المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوفية في شعر صلاح عبد الصبور ..!!!


هدى محمد
11/12/2008, 12:51 AM
الصوفية في شعر صلاح عبد الصبور

من مظاهر الشعر العربي الحديث نزوعه نحو التصوف، وقد يكون ذلك ملاذًا يلوذ به الشاعر من أزمات اجتماعية وسياسية يعانيها، وقد يكون بحثاً عن عالم أكثر صفاءً ونقاء - عالم روحاني فيه تجليات وحدس، تتلاشى فيه المادية والغرائز السلبية. وإذا كان التصوف في مرحلة ما خروجًا عن السائد، وفيه من الرفض والتضحية وإنكار الذات، وفيه من مقومات الحب والوجد، فإن الشعر الحديث كان منطلِقًا في بداياته - خاصة - نحو التعبير عن بعض ما تعبر عنه الصوفية، وكانت الدعوة إليه أولاً من خلال النظرة إلى الفكرة والإيحاءات، ينحو غالبًا إلى الجوهر، ويتخلى عن العرض، كما بدا أنه يصبو إلى الحق

و الحقيقة، والجمال والكمال.

من هنا كانت الصوفية والحداثة الشعرية تبحثان عن غايات مشتركة، منها هذه الدعوة إلى الصفاء والنقاء، ومنها تلك الشفافية في القول غير المباشر، وهذا المثول بين يدي الكلمة، فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية، وذلك للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاماتهم كل بمجاهدته الخاصة به، وبذوقه، وباتصاله وبانفصاله، بل إن التكرار وهو من مميزات الشعر الحديث سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم.

الشاعر والصوفي كان لكل منهما معاناته وقلقه وبحثه المتواصل عن العدل وعن الحقيقة، ولكل منهما تأمله ومكابدته واغترابه ووحدته، وترقبه للحظة الإلهام أو التجلي. بل هناك من رأى أن أهل الفن كأهل الطريق، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة.... لكن الشاعر" يتعمق الوجود كما يتعمقه الصوفي، وهنا يلتقيان. وربما سمي المفكر والفيلسوف صوفيًا بهذا المعنى أيضًا، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة، فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين هو متصوف بهذا المعنى " [1]

وقد أشار إحسان عباس إلى أن " الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر

(المعاصر)، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم، والتراجع في الحياة السياسية،.... كما أن هناك قسطًا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة. ثم إن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهريًا ليعيش آلامه – التي هي نفس آلام المجتمع بوجد مأساوي" [2].

*

الصوفية معلم بارز في شعر عبد الصبور [3]،

وثقافته الصوفية برزت في بواكير أشعاره بدءًا من ديوانه الناس في بلادي، ثم تطورت. وكانت ذروة ذلك أن أصدر مسرحية مأساة الحلاج، وخلع على هذه الشخصية الصوفية - الحلاج (858-922 م) التزامًا، فجعل من الصوفية التي عرف بأنها ضمن دوائر السكونية- أي التي لا تشارك في قضايا المجتمع- صوفيةً متحركة تتمرد على التقشف والكبت والجوع والقهر والظلم، وبعبارة أخرى – تقاوم الشر. وهذه الصوفية التي أكثر عبد الصبور من تناولها - ربما كانت نتيجة حتمية لتساؤلاته الكثيرة وتأملاته في زمنه" الجريح" [4].

ابتدأ الشاعر عالمه الشعري وقد صاحبته الإشارات الصوفية، فلا تكاد تجد قصيدة إلا وفيها إشعاعات صوفية يتعلق تعليلها بالمتلقي وقراءته [5].

نعاين هذه الملامح الأولى للصوفية في ديوانه الأول الناس في بلادي، ومنها:

بالأمس في نومي رأيت الشيخ

محيي الدين

مجذوبَ حارتي العجوز

وكان في حياته يعاين الإله

تصوري ويجتلي سناه

وقال لي ".... ونسهر المساء

مسافرين في حديقة الصفاء...

.....

ويعقد الوجدُ اللسانَ.... من يبُح يضِل

....."

وقال لي [6]

وصوته العميق كالنغم.

"يا صاح أنت تابعي

فقم معي

ردْ مشرعي [7]

ولماذا هذا اللجوء إلى الشيخ؟

ذلك لأن قلبه كسير وجسمه مغلل، فلا بد له من أن يعود إلى الصفاء إلى الحب:

بل كلنا صغار....

