اشرف نبوي
07/30/2011, 12:10 PM
الفصل الثالث
كنت قد أنهكت خلال فترة وجود انتصار وأصبت بإرهاق شديد لكني سافرت في نفس اليوم عائداً إلى الإسكندرية ، بعدما وصلت إلى المكتب صباحاً لم أتحمل وسقطتُ على الأرض مغشياً عليَّ.
حين أفقت وجدت نفسي على سرير بالمستشفى وبجواري جلست رنا ، نظرت إلى عينيها كانتا بهما لهفة وقلقاً ، مدت يدها وأمسكت يدي في حنو ، تابعت النظر إلى عينيها شعرت بخجل فسحبت يدها ، لكني لم أفلتها ، ابتسمت رنا وقد توردت وجنتاها ، لم أمكث طويلاً في المستشفى فبعد يومين لم تكن رنا تفارقني فيهما للحظة غادرت المستشفى ، لكن كان قد كتب لعلاقتنا فصل جديد .
بعد خروجي من المستشفى اصطحبتني رنا إلى منزلي ، كانت المرة الأولي التي تدخل فيها بيتي ، شعرت بكم الحنان الذي يملأ قلبها، وبعد أن اطمئنت عليَّ غادرتني ، لكن من بداية لمس يدي ليد رنا بالمستشفى كان عهد العشق قد تم توقيعه بأعيننا.
في الصباح وجدتني اتصل برنا وأدعوها لمقابلتي ، التقيتها قريباً من الكورنيش ، حين عانقت عينيها لمحت فيهما لمعة تلهفت إلى رؤيتها ، توجهنا إلى كافتريا هادئة كانت رنا تخبرني دوماً أنها تفضل الجلوس فيها ، تبسمت ونحن في طريقنا إليها ، حين جلسنا نظرت إلى عينيها طويلاً ، كانت تنظر إليَّ وكأنها تنتظر البوح الذي بدأ يتقافز من قلبي مع دقاته وفاضت أحرفه عبر عيناي ، لم أفكر في أحرفي بل تركت قلبي يتحدث نيابة عني ، لم تقاطعني رنا حتى انتهيت ، صمتت للحظات قبل أن تهمس : أحبك ، وتمنيت أن أشعر بحبك الصادق الذي كنت أنتظره طوال عمري ، لكني أعرف أنك الأستاذ بكل خبرتك وتجاربك ، كنت أخاف أن أكون تجربة عابرة أو أن أكون نزوة ستمر وتمضي ، لهذا رفضت أن تتسرع بالبوح بحبك لي ، كنت أود أن تتـأكد من مشاعرك أولاً ، وأتأكد أنا أيضاً منها ، وقد زاد يقيني يوماً بعد يوم من صدق مشاعرك ، لهذا أنا اليوم أشعر بسعادة ليس لها نهاية ، كنت أستمع إلى رنا وأنا مبهور فرغم صغر سنها إلا أن عقلها الراجح لا يترك لمشاعرها المتأججة العنان بل أنها تتحكم فيها بعقلانية ، يزيد على هذا تمتعها برهافة الحس ودفء المشاعر .
بدأت علاقتنا بهذا البهاء وباعترافنا بمشاعرنا في نفس الوقت ، وفتحت صفحة رائعة في حياتي التي كانت تنحصر بين العمل والبيت دون أن أشعر يوماً بجمال الحياة التي كنت دوماً أتناولها في كتبي وكتاباتي دون أن أعيشها بنفسي وبتفاصيلها التي كنت أتقن الكتابة عنها دون أن أعيش أية لحظة من لحظاتها التي عشتها بعد إحساسي بحبي لرنا وبعد أن صارحتني بمشاعرها تجاهي .
مرت عدة أيام على لقائنا هذا ، كنا خلالها نتواصل تليفونياً عدة مرات في اليوم الواحد أبثها خلالها شوقاً وأستمع منها إلى أرق الكلمات مصاحبة لأعذب وأندي صوت ، صوت رنا الذي كان مجرد سماعه يبهجني ، كانت رنا واحة مزهرة ظهرت بحياتي فغيرت الكثير وبدلت إحساسي بالجمال وبكل ما حولي ، وقد كانت تتسلل إلى كل ركن في حياتي بخفة ورقة وعذوبة ودون أن تشعرني ، وتهتم بأدق تفاصيل حياتي وتحاول أن تشاركني وأن تقترب مني في بساطة ودون أن أشعر بأن تدخلها وقربها عنوة أو تدخل إلزامي ، طلبت مني أن أرتب موعداً للقاء أصدقائي الذين كنت قد تحدثت عنهم معها ، وكانت لا تمل من سردي لقصصي معهم أو لتفاصيل علاقتنا ، طبيعة رنا المتفهمة والراغبة في إقامة جسور من الثقة والتفاهم بيننا كانت تدفعها إلى دراسة كل تفاصيل حياتي ، ومعرفة كل دقائق مكوناتها من أصدقاء واهتمامات وغيرها ، وقد كان هذا من أهم ميزات رنا التي كنت أشعر أنها تستغلها لإقامة ارتباطنا على أسس قوية رغبة منها في استمرار جمال ورقي ارتباطنا وتدعيمه بكل ما يهيء له سبل نجاحه .
حين التقينا جميعاً في بيت رشدي ، أخذ صلاح يكيل المدح لرنا ويمارس هوايته في الدمج بين المزاح والجد ، وهو يعرض عليها خدماته في حال تخليت عنها ، وهي تضحك في خجل ، لكن لم تمر ساعات اللقاء إلا ورنا قد سكنت بقلوبهم جميعاً ، وأشاد الكل بها وتمنوا لنا السعادة ، لكني كنت ألاحظ ونحن جالسين أن ثمة سحابة تمر بها علاقة رشدي وسناء ، لم يكن الأمر بينهما على ما يرام ، وقد نظرتُ إلى ليلى نظرة فهمت منها مقصدي فأماءت وهي تحاول أن تداري ، أما رنا بعد أن غادرنا فقد لامتني على نظرتي إلى ليلى واستفهمت عما دار بيننا ، ضحكت وأنا أرى غيرتها للمرة الأولى ، ثم قلت لها : ألم تلحظي أن رشدي وسناء لم يتشاركا أي حديث طوال جلستنا وأن الحزن كان ظاهراً بأعينهما ، قالت رنا : لاحظت ولكن ما دخل هذا بنظرات ليلى إليك ونظراتك إليها ، ضحكت من جديد وقلت لها: يا أميرتي ! ليلى معي من أكثر من خمسة عشر عاماً ، وهي كأخت لي ، أنا فقط كنت أتأكد مما رأيت ، وقد أجابتني بطرف عينيها أن هناك مشكلة.
كانت رنا تحقق النجاح يوماً بعد يوم ، وتزداد شهرتها مع كل تحقيق صحافي وبدأ اسمها يلمع في سماء الكتابة ، ومع هذا النجاح بدأت الأعين تتطلع إليها ، فكان لابد أن نسارع بإعلان خطبتنا ، وقد اتفقت معها على إقامة حفل بسيط في أحد الفنادق على أن ندعو كل المقربين لنا وزملاءنا في العمل ، وقد كان من رأي رنا أيضاً أن يكون الحفل بسيطاً ، بدأت ليلى في عمل تصميم الدعوات ، وحجز صلاح لنا قاعة بأحد الفنادق وقامت سناء بمصاحبة رنا وإعدادها ليوم حفل الخطوبة ، أما رشدي فقد لازمني طوال الوقت وكان فرحاً سعيداً وهو يساعدني ، حضر الحفل كثير من الزملاء والأصدقاء جميعهم ، ونادية صديقة رنا المقربة ، والتي كانت تكاد تطير فرحاً وهي ترى رنا بجمالها ورونقها وجاذبيتها أجمل النساء في هذا اليوم ، كنت أشعر أن الكل يحسدني على ارتباطي بهذه المرأة التي تقترب من حد الكمال ، جمال وعقل وثقافة ، رقة وعذوبة وأنوثة ، كنت أرى كل النساء في رنا ولم تكن عيني ترى سواها .
وقد مرت الحفلة دون أن ألحظ انشغال رشدي بنادية صديقة رنا ، لكن بعد انتهاء الحفل وجدت رنا تهمس في أذني ونحن نتناول العشاء سوياً متسائلة عن رشدي وسبب اهتمامه الكبير بنادية ، وحين أجبتها بأنني لم ألحظ لأني كنت مشغولاً بها وبجمالها وبتأمل روعتها طوال الحفل ، ابتسمت وهي تداري خجلها وتقول : صدق من أطلق عليك ملك الرومانسية ، أنت إنسان جميل جداً يا أكرم ، دوماً تأسرني بكلامك ، لكن لنعد إلى موضوع رشدي ، لقد لاحظت اهتمام غير عادي منه بنادية ، وقد لاحظت أن سناء انتبهت إلى هذا وكانت غاضبة لكنها حاولت ألا تظهر شيئاً وتجاهلت الموقف ، رغم أني كنت ألمحها تراقبهما بين كل لحظة وأخرى ، قلت لرنا : اتركي كل شيء اليوم ، هذا يومنا الأول مرتبطين ، أود أن نقضيه بدون أن نفكر في شيء سوى أنا وأنتِ ومستقبلنا وحياتنا وكيف سنخطط لها وكيف سنعيشها ، تبسمت رنا في دلال وهي تهمس : اترك كل شيء لأوانه ، قلت : ولكني مشتاق إليكِ من الآن ، قالت : وأنا أكثر منك لكننا اتفقنا ، يجب أن نبني علاقتنا على أسس قوية ونعد أنفسنا لحياتنا لتدوم سعادتنا ، أمضيت ليلتي مع رنا ساهرين ، مستمتع بحديثها العذب وبقربها الذي كان حلماً فأصبح واقعاً.
في الصباح وجدنا صورنا تملأ كل الصحف مع التهنئة من الأصدقاء والزملاء ، اتصلت رنا لتعرف إذا كنت رأيت الصور ، وقد كان صوتها أول ما صافح أذناي في الصباح فكان أجمل شيء أفتح عيناي عليه ، وقد شعرت بعدم رغبتي في الذهاب إلى المكتب ففضلت المكوث في البيت ، ثم اتصلت برنا أدعوها إلى تناول الغداء معي ، فأخبرتني بأن نادية دعتها قبلي ، فقلت لها : إذن اصطحبيها معك وسنتناول معاً الغداء ، لا أدري ما دفعني إلى دعوتها لكن كلمات رنا عن رشدي ونادية ربما كانت السبب ، حين التقيتها هي ورنا شعرت بأنها تشبه رنا في أشياء كثيرة ، وبدا لي أن رشدي ربما وجد فيها ما افتقده في سناء وكان سبب خلافاتهما المستمرة التي كانت لا تلبث أن تبدأ بعد أن تنتهي بأيام أو أشهر قليلة .
