استدراجها وحثها على الحديث مما ساهم في المزيد من التحسن في حالتها, لتخرج وبعد أسبوع ثالث من المستشفى وتنتقل للإقامة في بيت عادل بما أنها فقدت كل قريب لها في ذلك البلد.وفي اليوم التالي لخروجها فوجئت لمياء باتصال هاتفي من عمها في بيت عادل ,لتقول وقد أجهشت بالبكاء:عمي,كيف حالك,وأين كنت كل هذا الوقت؟العم باكيا: عرفت بالحادث منذ يومين فقط عن طريق أحد الأصدقاء, ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول التحدث إليك إلى أن حصلت على هذا الرقم من المشفى الذي كنت تعالجين فيه.لمياء وقد تعثرت الكلمات على لسانها:لقد ماتوا جميعا,أمي ,أبي وعصام. العم :لا يمكنني تصديق ذلك .لمياء:لقد ضاع كل شيء .العم وقد شعر بأن عليه التخفيف من حزن ابنة أخيه بدلا من إعادتها إلى تلك اللحظات الأليمة:فلنحمد الله على سلامتك يا عزيزتي,ولنطلب الرحمة لهم فهذا كل ما يمكننا فعله الآن. لمياء والدموع لا تكاد تفارق عينيها: رحمة الله عليهم جميعا.العم وبلهجة بدت آمرة:اسمعي يا لمياء ,لم يبقى لك أحد أو شيء يدفعك للبقاء في الجزائر بعد الآن,سأقوم بعمل كل الترتيبات اللازمة من أجل إقامتك في سورية,فكم تحتاجين من الوقت كي تكوني جاهزة للسفر. لمياء وقد تبدلت ملامح وجهها كليا لدرجة أن من حولها لاحظوا هذا التغيير: ولكن عمي أنا...قاطعها العم قائلا :أرجوك يا لمياء لا أريد نقاشا في هذا الموضوع,لقد حسمت أمري ولا أرى بأن من حقك أن تحرميني من آخر ما بقي لي من أخي وعائلتي كلها,كما أنه لم يبق لك أحد في ذلك البلد الذي غمرته الدماء.لمياء وما زالت تحت تأثير الصدمة: والجامعة ,والأصدقاء. العم: سبق وأخبرتك بأن كل هذه الأمور سيتم الترتيب لها, أما بالنسبة للأصدقاء فأنا أعلم بأنك فقدت معظمهم في حادث سابق, وليس من الصعب تكوين صداقات جديدة وفي بلد عربي آخر .لمياء وباستسلام واضح: كما تشاء ,كما تشاء.العم:أرجو أن تتصلي بي على هذا الرقم عندما تكوني جاهزة للسفر. أخذت لمياء الرقم من عمها و من ثم أنهت المكالمة والشرود لا زال يلازم ملامحها ,حتى أنها لم تسمع عادل وهو يسألها عن السبب وراء تغير ملامحها المفاجيء, حيث تركته وأمه والاستغراب باد عليهما وتوجهت إلى أقرب مقعد وألقت بنفسها عليه .وبالرغم من أنه لم يكن من السهل عليها القبول بطلب عمها إلا أنها لم تجد بديلا منطقيا سواه, حتى عادل وعائلته الذين رغبوا ببقائها لم يكن لديهم المبرر الكافي لتمسكهم ببقائها في منزلهم وعمها يطلب حقه في رعايتها. وما هي إلا ثلاثة أيام حتى كانت لمياء على متن الطائرة المتوجهة إلى سورية والحزن يعتصر قلبها على فراق بلدها الذي وإن عاشت فيه أكبر وأقوى مآسيها, إلا أن الحب الذي تكنه له أكبر من قدرتها على فراقه.
وبعد ثلاثة أيام على رحيل لمياء وبينما كان عادل في طريقه لمنزله بعد انتهاء دوامه الجامعي,فوجيء بسيارة مسرعة تتجه نحوه محاولة النيل منه, ولولا رعاية الله وانحراف عادل عن مساره في آخر لحظة لكان ضحية لعجلاتها , ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد, فقد استمرت السيارة بملاحقته إلى أن تمكن من الإفلات منها بعدما أعاقت حركتها سيارة أخرى ظهرت أمامها, مما أعطى لعادل الوقت الكافي ليستقل أول سيارة قابلته ويختفي عن الأنظار بحيث لم تعد تلك السيارة قادرة على ملاحقته. دخل عادل إلى منزله وعلامات القلق والإرهاق بادية على وجهه لدرجة أنه لم يلق التحية على والديه, هو لم يراهماأصلا,لقد توجه نحو غرفته ومن ثم ألقى بنفسه على السرير وقد غرق في بحر من الأفكار والتساؤلات التي حملته إلى نقطة البداية حيث وقعت مجزرة باص الجامعة مرورا بالمجزرة التي راح ضحيتها عائلة لمياء ومن ثم هذه السيارة,وكأن هناك ما يربط بين هذه الأمور كلها ,هل يا ترى علم المجرمون بنجاتي أنا وعصام ولمياء من حادث الباص لذلك حاولوا القضاء علينا فيما بعد؟. عادل,كان هذا صوت والد عادل الذي انتشله من بحر أفكاره ليعتدل في جلسته ويقول:السلام عليكم .الوالد:لم تقلها عندما دخلت المنزل؟ عادل:أنا آسف,فهناك ما يشغلني.الوالد:هذا واضح,فهل يمكنني معرفته؟عادل وبارتباك :أبدا ,مشكلة صغيرة في الجامعة. إلا أن الوالد لم يقتنع بكلام عادل وألح عليه ليخبره بالحقيقة إلى أن رضخ عادل لإلحاح والده وأخبره بما حدث معه وبمخاوفه, وما كان من الوالد إلا أن قال وبدون مقدمات:عادل ,عليك أن تغادر الجزائر لتعيش مع عمك في البحرين.تسمر عادل في مكانه وأراد أن يناقش والده في هذا القرار إلا أن الوالد لم يترك له مجالا للمناقشة ,حيث غادر الغرفة وهو يردد: ستسافر في الأسبوع القادم ولن أقبل بأي نقاش في هذا الموضوع.وبالرغم من محاولات عادل المستمرة لثني والده عن قراره حتى اللحظات الأخيرة قبل السفر وحتى في المطار ظل الوالد مصرا على رأيه.ولما كان النداء الأخير لركاب الطائرة المتجهة للبحرين ,ضم الوالد عادل إلى أحضانه وقال:يجب أن تعلم بأنني فعلت ما فعلت من أجلك فليس من السهل علي أن أفارقك ولكن فراق مؤقت خير من فراق دائم.رفع عادل رأسه من بين أحضان والده وقد عجز عن قول أي شيء في تلك اللحظة وكل ما فعله هو تقبيل جبهة والده ومن ثم الإسراع للحاق بالطائرة أما والدته والتي كان قلبها ينفطر على فراق ابنها فقد ودعته في المنزل ولم تتمكن من مرافقته للمطار بسبب وعكة صحية ألمت بها. وكان يمكن للأمور أن تسير كما خطط لها والد عادل لولا وجود من استعذب القتل والتدمير والعيش على مصائب الناس,لقد كان والد عادل صحفيا مشهورا اعتاد أن يقول الحقيقة في كتاباته ويهاجم كل من يسعى نحو الخراب والتدمير, وما إن غادرت سيارته المطار حتى فوجئ بسيارة مسرعة تعترض طريقه, ليطلق أحد ركابها النار عليه فيرديه قتيلا , مما جعل سيارته تنحرف عن مسارها وتنقلب ومن ثم تنفجر محدثة دويا رهيبا شعر به عادل في قلبه إلا أنه لم يدرك وحتى لحظة وصوله بيت عمه في البحرين ماهية ذلك الشعور.
