المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أرزاق


ريما إبراهيم فائق
01/23/2009, 02:24 AM
صعدت إلى الحافلة ملحوقة بشتيمة و زجر ، جذبها السائق من يديها صاحت به متوسلة ، تركها تصعد بعد أن منحنها دقيقتين .
بدأت بالمقعد الأوّل ، توسلت و بكت ، مسحت المخاط الفالت من أنفها بطرف كمها ، نفر الجالسون منها ، أشاح أحدهم بوجهه عنها إلى النافذة ، مدّت يدها السوداء القذرة رفعت صوتها :
- الله يبارك في رزقكم ، الله يعطيكم من وسعه ، الله يفتحها عليكم ، الله يجبر بخاطركم .
أبعدها عنه بطرف الصحيفة التي يحملها . وصلت إلى المقعد الثالث ، مسحت وجهها ، تباكت ، اقتربت من الراكب الذي تجلس بجانبه زوجته الملونة الغارقة في الأساور ، رفعت يدها داعية :
- الله يخليك هالحلوة ، الله يطعمكم الصبي ، الله يبارك في عمرك ، ول تعطيني .
أخرج من جيبه ربع دينار ، أعطاها و هو يبتسم ناظرا إلى زوجته بفخر.
انتقلت إلى الكرسي الخامس ، توقفت عنده طويلا ، زجرها الراكب بعد طول الدعاء الذي ألقته . التصقت بالراكب في المقعد السادس ، مدت رأسها بينه و بين زوجته الشاحبة ، أزاح الأكياس المكومة عند قدميه إلى داخل المقعد ، تجاهلها ، رفعت يديها بالدعاء :
- الله يخليك هالحلوة ، الله لا يفرق بينكم ، الله يطعمك الصبي .
غضب ، لوّح بيده في وجهها ، صرخ:
- كمان !!! بكفي إلي عندي ، الله ياخذك و ياخذها ، غوري من هون .
سمعتها تشتمه وهي تتقدم للمقعد العاشر ، تقترب مني ، أهلع ، لا أريدها أن تلتصق بي ، أخرج ربع دينار ، أضعه على يد الكرسي ، أضم حقيبتي إلى صدري ، أنظر إلى النافذة لكي لا أرى السواد الذي لوّنت به وجهها الصغير ، أتجاهلها ، تخطف النقود ، يصيح بها السائق شاتما ، تركض للنزول من الباب الآخر ، ترفع صوتها قبل أن تنزل :
- بخلاء، الله لا يوفقكم .
يحذفها أحدهم بحبة برتقال عفنة وهي تقفز من الباب .

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/23/2009, 10:58 PM
عزيزتي ريما
لقطة جميلة كتبتها بخفة دم منقطع النظير .. هي بالفعل أرزاق وهي بارعة ولاشك في "تقليب عيشها" كما نقول في مصر .. فقط وقفت امام كلمة "ملحوقة" في أول سطر ولاأدري مدى صحتها اللغوية .. يمكن قبولها كلفظة عامية ولكن كفصحى لاأدري.. ربما أفادنا أهل الفصحى
هل هي من الثلاثي لحق أم من الرباعي ألحق مع تباين المعنى .. لاأدري.
لك أرق تحياتي ملحوقة بأطيب امنياتي.

ريما إبراهيم فائق
01/24/2009, 04:36 PM
أستاذنا :
شكرا لمرورك ...... أسعد دائما بتعليقك ...ز و ها أنا أنتظر اهل اللغة ليفتونا في صحتها .
دمت بخير و محبة .

ريما إبراهيم فائق
01/24/2009, 04:37 PM
أستاذنا الغالي :
شكرا لمرورك ..... أسعد دائما بتعليقك وتواجدك ... و ها أنا أنتظر أهل اللغة ليفتونا في صحتها .
دمت بكل خير .

أحمد فؤاد
01/26/2009, 12:04 PM
القاصة الموهوبة / ريما إبراهيم فائق


مررت بنصّكِ القصصي ، و الذي يلقي الضوء على ظاهرة من الظواهر التي ابتلينا بها في مجتمعنا العربي ، أما عن النص فهو مُغرق بالواقعية ، و أعتقد أنه من النادر أن لا يكون أحد منا قد عاصر أحداثاً شبيهة بأحداث قصّتكِ.


أنا عن نفسي عشته مرات عديدة ، ليس فقط في الحافلة ، و لكن في مُعطم الأماكن السياحية ، أو المُكتظة بالزائرين...

كما أوضحتِ في قصّتكِ سوء طِباع المرأة المتسوّلة ، و الذي يطغى عليها الطمع ، و هي لا ترضى بأموال إبتزّتها من الناس بطريقة الإحراج أو الإجبار أحياناً.!!!


شكراً يا ريما على هذا النص الواقعي..


ودّ


أحمد فؤاد

أيهم سليمان
01/31/2009, 07:20 PM
ريما إبراهيم فائق
أجدت أيتها الأديبة .. رسم الصورة
من وجهة نظري فإن الذي يعاني الحوج .. لا يمد يده البتة بل يحتفظ بكرامته
أما الآخرين كهذه المتسولة .. فهم لا يجدون حرجا بمد أيديهم و التلفظ بشتى الألفاظ السوقية
بديعة يا ريما إذ أنك سلطت الضوء على هذه الظاهرة التي تعج بها أوطاننا
دمت بود

ريما إبراهيم فائق
01/31/2009, 09:31 PM
أحمد فؤاد:
أيها الصديق ...... شكرا لمرورك و قراءتك .
دمت بخير

ريما إبراهيم فائق
01/31/2009, 09:33 PM
أيهم سليمان :
أيها الغالي :
و هي ظاهرة منتشرة في كل مكان في العالم ، و هؤلاء قد نتعثر بهم يوميا .
شكرا لمرورك .