بعد عدة أيام وجدت رشدي في مكتبي رحبت به وسألته عن أخباره وأخبار سناء ، رد باقتضاب وهو يتناول قهوته ، شعرت بأن هناك ما يود السؤال عنه ولكنه تردد ، تريثت وأنا أنتظر أن يبدأ هو ، صمت قليلاً ثم قال : ألا توجد عندك أخبار عن انتصار ، قلت له : لقد انقطعت عني أخبارها ، حتى الهاتف الذي أعطتني رقمه مغلق أغلب الوقت ، صمت برهة ثم قال: ورنا ما أخبارها ؟ قلت: بخير ، هل كنت تتصور يا رشدي أن أقابل مثل هذه المرأة ؟ إنها هدية من السماء ، هز رأسه موافقاً وهو يقول : عندك حق ، ثم رفع يده وهو يهرش بحركة عصبية في رأسه وقال : هل عرفتك رنا على نادية ؟ شعرت بأن هذا هو ما أتى برشدي ، تبسمت وأنا أجيبه : طبعاً وقد تناولنا الغداء مع بعضنا منذ عدة أيام ، قال رشدي : هي إنسانة محترمة ورقيقة جداً ، هززت رأسي موافقاً دون أن أتكلم ، أكمل : وهي شخصية ناجحة ومتميزة ، لم أعلق ، أما رشدي فقد قام مستأذناً ، ثم سألني وهو يصافحني : نادية تعمل في نفس الصحيفة مع رنا أليس كذلك ؟ قلت : نعم وأنا أحاول أن أكتم ضحكة كانت توشك على الانطلاق .
جلست أفكر ـ بعدما غادرني رشدي ـ في كلام رنا ، وقد كنت في حيرة ، فعلمي أن رشدي وسناء دوماً على خلاف لكني لم أرَ رشدي قبلاً يتعلق بأحد كما أراه الآن وكأني به في سنوات صداقتنا الأولى شباباً نتلهف على بنات الجامعة ، لهفته وخجله وهو يحاول أن يعرف كل شيء عن نادية دون أن يصرح بهذا كانا مسار دهشتي ، وأنا الذي كنت أظن أني أعرف رشدي جيدا ، اتصلت برنا وقلت لها إن ظنها كان في محله ، وإن رشدي أظهر اليوم اهتماما بنادية وكان يسأل عنها ، وقد كانت دهشتي كبيرة حين أخبرتني رنا أن نادية هي الأخرى بدأت بسؤالها عن رشدي وعلاقته بزوجته وأنها أخبرتها بما تعرفه لكنها كانت هي الأخرى مصابة بدهشة مما حدث ، فهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة في حفل خطوبتنا ، ظللت طوال اليوم أحاول تحليل أو فهم ما يجري لكني لم أفلح ، تركت المكتب وتوجهت إلى بيتي ، وقبل أن أنام تحدثت إلى رنا ليكون آخر شيء أفعله هو سماع صوتها .
في الصباح دون موعد وجدت رنا في مكتبي ، قمت إليها مرحبا ، صافحتني برقة وجلست وهي تهمس : ألن تطلب لي شيئا ، تبسمت وأنا أقول لها : أنتظر أوامر الأميرة ، ضحكت وهي تخفي خجلها وقالت : ومن سيجاريك في الكلام؟ أنت الأستاذ وستظل ، فرددت بسرعة : ليس كلاما ،؟وأقسم أنما هي مشاعري تفيض أحرفا حين أتحدث إليك وحين تعانق عيناي جمالك ورقتك ، قالت : قد تستغرب مجيئي، خاصة أني لم أخبرك ، لكنك وحشتني جدا وأردت أن أراك فأتيت ، لتقل إني مجنونة أو لتقل ما تشاء لكني افتقدتك فأتيت ، نظرت إليها بحب وأنا أبتسم ، قالت : أكرم لقد أمضيت ليلتي أفكر وقد خلصت إلى أنني لن أستطيع العيش بعيدا عنك ، إن حياتي أصبحت مرتبطة بحياتك وبقربي منك ، أنت أصبحت كل أملي وزواجي منك أصبح حلمي الذي أعيش من أجله ، لا تندهش لقد فجر حبك بداخلي ينبوعاً من السعادة لا أستطيع أن أصفها لك ، لكني فقط أحاول أن أنقل لك بعضاً مما أشعر به وليس كل ما أشعر به ، أنا أحبك بصدق يا أكرم ولن أكتفي من حبك ، مددت يدي وأمسكت بيديها وأنا أغمض عيناي وأتمتم شاكرا الله أن منحني هذا الحب وتلك الإنسانة التي أعادت إلى قلبي حياته وإلى حياتي رونقها ، وأضاءت ظلمات عشتها سنينا قبل أن تشرق شمس حبها فوق قلبي .
حين انتصف النهار كنت غارقاً في أوراقي وعملي بعدما غادرتني رنا ، لكن لم أستطع الفكاك من طيفها الذي لازمني وأنا أعمل وكنت أتخيلها واقفة طوال الوقت تنظر إليَّ وأنا أعمل ، وأتخيلها وهي مقبلة مع فنجاني قهوة لنا ، كان ما بيني وبين رنا نوعاً من الكيمياء التي تدهشك حين تحاول الاقتراب منها ، وتعجز عن فهمها أو تفسير كيف أننا ننطق حرفاً واحداً في نفس اللحظة ، وكيف هذا التوافق بين طبيعتها وطبيعتي عاداتها وعاداتي ، الألوان المفضلة ناهيك عن الكتب والذوق في الملابس ، كنت في أحيان كثيرة أجلس مفكراً ومتخوفاً من أن يكون هذا الذي أعيشه حلماً سأصحو منه عما قريب وربما يصدمني الواقع بقسوته ، لكن دفء رنا وحيويتها كانا دوماً الوقود لاستمرار معايشة هذا الحلم الرائع الذي وجدتني بطله مع رنا .
ولأن الأيام لا تصفو لنا دوما فقد تم تكليفي بالسفر لتغطية المؤتمر الدولي لدول الثمانية بسويسرا وكانت أعمال المؤتمر تمتد لمدة أسبوعين ، ورغم أنني كنت من المحظوظين لأني سأقوم بتغطية أكبر حدث اقتصادي في العالم وستكون فرصتي لتحقيق عدة مكاسب على المستوي المهني والشخصي ، إلا أن فكرة ابتعادي عن رنا لمدة أسبوعين كانت ترعبني وأنا الذي تعودت أن ألتقيها يومياً أو يوم بعد يوم ، وأشعر بأن قربها يمدني بالقوة والقدرة على الاستمرارية ، كان الرابط بيني وبين رنا يزداد يوماً بعد يوم ، وكنت حين لا ألتقيها يوماً أشعر بأنني أفتقدها بشدة وأبقى أحادثها تليفونياً إلى وقت متأخر ، لذا كنت في حيرة ، كيف أرفض هذا التكليف وكيف أبتعد عن رنا أسبوعين ؟ وفي خضم حيرتي وأنا أجلس بمكتبي ، وجدت رنا تقتحم عليَّ الحجرة وهي فرحة سعيدة وهي تبارك لي اختياري للسفر ، وفي غمرة دهشتي سألتها: لكن كيف عرفت ؟ غمزت بعينها وهي تقول : وهل تظن أن شيئاً يتعلق بك ممكن ألا أعرفه ، أردفتُ : ولكني ما زلت أفكر ، صاحت رنا وهي مندهشه : تفكر ؟ فقلت لها : أنا لا أستطيع أن أبتعد عنك كل هذه المدة ، ضحكت ضحكتها الأنثوية الرائعة وهي تهمس : ولا أنا أستطيع ، لكنها الظروف وسنقبل تحديها لنا ، لا تتصور كم فرحت لك يا أكرم ، وأظنك ستحقق الكثير فأنت بقلمك الرشيق وقامتك السامقة ستقدم الكثير لنا من خلال ما ستقوم به ، أنا واثقة من هذا ، كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تخرجني من حيرتي وترددي ، ابتسمت رنا وهي ترى علامات الراحة والهدوء على وجهي ، ثم سألتني : ألهذه الدرجة تحبني يا أكرم ؟ فأمسكت بيدها وأنا أضمهما إلى صدري وأقول: بل أكثر بكثير من أي تصور .
كان السفر سريعاً فلم أجد الوقت لتوديع رشدي وسناء وليلى وصلاح إلا تليفونياً ، أما رنا فقد اصطحبتني إلى المطار ، وقبل أن أتركها قالت : لي طلب عندك ، أولاً تعتني بنفسك جيداً وتحذر من البرد ، ثانياً أريدك أن ترسل لي كل يوم رسالة على الميل ، لا أريد أن أحرم منك ومن أحرفك ، توقفت الأحرف بحلقي وغادرتها وشوقي إليها يكاد يقتلني ، طوال رحلتي بالطائرة لم يفارقني طيف رنا ، وحين وصلنا إلى الفندق كان أول شيء فكرت فيه أن أرسل إليها رسالة كما وعدتها بالمطار فكتبت لها :
حبيبتي الغالية! بداية لا أود أن تكون رسائلي هذه رسائل عشق بل هي تأريخ لعلاقتنا الرائعة التي أراها من أجمل ما حدث لي وهي علاقة رائعة لكونها سمت بمشاعرنا وزرعت السعادة بقلوبنا ونمت وأزهرت دون قصد منا سوى ميل قلوبنا وتوافق أرواحنا.
حبيبتي ! أقول هذا لأني أرى أن رسائل عشقي إليك يجب أن تسطر على وجه القمر ، وفوق جبينك وعلى خارطة جسدك الذي أعشق ، رسائل عشقي التي أرغب في بثها لن تتحملها أوراقي ، ولن تستطيع أحرفي أن تنقلها عبر الأثير ، فعشقي لك يا سيدتي وأميرتي الغالية هو عشق الأريج للزهرة ، وحبات المطر للسحاب ، وأجنحة الطير للتحليق ، هو عناق الأحرف للمعاني ، والصدق للأماني ، هو مقاربة الضوء في عين الجمال ، والإبحار عبر بوابات الحلم إلى مدائن الشوق .