الحبيب وحده هو الكبير. [8]

وفي ديوان أقول لكم ينكر في قصيدته (القديس) [9]

أباطيل فلسفة أفلاطون وماركس وأرسطو، وأصحاب نظرية الحلول والسوفسطائيين وفيثاغورس، ويرى أن الحب الإلهي هو مصدر الكون، وهو يقول:

ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم و الأمواه و الأزهار موسيقى

"رأيت الله في قلبي "

ساعتها:

شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس

شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه [10]

كذلك كان الشاعر يصف الصوفي في قصيدته (الكلمات) - ذلك الذي يطوف في الأرض أو يسكن خلوته:

حديثي محض ألفاظ ولا أملك إلاها [11]

وفي ديوان أحلام الفارس القديم يكتب لنا الشاعر عن مذكرات الصوفي بشر الحافي (867-841م) . وفي هذه المذكرات نعرف أن سبب سقوط الإنسان هو فقدان الإيمان. وهو الذي خلق جيلاً من الشياطين مكان بني آدم فيقول:

"حين فقدنا الرضا

بما يريد القضا

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار..

...........

حين فقدنا هدأة الجنبِ

على فراش الرضا الرحبِ

نام على الوسائد

شيطان بغض فاسدِ

معانقي، شريك مضجعي، كأنما

قرونه على يدي

حين فقدنا جوهر اليقين

تشوهت أجنَّة الحبالى في البطون..

.......... جيل من الشياطين

جيل من الشياطين"

إذن نحن – في نظر الراوي الشاعر - افتقدنا رضانا بقضاء الله، فتشوهت حياتنا ، وأصبحنا بعد أن أخذ الشعر ينمو في مغاور العيون ، جيلاً من الشياطين. .. ويمضي الشاعر قائلاً على لسان بشر :

تعالى الله هذا الكون موبوء ولا برء

ولو ينصفنا الرحمن عجّل نحونا بالموت... [12]

قرأ صلاح قصة بشر الحافي بعد أن مال إلى التصوف، فبِشر - كما يذكر الشاعر: "مشى يومًا في السوق، فأفزعه الناس، فخلع نعليه، ووضعهما تحت إبطيه، وانطلق يجري في الرمضاء، فلم يدركه أحد، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائتين " [13].

وقد ذكر الشاعر في مقابلة معه أنه اطلع على القصة في كتاب طبقات الأولياء للشعراني (1492-1565)، فرأى فيها قصته هو نفسه "عندما يتصور أن الحياة أصعب من التصور" [14]

فالكون لا يصلحه شيء.

تعالى الله هذا الكون لا يصلحه شيء

فأين الموت أين الموت أين الموت؟ - [15]

يسأل بشر شيخه بسام الدين عن نهاية ما هم فيه من معاناة، فيجيبه الأخير.....

يا بشر أصبر

دنيانا أجمل مما تذكر

ها أنت ترى الدنيا في قمة وجدك

لا تبصر إلا الأنقاض السوداء

ثم ما يلبث أن يسأل شيخه:

أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ [16]

فيجيبه بسام الدين:

سيهل على الدنيا ركبه.

وقد توقف الباحث إبراهيم منصور على دراسة مستفيضة لهذه القصيدة "مذكرات الصوفي بشر الحافي، وذكر أنها" مقسمة إلى خمسة مقاطع، نسمع صوت بشر وحده في المقاطع الأربعة الأولى، وفي المقطع الخامس نسمع صوتين: هما صوت بشر، وصوت شيخه بسام الدين. في المقطع الأول يشكو بشر من الجدب والإمحال، وهو جدب روحي بالطبع برغم أنه يعبر عنه بما يعني أنه جدب في الطبيعة:

لم تنزل الأمطار

لم تورق الأشجار

لم تلمع الأثمار

وهو يرى أن هذا الجدب نتيجة للجدب الروحي....، [17]

وفي المقطعين الثاني والثالث دعوة للصمت... وينتهي المقطع الرابع أيضًا بتأكيد طلب الموت يأسًا.....