وعلى عكس ما توقع لم يجد عادل أحدا بانتظاره في المطار, مما دفعه لاستقلال سيارة أجرة إلى بيت عمه الذي يعرفه جيدا,فقد قام بزيارات متعددة إليه في سنوات سابقة .ولما وصل إلى المنزل استغرب ذلك الوجوم الذي بان على وجوه كل من وجد هناك ,سواء عمه أو زوجة عمه وخالته في الوقت نفسه وكذلك أولادهما وهما عبارة عن شابان وفتاة هم تقريبا في مثل سنه.
لقد شعربأنه ضيف غير مرغوب فيه,وما هي إلا لحظات حتى بدأت خالته بالبكاء ,مما دفعه للسؤال وباستغراب واضح:ماذا بكم؟وما هذا الوجوم الذي على وجوهكم.إلا أنه لم يجد ردا ,بل زادت حيرته عندما لمح الدموع في عيني عمه,مما جعله يقترب منه ويجثو على ركبتيه راجيا إياه أن يخبره بحقيقة ما يجري, ليتسبب رجاؤه هذا في إجهاش عمه بالبكاء, مما دفع سالم الابن الأكبر لعمه للتدخل حيث أمسك بيده وقال :حمدا لله على سلامتك,نأسف لأننا لم نكن بانتظارك في المطار.عادل وبلهفة:شكرا لك, ولكن ما أريد معرفته هو ما يجري في هذا المنزل ويدفع الجميع للبكاء؟ سالم بالله عليك أخبرني بالحقيقة وإلا سأعود أدراجي من حيث أتيت.شعر سالم بأنه لا مفر من قول الحقيقة, فعادل سيعرفها إن عاجلا أم آجلا. وبارتباك واضح خاطب عادل قائلا:عادل...الأعمار بيد الله.عادل وبعصبية:ماذا تريد أن تقول؟ سالم :عظم الله أجرك.عادل وقد بدا بأنه على وشك الانهيار:فيمن؟ سالم وبتردد:والدك,قضى في حادث سير صباح هذا اليوم.نزلت هذه الكلمات كالصاعقة على أذني عادل وقال وهو يحاول تكذيب ما سمع: ما الذي تقوله يا سالم؟قل كلاما غير هذا يا رجل,لقد كان معي في المطار وودعني ومن ثم عاد بسلام إلى المنزل فلماذا تكذب علي؟أنتم لا تريدون أن أبقى هنا حسنٌ, لن أبقى ,ولكن لا تقولوا مثل هذا الكلام.نهض السيد وليد من مكانه وقال:هذا يكفي يا عادل,لقد رحل والدك ,اغتاله المجرمون,صدمتنا بالخبر الذي أذاعته معظم القنوات الفضائية ليس بأقل من صدمتك,كما أن والدتك وفي اتصال هاتفي أكدت لنا الخبر.عادل وهو لا يصدق ما يسمعه وقد فقد جزءا كبيرا من توازنه:يا إلهي ,هذا مستحيل,لقد كنت معه وبين يديه,لقد ودعني,كنت أشعر بأن هناك شيء غير طبيعي ,ولكن لم أتصور أبدا بأنها ستكون آخر مرة أراه فيها...لقد أبعدني عن الخطر ليقع هو فيه,ما كان يجب أن أتركه,ما كان يجب أن أسافر.وهم بمغادرة المنزل لولا أن أسرع عمه ليمسك به محاولا تهدئته بقوله:اسمع يا بني, لابد أنك متعب من السفر وعليك أن ترتاح, وأعدك بأنني سأقوم بكل ما يلزم في هذا الموضوع.عادل متسائلا:أهدأ؟ أرتاح؟كيف؟ أنا لم أذق طعم الراحة منذ حادثة الحافلة,منذ ذلك اليوم والموت يلاحقني ويأخذ مني أعز أصدقائي وأحبابي.قالها والحرقة تملأ كل نبرة من نبرات صوته ودموعه تغطي وجهه حتى أن ابنة عمه سوزان آثرت الانسحاب نحو غرفتها قبل أن تنفجر بالبكاء.أما السيدة سامية فقد أسرعت لتضم ابن أختها بين يديها وترجوه أن يهدأ.إلا أنه انتفض من مكانه وصرخ:أمي ,ترى كيف هي الآن وماذا تفعل؟يجب أن أعود لأكون إلى جانبها.العم:ما هذا الكلام ياعادل؟ لقد وصلت الآن من السفر.عادل:إنه والدي.العم:وأخي أيضا,ولكن السفر بحاجة إلى العديد من الترتيبات.عندها قال عادل بيأس:ماذا علي أن أفعل إذن؟ أجاب سالم بقوله: تجلس وتهدأ وترتاح من السفر,الحادث مفجع وأليم,ليس بالنسبة لك فقط ,بل بالنسبة لنا جميعا,ولكن التصرف المتسرع لن يؤدي إلا للندم.ومن ثم تابع:غرفتك جاهزة,اذهب واخلد للراحة الآن ونحن سنتدبر كل شيء.نظر إليه عادل بنظرة ملؤها الحزن واليأس والغضب في الوقت نفسه, ولم يكن بيده شيء يفعله ,لقد توجه نحو غرفته وأغلق الباب من وراءه ومن ثم ألقى بنفسه على السرير وأخذ يبكي بشكل مؤثر جدا .
