دكتور/ محمد فؤاد منصور
07/16/2011, 08:00 AM
المشعلقات والشعر الحلمنتيشي
من منا لم يعرف المعلقات الشهيرة وتذوق حلاوتها، ومن منا لم يدرس بعضاً منها خلال سني دراسته .. إنها من عيون الشعر العربي في كل زمان ، وكانت دائماً محط رحال الشعراء من كل حدب وصوب منها يتعلمون ويدرسون بل ويعودون إليها كمرجعية أساسية في فن الكتابة الشعرية ..
هذه المعلقات الشهيرة توقف عندها واحد من كبار الأدباء الساخرين في مصر وراح ينظم على غرارها شعراً معارضاً لها وبطريقة فكاهية تستوقف النظر وتعد قراءتها متعة حقيقية ، ذلك هو الأديب الساخر حسين شفيق المصري ، ثم تبعه في هذا الفن كثير من الشعراء والأدباء ونهجوا نهجه ، لكن يظل حسن شفيق المصري هو الأب الشرعي لهذا اللون من النظم وكذلك لنوع آخر من الشعر أسماه الشعر الحلمنتيشي يعارض به القصائد الشهيرة التي ليست من المعلقات ..
ولأن الموضوع قصد منه السخرية والفكاهة فقد وضع حسين شفيق المصري نهجاً أو قواعد لهذا الفن الساخر بأن مزج فيه ألفاظاً عامية دارجة إلى جانب الألفاظ الفصحى بالإضافة إلى أنه لم يحفل كثيراً بضبط الوزن لأنه وجد أن الخروج على الوزن أحياناً يعطي للقصيدة المشعلقة مذاقاً أجمل وأروع في بعض المواطن .. هذا بطبيعة الحال فضلاً عن كسر قواعد اللغة أحياناً بحيث تعطي القصيدة نفساً فكاهياً شديد الروعة ..
وقد كان لي شرف كتابة بعض الأبيات في هذا الفن الجميل نشر لي بعضها في زاويته بجريدة الأخبار القاهرية الساخر العظيم أحمد رجب ، وعندما نشرتها في أحد المنتديات في بداية تعاملي مع العالم الافتراضي لفتت أبياتي نظر الأستاذ الدكتور إلياس عطا الله فزودني في تعليقه على شعري بأبيات رائعة لرائد هذا الفن .. سأوردها هنا لمن أراد أن يتعرف أكثر على هذا الفن الجميل.. وإليكم رسالة الأستاذ الدكتور إلياس عطاالله أستاذ الأدب العربي بجامعة بيروت تعليقاً على إحدى مشعلقاتي....
تحيّاتي للأستاذ الكريم المشعلِق،
أرجو ألاّ أتجنّى، ذلك لأنّني انقطعت عن القراءة النهمة لكلّ ما يكتب، فلا أعرف إن كان أستاذنا قد نشر مشعلقات قبل هذه مشيرا إلى أنّ صاحب المشعلقات الأصليّ هو واحد من كبار الشعراء والصحفيين المصريين؛ حسين شفيق المصريّ المشهور بأبي نواس الجديد (1882- 1948). وكان المصريّ قد عارض المعلّقات العشر بما أسماه المشعلقات، وعارض عيون الشعر العربيّ بما أسماه الشعر الحلمنتيشيّ.
عارض معلّقة ابن كلثوم مرّتين، قال في مشعلقته الأولى، وهي من ستّة عشر بيتًا:
مشعوطة كأنّ السمّ فيها
إذا ما الماء خالطها عمينا
ودار قد سكنت بباب خلق
وأخرى في المواردي وعابدينا
وكان لنا بحارتنا غفير
ينام ونحن طرّا صاحيونا
وشاويش يغيب إذا اعتركنا
ويحضر بعد ما نتصالحونا
...
وأنّا نلبس الجزمات صفرًا
ونقلعهنّ سودا قد بلينا
وأنّا لابسون هدوم خيش
على أبداننا متشرمطينا
وأنّا لم نبع قطنا فضاقت
بنا الدنيا وبتنا مفلسينا
...
إذا بلغ الفطام لنا صبيّ
يموت بحانة سكران طينا
ويقول من الثانية، وهي من اثني عشر بيتا:
ألا غوري بوشّك فارقينا
ولا تبقي العزال فترجعينا
مسلوعة كأن البودره فيها
إذا ما الماء خالطها عجينا
تدلّع في ابنها وتقول توتو
ولست أحبّ من يتدلّعونا
...
قفي قبل التفرّق يا لعينا
أطسّك كم قلم وتصوّتينا
وأضياف لنا دخلوا علينا
وراحوا يشتمون ويلعنونا
صرفت على العزومة ميتَ قرش
وما يدرون ماذا يأكلونا
وقد علمت بيوت في حارتنا
وكلّ جيراننا يتحدّثونا
بأنا الزاعلون إذا رقدنا
وأنا الزاعقون إذا صحينا
وأنّ غدا وأن اليوم طرد
وبعد غد بنا تتمحّكينا
(أبو نواس الجديد، الجزء الأوّل، منشورات: مطبعة أحمد مخيمر بشارع فاروق، د. ت.).