وهذه القصيدة تبدو وكأنها مقدمة لظهور الحلاج ومذهب الخير المطلق، فالصوفية في هذه الشخصية تصلح لتفسيرات الوثبات الوجدانية. [18]

إن البطل في مأساة الحلاج يتحمل أعباء المسؤولية حتى في ساعة الخطر المحدق، يقول مخاطبًا الشبلي:

لا، إني أشرح لك

لم يختار الرحمن شخوصاً من خلقه

ليفرق فيهم أقباسا من نوره

هذا.. ليكونوا ميزان الكون المعتل

ويفيضوا نور الله على فقراء القلب

وكما لا ينقص نور الله إذا فاض على أهل النعمة

لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض على الفقراء [19]

وفي مكان آخر:

الحلاج: هبنا جانبنا الدنيا

ما نصنع عندئذ بالشر؟!

الشبلي: الشر

ماذا تعني بالشر؟

الحلاج: فقر الفقراء

جوع الجوعى............

........

والمسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي.....

ورجال ونساء قد فقدوا الحريه

........

الشر استولى على ملكوت الله

حدثني كيف أغض العين عن الدنيا؟! [20]

استقى صلاح مسرحيته من التاريخ [21]،

.

هدى محمد
11/12/2008, 12:51 AM
وأعاد صياغة الأحداث بتشكيل جديد يتفق ومجابهة الشاعر لها، فكان الحلاج هو القناع أو البديل الموضوعي للشاعر في معاناته. ولعله تعبير عن أزمة صلاح عبد الصبور ومأساته الخاصة، أكثر من كونه تعبيرًا عن الحلاج ذي التجليات والشطحات. من هنا أكد عبد الصبور على كون الحلاج - في مسرحيته - شاعرًا، وذلك حتى يلازم بين الشعر والموقف، وكأنه يشير إلى دور الشعر في بناء الإنسان، وفي عذابه أو خلاصه.. وبما أن عبد الصبور سلك درب الشعر، فقد رأى أن يجعل قناعه أو شخصيته التي يعالج حياتها جزءًا من واقعه هو، وبذا يكون الحلاج معبَرًا ومعبِّرًا عن صوته الشعري وموقفه الذاتي الذي يهدده الكبت السياسي المعيش، خاصة وأن عبد الصبور في حياته اليومية سلك دربًا فيه من إظهار القبول بما تيسر وفيه من المهادنة، لكن فيه كذلك الرفض المبطن - الأمر الذي أوقعه في حيرة موقفية.

ولم يكن الباحث ليجرؤ على هذا الحكم التماثلي لو لم يكن هذا التذييل الذي أورده الشاعر في ختام المسرحية:

"ثم عاد (الحلاج) إلى بغداد ليعظ ، ويتحدث عن مواجده.. يبث الآراء الإصلاحية، ويتَّصل ببعض وجوه الدولة.. وهو: المجاهد الروحي العظيم....... وفي مقال ماسينيون إشارة إلى الدور الاجتماعي للحلاج في محاولته إصلاح واقع عصره...... فمما لا شك فيه أن الحلاج كان مشغولاً بقضايا مجتمعه، وقد رجَّحتُ أنَّ الدولة لم تقف ضده هذه الوقفة إلا عقاباً على هذا الفكر الاجتماعي " [22].

استخدم الشاعر التناص بكثرة فضلا عن الاستشهاد بالمستنسخات والمقتبسات والشذرات العرفانية. فرأينا فيها الانزياح و الرموز الإحالية والعبارات الموحية الرشيقة.

يرى الباحث يوسف زيدان [23]

أن الشاعر ألبس الحلاج ثوباً سقراطيًا يعكس مزاجَ صلاح عبد الصبور وصورةَ الشاعر / البطل، عنده.. فسقراط أقبل على الموت راضياً، حتى تبقى الآراء الفلسفية التي ما فتئ يعبِّر عنها فى سجنه الأخير - وهو ما عبَّر عنه أفلاطون، بروعة، فى محاورة: فيدون-، فجاءت الصورة الحلاجية تتخذ الموقف نفسه في تصور صلاح عبد الصبور.. فالحلاج عند عبد الصبور، يقول:

الحلاج: مثلي لا يحمل سيفاً.