بعدما أرسلت رسالتي وارتحت قليلاً ، قمت أتفقد قاعة المؤتمر وأعد لليوم الحافل غداً في افتتاح المؤتمر الذي سيحضره كبار زعماء العالم ، حين عدت إلى غرفتي وفتحت الرسائل وجدت رسالة من رنا قرأتـها أكثر من عشرة مرات وكل مرة تفاجئني بجمال إحساسها وصدق مشاعرها كتبت رنا تقول :
عشقى وحبى وحلمى الأول أقولها لك بملء قلبى أحبك ، أحبك ، وأنت لى كل شىء ، أحبك رجلاً صبوراً حبيباً رقيقاً قلباً كبيراً يحتوينى بالرغم من بعده ، يضمنى ويدفئنى فى لحظات قاسية حتى وإن لم تعلمها فأنت معى فى كل وقت ، فى فرحى وفى حزنى فى كل لحظة أعيشها أتنفس حبك فى هوائى .ألتمس دفئاً من صوتك عندما أشعر به يقول لى اطمئنى أنا بجانبك ، ظللت أحلم بيوم يجمعنى برجل عطوف حنون يحتوينى ويعرف كيف يداوى ما فعله الزمن بى ولم أكن أصدق عندما قابلتك بأن رجلاً مثلك سيحب فتاة بسيطة مثلى ، رجل يحمل فى قلبه الرقة والحب والطيبة ويتمنى أن يملأ حياة من يحبها بهم ، كنت فى غاية سعادتى عندما كنت أتحدث معك كل يوم ، وينتابنى شعور غريب بالراحة والسكينة إليك ، أحبك ولم أعرف معنى الحب إلا معك فستظل أول وآخر رجل أعطيه قلبى وأنا راضية مطمئنة عليه معك ، أحبك فهل تدرك معناها بالنسبة إليَّ ؟ إن لم تكن تشعر بها فستعرف معناها قريباً ، أحببتك ولن أحب سواك ولن أعيش أيامي إلا معك ، أحبك ولن أرتضي بسواك.
وختاماً سأكتب نصف الشهادة وأنت لك النصف الآخر فإنها تجمعنا فى كل مرة نقولها فلا تنفع الشهادة بنصفها الأول فقط ولن أعيش أنا إلا بنصفى الآخر
لا إله إلا الله
أحبك كثيراً وأحتاجك قلباً رقيقاً يحتوينى
كانت تلك كلمات رنا التي شعرت بنشوى تملكتني وأغمضت عيناي وأنا أحاول أن أتخيل مستقبل علاقتنا أنا ورنا واليوم الذي سيجمعنا في بيت واحد ويتحقق حلمي ، وحلمها في القرب والسعادة التي يتمناها كل منا للآخر قمت بالاتصال برنا وأتى صوتها دافئاً لكن به القليل من الشجن ، حاولتْ إخفاءه وهي تطمئن عليَّ وتطمئنني على نفسها وتتمنى لي التوفيق ، بعدما انتهت المكالمة وجدتني استسلم للنوم .
في صباح اليوم التالي قمت مبكرا وقد تملكني النشاط وأنا أستعد لأول أيام العمل الجاد ، لكنني لم أنسَ وعدي لرنا فقمت بسطر رسالة إلى رنا على الميل قلت فيها :
حبك يا سيدتي هو ميلاد وموعد مع السعادة ، طوق نجاة لقلب عاش ينتظر البشارة ، لقلب كان يحتضر حتى أظلته رحمة ربه بترياق حبك ليتعافى وينطلق في مشوار السعادة التي سيحياها من جديد بصحبة قلبك الذي يشع نوراً ويفيض جمالاً ، ويستضيء من روعة رقتك ودفء مشاعرك ، ليواصل رحلة حبه التي أعادت إليه الحياة.
لأول مرة تقف أحرفي عاجزة عن إخراج مكنون نفسي ، واقفاً متأملاً ذاتي وهي تعيش أحلى اللحظات وأنا أفكر فيك وأنا أتخيل حياتي معك وبك ، مررت بالكثير من الظروف والتجارب التي كانت تمر دون أن تترك أي أثر ، ثم أتيت أنت بإشراقتك التي أطلت لتملأ حياتي سعادة وتضفي عليها الكثير من البهاء والدفء وتنير جنباتها التي ظننت أنها ستظل معتمة ، فإذا بك تعطرين أركان حياتي بمشاعرك التي فاضت كنهر رقراق أعاد الحياة إلى قلبي.
أنهيت رسالتي وقمت أستعد لبدء عملي ، كانت الجلسة الافتتاحية هادئة وكلمات الرؤساء بسيطة وترحيبية واقتصرت الجلسة الأولى على عدة ساعات عدنا بعدها إلى الفندق ننتظر لنتابع الجلسة الرئيسية .
في المساء حين وصلت إلى حجرتي وقبل أن أطلب الطعام طالعت رسائلي فوجدت رداً من رنا ، أسعدني كل حرف من حروفه ، وجلست أعيد قراءتها كما فعلت في رسالتها الأولى ، كتبت رنا :
حبيبى الذى لم أحب غيره ولم ولن أتمنى سواه أريد أن أكتب لك اليوم فقط لتعرف أننى لم أعرف معنى الحب والسعادة إلا معك لم أبكِ على شيء سوى بعدك واحتياجى إليك ولهفتى وشوقى إلى رؤيتك ، أحتاج إليك قلباً حنوناً ، يداً تداوى الكثير من الألم، قلباً يشعرنى بأنى لا زلت أحيا دنياى الرقيقة التى لا أعرف فيها معاني الكراهية أحببتك قبلاً لحبك الكبير ولكنى الآن أحب كل تفاصيل حياتى معك منذ أول لحظة فى يومى حتى تغمض عينيك وأنا بجانبك أنظر إلى طيفك ، فأنا لا أستطيع النوم وسأظل أنظر إليك حتى أتاكد أنك بالفعل هنا بجانبى تحتضننى تملأ الكون عليَّ بطيبتك وحنانك وروعة حبك وحلمك .
( حبيبى) والتى لم أعرف معناها وكيف تقال إلا معك ، سأظل أحبك ما حييت حتى وإن فرقتنا الدنيا فستظل أنت كل ما تمنيت وكل ما عشت لأجله لم أكن أعرف الحب ولا سبباً لحياتى إلا بعد أن عرفتك ، عرفت أنى وجدت فى هذه الدنيا لأجلك لتملأ حياتى بك وأملأ دنياك بحبى ، أتمنى لو أستطيع أن أعطيك عمرى وكل ما أملك لكى تعرف أنى أحبك بصدق ، أحبك وأعرف قدر حبك لى ولكني سعيدة بك وبنفسى بعد أن عرفت أنى لا أستطيع العيش بدونك لن أقول مثلك أحبك وكفى فحبى لن يكفيك ، ولا أستطيع أن أقول أن ذلك يكفى فأنت تستحق الكثير على ما وهبتنى من عطف وحب وحنان تمنيته.
أحبك فارسى ، أحبك حياتى وعمرى وأنت لى الآن كل شيء لا أستطيع أن أكتب أكثر فبداخلى الكثير لك أتمنى لو أعطيه لك من غير كلمات ، أحبك وإن كانت صغيرة فهى الوحيدة التى أستطيع أن أقولها لك ، أحبك ولا يكفيك الحب والعمر يا كل ما تمنيت ، أحبك عقلاً وقلباً ، روحاً وجسداً ، أحبك وإن كان حبى يملأ الكون فلن يوفيك حقك عليَّ ، أعشقك وإن كان العشق أكبر من الحب وتعداه فعشقى لك لن ينتهى ، لى عندك قلب أخذته ولن أستطيع استرداده ، فقد ملك الدنيا بك ولن أستطيع أن أحرمه من الحياة لديك ، اللهم اجمعنى به فى رضاك وتحت ظلك ولا تفرقنا ما حيينا .
أحبك ولن أكتفي
كانت جملتها الأخيرة من الجمال بمكان حتي أنني جلست أتعجب من كيفية صياغتها بهذا الجمال وتلك الرقة ، كان ما بيننا أنا ورنا قد تعدى حالات الهيام والعشق وقفز فوق سور الحب وسطر فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات الإنسانية بمشاعر لم تعش من قبل وروعة لم توصف يوماً أو تستطيع أية مفردات أن تفيها حقها ، جلست أحاول أن استجمع أحرفي كي أسطر رداً على رسالتها لكنني وقفت كثيراً وأنا استشعر عجزي عن مجاراة هذا الإحساس الراقي الذي أتى بتلك الكلمات الأكثر من رائعة ، ثم أخيراً وجدتني أبدأ في سطر أحرفي إليها فكتبت :
كلمة أحبك أصبحت لا تمثل شيئاً من قدر المشاعر التي أكنها لكِ ، وأحسبها بسيطة وقليلة على وصف مشاعري تجاهك، ، أتمني لو وفقنا الله لإتمام ارتباطنا ، ولأني أعرف أن قدر الله به من الرحمة والإكرام لعباده ما يتسع لنا ولغيرنا ، فأنا أطمع في توفيق الله وكرمه ، أنا راض عن نفسي وعن صدق علاقتي بك وسعيد بمشاعرك التي لم أصادف أصدق و لا أجمل منها ، حبيبتي لم يعد طيفك يفارقني للحظة وأصبحت لا أعرف كيف أحدث حبك كل هذا التغيير في ذاتي وكيف لم أعش تلك المشاعر طوال حياتي ، وكيف كنت أكتب طوال الوقت عن المشاعر وروعة الحب وأنا لم أعشها بعد ، حتي أنني توقفت الآن عن الكتابة لألتقط أنفاسي وأحاول أن أكتب من جديد عن الحب الذي عرفته بين يديك ، والذي عرفته معك فقط ، الحب الذي يعبر الأزمنة والمسافات ويلقي بظلاله على القلوب ، الحب الذي ينمو كل لحظة دون توقف ودون أن يكون وراءه أية منفعة أو هدف إنما هو سامٍ في ذاته راق في سموه مهما حاولت سطر أي حرف فسيبقى ما بداخلي أكبر وأعظم من أي وصف أو حرف ومهما حاولت أن أعبر لك عما بداخلي فلن أفلح وكأني أحاول إخراج مارد من ثقب إبرة.
بقي أن أقول لكِ أنكِ نسيج متفرد ، أنثى بحالة خاصة ، تقترب من درجات الكمال ، وتنفرد بكونها الأكثر دفئاً وصدقاً وحباً ، وأنا إذ أعشق كل مفرداتك وأعايش رقتك وجمالك كل لحظة إلا أن شوقي إليك وإلى الجلوس بين يديك والنظر في عينيك يكاد يقتلني ، أحلم بك وبلقائنا كل لحظة ، لن أزيد ، فلو بقيت أكتب ما انتهت أحرفي وما زاد إلا شوقي مع كل حرف أسطره ، فقط أقول لك أنك أجمل ما حدث لي من يوم خلقت وأرق ما صادفني وأحب من عرفت .