مع خالص تحيّاتي
إلياس عطاالله
من منا لم يعرف المعلقات الشهيرة وتذوق حلاوتها، ومن منا لم يدرس بعضاً منها خلال سني دراسته .. إنها من عيون الشعر العربي في كل زمان ، وكانت دائماً محط رحال الشعراء من كل حدب وصوب منها يتعلمون ويدرسون بل ويعودون إليها كمرجعية أساسية في فن الكتابة الشعرية ..
هذه المعلقات الشهيرة توقف عندها واحد من كبار الأدباء الساخرين في مصر وراح ينظم على غرارها شعراً معارضاً لها وبطريقة فكاهية تستوقف النظر وتعد قراءتها متعة حقيقية ، ذلك هو الأديب الساخر حسين شفيق المصري ، ثم تبعه في هذا الفن كثير من الشعراء والأدباء ونهجوا نهجه ، لكن يظل حسن شفيق المصري هو الأب الشرعي لهذا اللون من النظم وكذلك لنوع آخر من الشعر أسماه الشعر الحلمنتيشي يعارض به القصائد الشهيرة التي ليست من المعلقات ..
ولأن الموضوع قصد منه السخرية والفكاهة فقد وضع حسين شفيق المصري نهجاً أو قواعد لهذا الفن الساخر بأن مزج فيه ألفاظاً عامية دارجة إلى جانب الألفاظ الفصحى بالإضافة إلى أنه لم يحفل كثيراً بضبط الوزن لأنه وجد أن الخروج على الوزن أحياناً يعطي للقصيدة المشعلقة مذاقاً أجمل وأروع في بعض المواطن .. هذا بطبيعة الحال فضلاً عن كسر قواعد اللغة أحياناً بحيث تعطي القصيدة نفساً فكاهياً شديد الروعة ..
وقد كان لي شرف كتابة بعض الأبيات في هذا الفن الجميل نشر لي بعضها في زاويته بجريدة الأخبار القاهرية الساخر العظيم أحمد رجب ، وعندما نشرتها في أحد المنتديات في بداية تعاملي مع العالم الافتراضي لفتت أبياتي نظر الأستاذ الدكتور إلياس عطا الله فزودني في تعليقه على شعري بأبيات رائعة لرائد هذا الفن .. سأوردها هنا لمن أراد أن يتعرف أكثر على هذا الفن الجميل.. وإليكم رسالة الأستاذ الدكتور إلياس عطاالله أستاذ الأدب العربي بجامعة بيروت تعليقاً على إحدى مشعلقاتي....
تحيّاتي للأستاذ الكريم المشعلِق،
أرجو ألاّ أتجنّى، ذلك لأنّني انقطعت عن القراءة النهمة لكلّ ما يكتب، فلا أعرف إن كان أستاذنا قد نشر مشعلقات قبل هذه مشيرا إلى أنّ صاحب المشعلقات الأصليّ هو واحد من كبار الشعراء والصحفيين المصريين؛ حسين شفيق المصريّ المشهور بأبي نواس الجديد (1882- 1948). وكان المصريّ قد عارض المعلّقات العشر بما أسماه المشعلقات، وعارض عيون الشعر العربيّ بما أسماه الشعر الحلمنتيشيّ.
عارض معلّقة ابن كلثوم مرّتين، قال في مشعلقته الأولى، وهي من ستّة عشر بيتًا:
مشعوطة كأنّ السمّ فيها
إذا ما الماء خالطها عمينا
ودار قد سكنت بباب خلق
وأخرى في المواردي وعابدينا
وكان لنا بحارتنا غفير
ينام ونحن طرّا صاحيونا
وشاويش يغيب إذا اعتركنا
ويحضر بعد ما نتصالحونا
...
وأنّا نلبس الجزمات صفرًا
ونقلعهنّ سودا قد بلينا
وأنّا لابسون هدوم خيش
على أبداننا متشرمطينا
وأنّا لم نبع قطنا فضاقت
بنا الدنيا وبتنا مفلسينا
...
إذا بلغ الفطام لنا صبيّ
يموت بحانة سكران طينا
ويقول من الثانية، وهي من اثني عشر بيتا:
ألا غوري بوشّك فارقينا
ولا تبقي العزال فترجعينا
مسلوعة كأن البودره فيها
إذا ما الماء خالطها عجينا
تدلّع في ابنها وتقول توتو
ولست أحبّ من يتدلّعونا
...
قفي قبل التفرّق يا لعينا
أطسّك كم قلم وتصوّتينا
وأضياف لنا دخلوا علينا
وراحوا يشتمون ويلعنونا
صرفت على العزومة ميتَ قرش
وما يدرون ماذا يأكلونا
وقد علمت بيوت في حارتنا
وكلّ جيراننا يتحدّثونا
بأنا الزاعلون إذا رقدنا
وأنا الزاعقون إذا صحينا
وأنّ غدا وأن اليوم طرد
وبعد غد بنا تتمحّكينا
(أبو نواس الجديد، الجزء الأوّل، منشورات: مطبعة أحمد مخيمر بشارع فاروق، د. ت.).
مع خالص تحيّاتي
إلياس عطاالله