عبدالرحمن حلاق
01/12/2009, 04:50 PM
ما لا يظهر في المرايا
الاثنين, 12 يناير 2009
عبدالرحمن حلاق
وأتيت مرآتي وعطري في يدي
فبصرت ما لا كنت فيها أبصر
خانت عهود مودتي فتغيرت
ما كنت أحسب أنها تتغيـر
تتوقف أمام المرآة لتعيد ترتيب قشرتك الخارجية، ترى في المرآة خطوط وجهك وربما ما طفح على بشرتك من بثور، ترى جسداً، صندوقاً، لكنك لن ترى روحك ما لم تغمض جفنيك وتستدير بكلتا عينيك إلى الداخل في لحظة صفاء تام، وحتى هذه اللحظة، هل تظن حقاً أنك ترى روحك؟ أم أن الأمر كله لا يعدو كونه محاكمة خاصة للذات، فترى الأسئلة تترى متسارعة. هذا الفعل صح، وذاك ما كان ينبغي فعله، لقد تصرفت حسناً في هذا الموقف، بينما لم أكن موفقاً في ذاك، وهكذا تبدأ عملية جلد الذات أو مكافأتها إلى أن تخلد للنوم فتستيقظ وأنت راض عن نفسك غالباً وأحياناً تبدو مكتئباً لفوات الأوان. من أين ينبع الرضا عن النفس؟ هل فكرت بالمعايير التي تحاكم بها ذاتك من أين أتت؟ وما الغاية منها؟ وما إذا كانت أصلاً معايير صالحة لحياة أفضل؟ هل وقفت أمام المرآة وحدقت ملياً في عينيك؟ هل رأيت روحك فيهما؟ لو حاولت ذلك كيف ستصل إلى ذلك العمق؟ وكم ستعبر من الأنفاق والدهاليز لتصل في نهاية المطاف -وبعد لأي شديد- إلى حجرة ضيقة مقفلة ستبدو فيها روحك كائناً قزماً سجيناً يتضاءل رويداً رويداً، ستجدها منهكة خائرة القوى، وقد أسلست قيادها لهذه الكتلة الدهنية الضعيفة المختبئة في صندوق عظمي ونطلق عليها على سبيل المجاز اسم «العقل» هذا العقل الذي يسبغ خوفه على الجسد، فنرتعش خوفاً. ما معنى العقل لغة، يخبرنا المعجم أنه الحبس والربط والنهي والحجر ويؤكد ابن منظور في لسان العرب أن العاقل هو «الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها» وهو معنى أخذ من قولهم «عقلتُ البعيرَ إذا جمعتَ قوائمَه» فلماذا نحبس أرواحنا في تلك الحجرة لماذا نحجرها، نربطها ونقيدها، نعقلها. ما الذي يخيف العقل من انفلات الروح من عقالها؟ أظنني يجب أن أسأل أولاً السؤال الأهم، ألا وهو: من صيّر العقل سجاناً؟ من الذي برمجه على هذه الشاكلة؟ هل فتقت المرآة عندك هذا السؤال يوماً؟ وهل وضعت على طاولة البحث والتشريح مسلماتك وبدهياتك وأعدت مناقشتها وتحليلها؟ أم أن العرف والعادة وحب اكتساب مديح المجتمع لك، أمور يجب ألا يطالها نقاش؟
عندما خرج الإنسان الأول من الكهوف لم يكن يشعر بخوف من وحش أو أي شيء في الطبيعة، فقد كانت روحه في ذلك الزمن الغابر على درجة عالية من التواؤم مع الكون، ما كان يخيف الإنسان في ذلك الوقت شيءٌ واحدٌ فقط، كان يخاف أن يكون وحيداً بمعزل عن الجماعة، وهذا الخوف الذي غدا مع الزمن خوفاً تاريخياً جعله يخضع دائماً لشروط الجماعة التي كانت يومذاك غاية في البساطة وربما العدل، لكن مع كل تطور جديد كانت الجماعة تضيف شروطاً جديدة مستغلة هذا الخوف التاريخي، ودائماً تأتي شروط الجماعة على حساب الفرد الذي كان دائماً يبدي استعداده لقبول أي شرط مقابل الحماية والأمان، ومع كل شرط جديد كانت الروح تتخلى عن جزء من علاقتها بالطبيعة والكون، ومع كل شرط جديد كان العقل يزداد تحكماً بالروح، وإذا كانت بعض الشروط تشكل ضرورة في سلم الارتقاء والتطور فإن بعضها كان قيداً يصب في مصلحة خاصة... متى بدأ الأمر؟