أنهيت رسالتي ونزلت من فوري إلى قاعة المؤتمر ، كانت الوفود حاضرة جميعاً وكان الزحام شديداً والإجراءات الأمنية مشددة ، وعقدت أولى جلسات العمل وكنت حاضراً أتابع فاعليات المؤتمر وأنا منصت ومسجل لكل الأحداث الهامة فيه ، وتتابعت النقاشات وتتالت الكلمات وقد شعرت بأن هذا المؤتمر لأول مرة سيقدم شيئا للدول الفقيرة أو بمعني آخر سيكون له نصيب من النجاح على المستوى الدولي وهذا سينعكس بالتالي على نجاح عملي ونجاح الصحيفة ، فزاد هذا من إحساسي بالسعادة التي كنت استشعرها بعد قرائتي لأحرف رنا ، لكن على جانب آخر كان يتردد في كواليس المؤتمر أخبار عن وجود إرهابيين وتهديدات وصلت إلى منظمي المؤتمر ، وقد كان لهذا أثر سيء على فاعليات المؤتمر والتي كانت خاضعة لكثافة أمنية واستخبارتية أشعرتني بالضيق والملل ، لكنني بعد انتهاء الجلسة سارعت لإرسال تغطية كاملة للصحيفة عن فاعليات واجتماعات اليوم الأول وبعد انتهائي بدأت في تصفح الميل الخاص لأجد رسالة من رنا كانت قصيرة لكنها كانت تفوح حباً وعشقاً ، كتبت رنا :
أحبك ولن أكتفي سأظل أقولها لك
حبيبى وملكى ومولاى وكل أملى فى الحياة
أحبك ولن أكتفي بالأيام الباقية بعمرى فقط لأعطيها لك
أحبك ولن أكتفي بحضنى فقط ليحتويك
أحبك ولن أكتفي
وإن كنت قد اكتفيت بحبك عن كل شىء
اكتفيت من دنيتى وأهلى وحياتى بك
اكتفيت بقلبك عن حياتى فسلمتك كل حياتى وقلبى
أحبك وإن كانت صغيرة صامتة عن قول ما بداخلى
فقد اكتفيت من بعدك ومن بعدى
هذه رسالتى الثالثة أكتبها بعد انتصاف ليل الإسكندرية بنصف ساعة أيقظنى قلبى لأكتبها بالرغم من أنه لا ينام ، ولكن أردت أن أقول لك فقط أنى أعشقك وأعشق يوم عرفتنى ويوم ولدت لأنى قابلتك بعده.
أختم رسالتى إليك بما سأظل أقوله وأوصف به ما بداخلى
أعشقك ولم ولن أكتفي
كانت كلمات رنا الرقيقة والدافئة دافعاً ومعيناً لي كي أتحمل بعدي عنها ، وكانت أحرفها تفجر بداخلي أجمل المشاعر وأجدني راغباً في استخراج مكنون نفسي التي تجيش بالحب بعدما تصافح عين أحرفها المفعمة صدقاً ، فأبدأ في سطر كل مشاعري كلمات في رسالة لرنا أبثها فيها بعضاً من شوقي إليها فكتبت :
لأميرتي الصغيرة أكتب ، وأنا الذي كان الحرف طوع بناني ، اليوم لا يستطيع حرفي أن يعبر ولو عن قليل مما بداخلي ، تغيرت الخارطة بداخلي والاتجاهات صارت كلها شمالية جهتك أنت ، معطرة بعطرك أنت ، وموشومة بصورتك أنت ، أيتها الغالية ، يا حوريتي النائمة في أعماق القلب ، والمتدثرة بمشاعري التي عانقت بدفئها رقتك .
تحملين دوماً البشارة ، وتنثرين عبيرك فوق قلبي بأحرفك التي تقطر عذوبة ، أتمنى لو أحيل قلمي ريشة ترسم عينيك وبسمة ثغرك بأحرفي ، وتكتب حبي كما أحسه لا كما تصوره الأحرف بعجز ، يا من غرست بقلبي بذور الحب وسقتها بماء الصدق ورعتها بحنانها وأدفئتها بقلبها، أعشقك ، وأتمنى لو أحتويك بحضني ، وأسافر بك عبر مدن الحلم إلى آخر بلاد العالم ، لأخبر الجميع بحبي لك ، وأبتعد بك ، لأعيشك أنا ، وأسعدك أنا ، وأحملك فوق حلمي أنا ، أحبك ولن أكتفي من حبك ولن أكتفي بحبك لأني أعشق قربك ولأني أريد أن ألتحفك في الصيف وأفترشك شتاء فأنت أرضي وسماءي وأنت حلمي الذي تحقق بعد طول انتظار .
أنهيت رسالتي وأسلمت نفسي للنوم ، وقد كنت مرهقاً من عناء اليوم وكنت أعرف أن الغد يحمل الكثير ، وسيكون هناك لقاءات ثناءية يجب أن يتم متابعتها واحداً تلو الآخر ، ولقاءات كثيرة تم ترتيبها لنا مع كل رؤساء البعثات ، لذا لم أشعر إلا والباب يطرق حيث كنت طلبت منهم أن يوقظوني لأصلي الفجر ، قمت وبعد أن اغتسلت وصليت ، جلست أتلو بعض القرآن ، وبدأت في تحضير أغراضي ونزلت إلى بهو الفندق الذي كنا نقيم فيه ، تناولت قهوتي ثم توجهت إلى أولى القاعات التي كان سيعقد فيها اللقاء الأول لمناقشة خطة العمل التي طرحت من قبل أحد الوفود ، لم تكن الجلسة طويلة ، بعدها انتقلنا إلى القاعة الرئيسية التي كانت مخصصة لالتقاء رئيس الولايات المتحده بالرئيس الروسي ، وقد كانت إجراءات التفتيش والأمن قاسية جدا حتى أن بعض الصحافيين قد ضاق ذرعاً بها وحدثت عدة مشادات ، تدخل على أثرها الأمن الرئاسي وممثلو وزارة الخارجية ، وبعد أن تم تسوية الأمر بعدما وعدنا كصحافيين باستثنائنا من تلك الإجراءات وتسهيل الأمر علينا .
بعد استراحة الغداء توجهنا جميعاً إلى القاعة الصغرى التي كانت ستضم فاعليات الندوة المشتركة بين دول الشمال والجنوب والتي كانت ملقاة على هامش هذا المؤتمر ، ورغم ذلك فقد كان الحضور لهذه الندوة كثيفاً نظراً لأهمية ما ستتمخض عنه من قرارات وأيضاً لمشاركة وفود عدة في تلك الندوة ، وبدأت الفاعليات هادئة ومنظمة ، لكن فجأة سمعنا دوي انفجار في نهاية القاعة ، تبعه تدخل مكثف لرجال الأمن ، لكن الانفجار تبعه آخر أكثر شدة ، كان آخر شيء سمعته ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك .
حين أفقت وجدتني ممدداً على سرير في أحد المستشفيات ، وبجواري أحد الزملاء ، والذي عرفني إلى نفسه :عدنان صالح صحافي عراقي ، أشرت إليه أحييه وأنا أتم تعرفي بنفسي : أكرم فوزي صحافي مصري ، ضحك وهو يقول : غني عن التعريف يا أستاذ أكرم ، تحدثنا قليلاً وكانت إصابته أخف ، فحكى لي أن الانفجار الثاني الذي كان شديداً قد أوقع حائطاً مشيداً وقد تطايرت بعض الكراسي أفقدت البعض الوعي أعتقد أن هذا ما حدث لك ، وجدتني أتذكر انتصار فقلت له : أتعرف الكاتبة انتصار الأنباري ؟ فهز رأسه في أسى وهو يقول : ومن كان لا يعرف انتصار ؟ لقد كانت من أروع النساء اللاتي قابلتهن ، لقد كانت حالة خاصة ونادرة ، استوقفته وأنا أتساءل لمَ يقول كانت ، دمعت عيناه وهو يقول : ألم تعرف بموتها ؟ لقد وافتها المنية منذ أسبوع لقد كانت مصابة بالسرطان ، وقع كلامه على رأسي كالمطرقة ، كنت أعرف أنها مريضة ولكن لم أتصور أن يفترسها الموت بسرعة هكذا وأنا الذي أتذكرها وهي معنا وكأنه أمس ، انفجرت باكياً وقلبي يعتصره الحزن على رفيقة عمر ، وتوأم روح ، كانت انتصار بكل ما بيننا من ذكريات صخرة شامخة ، ورغم علمي بمرضها إلا أنني لم أتصور يوماً أنني سأفقد هذا الكيان الرائع ، انتابتني حالة من الحزن الشديد ، الذي صاحبه بكاء شديد ، همس عدنان بعدما رأى حالتي : يبدو أنك كنت تعرفها جداً ، أجبته وأنا لا أكاد أتمالك نفسي : لقد كانت أقرب لي مما تتصور ، كانت صديقة مقربة ورفيقة درب .
قبل أن نسترسل في حديثنا أتى الطبيب وأخبرنا بأن الإصابات بسيطة وهي نتيجة لشظايا الانفجار ، ثم أخبرنا بأننا سنمكث عدة أيام لنغادر بعدها بعد إجراء الفحوصات والأشعة اللازمة ، طلبت من الطبيب أن يسمح لي باستعمال هاتفي فأحضره لي ، حين أطل صوت رنا باكياً على الطرف الآخر ، أدركت كم تسببت لها من حزن ، ضحكت ودموعها تنساب فرحة وهي تتحدث بسرعة متسائلة عن كل شيء ، صمتُّ قليلاً ثم أجبتها بكلمة واحدة : وحشتيني يا رنا ، فأتى صمتها على الطرف الآخر برهة ، ثم سألتني : ما بك ؟ صوتك حزين ، فأجبتها : وقد عادت الدموع تترقرق في عيناي : لقد رحلت انتصار عن دنيانا يا رنا ، صمتت رنا قليلاً قبل أن تهمس : البقاء لله ، ادعُ لها يا أكرم ، ليتني كنت بجوارك الآن يا حبيبي ، ثم تنهدت وهي تهمس : متى ستعود ؟ لقد اشتقت إلى حضن عينيك .
بعدما خرجت من المستشفى لملمت أوراقي وأفلت عائداً إلى الوطن ، كانت رنا في انتظاري بالمطار ، احتضنتني عيناها بكل حب واصطحبتني وهي تتأبط ذراعي بفرحة طفولية كانت تتقافز من عينيها طوال طريق عودتنا من المطار إلى البيت ، حين دلفنا من الباب ، فاجئتني رنا وارتمت في حضني وهي تبكي وألقت برأسها فوق كتفي ، أخذتها بين ذراعيَّ وضممتها إلى صدري وأنا أحاول تهدئتها ، بعد أن هدأت قليلاً جلست أمامي وهي تقول : ماذا كنت تنوي ؟ هل كنت تنوي الرحيل عن هذا العالم وتتركني وحيدة ؟ يا أكرم أنا لا عيش لي بعدك في هذا العالم ، أنت عالمي ودنيتي ، لقد كدت أجن حين سمعت ما حدث ، وحاولت الاتصال بك ولم ترد ، لقد مرت عدة ساعات كانت الأسوء في حياتي حتى سمعت صوتك . تبسمت وأنا أنظر إلى الحب في عين رنا ، ثم قلت لها أما آن الأوان كي نجتمع في بيت واحد ، أطرقت إلى الأرض ، فأكملت : هل هذه موافقة ؟ رفعت رأسها وأتت بايمائة رقيقة ، فقمت إليها وقبلت رأسها وأنا أقول : ليكن زفافنا بعد شهر من الآن ، تبسمت وهزت رأسها موافقة .