جلست سوزان في غرفتها وهي متأثرة جدا وتفكر بما سمعته ورأته, وبينما هي كذلك دخل عليها أخاها حسين وهو شاحب الوجه ,حيث اجتلس كرسيا في الغرفة دون أن ينبس ببنت شفة.أما سوزان فقد خاطبته قائلة:كان ذلك مؤثرا جدا.إلا أنه لم يجب فقالت:حسين,أنا أكلمك.رد حسين بتذمر:ماذا تريدين؟سوزان:ما بك؟.حسين:أنا لا أفهم لماذا هذا الفتى متمسك بالعودة للجزائر بعد كل ما لقيه فيها! سوزان:بلده يا حسين,وبلدنا أيضا.حسين:لا, بلدنا هي البحرين.سوزان: والدنا ولد في الجزائر, وعاش هناك وكون نفسه هناك أيضا.حسين:نحن ولدنا هنا وتربينا هنا.سوزان:هذا صحيح ولكن هذا لا يعني أن نتنكر لبلد آبائنا وأجدادنا.حسين باستهزاء:يا لك من فيلسوفة.سوزان :أن أكون فيلسوفة أفضل من أن أكون ناكرة للمعروف. حسين : ماذا تقصدين يا سوزان؟ سوزان: الذي لا يعترف بحق بلده عليه ماذا يكون؟ حسين بعصبية: سوزان لو زدت كلمة واحدة فلا تلومي إلا نفسك. سوزان وقد تظاهرت بأنها ستبكي: هكذا, هكذا تصرخ في وجهي, حسنا , سأريك, سأخبر والدي. وأسرعت لتخرج من الغرفة لتشكو حسين إلى والدها الذي لحق بها وهو يردد: يا لك من ماكرة يا سوزان, لم أفعل لك شيئا.ولكنه فوجئ بها تقف أمام غرفة والديها بصمت والحزن باد على وجهها وقد هم بمخاطبتها لولا أن تسلل إلى مسامعه صوت والده وهو يقول: ياه,كم كنت مشتاقا إليه,لقد رحل دون أن أراه,كان رجلا رائعا,آه يا أخي العزيز. السيدة سامية وفي محاولة لتهدئة زوجها: الأعمار بيد الله يا أبا سالم,أدعوا له بالرحمة. سار حسين نحو غرفته وهو يشعر بالخجل من نفسه وكذلك سوزان التي خاطبت أخيها قائلة : أظن بأن علينا أن نشعر ببعض المسؤولية تجاه ما يجري.حسين: هل تعلمين يا سوزان ؟ الفراق صعب, صعب جدا. لقد حزنت عندما توفي صديقي فكيف عندما يتعلق الأمر بقريب عزيز. ومن ثم صمت قليلا ليتابع: أنا لست ساخطا على الجزائر ولكن ما يحدث هناك أمر فظيع. سوزان: هذا صحيح, ولكن لكل شىء نهاية. حسين: أخشى أن تكون هذه النهاية متأخرة جدا. سوزان: سأذهب لأحضر الطعام لابن عمنا لابد أنه جائع.في هذه اللحظة دخل سالم الذي قال:دعي ابن عمك وشأنه الآن , لا أظن بأنه سيقبل أن يأكل شيئا, لابد أنه يريد البقاء وحده بعض الوقت.
كان يوما شاقا على عادل وكان آخر ما فعله فيه هو الاتصال بوالدته التي آثرت أن تبدي قدرا من الصلابة أمام ابنها حتى لا يثير ضعفها في نفسه الرغبة بمغادرة البحرين والعودة إلى الجزائر,لقد نصحته بالبقاء هناك لبضعة أيام حتى تهدأ الأمور . وبالرغم من عدم اقتناعه بكلامها إلا أنه طمأنها بأنه سيصغي له. وفي صباح اليوم التالي استيقظ عادل من نومه وقد فوجئ بأن الساعة تشير إلى العاشرة. خرج عادل من غرفته و توجه إلى المطبخ حيث كانت خالته تحضر طعام الإفطار. السلام عليكم يا خالة:قال عادل. السيدة سامية: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته,كيف أصبحت يا بني؟ عادل: الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه,أين بقية الأسرة؟ الخالة:عمك ذهب لقضاء بعض الأعمال, وسوزان وحسين ذهبا إلى الجامعة, أما سالم فهو في عمله, وأنت عليك أن تتناول طعام الإفطار مع عمتك.عادل:لا أشعر برغبة في تناول الطعام.الخالة:لا يا بني,هذا لا يجوز, أنت لم تأكل منذ البارحة.كما أنه لا يجب أن تعاقب نفسك فأنت لست مسؤولا عما حدث. عادل:هذه جريمة بشعة يا خالة وقد ارتكبتها أيدي أناس لا تعرف قلوبهم الرحمة.الخالة :لو دخلنا في دهاليز هذا النقاش فلن نأكل اليوم.وما إن بدآ بتناول الطعام حتى رن جرس الهاتف الذي ردت عليه السيدة سامية ومن ثم عادت لتكمل طعامها.من كان على الهاتف:سأل عادل.الخالة :إنه عمك.عادل:هل حجز لي تذكرة للسفر إلى الجزائر؟ الخالة:ماذا؟ السفر؟ لا.عادل وباستغراب:وهل سأبقى هنا وأترك والدتي هناك؟ الخالة: طبعا لا .أمك ستأتي... ومن ثم وضعت يدها على فمها وكأنها تفوهت بما لا يجب أن يعرفه عادل ,ليسارع عادل بسؤالها:ما الذي تتحدثين عنه يا خالة؟ الخالة: أليس هذا ما تريده؟أن تكونا معا؟.عادل: ونترك الجزائر نهائيا؟الخالة: يا عادل. نهض عادل من مكانه وهو يقول: لا أريد أن أسمع شيئا. ومن ثم توجه نحو باب الخروج والغضب واضح على وجهه وما هي إلا لحظات حتى دخلت سوزان عائدة من جامعتها وقد سألتها الأم بلهفة :هل قابلت عادل في طريقك. سوزان:وقد كان غاضبا جدا. الأم: أرجوك يا ابنتي إلحقي به.سوزان:ولكن ماذا حدث؟ الأم: لاوقت للشرح الآن هيا. أسرعت سوزان لتلحق بابن عمتها الذي سألها عن سبب لحاقها به.فأجابت :إنها خالتك,خافت أن تضيع فألحقتني بك. عادل:سوزان أنا آسف, أنا متضايق جدا وأخشى أن أضايقك بكلامي. سوزان :لا عليك,تستطيع أن تثق بي, قل ما تريد فكلي آذان صاغية.عادل وقد شعر برغبة في الحديث عما يعتمر في صدره من حزن وألم لمن يمكن أن يفهمه:مشكلتي بدأت منذ زمن طويل,منذ ذلك الحادث الذي أودى بحياة العديد من أعز أصدقائي, ومن ثم تلك الحوادث المتكررة التي كان أفظعها تلك المجزرة البشعة التي أودت بحياة عائلة عمتنا والآن والدي ,لقد تغيرت حياتي تماما وليتها تغيرت فحسب, لقد تداخلت أحداثها وأغلقت أبوابها في وجهي.أنا أشعر بضياع شديد,لقد بدأت أفقد الثقة بنفسي.لقد أحببت بلدي كثيرا,أنا لست أنانيا,أحب والدتي وأخاف عليها, وفي نفس الوقت أشعر بأني إن تخليت عن وطني وكأنني أتخلى عن روحي.ما يربطني بالجزائر أكبر من كلمة وطن, ما يربطني بها ذكريات ولو ابتعدت عنه أخشى أن أفقد كل شعور بالمسؤولية تجاه الانتقام من مرتكبي تلك الجرائم. استمعت سوزان باهتمام لكلام عادل ومن ثم قالت: مع أن كلامك يفتقد لشيء من الاتزان, إلا أنني فهمت تقريبا ما تريد قوله, ما أنت بحاجة إليه الآن هو الشعور بالأمان وطريق صحيح يستطيع أن يقودك إلى هذا الأمان. قدوم والدتك وإخوتك إلى هنا سيخفف كثيرا من توترك.عادل,مصيبة الموت تبدأ كبيرة ومن ثم تصغر,والبقاء مع عائلتك هنا والأشخاص الذين يحبونك سيساعدك على التخلص من حزنك وقلقك, وعندها ستكون قويا وقادرا على مواجهة أعدائك بكل قوة ,فالأمان هو من أهم أسس السعادة والقوة.عادل بيأس: وهل يمكنني أن أنسى مصائبي؟ سوزان: أنت لن تنساها ولكن وقعها على نفسك سيخف تدريجيا حتى ينتهي ويبقى مجرد ذكريات,وإن كانت كلمة ذكريات تعني الماضي فهذا لا يمنع من أن يكون الحاضر مبنيا عليها,أظنك تفهمني, أليس كذلك؟. عادل متسائلا:ما أعرفه عنك هو أنك طالبة في السنة الثانية في كلية الصحافة,فكيف تحولت إلى عالمة نفس؟سوزان:أنا مهتمة بهذا المجال وقرأت العديد من الكتب فيه.وبينما كانا يتبادلان أطراف الحديث لاحظ عادل وجود هاتف عمومي بالقرب من المكان الذي كانا يسيران فيه, وبعد أن استأذن من سوزان توجه نحوه حيث أخرج من جيبه ورقة صغيرة ومن ثم أخذ يضغط على أزرار الهاتف, وبعد دقائق معدودة وضع عادل السماعة من يده وتوجه نحو سوزان وقد بدا في حالة أسوأ من تلك التي غادر بها, مما دفع سوزان للاستفسار عن السبب .لقد قام عادل بالاتصال بمنزل عم لمياء في سورية ولكنه فوجئ بأن عم لمياء قام بترك المنزل منذ يومين بعد أن باعه للشخص الذي رد عليه عبر الهاتف,كما أن صاحب المنزل الجديد ليس لديه أي معلومات من ممكن أن تفيد عادل,هذا ما أخبر به عادل سوزان والتي دفعها فضولها لتسأل عن لمياء وسبب اهتمام عادل بها.وبينما كان الاثنان في طريق عودتهما إلى المنزل قام عادل بإخبار سوزان عن قصته مع لمياء وما واجهه الإثنان من صعوبات ومآسي منذ حادث الحافلة المشؤوم.
