هدى محمد
01/10/2009, 04:32 PM
أدب المقاومة
د. السيد نجم
شاع مصطلح "أدب المقاومة" في الحياة الثقافية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديدًا بعد معارك 1967 بين العرب وإسرائيل. فكانت الأشعار التي تسربت من الأرض المحتلة بفلسطين إلى عواصم الدول العربية بأقلام محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، ولقّبوا في حينه بـ"شعراء المقاومة"، ولما تعدّدت الكتابات الإبداعية في أجناس الأدب المختلفة في إطار النمط المقاومي.. كان "أدب المقاومة" مصطلحًا جديدًا.
بعد مضيِّ كل تلك السنوات.. ربما يمكن تقديم محاولة لتعريف أدب المقاومة، الذي هو: "الأدب المعبِّر عن الذات (الواعية بهويتها) و(المتطلعة إلى الحرية).. في مواجهة الآخر المعتدي. على أن يضع الكاتب نصب عينيه.. جماعته/ أمته، محافظًا على كل ما تحفظه من قيم عليا".
لا تعني "الحرية" هنا معنى الخلاص الفردي، وفي هذا التحديد ما يميِّز أدب المقاومة عن غيره، حيث يقول البعض: إن كل أدب يدعو إلى المقاومة بمعنى ما، بينما أدب المقاومة هو الأدب المعبر عن الذات الجمعية.
تعدّ "التجربة الحربية" من أهم محاور أدب المقاومة. إن عمر الحرب يكاد يناهز عمر الإنسان على الأرض. منذ معركة قابيل وهابيل والصراع قائم، ولا يبدو زواله، ذلك الصراع الذي غالبًا ينتهي بالحرب.
إن تجربة الحرب ليس لها مثيل، ربما لأن الرجال يشعرون أنهم تخطَّوا حاجز الموت.. على الرغم من كل التناقضات التي عاشوها.. ففي تلك التجربة يصبح الفرد وجهًا لوجه أمام الموت والحياة، الشراسة والشفقة، الدفاع عن الحياة في مقابل الهلاك. يخوضها المحارب مدفوعًا من الجماعة، والتي تبارك موته، بينما جبلت النفس البشرية على حب الحياة. ومع ذلك مهما كانت التجربة كريهة فإنها تكشف عن الأصيل في حياة الفرد والجماعة مثل الشجاعة والإخلاص والفداء والإيثار وغيرها، في مقابل الخلاص من الأنانية والغرور والباطل والظلم.
والآن تُرى ما هي أهم خصائص أدب المقاومة؟
التعبير عن الذات الجمعية والهوية
إنه أدب الوعي والحث على تجاوز الأزمات الشعبية والحروب والاضطهاد والقهر. الوعي بالآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره، من أجل المزيد من الوعي بالذات والهوية.
إنه أدب إنساني من حيث هو دعوة لتقوية الذات في مواجهة الآخر، وليس دعوة للعدوان.
تتنوع موضوعات التعبير في أدب المقاومة في التناولات المختلفة؛ منها: تناول موضوعات البطولة في مواجهة الآخر العدواني في الحرب أو في مقابل الظلم أو الاحتلال– تناول يتبنى مبدأ الدفاع عن الحياة الفاضلة.. وغيره.
وفي إطلالة سريعة على معطيات الأدب العربي.. تتجسد المحاور المقاومية؛ سواء في الشعر العربي القديم المسمَّى بالشعر الجاهلي وحتى الآن، سنتخيَّر بعضًا منها.
إن القارئ الواعي والمسلَّح بالفهم النقدي الجديد سوف يتأكد من مقولة مفادها: أن الشعر العربي القديم لم يكن وصفيًا ولا مصدرًا لرزق، كما لم يكن على هذه الدرجة من الحدة والانفعالية إلى حد الدعوة للحرب. فلم تكن البيئة وبكل عناصرها إلا عناصر شيَّد بها الشاعر بذكائه الفطري بناء قصيدته المتأملة المعبرة، ولم تخل من القضايا الكونية التي بدت في الأسئلة التي طرحها، ولا من قضايا قبيلته الأيديولوجية.
لعل قصيدة "زهير بن أبي سلمى" الميمية ومعلقته الشهيرة من النماذج التي تكشف عن ذلك الأدب الذي يشارك في هموم قبيلته وأهله مع الحفاظ على القيم العليا. تقع القصيدة في ثلاثة وستين بيتًا، هذه الأبيات التي يخاطب فيها المترددين في نبذ الحرب بين قبيلتين من العرب "عبس" و "ذبيان" وقد طالت لسنوات وسنوات فيقول:
فـلا تكتمن الله مـا في نفوسكم
ليخـفى، ومهما يُكتم الله يعلم
يؤخر، فيوضع في كتاب، فيدخر
ليوم الحساب، أو يعجل، فينقم
وما الحرب إلا مـا علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم
د. السيد نجم
شاع مصطلح "أدب المقاومة" في الحياة الثقافية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديدًا بعد معارك 1967 بين العرب وإسرائيل. فكانت الأشعار التي تسربت من الأرض المحتلة بفلسطين إلى عواصم الدول العربية بأقلام محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، ولقّبوا في حينه بـ"شعراء المقاومة"، ولما تعدّدت الكتابات الإبداعية في أجناس الأدب المختلفة في إطار النمط المقاومي.. كان "أدب المقاومة" مصطلحًا جديدًا.