كنت قد أنهكت خلال فترة وجود انتصار وأصبت بإرهاق شديد لكني سافرت في نفس اليوم عائداً إلى الإسكندرية ، بعدما وصلت إلى المكتب صباحاً لم أتحمل وسقطتُ على الأرض مغشياً عليَّ.
حين أفقت وجدت نفسي على سرير بالمستشفى وبجواري جلست رنا ، نظرت إلى عينيها كانتا بهما لهفة وقلقاً ، مدت يدها وأمسكت يدي في حنو ، تابعت النظر إلى عينيها شعرت بخجل فسحبت يدها ، لكني لم أفلتها ، ابتسمت رنا وقد توردت وجنتاها ، لم أمكث طويلاً في المستشفى فبعد يومين لم تكن رنا تفارقني فيهما للحظة غادرت المستشفى ، لكن كان قد كتب لعلاقتنا فصل جديد .
بعد خروجي من المستشفى اصطحبتني رنا إلى منزلي ، كانت المرة الأولي التي تدخل فيها بيتي ، شعرت بكم الحنان الذي يملأ قلبها، وبعد أن اطمئنت عليَّ غادرتني ، لكن من بداية لمس يدي ليد رنا بالمستشفى كان عهد العشق قد تم توقيعه بأعيننا.
في الصباح وجدتني اتصل برنا وأدعوها لمقابلتي ، التقيتها قريباً من الكورنيش ، حين عانقت عينيها لمحت فيهما لمعة تلهفت إلى رؤيتها ، توجهنا إلى كافتريا هادئة كانت رنا تخبرني دوماً أنها تفضل الجلوس فيها ، تبسمت ونحن في طريقنا إليها ، حين جلسنا نظرت إلى عينيها طويلاً ، كانت تنظر إليَّ وكأنها تنتظر البوح الذي بدأ يتقافز من قلبي مع دقاته وفاضت أحرفه عبر عيناي ، لم أفكر في أحرفي بل تركت قلبي يتحدث نيابة عني ، لم تقاطعني رنا حتى انتهيت ، صمتت للحظات قبل أن تهمس : أحبك ، وتمنيت أن أشعر بحبك الصادق الذي كنت أنتظره طوال عمري ، لكني أعرف أنك الأستاذ بكل خبرتك وتجاربك ، كنت أخاف أن أكون تجربة عابرة أو أن أكون نزوة ستمر وتمضي ، لهذا رفضت أن تتسرع بالبوح بحبك لي ، كنت أود أن تتـأكد من مشاعرك أولاً ، وأتأكد أنا أيضاً منها ، وقد زاد يقيني يوماً بعد يوم من صدق مشاعرك ، لهذا أنا اليوم أشعر بسعادة ليس لها نهاية ، كنت أستمع إلى رنا وأنا مبهور فرغم صغر سنها إلا أن عقلها الراجح لا يترك لمشاعرها المتأججة العنان بل أنها تتحكم فيها بعقلانية ، يزيد على هذا تمتعها برهافة الحس ودفء المشاعر .
بدأت علاقتنا بهذا البهاء وباعترافنا بمشاعرنا في نفس الوقت ، وفتحت صفحة رائعة في حياتي التي كانت تنحصر بين العمل والبيت دون أن أشعر يوماً بجمال الحياة التي كنت دوماً أتناولها في كتبي وكتاباتي دون أن أعيشها بنفسي وبتفاصيلها التي كنت أتقن الكتابة عنها دون أن أعيش أية لحظة من لحظاتها التي عشتها بعد إحساسي بحبي لرنا وبعد أن صارحتني بمشاعرها تجاهي .
مرت عدة أيام على لقائنا هذا ، كنا خلالها نتواصل تليفونياً عدة مرات في اليوم الواحد أبثها خلالها شوقاً وأستمع منها إلى أرق الكلمات مصاحبة لأعذب وأندي صوت ، صوت رنا الذي كان مجرد سماعه يبهجني ، كانت رنا واحة مزهرة ظهرت بحياتي فغيرت الكثير وبدلت إحساسي بالجمال وبكل ما حولي ، وقد كانت تتسلل إلى كل ركن في حياتي بخفة ورقة وعذوبة ودون أن تشعرني ، وتهتم بأدق تفاصيل حياتي وتحاول أن تشاركني وأن تقترب مني في بساطة ودون أن أشعر بأن تدخلها وقربها عنوة أو تدخل إلزامي ، طلبت مني أن أرتب موعداً للقاء أصدقائي الذين كنت قد تحدثت عنهم معها ، وكانت لا تمل من سردي لقصصي معهم أو لتفاصيل علاقتنا ، طبيعة رنا المتفهمة والراغبة في إقامة جسور من الثقة والتفاهم بيننا كانت تدفعها إلى دراسة كل تفاصيل حياتي ، ومعرفة كل دقائق مكوناتها من أصدقاء واهتمامات وغيرها ، وقد كان هذا من أهم ميزات رنا التي كنت أشعر أنها تستغلها لإقامة ارتباطنا على أسس قوية رغبة منها في استمرار جمال ورقي ارتباطنا وتدعيمه بكل ما يهيء له سبل نجاحه .
حين التقينا جميعاً في بيت رشدي ، أخذ صلاح يكيل المدح لرنا ويمارس هوايته في الدمج بين المزاح والجد ، وهو يعرض عليها خدماته في حال تخليت عنها ، وهي تضحك في خجل ، لكن لم تمر ساعات اللقاء إلا ورنا قد سكنت بقلوبهم جميعاً ، وأشاد الكل بها وتمنوا لنا السعادة ، لكني كنت ألاحظ ونحن جالسين أن ثمة سحابة تمر بها علاقة رشدي وسناء ، لم يكن الأمر بينهما على ما يرام ، وقد نظرتُ إلى ليلى نظرة فهمت منها مقصدي فأماءت وهي تحاول أن تداري ، أما رنا بعد أن غادرنا فقد لامتني على نظرتي إلى ليلى واستفهمت عما دار بيننا ، ضحكت وأنا أرى غيرتها للمرة الأولى ، ثم قلت لها : ألم تلحظي أن رشدي وسناء لم يتشاركا أي حديث طوال جلستنا وأن الحزن كان ظاهراً بأعينهما ، قالت رنا : لاحظت ولكن ما دخل هذا بنظرات ليلى إليك ونظراتك إليها ، ضحكت من جديد وقلت لها: يا أميرتي ! ليلى معي من أكثر من خمسة عشر عاماً ، وهي كأخت لي ، أنا فقط كنت أتأكد مما رأيت ، وقد أجابتني بطرف عينيها أن هناك مشكلة.
كانت رنا تحقق النجاح يوماً بعد يوم ، وتزداد شهرتها مع كل تحقيق صحافي وبدأ اسمها يلمع في سماء الكتابة ، ومع هذا النجاح بدأت الأعين تتطلع إليها ، فكان لابد أن نسارع بإعلان خطبتنا ، وقد اتفقت معها على إقامة حفل بسيط في أحد الفنادق على أن ندعو كل المقربين لنا وزملاءنا في العمل ، وقد كان من رأي رنا أيضاً أن يكون الحفل بسيطاً ، بدأت ليلى في عمل تصميم الدعوات ، وحجز صلاح لنا قاعة بأحد الفنادق وقامت سناء بمصاحبة رنا وإعدادها ليوم حفل الخطوبة ، أما رشدي فقد لازمني طوال الوقت وكان فرحاً سعيداً وهو يساعدني ، حضر الحفل كثير من الزملاء والأصدقاء جميعهم ، ونادية صديقة رنا المقربة ، والتي كانت تكاد تطير فرحاً وهي ترى رنا بجمالها ورونقها وجاذبيتها أجمل النساء في هذا اليوم ، كنت أشعر أن الكل يحسدني على ارتباطي بهذه المرأة التي تقترب من حد الكمال ، جمال وعقل وثقافة ، رقة وعذوبة وأنوثة ، كنت أرى كل النساء في رنا ولم تكن عيني ترى سواها .
وقد مرت الحفلة دون أن ألحظ انشغال رشدي بنادية صديقة رنا ، لكن بعد انتهاء الحفل وجدت رنا تهمس في أذني ونحن نتناول العشاء سوياً متسائلة عن رشدي وسبب اهتمامه الكبير بنادية ، وحين أجبتها بأنني لم ألحظ لأني كنت مشغولاً بها وبجمالها وبتأمل روعتها طوال الحفل ، ابتسمت وهي تداري خجلها وتقول : صدق من أطلق عليك ملك الرومانسية ، أنت إنسان جميل جداً يا أكرم ، دوماً تأسرني بكلامك ، لكن لنعد إلى موضوع رشدي ، لقد لاحظت اهتمام غير عادي منه بنادية ، وقد لاحظت أن سناء انتبهت إلى هذا وكانت غاضبة لكنها حاولت ألا تظهر شيئاً وتجاهلت الموقف ، رغم أني كنت ألمحها تراقبهما بين كل لحظة وأخرى ، قلت لرنا : اتركي كل شيء اليوم ، هذا يومنا الأول مرتبطين ، أود أن نقضيه بدون أن نفكر في شيء سوى أنا وأنتِ ومستقبلنا وحياتنا وكيف سنخطط لها وكيف سنعيشها ، تبسمت رنا في دلال وهي تهمس : اترك كل شيء لأوانه ، قلت : ولكني مشتاق إليكِ من الآن ، قالت : وأنا أكثر منك لكننا اتفقنا ، يجب أن نبني علاقتنا على أسس قوية ونعد أنفسنا لحياتنا لتدوم سعادتنا ، أمضيت ليلتي مع رنا ساهرين ، مستمتع بحديثها العذب وبقربها الذي كان حلماً فأصبح واقعاً.
في الصباح وجدنا صورنا تملأ كل الصحف مع التهنئة من الأصدقاء والزملاء ، اتصلت رنا لتعرف إذا كنت رأيت الصور ، وقد كان صوتها أول ما صافح أذناي في الصباح فكان أجمل شيء أفتح عيناي عليه ، وقد شعرت بعدم رغبتي في الذهاب إلى المكتب ففضلت المكوث في البيت ، ثم اتصلت برنا أدعوها إلى تناول الغداء معي ، فأخبرتني بأن نادية دعتها قبلي ، فقلت لها : إذن اصطحبيها معك وسنتناول معاً الغداء ، لا أدري ما دفعني إلى دعوتها لكن كلمات رنا عن رشدي ونادية ربما كانت السبب ، حين التقيتها هي ورنا شعرت بأنها تشبه رنا في أشياء كثيرة ، وبدا لي أن رشدي ربما وجد فيها ما افتقده في سناء وكان سبب خلافاتهما المستمرة التي كانت لا تلبث أن تبدأ بعد أن تنتهي بأيام أو أشهر قليلة .