وفي المنزل تنفس السيد سعيد وزوجته الصعداء عندما علما بتراجع عادل عن فكرة السفر إلى الجزائر, كما أشادا بقدرة سوزان على إقناعه بأمر مماثل .وبعد ثلاثة أيام كان عادل وعمه في استقبال والدة عادل وإخوته الصغار,نادية وتامر في المطار, حيث كان اللقاء مؤثرا وقد لفت انتباه العديد من الأشخاص الذين تواجدوا هناك,وكذلك كان حال اللقاء في منزل السيد سعيد.وفي المنزل الذي جهزه السيد سعيد والذي يقع بالقرب من منزله أقام عادل ووالدته وإخوته, حيث مرت الأيام متلاحقة وكذلك الشهور وكانت الجزائر لا زالت ترزح تحت وطأة مجازر لم يكن هناك ما يشير إلى قرب انتهائها.وبعد عامين من الجد والاجتهاد تمكن عادل من الحصول على درجة البكالوريوس في الحقوق,وقد كان حدثا سعيدا بالنسبة لأم عادل التي انتظرته منذ عام مضى لولا الظروف التي مرت بها العائلة إلا أن عادل عكر صفو هذه المناسبة على أمه عندما أخبرها برغبته في السفر إلى الجزائر للعمل هناك في سلك الشرطة .جن جنون الوالدة عندما علمت برغبة ابنها وقالت والحزن يملأ صوتها:لماذا تريد أن تنغص علي فرحتي بنجاحك؟لماذا تريدني أن أفقدك كما فقدت والدك؟ عادل:ومن قال بأنك ستفقدينني؟الأم :لن أناقشك في هذا الموضوع يا عادل,لن تعود للجزائر,يعني لن تعود. عادل وبتوسل:أرجوك يا أمي افهميني. عندها صرخت الأم في وجه ابنها باكية:أنت من عليه أن يفهمني,حرام عليك ما تفعله بي ,يا عادل أنت أكبر أبنائي وأنا بحاجة إليك.قالت هذه الكلمات ومن ثم جلست على كرسي في الغرفة وقد أخفت وجهها بين كفيها والدموع لا تكاد تفارق وجهها.أما عادل فقد أسرع ليترك المكان والغضب الممزوج بالحزن يسيطر على ملامحه.
لم يفاتح عادل والدته في هذا الموضوع مجددا بعد ما لقيه من معارضة منها, إلا أن حاله ومنذ ذلك اليوم تغير كثيرا, فلقد أصبح شخصا عصبيا ومنزويا على نفسه, لا يحدث أحدا, حتى أن شهيته للطعام قد خفت كثيرا ولم يعد يأكل إلا القليل القليل, وفي بعض الأحيان لا يأكل أبدا, لدرجة أنه وفي أحد الأيام دخلت عليه والدته بالطعام وطلبت إليه أن يأكل وقد لاحظت شحوب وجهه ,وذاك الضعف الذي حل به, إلا أنه أبدى عدم رغبته بتناول أي شيء,مما أثار غضب الوالدة التي صرخت في وجهه قائلة:ماذا يا عادل هل تعاقبني؟.عادل وقد بدا بأنه وبالكاد يستطيع الكلام:أعاقبك؟لماذا تقولين هذا الكلام يا أمي؟.عندها تساءلت الأم وبحزن واضح:أمك؟ لو كنت أمك لما فعلت بي ما تفعله الآن,تريد أن تجبرني على الموافقة على سفرك للجزائر,أليس كذلك؟ عادل وقد نهض من مكانه محاولا نفي كلام والدته:لا يا أمي أنا لا يمكن أن ...وفجأة وقبل أن يكمل عبارته سقط على الأرض مغشيا عليه.فزعت الأم وأسرعت لتتلقف ابنها بين يديها ولما وجدت بأنه فقد وعيه أسرعت لتتصل بالطبيب الذي ما إن وصل وقام بفحصه حتى أسرع ليتصل بسيارة الإسعاف لتنقله إلى المستشفى, فحسب رأيه ومشاهداته فإن عادل يعاني من هبوط شديد قد يكون فيه خطرعلى حياته.وفي المستشفى استعاد عادل وعيه ليجد نفسه محاطا بأفراد عائلته وكذلك عائلة عمه الذين انهالوا عليه بعبارات التهنئة والحمد لله على سلامته.أما والدته والتي تهللت أساريرها برؤية ولدها يستعيد وعيه, اقتربت منه وأمسكت بيده وقالت:حمدا لله على سلامتك يا بني,لم أكن أعرف بأنك تحب الجزائر إلى هذا الحد.اسمع يا عادل,استعد أنت صحتك ومن ثم سافر إلى حيث تشاء.لن أقف في وجهك بعد اليوم.لم يصدق عادل ما سمعه وبالرغم من الضعف الذي كان يعاني منه أسرع ليلقي بنفسه في أحضان أمه وهو يردد:شكرا لك يا أمي, لكن صدقيني لم يكن ذلك بيدي.الأم:أصدقك يا بني,أصدقك.وفي محاولة منها لتجاوز تلك اللحظة بما سببته من أفراح وأحزان قالت سوزان:حمدا لله على سلامتك يا عادل , لقد أقلقتنا عليك.مما دفع عادل للقول : شكرا لك يا سوزان, وآسف على ما سببته لكم من إزعاج .عندها رد عليه سالم قائلا:ما هذا الكلام يا عادل أنت غال علينا يا رجل.عندها شعر عادل بدفء غريب يجتاح كل جزء من جسده وقال مخاطبا كل من وجد في الغرفة:شكرا لكم جميعا ,ما أحطموني به من حب وعطف لا يمكن أن أنساه أبدا.أنا فعلا آسف.