بعد مضيِّ كل تلك السنوات.. ربما يمكن تقديم محاولة لتعريف أدب المقاومة، الذي هو: "الأدب المعبِّر عن الذات (الواعية بهويتها) و(المتطلعة إلى الحرية).. في مواجهة الآخر المعتدي. على أن يضع الكاتب نصب عينيه.. جماعته/ أمته، محافظًا على كل ما تحفظه من قيم عليا".
لا تعني "الحرية" هنا معنى الخلاص الفردي، وفي هذا التحديد ما يميِّز أدب المقاومة عن غيره، حيث يقول البعض: إن كل أدب يدعو إلى المقاومة بمعنى ما، بينما أدب المقاومة هو الأدب المعبر عن الذات الجمعية.
تعدّ "التجربة الحربية" من أهم محاور أدب المقاومة. إن عمر الحرب يكاد يناهز عمر الإنسان على الأرض. منذ معركة قابيل وهابيل والصراع قائم، ولا يبدو زواله، ذلك الصراع الذي غالبًا ينتهي بالحرب.
إن تجربة الحرب ليس لها مثيل، ربما لأن الرجال يشعرون أنهم تخطَّوا حاجز الموت.. على الرغم من كل التناقضات التي عاشوها.. ففي تلك التجربة يصبح الفرد وجهًا لوجه أمام الموت والحياة، الشراسة والشفقة، الدفاع عن الحياة في مقابل الهلاك. يخوضها المحارب مدفوعًا من الجماعة، والتي تبارك موته، بينما جبلت النفس البشرية على حب الحياة. ومع ذلك مهما كانت التجربة كريهة فإنها تكشف عن الأصيل في حياة الفرد والجماعة مثل الشجاعة والإخلاص والفداء والإيثار وغيرها، في مقابل الخلاص من الأنانية والغرور والباطل والظلم.
والآن تُرى ما هي أهم خصائص أدب المقاومة؟
التعبير عن الذات الجمعية والهوية
إنه أدب الوعي والحث على تجاوز الأزمات الشعبية والحروب والاضطهاد والقهر. الوعي بالآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره، من أجل المزيد من الوعي بالذات والهوية.
إنه أدب إنساني من حيث هو دعوة لتقوية الذات في مواجهة الآخر، وليس دعوة للعدوان.
تتنوع موضوعات التعبير في أدب المقاومة في التناولات المختلفة؛ منها: تناول موضوعات البطولة في مواجهة الآخر العدواني في الحرب أو في مقابل الظلم أو الاحتلال– تناول يتبنى مبدأ الدفاع عن الحياة الفاضلة.. وغيره.
وفي إطلالة سريعة على معطيات الأدب العربي.. تتجسد المحاور المقاومية؛ سواء في الشعر العربي القديم المسمَّى بالشعر الجاهلي وحتى الآن، سنتخيَّر بعضًا منها.
إن القارئ الواعي والمسلَّح بالفهم النقدي الجديد سوف يتأكد من مقولة مفادها: أن الشعر العربي القديم لم يكن وصفيًا ولا مصدرًا لرزق، كما لم يكن على هذه الدرجة من الحدة والانفعالية إلى حد الدعوة للحرب. فلم تكن البيئة وبكل عناصرها إلا عناصر شيَّد بها الشاعر بذكائه الفطري بناء قصيدته المتأملة المعبرة، ولم تخل من القضايا الكونية التي بدت في الأسئلة التي طرحها، ولا من قضايا قبيلته الأيديولوجية.
لعل قصيدة "زهير بن أبي سلمى" الميمية ومعلقته الشهيرة من النماذج التي تكشف عن ذلك الأدب الذي يشارك في هموم قبيلته وأهله مع الحفاظ على القيم العليا. تقع القصيدة في ثلاثة وستين بيتًا، هذه الأبيات التي يخاطب فيها المترددين في نبذ الحرب بين قبيلتين من العرب "عبس" و "ذبيان" وقد طالت لسنوات وسنوات فيقول:
فـلا تكتمن الله مـا في نفوسكم
ليخـفى، ومهما يُكتم الله يعلم
يؤخر، فيوضع في كتاب، فيدخر
ليوم الحساب، أو يعجل، فينقم
وما الحرب إلا مـا علمتم وذقتم
وما هو عنها بالحديث المرجم