بعد عدة أيام وجدت رشدي في مكتبي رحبت به وسألته عن أخباره وأخبار سناء ، رد باقتضاب وهو يتناول قهوته ، شعرت بأن هناك ما يود السؤال عنه ولكنه تردد ، تريثت وأنا أنتظر أن يبدأ هو ، صمت قليلاً ثم قال : ألا توجد عندك أخبار عن انتصار ، قلت له : لقد انقطعت عني أخبارها ، حتى الهاتف الذي أعطتني رقمه مغلق أغلب الوقت ، صمت برهة ثم قال: ورنا ما أخبارها ؟ قلت: بخير ، هل كنت تتصور يا رشدي أن أقابل مثل هذه المرأة ؟ إنها هدية من السماء ، هز رأسه موافقاً وهو يقول : عندك حق ، ثم رفع يده وهو يهرش بحركة عصبية في رأسه وقال : هل عرفتك رنا على نادية ؟ شعرت بأن هذا هو ما أتى برشدي ، تبسمت وأنا أجيبه : طبعاً وقد تناولنا الغداء مع بعضنا منذ عدة أيام ، قال رشدي : هي إنسانة محترمة ورقيقة جداً ، هززت رأسي موافقاً دون أن أتكلم ، أكمل : وهي شخصية ناجحة ومتميزة ، لم أعلق ، أما رشدي فقد قام مستأذناً ، ثم سألني وهو يصافحني : نادية تعمل في نفس الصحيفة مع رنا أليس كذلك ؟ قلت : نعم وأنا أحاول أن أكتم ضحكة كانت توشك على الانطلاق .
جلست أفكر ـ بعدما غادرني رشدي ـ في كلام رنا ، وقد كنت في حيرة ، فعلمي أن رشدي وسناء دوماً على خلاف لكني لم أرَ رشدي قبلاً يتعلق بأحد كما أراه الآن وكأني به في سنوات صداقتنا الأولى شباباً نتلهف على بنات الجامعة ، لهفته وخجله وهو يحاول أن يعرف كل شيء عن نادية دون أن يصرح بهذا كانا مسار دهشتي ، وأنا الذي كنت أظن أني أعرف رشدي جيدا ، اتصلت برنا وقلت لها إن ظنها كان في محله ، وإن رشدي أظهر اليوم اهتماما بنادية وكان يسأل عنها ، وقد كانت دهشتي كبيرة حين أخبرتني رنا أن نادية هي الأخرى بدأت بسؤالها عن رشدي وعلاقته بزوجته وأنها أخبرتها بما تعرفه لكنها كانت هي الأخرى مصابة بدهشة مما حدث ، فهما لم يلتقيا سوى مرة واحدة في حفل خطوبتنا ، ظللت طوال اليوم أحاول تحليل أو فهم ما يجري لكني لم أفلح ، تركت المكتب وتوجهت إلى بيتي ، وقبل أن أنام تحدثت إلى رنا ليكون آخر شيء أفعله هو سماع صوتها .
في الصباح دون موعد وجدت رنا في مكتبي ، قمت إليها مرحبا ، صافحتني برقة وجلست وهي تهمس : ألن تطلب لي شيئا ، تبسمت وأنا أقول لها : أنتظر أوامر الأميرة ، ضحكت وهي تخفي خجلها وقالت : ومن سيجاريك في الكلام؟ أنت الأستاذ وستظل ، فرددت بسرعة : ليس كلاما ،؟وأقسم أنما هي مشاعري تفيض أحرفا حين أتحدث إليك وحين تعانق عيناي جمالك ورقتك ، قالت : قد تستغرب مجيئي، خاصة أني لم أخبرك ، لكنك وحشتني جدا وأردت أن أراك فأتيت ، لتقل إني مجنونة أو لتقل ما تشاء لكني افتقدتك فأتيت ، نظرت إليها بحب وأنا أبتسم ، قالت : أكرم لقد أمضيت ليلتي أفكر وقد خلصت إلى أنني لن أستطيع العيش بعيدا عنك ، إن حياتي أصبحت مرتبطة بحياتك وبقربي منك ، أنت أصبحت كل أملي وزواجي منك أصبح حلمي الذي أعيش من أجله ، لا تندهش لقد فجر حبك بداخلي ينبوعاً من السعادة لا أستطيع أن أصفها لك ، لكني فقط أحاول أن أنقل لك بعضاً مما أشعر به وليس كل ما أشعر به ، أنا أحبك بصدق يا أكرم ولن أكتفي من حبك ، مددت يدي وأمسكت بيديها وأنا أغمض عيناي وأتمتم شاكرا الله أن منحني هذا الحب وتلك الإنسانة التي أعادت إلى قلبي حياته وإلى حياتي رونقها ، وأضاءت ظلمات عشتها سنينا قبل أن تشرق شمس حبها فوق قلبي .
حين انتصف النهار كنت غارقاً في أوراقي وعملي بعدما غادرتني رنا ، لكن لم أستطع الفكاك من طيفها الذي لازمني وأنا أعمل وكنت أتخيلها واقفة طوال الوقت تنظر إليَّ وأنا أعمل ، وأتخيلها وهي مقبلة مع فنجاني قهوة لنا ، كان ما بيني وبين رنا نوعاً من الكيمياء التي تدهشك حين تحاول الاقتراب منها ، وتعجز عن فهمها أو تفسير كيف أننا ننطق حرفاً واحداً في نفس اللحظة ، وكيف هذا التوافق بين طبيعتها وطبيعتي عاداتها وعاداتي ، الألوان المفضلة ناهيك عن الكتب والذوق في الملابس ، كنت في أحيان كثيرة أجلس مفكراً ومتخوفاً من أن يكون هذا الذي أعيشه حلماً سأصحو منه عما قريب وربما يصدمني الواقع بقسوته ، لكن دفء رنا وحيويتها كانا دوماً الوقود لاستمرار معايشة هذا الحلم الرائع الذي وجدتني بطله مع رنا .
ولأن الأيام لا تصفو لنا دوما فقد تم تكليفي بالسفر لتغطية المؤتمر الدولي لدول الثمانية بسويسرا وكانت أعمال المؤتمر تمتد لمدة أسبوعين ، ورغم أنني كنت من المحظوظين لأني سأقوم بتغطية أكبر حدث اقتصادي في العالم وستكون فرصتي لتحقيق عدة مكاسب على المستوي المهني والشخصي ، إلا أن فكرة ابتعادي عن رنا لمدة أسبوعين كانت ترعبني وأنا الذي تعودت أن ألتقيها يومياً أو يوم بعد يوم ، وأشعر بأن قربها يمدني بالقوة والقدرة على الاستمرارية ، كان الرابط بيني وبين رنا يزداد يوماً بعد يوم ، وكنت حين لا ألتقيها يوماً أشعر بأنني أفتقدها بشدة وأبقى أحادثها تليفونياً إلى وقت متأخر ، لذا كنت في حيرة ، كيف أرفض هذا التكليف وكيف أبتعد عن رنا أسبوعين ؟ وفي خضم حيرتي وأنا أجلس بمكتبي ، وجدت رنا تقتحم عليَّ الحجرة وهي فرحة سعيدة وهي تبارك لي اختياري للسفر ، وفي غمرة دهشتي سألتها: لكن كيف عرفت ؟ غمزت بعينها وهي تقول : وهل تظن أن شيئاً يتعلق بك ممكن ألا أعرفه ، أردفتُ : ولكني ما زلت أفكر ، صاحت رنا وهي مندهشه : تفكر ؟ فقلت لها : أنا لا أستطيع أن أبتعد عنك كل هذه المدة ، ضحكت ضحكتها الأنثوية الرائعة وهي تهمس : ولا أنا أستطيع ، لكنها الظروف وسنقبل تحديها لنا ، لا تتصور كم فرحت لك يا أكرم ، وأظنك ستحقق الكثير فأنت بقلمك الرشيق وقامتك السامقة ستقدم الكثير لنا من خلال ما ستقوم به ، أنا واثقة من هذا ، كانت تلك الكلمات كفيلة بأن تخرجني من حيرتي وترددي ، ابتسمت رنا وهي ترى علامات الراحة والهدوء على وجهي ، ثم سألتني : ألهذه الدرجة تحبني يا أكرم ؟ فأمسكت بيدها وأنا أضمهما إلى صدري وأقول: بل أكثر بكثير من أي تصور .
كان السفر سريعاً فلم أجد الوقت لتوديع رشدي وسناء وليلى وصلاح إلا تليفونياً ، أما رنا فقد اصطحبتني إلى المطار ، وقبل أن أتركها قالت : لي طلب عندك ، أولاً تعتني بنفسك جيداً وتحذر من البرد ، ثانياً أريدك أن ترسل لي كل يوم رسالة على الميل ، لا أريد أن أحرم منك ومن أحرفك ، توقفت الأحرف بحلقي وغادرتها وشوقي إليها يكاد يقتلني ، طوال رحلتي بالطائرة لم يفارقني طيف رنا ، وحين وصلنا إلى الفندق كان أول شيء فكرت فيه أن أرسل إليها رسالة كما وعدتها بالمطار فكتبت لها :
حبيبتي الغالية! بداية لا أود أن تكون رسائلي هذه رسائل عشق بل هي تأريخ لعلاقتنا الرائعة التي أراها من أجمل ما حدث لي وهي علاقة رائعة لكونها سمت بمشاعرنا وزرعت السعادة بقلوبنا ونمت وأزهرت دون قصد منا سوى ميل قلوبنا وتوافق أرواحنا.
حبيبتي ! أقول هذا لأني أرى أن رسائل عشقي إليك يجب أن تسطر على وجه القمر ، وفوق جبينك وعلى خارطة جسدك الذي أعشق ، رسائل عشقي التي أرغب في بثها لن تتحملها أوراقي ، ولن تستطيع أحرفي أن تنقلها عبر الأثير ، فعشقي لك يا سيدتي وأميرتي الغالية هو عشق الأريج للزهرة ، وحبات المطر للسحاب ، وأجنحة الطير للتحليق ، هو عناق الأحرف للمعاني ، والصدق للأماني ، هو مقاربة الضوء في عين الجمال ، والإبحار عبر بوابات الحلم إلى مدائن الشوق .