خرج عادل من المستشفى بعد يومين ليبدأ بتحضير نفسه للسفر, وما هو إلا أسبوع حتى كان عادل في المطار يودع عائلة عمه وأمه التي وبالرغم من حزنها الشديد على فراقه, حاولت أن تبقى متماسكة أمامه .أما هو فقد وعد بأن يبقى على اتصال دائم معها ومع عمه, وأن يأتي لزيارتهم في كل اجازة ومن ثم توجه بحديثه نحو سوزان وحسين وقال مداعبا:ما يضايقني هو أنني سأحرم من مشاداتكما الكلامية .عندها تنهدت سوزان وقالت:أعادك الله إلينا سالما إن شاء الله. أما حسين فقال:لا عليك يا ابن عمي سأسجلها على شريط وأرسلها لك في البريد فما رأيك؟.ضحك الجميع إلا أن سعادتهم لم تدم طويلا حيث سرت قشعريرة في جسد والدة عادل بعد أن سمعت النداء الأخير على الطائرة المتوجهة إلى الجزائر , ليغادرهم عادل وقلبه يخفق بشدة في انتظار ما يمكن أن يواجهه في بلد يغرق بدماء أهله .
وصل عادل إلى الجزائر وأقام في فندق في وسط العاصمة الجزائرية خوفا من خطورة ما يمكن أن يترتب على عودته إلى منزله هناك.وبعد عدة إجراءات عين عادل ضابطا في مباحث أمن الدولة,حيث تمكن بعدها من استئجار شقة في العاصمة وأقام فيها.
وبعد مرور عامين على عودة عادل إلى الجزائر وبينما كان جالسا في مكتب رئيس دائرة المباحث إذا بالباب يطرق ,وما إن دخل الطارق حتى تسمر عادل في مكانه.فالشخص الذي رآه وبالرغم من أنه كان يتمنى رؤيته منذ زمن طويل كان آخر شخص يتوقع رؤيته وفي ذلك المكان بالذات.وبالرغم من تسمر جسده إلا أن لسانه انطلق ليقول وبكل علامات الاستغراب والدهشة:لمياء؟وما كادت لمياء تسمع اسمها حتى التفتت إلى ذلك الشخص الذي يجلس على الكرسي أمامها بلباس عسكري, ولم تكن دهشتها تقل أبدا عن دهشة عادل. وللحظات ساد المكان صمت مهيب قطعه رئيس الدائرة بقوله:ماذا؟هل تعرفان بعضكما؟ .وبسرعة استعاد كل منهما توازنه حيث قال عادل مخاطبا رئيس الدائرة:ما يربطنا ببعضنا قصة طويلة ومحزنة.
وبعد أن أخبراه بقصتهما استأذنا منه وخرجا معا وكل منهما متلهف لسماع أخبار الآخر .وفي مطعم قريب روى عادل للمياء ما حدث معه منذ سفرها إلى سورية حتى اللحظة التي قابلها فيها,وكم كانت دهشته عندما علم بأن لمياء عادت إلى الجزائر بعد شهر واحد فقط من مغادرتها له.عندما سافرت لمياء إلى سورية استقبلها عمها وزوجته استقبالا حافلا, وكانت تظن بأنها ستقضي أياما سعيدة معهما, إلا أنها سرعان ما واجهت معاملة سيئة جدا من زوجة عمها وفي غيابه لدرجة أتها لم تستطع تحمل الحياة معها , وفي المقابل لم يكن بإمكانها إخبار عمها بتصرفات زوجته كي لا تتسبب بوقوع مشاكل بينهما, لتقرر بعد ذلك العودة للجزائر حيث حزمت أمتعتها ومن غير أن تخبر أحدا توجهت إلى السفارة الجزائرية والتي ساعدتها على العودة بعد أن عرفت قصتها. وبعد عودتها واجهت لمياء صعوبات كثيرة سواء من حيث الإلتحاق بالجامعة حيث قررت الالتحاق بكلية الشرطة بدلا من الفنون الجميلة, أو من حيث البحث عن عمل تصرف به على نفسها ودراستها, إلى أن قابلت وبعد ستة شهور من المعاناة خالها الذي كان يقيم خارج البلاد ولم يكن يعرف عنه أحد أي شيء, وهو أيضا لم يعرف بما جرى لعائلة أخته إلا عندما عاد إلى الجزائر حيث التقت به لمياء عن طريق الصدفة بينما كانت تبحث عن عمل في إحدى الشركات الكبرى, لتفاجأ بأنه وكيل لشركة كبيرة في الخارج لها فرع في الجزائر كما أنه لم يكن قد تزوج حتى ذلك اليوم وانتقلت لتعيش معه في منزله وتحت رعايته. وبعد مواجهتها لبعض الصعوبات تمكنت من الإلتحاق بمباحث أمن الدولة.استمع عادل باهتمام لقصة لمياء ليسألها بعد ذلك: ما الذي دفعك لتغيير تخصصك والإلتحاق بكلية الشرطة؟ لمياء وبحزم:أردت أن أثأر لكل من طالته أيدي أولئك الأوغاد,أردت أن أثأر لهذا الوطن .عادل:أفهم جيدا ما تقصدينه,ولكن ألم يحاول عمك الاتصال بك؟لمياء: لقد تركت له رسالة أخبره فيها بعودتي إلى الجزائر, وأطلب منه عدم محاولة إعادتي إلى سورية, وأظن بأن سلطة زوجته عليه كانت أقوى من رغبته في إعادتي. قال عادل مشفقا:لقد عانيت كثيرا.لمياء:المهم أني وصلت إلى ما أريد.عادل:كلانا مر بظروف صعبة,إلا أننا وبفضل الله تمكنا من تجاوزها. لمياء:ليت بإمكاني الكشف عن حقيقة هؤلاء المجرمين,هل هم بشر مثلنا,وإن كانوا بشرا فما هي ملتهم؟ وكيف يفكرون؟.عادل:يقال بأنهم ينتمون لجماعات إسلامية متطرفة. لمياء:وهل تصدق مثل هذا الكلام؟جماعات إسلامية متطرفة؟الإسلام أعظم وأكبر من ذلك بكثير, ولا يمكن لمسلم إن كان مسلما فعلا,أن يقدم على عمل مشابه.عادل:معك حق,الإسلام أعظم وأسمى من أن يضم تحت اسمه أشخاصا من أمثال هؤلاء.لمياء:فلنتعاهد على أن نعمل على كشف حقيقة أولئك الأشخاص الذين دمروا حياتنا فيما مضى ,وأغرقوا بلدنا في بحر من الدماء.عادل وقد دبت الحماسة في نفسه:أجل فلنتعاهد.ومن ثم تابع:لمياء,هل تتزوجين بي؟ فوجئت لمياء بطلب عادل وقد انحنت برأسها نحو الطاولة لشدة ما شعرت به من الخجل.ليحثها عادل على الكلام بقوله:ما رأيك؟أجيبي.لمياء وقد ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها:وهل ترى بأن هذا هو المكان المناسب للحديث في هذا الموضوع؟عادل:أود سماع رأيك قبل التحدث مع خالك.صمتت لمياء ولم تعرف بماذا تجيب, ليقول عادل بدوره:أنت موافقة إذن,أشعر بأن الدنيا ستضحك لنا من جديد.استمعت لمياء إلى كلمات عادل الأخيرة وكلها أمل بأن يصدق حدسه.