أظنه تزامن مع خروج الإنسان من الكهف، أو الغابة، ليستقر وبشكل نهائي في بيوت ثابتة عرف كيف يبنيها لتصبح قرى ومدناً، وذلك قبل بضعة آلاف من السنين، حيث هبطت الآلهة من السماء بأعداد لا حصر لها، واعتمد كل إله كهنته وحماة معابده وبدأت أولى الشروط المقيدة للفرد تفرض سلطانها عليه، ولأن الروح كانت ماتزال تحتفظ بالكثير من قواها فقد استطاعت مع تطور الإنسان أن تنفي هذه الآلهة الواحد تلو الآخر إلى أن بقي لكل شعب إلهه الأوحد وسادت فكرة التوحيد، وهنا كان لابد للكهنة من التنازل عن جزء كبير من مكتسباتهم الخاصة لصالح أصحاب السلطان الذين يقدمون الحماية والأمن، فكان أن تحالف وإلى الأبد رجل الدين مع رجل السلطة واقتسما معاً المكاسب الناجمة عن تقييد الأرواح ليتحول الإنسان إلى مجرد آلة إنتاج على الصعيد الاقتصادي، وآلة تسجيل على الصعيد الإنساني، فما عاد الإنسان يعبر عن ذاته، وإنما يعيد ويكرر أصوات رجال الدين والسلطة الحاكمة، وكل ذلك مقابل شعور خادع بالأمن فقد تمت برمجة العقول بشكل نهائي وصار العقل سجاناً باسم العادات والتقاليد والحلال والحرام ورضخ الجسد لأوامر العقل، فصمت بشكل نهائي وصارت كل حركاته وسكناته ورغباته تسترشد بما بُرمج عليه العقل، فإن نطق اللسان فإنما ينطق بما كان قد أملي عليه مسبقاً من قبل رجال الدين وحكماء العشيرة أو رجال العادات والأعراف أو السلطة.
فأي مرآة هذه التي تستطيع أن ترى فيها روحك بعدما استبدلت فضتها بفحم التاريخ والهزائم؟ بعدما استطاع العقل أن يعقل قوائم الروح إلى بعضها.
جريدة أوان :http://www.awan.com.kw/node/160747
الاثنين, 12 يناير 2009
عبدالرحمن حلاق
وأتيت مرآتي وعطري في يدي
فبصرت ما لا كنت فيها أبصر
خانت عهود مودتي فتغيرت
ما كنت أحسب أنها تتغيـر
تتوقف أمام المرآة لتعيد ترتيب قشرتك الخارجية، ترى في المرآة خطوط وجهك وربما ما طفح على بشرتك من بثور، ترى جسداً، صندوقاً، لكنك لن ترى روحك ما لم تغمض جفنيك وتستدير بكلتا عينيك إلى الداخل في لحظة صفاء تام، وحتى هذه اللحظة، هل تظن حقاً أنك ترى روحك؟ أم أن الأمر كله لا يعدو كونه محاكمة خاصة للذات، فترى الأسئلة تترى متسارعة. هذا الفعل صح، وذاك ما كان ينبغي فعله، لقد تصرفت حسناً في هذا الموقف، بينما لم أكن موفقاً في ذاك، وهكذا تبدأ عملية جلد الذات أو مكافأتها إلى أن تخلد للنوم فتستيقظ وأنت راض عن نفسك غالباً وأحياناً تبدو مكتئباً لفوات الأوان. من أين ينبع الرضا عن النفس؟ هل فكرت بالمعايير التي تحاكم بها ذاتك من أين أتت؟ وما الغاية منها؟ وما إذا كانت أصلاً معايير صالحة لحياة أفضل؟ هل وقفت أمام المرآة وحدقت ملياً في عينيك؟ هل رأيت روحك فيهما؟ لو حاولت ذلك كيف ستصل إلى ذلك العمق؟ وكم ستعبر من الأنفاق والدهاليز لتصل في نهاية المطاف -وبعد لأي شديد- إلى حجرة ضيقة مقفلة ستبدو فيها روحك كائناً قزماً سجيناً يتضاءل رويداً رويداً، ستجدها منهكة خائرة القوى، وقد أسلست قيادها لهذه الكتلة الدهنية الضعيفة المختبئة في صندوق عظمي ونطلق عليها على سبيل المجاز اسم «العقل» هذا العقل الذي يسبغ خوفه على الجسد، فنرتعش خوفاً. ما معنى العقل لغة، يخبرنا المعجم أنه الحبس والربط والنهي والحجر ويؤكد ابن منظور في لسان العرب أن العاقل هو «الذي يحبس نفسه ويردها عن هواها» وهو معنى أخذ من قولهم «عقلتُ البعيرَ إذا جمعتَ قوائمَه» فلماذا نحبس أرواحنا في تلك الحجرة لماذا نحجرها، نربطها ونقيدها، نعقلها. ما الذي يخيف العقل من انفلات الروح من عقالها؟ أظنني يجب أن أسأل أولاً السؤال الأهم، ألا وهو: من صيّر العقل سجاناً؟ من الذي برمجه على هذه الشاكلة؟ هل فتقت المرآة عندك هذا السؤال يوماً؟ وهل وضعت على طاولة البحث والتشريح مسلماتك وبدهياتك وأعدت مناقشتها وتحليلها؟ أم أن العرف والعادة وحب اكتساب مديح المجتمع لك، أمور يجب ألا يطالها نقاش؟
عندما خرج الإنسان الأول من الكهوف لم يكن يشعر بخوف من وحش أو أي شيء في الطبيعة، فقد كانت روحه في ذلك الزمن الغابر على درجة عالية من التواؤم مع الكون، ما كان يخيف الإنسان في ذلك الوقت شيءٌ واحدٌ فقط، كان يخاف أن يكون وحيداً بمعزل عن الجماعة، وهذا الخوف الذي غدا مع الزمن خوفاً تاريخياً جعله يخضع دائماً لشروط الجماعة التي كانت يومذاك غاية في البساطة وربما العدل، لكن مع كل تطور جديد كانت الجماعة تضيف شروطاً جديدة مستغلة هذا الخوف التاريخي، ودائماً تأتي شروط الجماعة على حساب الفرد الذي كان دائماً يبدي استعداده لقبول أي شرط مقابل الحماية والأمان، ومع كل شرط جديد كانت الروح تتخلى عن جزء من علاقتها بالطبيعة والكون، ومع كل شرط جديد كان العقل يزداد تحكماً بالروح، وإذا كانت بعض الشروط تشكل ضرورة في سلم الارتقاء والتطور فإن بعضها كان قيداً يصب في مصلحة خاصة... متى بدأ الأمر؟
أظنه تزامن مع خروج الإنسان من الكهف، أو الغابة، ليستقر وبشكل نهائي في بيوت ثابتة عرف كيف يبنيها لتصبح قرى ومدناً، وذلك قبل بضعة آلاف من السنين، حيث هبطت الآلهة من السماء بأعداد لا حصر لها، واعتمد كل إله كهنته وحماة معابده وبدأت أولى الشروط المقيدة للفرد تفرض سلطانها عليه، ولأن الروح كانت ماتزال تحتفظ بالكثير من قواها فقد استطاعت مع تطور الإنسان أن تنفي هذه الآلهة الواحد تلو الآخر إلى أن بقي لكل شعب إلهه الأوحد وسادت فكرة التوحيد، وهنا كان لابد للكهنة من التنازل عن جزء كبير من مكتسباتهم الخاصة لصالح أصحاب السلطان الذين يقدمون الحماية والأمن، فكان أن تحالف وإلى الأبد رجل الدين مع رجل السلطة واقتسما معاً المكاسب الناجمة عن تقييد الأرواح ليتحول الإنسان إلى مجرد آلة إنتاج على الصعيد الاقتصادي، وآلة تسجيل على الصعيد الإنساني، فما عاد الإنسان يعبر عن ذاته، وإنما يعيد ويكرر أصوات رجال الدين والسلطة الحاكمة، وكل ذلك مقابل شعور خادع بالأمن فقد تمت برمجة العقول بشكل نهائي وصار العقل سجاناً باسم العادات والتقاليد والحلال والحرام ورضخ الجسد لأوامر العقل، فصمت بشكل نهائي وصارت كل حركاته وسكناته ورغباته تسترشد بما بُرمج عليه العقل، فإن نطق اللسان فإنما ينطق بما كان قد أملي عليه مسبقاً من قبل رجال الدين وحكماء العشيرة أو رجال العادات والأعراف أو السلطة.
فأي مرآة هذه التي تستطيع أن ترى فيها روحك بعدما استبدلت فضتها بفحم التاريخ والهزائم؟ بعدما استطاع العقل أن يعقل قوائم الروح إلى بعضها.
جريدة أوان :http://www.awan.com.kw/node/160747