بعدما أرسلت رسالتي وارتحت قليلاً ، قمت أتفقد قاعة المؤتمر وأعد لليوم الحافل غداً في افتتاح المؤتمر الذي سيحضره كبار زعماء العالم ، حين عدت إلى غرفتي وفتحت الرسائل وجدت رسالة من رنا قرأتـها أكثر من عشرة مرات وكل مرة تفاجئني بجمال إحساسها وصدق مشاعرها كتبت رنا تقول :
عشقى وحبى وحلمى الأول أقولها لك بملء قلبى أحبك ، أحبك ، وأنت لى كل شىء ، أحبك رجلاً صبوراً حبيباً رقيقاً قلباً كبيراً يحتوينى بالرغم من بعده ، يضمنى ويدفئنى فى لحظات قاسية حتى وإن لم تعلمها فأنت معى فى كل وقت ، فى فرحى وفى حزنى فى كل لحظة أعيشها أتنفس حبك فى هوائى .ألتمس دفئاً من صوتك عندما أشعر به يقول لى اطمئنى أنا بجانبك ، ظللت أحلم بيوم يجمعنى برجل عطوف حنون يحتوينى ويعرف كيف يداوى ما فعله الزمن بى ولم أكن أصدق عندما قابلتك بأن رجلاً مثلك سيحب فتاة بسيطة مثلى ، رجل يحمل فى قلبه الرقة والحب والطيبة ويتمنى أن يملأ حياة من يحبها بهم ، كنت فى غاية سعادتى عندما كنت أتحدث معك كل يوم ، وينتابنى شعور غريب بالراحة والسكينة إليك ، أحبك ولم أعرف معنى الحب إلا معك فستظل أول وآخر رجل أعطيه قلبى وأنا راضية مطمئنة عليه معك ، أحبك فهل تدرك معناها بالنسبة إليَّ ؟ إن لم تكن تشعر بها فستعرف معناها قريباً ، أحببتك ولن أحب سواك ولن أعيش أيامي إلا معك ، أحبك ولن أرتضي بسواك.
وختاماً سأكتب نصف الشهادة وأنت لك النصف الآخر فإنها تجمعنا فى كل مرة نقولها فلا تنفع الشهادة بنصفها الأول فقط ولن أعيش أنا إلا بنصفى الآخر
لا إله إلا الله
أحبك كثيراً وأحتاجك قلباً رقيقاً يحتوينى
كانت تلك كلمات رنا التي شعرت بنشوى تملكتني وأغمضت عيناي وأنا أحاول أن أتخيل مستقبل علاقتنا أنا ورنا واليوم الذي سيجمعنا في بيت واحد ويتحقق حلمي ، وحلمها في القرب والسعادة التي يتمناها كل منا للآخر قمت بالاتصال برنا وأتى صوتها دافئاً لكن به القليل من الشجن ، حاولتْ إخفاءه وهي تطمئن عليَّ وتطمئنني على نفسها وتتمنى لي التوفيق ، بعدما انتهت المكالمة وجدتني استسلم للنوم .
في صباح اليوم التالي قمت مبكرا وقد تملكني النشاط وأنا أستعد لأول أيام العمل الجاد ، لكنني لم أنسَ وعدي لرنا فقمت بسطر رسالة إلى رنا على الميل قلت فيها :
حبك يا سيدتي هو ميلاد وموعد مع السعادة ، طوق نجاة لقلب عاش ينتظر البشارة ، لقلب كان يحتضر حتى أظلته رحمة ربه بترياق حبك ليتعافى وينطلق في مشوار السعادة التي سيحياها من جديد بصحبة قلبك الذي يشع نوراً ويفيض جمالاً ، ويستضيء من روعة رقتك ودفء مشاعرك ، ليواصل رحلة حبه التي أعادت إليه الحياة.
لأول مرة تقف أحرفي عاجزة عن إخراج مكنون نفسي ، واقفاً متأملاً ذاتي وهي تعيش أحلى اللحظات وأنا أفكر فيك وأنا أتخيل حياتي معك وبك ، مررت بالكثير من الظروف والتجارب التي كانت تمر دون أن تترك أي أثر ، ثم أتيت أنت بإشراقتك التي أطلت لتملأ حياتي سعادة وتضفي عليها الكثير من البهاء والدفء وتنير جنباتها التي ظننت أنها ستظل معتمة ، فإذا بك تعطرين أركان حياتي بمشاعرك التي فاضت كنهر رقراق أعاد الحياة إلى قلبي.
أنهيت رسالتي وقمت أستعد لبدء عملي ، كانت الجلسة الافتتاحية هادئة وكلمات الرؤساء بسيطة وترحيبية واقتصرت الجلسة الأولى على عدة ساعات عدنا بعدها إلى الفندق ننتظر لنتابع الجلسة الرئيسية .
في المساء حين وصلت إلى حجرتي وقبل أن أطلب الطعام طالعت رسائلي فوجدت رداً من رنا ، أسعدني كل حرف من حروفه ، وجلست أعيد قراءتها كما فعلت في رسالتها الأولى ، كتبت رنا :
حبيبى الذى لم أحب غيره ولم ولن أتمنى سواه أريد أن أكتب لك اليوم فقط لتعرف أننى لم أعرف معنى الحب والسعادة إلا معك لم أبكِ على شيء سوى بعدك واحتياجى إليك ولهفتى وشوقى إلى رؤيتك ، أحتاج إليك قلباً حنوناً ، يداً تداوى الكثير من الألم، قلباً يشعرنى بأنى لا زلت أحيا دنياى الرقيقة التى لا أعرف فيها معاني الكراهية أحببتك قبلاً لحبك الكبير ولكنى الآن أحب كل تفاصيل حياتى معك منذ أول لحظة فى يومى حتى تغمض عينيك وأنا بجانبك أنظر إلى طيفك ، فأنا لا أستطيع النوم وسأظل أنظر إليك حتى أتاكد أنك بالفعل هنا بجانبى تحتضننى تملأ الكون عليَّ بطيبتك وحنانك وروعة حبك وحلمك .
( حبيبى) والتى لم أعرف معناها وكيف تقال إلا معك ، سأظل أحبك ما حييت حتى وإن فرقتنا الدنيا فستظل أنت كل ما تمنيت وكل ما عشت لأجله لم أكن أعرف الحب ولا سبباً لحياتى إلا بعد أن عرفتك ، عرفت أنى وجدت فى هذه الدنيا لأجلك لتملأ حياتى بك وأملأ دنياك بحبى ، أتمنى لو أستطيع أن أعطيك عمرى وكل ما أملك لكى تعرف أنى أحبك بصدق ، أحبك وأعرف قدر حبك لى ولكني سعيدة بك وبنفسى بعد أن عرفت أنى لا أستطيع العيش بدونك لن أقول مثلك أحبك وكفى فحبى لن يكفيك ، ولا أستطيع أن أقول أن ذلك يكفى فأنت تستحق الكثير على ما وهبتنى من عطف وحب وحنان تمنيته.
أحبك فارسى ، أحبك حياتى وعمرى وأنت لى الآن كل شيء لا أستطيع أن أكتب أكثر فبداخلى الكثير لك أتمنى لو أعطيه لك من غير كلمات ، أحبك وإن كانت صغيرة فهى الوحيدة التى أستطيع أن أقولها لك ، أحبك ولا يكفيك الحب والعمر يا كل ما تمنيت ، أحبك عقلاً وقلباً ، روحاً وجسداً ، أحبك وإن كان حبى يملأ الكون فلن يوفيك حقك عليَّ ، أعشقك وإن كان العشق أكبر من الحب وتعداه فعشقى لك لن ينتهى ، لى عندك قلب أخذته ولن أستطيع استرداده ، فقد ملك الدنيا بك ولن أستطيع أن أحرمه من الحياة لديك ، اللهم اجمعنى به فى رضاك وتحت ظلك ولا تفرقنا ما حيينا .
أحبك ولن أكتفي
كانت جملتها الأخيرة من الجمال بمكان حتي أنني جلست أتعجب من كيفية صياغتها بهذا الجمال وتلك الرقة ، كان ما بيننا أنا ورنا قد تعدى حالات الهيام والعشق وقفز فوق سور الحب وسطر فصلاً جديداً في تاريخ العلاقات الإنسانية بمشاعر لم تعش من قبل وروعة لم توصف يوماً أو تستطيع أية مفردات أن تفيها حقها ، جلست أحاول أن استجمع أحرفي كي أسطر رداً على رسالتها لكنني وقفت كثيراً وأنا استشعر عجزي عن مجاراة هذا الإحساس الراقي الذي أتى بتلك الكلمات الأكثر من رائعة ، ثم أخيراً وجدتني أبدأ في سطر أحرفي إليها فكتبت :
كلمة أحبك أصبحت لا تمثل شيئاً من قدر المشاعر التي أكنها لكِ ، وأحسبها بسيطة وقليلة على وصف مشاعري تجاهك، ، أتمني لو وفقنا الله لإتمام ارتباطنا ، ولأني أعرف أن قدر الله به من الرحمة والإكرام لعباده ما يتسع لنا ولغيرنا ، فأنا أطمع في توفيق الله وكرمه ، أنا راض عن نفسي وعن صدق علاقتي بك وسعيد بمشاعرك التي لم أصادف أصدق و لا أجمل منها ، حبيبتي لم يعد طيفك يفارقني للحظة وأصبحت لا أعرف كيف أحدث حبك كل هذا التغيير في ذاتي وكيف لم أعش تلك المشاعر طوال حياتي ، وكيف كنت أكتب طوال الوقت عن المشاعر وروعة الحب وأنا لم أعشها بعد ، حتي أنني توقفت الآن عن الكتابة لألتقط أنفاسي وأحاول أن أكتب من جديد عن الحب الذي عرفته بين يديك ، والذي عرفته معك فقط ، الحب الذي يعبر الأزمنة والمسافات ويلقي بظلاله على القلوب ، الحب الذي ينمو كل لحظة دون توقف ودون أن يكون وراءه أية منفعة أو هدف إنما هو سامٍ في ذاته راق في سموه مهما حاولت سطر أي حرف فسيبقى ما بداخلي أكبر وأعظم من أي وصف أو حرف ومهما حاولت أن أعبر لك عما بداخلي فلن أفلح وكأني أحاول إخراج مارد من ثقب إبرة.
بقي أن أقول لكِ أنكِ نسيج متفرد ، أنثى بحالة خاصة ، تقترب من درجات الكمال ، وتنفرد بكونها الأكثر دفئاً وصدقاً وحباً ، وأنا إذ أعشق كل مفرداتك وأعايش رقتك وجمالك كل لحظة إلا أن شوقي إليك وإلى الجلوس بين يديك والنظر في عينيك يكاد يقتلني ، أحلم بك وبلقائنا كل لحظة ، لن أزيد ، فلو بقيت أكتب ما انتهت أحرفي وما زاد إلا شوقي مع كل حرف أسطره ، فقط أقول لك أنك أجمل ما حدث لي من يوم خلقت وأرق ما صادفني وأحب من عرفت .