زار عادل منزل خال لمياء في اليوم التالي, وقام بطلب يدها منه, وفعلا تمت الخطبة وكذلك عقد القران اللذان علمت بهما والدة عادل في البحرين وباركتهما, لتنتظر وبشوق إقامة حفل الزفاف والذي اتفق على أن يكون بعد شهر من الخطبة. و في البحرين أيضا حيث ومنذ سنة مضت تخرجت سوزان من كلية الصحافة وكانت صحفية ممتازة, لدرجة أن الصحيفة التي تعمل بها رشحتها للسفر إلى الجزائر للقيام بتحقيق صحفي حول الأوضاع هناك.في ذلك اليوم عادت سوزان إلى المنزل والسعادة مرتسمة على وجهها حيث ألقت التحية على والديها وسالم الذين كانوا يجلسون معا ليسألها سالم عن سبب سعادتها.لتجيب بدورها:يجب أن تباركوا لي فقد رشحت للسفر في بعثة صحفية للقيام بتحقيق صحفي هام.تساءلت الأم التي لم يرق لها الأمر وقالت:تسافرين وحدك؟ .سوزان:لا يا أمي إنها بعثة صحفية وسنذهب في مجموعة. الأب: وإلى أين ستسافرين؟سوزان وبتردد:إلى...إلى الجزائر.الأب وبعصبية لم تخلو من الدهشة:ماذا؟الجزائر؟ طبعا لا.سوزان:ماذا تعني بلا يا أبي.الأب:سفر إلى الجزائر لا.سوزان وقد زالت تلك السعادة التي صاحبتها لمنزلها:ولم لا؟الأب وبغضب:وكأنك لا تعلمين ما يجري في ذلك الجزء من العالم يا سوزان؟.سوزان وفي محاولة للدفاع عن قرارها:عندما وافقت على دخولي إلى كلية الصحافة كنت تعلم بأنها مهنة المتاعب,أليس كذلك؟الأب:لكل شيء حدود.سوزان:وهل ترى بأن إطلاع الناس على ما يجري في بلدنا هو خارج عن الحدود؟.الاب وقد بدا مصرا على رأيه:لا أريد نقاشا في هذا الموضوع.سوزان وقد بدا الضيق واضحا عليها:ما بك يا سالم؟قل شيئا.سالم:أنا لا أعرف ماذا أقول,لأبي الحق في الخوف عليك ثم...لم يكمل سالم عبارته حيث قاطعته سوزان وقالت بعصبية:وعادل لم تخافوا عليه؟سالم:عادل رجل ويستطيع أن يتدبر أمره,كما أن خالتي لم توافق على سفره بل اضطرت للموافقة.سوزان:ولكنه واجبي إن لم يكن بسبب عملي فبسبب البلد التي أنجبتك يا والدي ولها حق عليك,لقد تركتها منذ زمن طويل فهل تجد بأنه من الكثير عليها أن ترسل ابنتك إليها لتقوم بأقل ما يمكن القيام به نحوها؟ألا تريد معرفة من قتل أخاك ليموت قبل حتى أن تراه؟عندها قاطع الأب ابنته وقال وبحزم واضح:هذا يكفي,اذهبي إلى غرفتك ولا أريد سماع أي كلمة أخرى في هذا الموضوع,مفهوم.وقفت سوزان للحظات وعيناها تحدقان بالأرض التي تقف عليها بغضب شديد, ومن ثم توجهت إلى غرفتها حيث ألقت بحقيبتها بتذمر وجلست على سريرها وهي تشتعل غيظا وغضبا, ليدخل عليها حسين ويقول ممازحا:يا سلام,أول مرة في حياتي أراك غاضبة بهذا الشكل.ردت عليه سوزان وبغضب:حسين ,أنا في مزاج سيء لا يسمح لي بالمزاح.حسين:ماذا حدث لكل هذا؟سوزان:أنت تعلم جيدا ماذا حدث لقد سمعت كل شيء.حسين:أنا لم أسمع شيئا ولكن فهمت بأنك تريدين السفر إلى الجزائر وأبي يعارض ذلك.وأظن بأنه على حق.سوزان وقد حاولت جاهدة السيطرة على أعصابها:إذن فاخرج من هنا فورا .عندها دخل سالم وقال مخاطبا أخته:هل السفر إلى الجزائر مهم عندك لهذا الحد؟.سوزان :إنه مستقبلي يا سالم والأهم من هذا أنني أريد أن أؤدي ولو جزءا يسيرا من حق ذلك البلد علي وعلينا جميعا.سالم:أليس من الغريب أن تهتمي بذلك البلد بالرغم من أنك لم تزوريه سوى مرات قليلة وكسائحة.سوزان:كلامك هو الغريب يا سالم وكأنك نسيت بأنه موطن والدنا حيث نشأ وترعرع وكون نفسه, ولولا أن والدتي صممت على البقاء في البحرين بسبب الظروف التي كانت تمر بها عائلتها لكنا الآن نعيش هناك,وإذا كان والدي نسي فضل ذلك البلد عليه وما أعطته إياه فأنا لا يمكن أن أسمح له بأن ينسى طويلا ,ولن أسمح لنفسي بأن أسكت على هذا الموضوع.وفي هذه اللحظة دخل الأب الغرفة وكان قد سمع كل ما قالته ابنته, حيث اقترب منها وأمسك بيدها ثم قال:لا يا سوزان,لا يا ابنتي,أنا لم أنسى ولن أنسى,سافري يا سوزان ولكن بشرط.سوزان وباندفاع:ما هو شرطك يا والدي؟الأب:أن أسافر معك.سوزان وقد كانت سعيدة بما سمعته غير مصدقة له:معقول يا والدي,أنا لا أصدق,أنت رائع,أنت أروع أب في الدنيا كلها.وأخذت تقبل يديه وجبينه.فقال مبتسما:هذا يكفي يا ابنتي,لقد اشتقت لبلدي كثيرا وأظن بأن الوقت حان لأزورها.سوزان:كم أحبك يا أبي. وفي هذه اللحظة تدخل حسين ليقول وبتهكم:طبعا,ألم يحقق لك رغبتك؟.سوزان:أنت تغار يا حسين؟.حسين:أغار؟ منك أنت؟ سوزان: ولم لا؟ حسين:رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.سوزان:ماذا تقصد؟ عندها أطلق الوالد ضحكة عالية وقال:أطفال,حتى بعد دخولكما الجامعة وتخرجكما منها ستبقيان كما أنتما ولن تتغيرا.
وفي اليوم التالي قام السيد سعيد بالاتصال بعادل في الجزائر وأبلغه بموعد وصولهم إلى هناك حيث عبر عادل عن سعادته بتلك الزيارة.وبعد حوالي أسبوع سافرت سوزان مع والدها والبعثة الصحفية . وفي المطار كان عادل بانتظارهم مع لمياء, وبعد أن رحب بهم وعرفهم على خطيبته ومن ثم قامت سوزان بالاتفاق مع زملائها على كيفية الاتصال بها, اصطحب عادل عمه وابنة عمه إلى شقته بعد أن قام بإيصال لمياء إلى عملها . سارت الأمور على ما يرام في اليوم الأول والثاني للزيارة ,فسوزان كانت تخرج لعملها بينما كان السيد سعيد يخرج بصحبة عادل الذي حصل على إجازة من عمله ليزورا أماكن عديدة في الجزائر كان السيد سعيد يود زيارتها بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات. وفي مساء اليوم الثالث تأخرت سوزان بالعودة إلى المنزل مما أثار قلق والدها الذي خاطب عادل قائلا:الساعة تشير إلى الثامنة وسوزان لم تعد بعد.عادل مطمئنا:اهدأ يا عمي,قد تكون في الفندق الآن أو في طريقها إلى هنا.سأتصل بالفندق لأطمئن على الفريق كله.اتصل عادل بالفندق وطلب التحدث إلى أحد أفراد البعثة الصحفية البحرينية حيث رد عليه شخص يدعى كامل,قام عادل بسؤال كامل عن سوزان ليرد عليه كامل قائلا:هي لم تعد إلى المنزل حتى الآن ,يبدو أنها نفذت ما في رأسها وذهبت إلى بيت السيدة سمية عبد الباقي.عادل:ومن هي السيدة سمية؟كامل:إنها سيدة تسكن في بلدة قريبة من العاصمة تضررت بسبب الحوادث المتكررة,كنا قد اتفقنا معها أن نقابلها اليوم, لكن الوقت لم يسمح,أما سوزان فقد كانت مصممة على لقائها.عادل:وهل تركتموها تذهب لوحدها.كامل: لا يبدو أنها ذهبت بصحبة المصور شادي,فهو أيضا لم يعد إلى الفندق.عادل:حسنا,هل تستطيع أن تحدد لي المكان بالضبط؟.كامل:أنا آسف يا أستاذ, سوزان وحدها تعرف العنوان.عادل:واسم المنطقة.كامل:أنا آسف جدا, ما حصل هو أنها قابلت امرأة اليوم, وكانت هذه المرأة في حال يرثى لها, حصلت منها على بعض المعلومات كان من ضمنها مكان إقامتها,ولما طلبت منا أن نرافقها إلى ذلك العنوان ورفضنا بسبب تأخر الوقت ذهبت من دون أن تعطينا أي معلومات.عادل:وكيف تذهب من دون أن تتأكد من تلك المعلومات ؟ كامل:لا.لابد أنها فعلت ذلك بطريقة ما,سوزان صحفية ذكية ونشيطة.عادل:لا بأس شكرا لك.كامل:أرجو أن تطمئننا في حال عودتها للمنزل.عادل:إن شاء الله,مع السلامة.أنهى عادل المكالمة وقد بدا عليه التوتر الشديد مما دفع عمه للاستفسار عن السبب.لم يشأ عادل أن يقلق عمه فرد قائلا:مازال لديها المزيد من العمل لتنجزه. فرد السيد سعيد قائلا:عادل لقد سمعتك وأنت تتحدث,وأرى جيدا التوتر الواضح في ملامحك,أخبرني بالحقيقة أرجوك.أضطر عادل لإخبار عمه بحقيقة الموقف ومخاوفه تجاهه ولكنه طمأنه بالقول بأن هذه مجرد تخمينات ليس إلا, وبأنه لا داعي للقلق, ومن ثم أجرى اتصالا هاتفيا طلب فيه الاستفسارعن هوية تلك السيدة التي تدعى سمية.مر الوقت ببطء شديد ,دقيقة تلو دقيقة, وساعة تلو أخرى دون أن تعود سوزان, أو يكون هناك أي أخبار عنها اللهم ذلك الاتصال الذي تلقاه عادل والذي يفيد بأن لا معلومات محددة عن تلك السيدة المدعوة سمية.وعندما أشارت الساعة إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل,نهض السيد سعيد من مكانه وقال:هذا أمر لا يمكن السكوت عليه,يجب أن نفعل شيئا.عادل:معك حق,سأذهب لأغير ملابسي وأتوجه لمركز الشرطة.السيد سعيد:سأذهب معك.عادل:ولكن قد نتلقى اتصالا هاتفيا منها في أي وقت,لابد أن يبقى أحدنا هنا.السيد سعيد:لن تحتمل أعصابي البقاء هنا يا عادل.عادل:كما تشاء.وفي المركز قام عادل بإبلاغ المسؤولين بحقيقة الموقف وخطورته وقاموا بدورهم باتخاذ الإجراءات اللازمة, حيث أوعزوا لجميع دورياتهم في المناطق القريبة من العاصمة بالقيام باللازم لمعرفة مكان تواجد سوزان وجلسوا ينتظرون نتيجة تلك الإجراءات.وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ,رن جرس الهاتف ليرد عليه الضابط المناوب ومن ثم يخبر عادل بأنه مطلوب في مباحث أمن الدولة.أثار هذا الاتصال قلق عادل الذي طلب من عمه البقاء في المركز حتى يعود, إلا أن عمه أبى إلا أن يرافقه حيث يذهب ,مما دفع عادل للإستسلام لرغبة عمه.
وفي دائرة مباحث أمن الدولة, طلب عادل من عمه الانتظار خارج غرفة رئيس الدائرة بينما دخل هو ليفاجأ بوجود لمياء في الغرفة,وبعد أن ألقى التحية سأل عن سبب طلبه للحضور.أجاب رئيس الدائرة وبضيق واضح:مجزرة جديدة.لقد اعتاد عادل على سماع تلك الأخبار ولكن وقع الخبر عليه هذه المرة كان مختلفا تماما.توجهت قوة كبيرة من الشرطة بقيادة عادل وبصحبة لمياء والسيد سعيد الذي أصر على الذهاب إلى مكان الحادث. وعند وصولهم إلى المكان قال عادل:أرجوك يا عمي لا تغادر السيارة,ابقى هنا فأنت لن تحتمل رؤية تلك المشاهد البشعة.العم : وابنتي؟ عادل:لا يوجد ما يؤكد وجودها هنا,اسمع الكلام يا عمي أرجوك.توجهت لمياء مع عادل وبعض الجنود إلى مكان الحادث الذي بدا وكأنه ساحة قتال بعد انتهاء المعركة.كانت مجزرة بشعة فعلا,ولما رأت لمياء ما أسفرت عنه تلك المجزرة, أخذت دموعها تسيل لوحدها غير قادرة على التحكم بها, لقد أعادها هذا الجو إلى ذلك اليوم المشؤوم الذي فقدت فيه عائلتها, إلا أن دموعها لم تمنعها من رؤية شخص تهيأ لها بأنها تعرفه,حيث صرخت:عادل,انظر هناك.نظر عادل إلى حيث أشارت, إلا أنه لم يلحظ شيئا مميزا فقال متسائلا:ماذا هناك يا لمياء؟لمياء:ذلك الشاب, ألا يشبه الشخص بالصورة هنا؟اقترب كلاهما من ذلك الشخص,ليقول عادل وبمرارة وخوف في آن معا:شادي ,إنه المصور.