أنهيت رسالتي ونزلت من فوري إلى قاعة المؤتمر ، كانت الوفود حاضرة جميعاً وكان الزحام شديداً والإجراءات الأمنية مشددة ، وعقدت أولى جلسات العمل وكنت حاضراً أتابع فاعليات المؤتمر وأنا منصت ومسجل لكل الأحداث الهامة فيه ، وتتابعت النقاشات وتتالت الكلمات وقد شعرت بأن هذا المؤتمر لأول مرة سيقدم شيئا للدول الفقيرة أو بمعني آخر سيكون له نصيب من النجاح على المستوى الدولي وهذا سينعكس بالتالي على نجاح عملي ونجاح الصحيفة ، فزاد هذا من إحساسي بالسعادة التي كنت استشعرها بعد قرائتي لأحرف رنا ، لكن على جانب آخر كان يتردد في كواليس المؤتمر أخبار عن وجود إرهابيين وتهديدات وصلت إلى منظمي المؤتمر ، وقد كان لهذا أثر سيء على فاعليات المؤتمر والتي كانت خاضعة لكثافة أمنية واستخبارتية أشعرتني بالضيق والملل ، لكنني بعد انتهاء الجلسة سارعت لإرسال تغطية كاملة للصحيفة عن فاعليات واجتماعات اليوم الأول وبعد انتهائي بدأت في تصفح الميل الخاص لأجد رسالة من رنا كانت قصيرة لكنها كانت تفوح حباً وعشقاً ، كتبت رنا :
أحبك ولن أكتفي سأظل أقولها لك
حبيبى وملكى ومولاى وكل أملى فى الحياة
أحبك ولن أكتفي بالأيام الباقية بعمرى فقط لأعطيها لك
أحبك ولن أكتفي بحضنى فقط ليحتويك
أحبك ولن أكتفي
وإن كنت قد اكتفيت بحبك عن كل شىء
اكتفيت من دنيتى وأهلى وحياتى بك
اكتفيت بقلبك عن حياتى فسلمتك كل حياتى وقلبى
أحبك وإن كانت صغيرة صامتة عن قول ما بداخلى
فقد اكتفيت من بعدك ومن بعدى
هذه رسالتى الثالثة أكتبها بعد انتصاف ليل الإسكندرية بنصف ساعة أيقظنى قلبى لأكتبها بالرغم من أنه لا ينام ، ولكن أردت أن أقول لك فقط أنى أعشقك وأعشق يوم عرفتنى ويوم ولدت لأنى قابلتك بعده.
أختم رسالتى إليك بما سأظل أقوله وأوصف به ما بداخلى
أعشقك ولم ولن أكتفي
كانت كلمات رنا الرقيقة والدافئة دافعاً ومعيناً لي كي أتحمل بعدي عنها ، وكانت أحرفها تفجر بداخلي أجمل المشاعر وأجدني راغباً في استخراج مكنون نفسي التي تجيش بالحب بعدما تصافح عين أحرفها المفعمة صدقاً ، فأبدأ في سطر كل مشاعري كلمات في رسالة لرنا أبثها فيها بعضاً من شوقي إليها فكتبت :
لأميرتي الصغيرة أكتب ، وأنا الذي كان الحرف طوع بناني ، اليوم لا يستطيع حرفي أن يعبر ولو عن قليل مما بداخلي ، تغيرت الخارطة بداخلي والاتجاهات صارت كلها شمالية جهتك أنت ، معطرة بعطرك أنت ، وموشومة بصورتك أنت ، أيتها الغالية ، يا حوريتي النائمة في أعماق القلب ، والمتدثرة بمشاعري التي عانقت بدفئها رقتك .
تحملين دوماً البشارة ، وتنثرين عبيرك فوق قلبي بأحرفك التي تقطر عذوبة ، أتمنى لو أحيل قلمي ريشة ترسم عينيك وبسمة ثغرك بأحرفي ، وتكتب حبي كما أحسه لا كما تصوره الأحرف بعجز ، يا من غرست بقلبي بذور الحب وسقتها بماء الصدق ورعتها بحنانها وأدفئتها بقلبها، أعشقك ، وأتمنى لو أحتويك بحضني ، وأسافر بك عبر مدن الحلم إلى آخر بلاد العالم ، لأخبر الجميع بحبي لك ، وأبتعد بك ، لأعيشك أنا ، وأسعدك أنا ، وأحملك فوق حلمي أنا ، أحبك ولن أكتفي من حبك ولن أكتفي بحبك لأني أعشق قربك ولأني أريد أن ألتحفك في الصيف وأفترشك شتاء فأنت أرضي وسماءي وأنت حلمي الذي تحقق بعد طول انتظار .
أنهيت رسالتي وأسلمت نفسي للنوم ، وقد كنت مرهقاً من عناء اليوم وكنت أعرف أن الغد يحمل الكثير ، وسيكون هناك لقاءات ثناءية يجب أن يتم متابعتها واحداً تلو الآخر ، ولقاءات كثيرة تم ترتيبها لنا مع كل رؤساء البعثات ، لذا لم أشعر إلا والباب يطرق حيث كنت طلبت منهم أن يوقظوني لأصلي الفجر ، قمت وبعد أن اغتسلت وصليت ، جلست أتلو بعض القرآن ، وبدأت في تحضير أغراضي ونزلت إلى بهو الفندق الذي كنا نقيم فيه ، تناولت قهوتي ثم توجهت إلى أولى القاعات التي كان سيعقد فيها اللقاء الأول لمناقشة خطة العمل التي طرحت من قبل أحد الوفود ، لم تكن الجلسة طويلة ، بعدها انتقلنا إلى القاعة الرئيسية التي كانت مخصصة لالتقاء رئيس الولايات المتحده بالرئيس الروسي ، وقد كانت إجراءات التفتيش والأمن قاسية جدا حتى أن بعض الصحافيين قد ضاق ذرعاً بها وحدثت عدة مشادات ، تدخل على أثرها الأمن الرئاسي وممثلو وزارة الخارجية ، وبعد أن تم تسوية الأمر بعدما وعدنا كصحافيين باستثنائنا من تلك الإجراءات وتسهيل الأمر علينا .
بعد استراحة الغداء توجهنا جميعاً إلى القاعة الصغرى التي كانت ستضم فاعليات الندوة المشتركة بين دول الشمال والجنوب والتي كانت ملقاة على هامش هذا المؤتمر ، ورغم ذلك فقد كان الحضور لهذه الندوة كثيفاً نظراً لأهمية ما ستتمخض عنه من قرارات وأيضاً لمشاركة وفود عدة في تلك الندوة ، وبدأت الفاعليات هادئة ومنظمة ، لكن فجأة سمعنا دوي انفجار في نهاية القاعة ، تبعه تدخل مكثف لرجال الأمن ، لكن الانفجار تبعه آخر أكثر شدة ، كان آخر شيء سمعته ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك .
حين أفقت وجدتني ممدداً على سرير في أحد المستشفيات ، وبجواري أحد الزملاء ، والذي عرفني إلى نفسه :عدنان صالح صحافي عراقي ، أشرت إليه أحييه وأنا أتم تعرفي بنفسي : أكرم فوزي صحافي مصري ، ضحك وهو يقول : غني عن التعريف يا أستاذ أكرم ، تحدثنا قليلاً وكانت إصابته أخف ، فحكى لي أن الانفجار الثاني الذي كان شديداً قد أوقع حائطاً مشيداً وقد تطايرت بعض الكراسي أفقدت البعض الوعي أعتقد أن هذا ما حدث لك ، وجدتني أتذكر انتصار فقلت له : أتعرف الكاتبة انتصار الأنباري ؟ فهز رأسه في أسى وهو يقول : ومن كان لا يعرف انتصار ؟ لقد كانت من أروع النساء اللاتي قابلتهن ، لقد كانت حالة خاصة ونادرة ، استوقفته وأنا أتساءل لمَ يقول كانت ، دمعت عيناه وهو يقول : ألم تعرف بموتها ؟ لقد وافتها المنية منذ أسبوع لقد كانت مصابة بالسرطان ، وقع كلامه على رأسي كالمطرقة ، كنت أعرف أنها مريضة ولكن لم أتصور أن يفترسها الموت بسرعة هكذا وأنا الذي أتذكرها وهي معنا وكأنه أمس ، انفجرت باكياً وقلبي يعتصره الحزن على رفيقة عمر ، وتوأم روح ، كانت انتصار بكل ما بيننا من ذكريات صخرة شامخة ، ورغم علمي بمرضها إلا أنني لم أتصور يوماً أنني سأفقد هذا الكيان الرائع ، انتابتني حالة من الحزن الشديد ، الذي صاحبه بكاء شديد ، همس عدنان بعدما رأى حالتي : يبدو أنك كنت تعرفها جداً ، أجبته وأنا لا أكاد أتمالك نفسي : لقد كانت أقرب لي مما تتصور ، كانت صديقة مقربة ورفيقة درب .
قبل أن نسترسل في حديثنا أتى الطبيب وأخبرنا بأن الإصابات بسيطة وهي نتيجة لشظايا الانفجار ، ثم أخبرنا بأننا سنمكث عدة أيام لنغادر بعدها بعد إجراء الفحوصات والأشعة اللازمة ، طلبت من الطبيب أن يسمح لي باستعمال هاتفي فأحضره لي ، حين أطل صوت رنا باكياً على الطرف الآخر ، أدركت كم تسببت لها من حزن ، ضحكت ودموعها تنساب فرحة وهي تتحدث بسرعة متسائلة عن كل شيء ، صمتُّ قليلاً ثم أجبتها بكلمة واحدة : وحشتيني يا رنا ، فأتى صمتها على الطرف الآخر برهة ، ثم سألتني : ما بك ؟ صوتك حزين ، فأجبتها : وقد عادت الدموع تترقرق في عيناي : لقد رحلت انتصار عن دنيانا يا رنا ، صمتت رنا قليلاً قبل أن تهمس : البقاء لله ، ادعُ لها يا أكرم ، ليتني كنت بجوارك الآن يا حبيبي ، ثم تنهدت وهي تهمس : متى ستعود ؟ لقد اشتقت إلى حضن عينيك .
بعدما خرجت من المستشفى لملمت أوراقي وأفلت عائداً إلى الوطن ، كانت رنا في انتظاري بالمطار ، احتضنتني عيناها بكل حب واصطحبتني وهي تتأبط ذراعي بفرحة طفولية كانت تتقافز من عينيها طوال طريق عودتنا من المطار إلى البيت ، حين دلفنا من الباب ، فاجئتني رنا وارتمت في حضني وهي تبكي وألقت برأسها فوق كتفي ، أخذتها بين ذراعيَّ وضممتها إلى صدري وأنا أحاول تهدئتها ، بعد أن هدأت قليلاً جلست أمامي وهي تقول : ماذا كنت تنوي ؟ هل كنت تنوي الرحيل عن هذا العالم وتتركني وحيدة ؟ يا أكرم أنا لا عيش لي بعدك في هذا العالم ، أنت عالمي ودنيتي ، لقد كدت أجن حين سمعت ما حدث ، وحاولت الاتصال بك ولم ترد ، لقد مرت عدة ساعات كانت الأسوء في حياتي حتى سمعت صوتك . تبسمت وأنا أنظر إلى الحب في عين رنا ، ثم قلت لها أما آن الأوان كي نجتمع في بيت واحد ، أطرقت إلى الأرض ، فأكملت : هل هذه موافقة ؟ رفعت رأسها وأتت بايمائة رقيقة ، فقمت إليها وقبلت رأسها وأنا أقول : ليكن زفافنا بعد شهر من الآن ، تبسمت وهزت رأسها موافقة .