أسرعت لمياء لتتأكد من أن ذلك الشخص ما زال على قيد الحياة أم لا,لتقول وبلهفة:ما يزال حيا.حدق عادل بالجثث الموجودة أمامه إلا أنه لم يجد أثرا لسوزان ,فأسرع يعطي تعليماته للجنود معه بتفتيش البيوت الموجودة في المنطقة بيتا بيتا بحثا عن أي جثث أو جرحى آخرين,وقد جن جنونه عندما فشل الجميع في العثور على أي أثر لسوزان .تدخلت لمياء قائلة:اهدأ يا عادل,يجب أن نفكر في الموضوع بهدوء وبتعقل لنتمكن من معرفة ما يجري.عادل وبعصبية: العقل يقول بأن سوزان اختطفت,اختطفت يا لمياء.ماذا سأقول لعمي الآن , يا إلهي ماذا سأفعل؟إنهم وحوش لا ترحم.لمياء:يكفي بأننا عرفنا بأنها ما زالت حية ترزق.عادل:حية؟حتى ولو كان ذلك صحيحا فإن الموت سيكون أهون بكثير عليها,إنهم وحوش بشرية.لمياء:هل تقول لي أنا هذا الكلام؟هل نسيت بأنني انكويت بنارهم؟.عادل:عمي ينتظرني في السيارة الآن ,ماذا سأقول له؟صمتت لمياء ولم تعرف بماذا تجيب,فالوضع صعب ومحرج ولكن الحقيقة هي أفضل الحلول, هذا ما قالته بعد صمت دام للحظات, ومن ثم أضافت:يجب أن تسرع إليه وتخبره بما يجري قبل أن يأتي إلى هنا ويصاب بانهيار عصبي لما سيراه.ولما وصلا إلى حيث يوجد عمه أسرع السيد سعيد ليسأل عن ابنته.ارتبك عادل ولم يعرف بماذا يجيب, بينما قالت لمياء:أنا آسفة يا عمي,لم نعثر لها على أي أثر هناك.السيد سعيد:وماذا يعني هذا؟ألم تكن موجودة هنا؟أراد عادل أن يجيب عمه ولكن, وقبل أن يفعل تردد إلى مسامعهم صوت صراخ لم يكن غريبا على عادل وعمه.إنها سوزان!:صرخ السيد سعيد .وما إن أطلت سوزان من خلف الشجيرات التي كانت تحيط بالمكان, حتى دوى صوت رصاصات لامست إحداها كتفها الأيسر لتسقط بين ذراعي والدها الذي أسرع هو ولمياء وعادل للاحتماء خلف هيكل السيارة, في حين اتخذت القوات المرافقة لعادل مواقعهم في المكان, ودار إطلاق نار عنيف بينهم وبين أشخاص لم يتمكنوا من رؤيتهم أو معرفة هويتهم. أما سوزان فقد كانت ترتجف من الخوف بين ذراعي والدها وقد أصيبت بحالة هستيرية بذل الوالد جهدا كبيرا ليخلصها منها. وبينما كان عادل ولمياء منهمكين في إطلاق النار على مصدر إطلاقها من الجهة المقابلة ,شعرت لمياء بشيء ما اخترق صدرها لتكتم صرختها في جوفها, ومن ثم وبهدوء ,وحتى لا تلفت انتباه عادل مما قد يتسبب في تشتيت تفكيره وتعريضه للخطر, تقوم بالتراجع لتستند إلى جدار كان خلفها مباشرة.وما هي إلا لحظات حتى انتهى إطلاق النار فجأة كما بدأ فجأة.وما إن توقف إطلاق النار حتى التفت عادل إلى حيث يجلس عمه وابنة عمه ليسألهما وبلهفة:هل أنتما بخير؟.رد العم بصوت بالكاد كان مسموعا:أجل ,نحن بخير.وبسرعة وإلى حيث جلست لمياء توجه عادل و سأل بقلق:لمياء,هل أنت بخير؟وما إن أمعن النظر قليلا حتى صرخ:يا إلهي,أنت تنزفين!لترد بدورها وبصوت ضعيف لم تخلو نبراته من الأنين:يبدو أن ساعة الرحيل قد حانت .عادل وقد ازداد قلقا وتوترا:ماهذا الكلام يا لمياء؟الأمر بسيط,بإذن الله ستكونين بخير.لمياء:إنهم بانتظاري,أمي ,أبي,عصام,لقد اشتقت إليهم كثيرا.عادل:لا تقولي مثل هذا الكلام فأنا أحتاجك.لمياء:الجزائر تحتاجك يا عادل,اسمعني جيدا,كان علينا أن نكشف معا حقيقة أولئك المجرمين.كان علينا أن نثبت بأنهم ليسوا مسلمين ولا يمتون للإسلام بصلة,فالإسلام أعظم وأسمى من ذلك بكثير,والمسلم لا يمكن أن يقدم على قتل أخيه مهما كانت الظروف والأسباب,سامحني يا عادل, لن أستطيع أن أكمل هذا الطريق معك, ولكن عدني ,عدني بأنك ستبذل ما تستطيع من جهد لتكشف حقيقة هؤلاء المجرمين وتقدمهم للعدالة.عادل محاولا طمأنتها ورافضا لفكرة رحيلها: سأفعل, وستكونين معي.لمياء وقد بدت بأنها على وشك الرحيل:لابد بأنك ستجد من سيكمل هذا الطريق معك , أما أنا فعلي أن أرحل.نظر عادل حوله وهو يصرخ:لا يمكن أن تفعلي هذا بي,أين الأطباء,أين رجال الإسعاف."أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله"نطقت لمياء الشهادتين لتغيب بعدها عن الدنيا .حدق عادل بوجه لمياء للحظات قبل أن يدرك بأنها فارقت الحياة, ليقول وقد أجهش بالبكاء:سأكمل الطريق يا لمياء ,وسأكشف المجرمين,سأثأر لك, ولعصام ,ولأبي ,سأثأر لكم جميعا,سأثأر للجزائر يا لمياء,سأثأر لها بإذن الله.حصل ذلك كله أمام عيني سوزان التي لطالما حلمت أن تكون شاهدة على معركة كهذه لتجعل منها تحقيقا صحفيا رائعا, ولكنها لم تكن تعلم بأن هذه المعركة ستخلف في نفسها جرحا عميقا يصعب التئامه.لقد حاول أولئك المجرمون اختطافها بعد أن هاجموا بيت السيدة سمية بينما كانت هي فيه, حيث أعدموا تلك السيدة وآخرون غيرها أمام عينيها, ولكنها وبفضل الله تمكنت من الهرب منهم .هي لم ترى وجوههم ولا يمكنها التعرف على أحدهم ,ولكنها متأكدة وكما قالت لمياء بأنهم ليسوا مسلمين ولا يمكن أن يكونوا كذلك ,فما ارتكبوه من فظاعات لا يمكن للإسلام أن يقبل به .لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه في أثناء الحروب بالإمتناع عن قتل النساء والأطفال والشيوخ وهم على غير دين الإسلام ,فما بالكم إذا كانوا مسلمين.هذا ما كانت سوزان تحدث به نفسها وهي تراقب ما يجري حولها.وبالرغم من كل ما مرت به, راح عقلها الصحفي يبحث عن عنوان يليق بما شاهدته وسمعته وأحست به في تلك الليلة الدامية,ولم تجد عنوانا أفضل من تلك الكلمات التي باحت بها لها تلك السيدة المدعوة سمية قبل وفاتها."الظلام الدامي",نعم, هي سنوات الظلام الدامي في الجزائر, فمن يقف وراء تلك السنوات الدامية؟ وهل سيقدمون للعدالة في يوم ما؟.سؤال يبقى بحاجة لمن يجيب عليه.
تمت بحمد الله
بقلم:حنان عبدالله