السجين الثاني: هل تخشى حمل السيف؟
الحلاج: لا أخشى حمل السيف ولكني أخشى أن أمشي به

فالسيف إذا حملت مقبضه عمياء

أصبح موتاً أعمى [24]

من هنا رأينا أن الشاعر عمد إلى أن يقلل من حدة الشطحات الصوفية لدى الحلاج، ولم يذكر في مسرحيته إشراقات صوفية متطرفة عُرفت عن الحلاج، بل جعل وكده الصورة الإصلاحية المتواصلة مع واقع الناس، فيقول على لسان صوفي يخاطب المجتمعين:

يا قوم،

هذا الشرطي استدرجه كي يكشف عن حاله

لكن هل أخذوه من أجل حديث الحب؟

لا، بل من أجل حديث القحط

أخذوه من أجلكمو أنتم

من أجل الفقراء المرضى، جزية جيش القحط [25]

الفكرة الإصلاحية لدى الحلاج جعلها الشاعر منطلقة من نفسه هو، وهو يعترف على لسان الحلاج، ويمكن للمتلقي أن يماثل، وأن يقرأ أن الراوي هو البطل:

لا أملك إلا أن أتحدث

ولتنقل كلماتي الريح السواحة

ولأثبتها في الأوراق شهادة إنسان من أهل الرؤية

فلعل فؤادًا ظمآنًا من أفئدة وجوه الأمة

يستعذب هذي الكلمات

فيخوض بها في الطرقات

يرعاها إن ولي الأمر

ويوفق بين القدرة والفكرة

ويزاوج بين الحكمة والفعل [26]

كثرت رموز صوفية في تضاعيف هذه المسرحية توافقًا مع الشخصية التي درسها الشاعر، ورأى أنها ضحية وبطل معًا، ونسوق مثلاً:

الحلاج – قل لي يا شبلي، أأنا

أرمد؟

الشبلي: لا بل حدّقت إلى الشمس

وطريقتنا أن ننظر للنور الباطن

ولذا فأنا أرخي أجفاني في قلبي

وأحدق فيه فأسعد

وأرى في قلبي أشجارًا

وملائكة ومصلين وأقمارا

وشموسًا خضراء وصفراء وأنهارا [27]

فالشمس والطريقة والنور والباطن والملائكة والصلاة والألوان المختلفة. ...هي من مصطلحات الصوفية [28]،

وهي مصطلحات يلبسها بعدًا فكريًا مألوفًا.

و نجد في هذا المثال نفسه ذلك التعبير عن الموقف بلمحة " أرخي أجفاني في قلبي " ، كما نجد الخيال الذي أضفى على الصورة عالمًا جديدًا متشابكًا من الحيوية والخلق (فأرى في قلبي أشجارًا.... إلخ).

فمن الحلاج المسالم المتمزق بين السيف والكلمات - كما يقول سامي خشبة - [29]

يحاول صلاح أن يجيب عن الأسئلة المطروحة على أصعدة الفكر الإنساني.

استقصى بعض الباحثين استخدام الشاعر لعبارات حلاجية بعينها، فكانت تناصات في نسيج المسرحية، فثمة أقوال أخذت من كتاب الحلاج الطواسين، وألمع لها الشاعر دون أن يذكرها نصًا، كأثر الحج في نفس الحلاج، أو "تجديفات" هذا الصوفي، والحديث عن

"الدورة" التي تكتمل بتقديم الحلاج نفسه ضحية وبذله دمه مختارًا. وهنا نرى أثر التراث المسيحي حول شخصية المسيح. فالشاعر الحديث كان يعيد صياغة كلمات الشاعر (الحلاج في لغة عصرية دون أن يذكر الأصل - كما كان لدى الحلاج - بكل ما فيه من حرارة العاطفة ورمزية التعبير وروحانية النزعة. [30]

أشرت إلى أن اصطلاحات الصوفية تشرق هنا وهناك في مضامين شعره، ويبدو ذلك جليًا في القصيدة - في بنائها ، حيث تتولد بمصطلحات صوفية هي في نظر صلاح بالتحديد تأتي:

أ - كوارد، وقد يكون حين يرد إلى الذهن مطلع قصيدة.

ب - كفعل، وهي مرحلة التلوين والتمكين في مصطلحات الصوفية، وهنا يشبّه صلاح السعي وراء العمل الفني بالرحلة [31]،

بدلاً من تشبيهها بالصنعة.

ج- العودة لكي يبدأ المحاكمة النقدية. [32]

وتتبدى ثقافة صلاح الصوفية كذلك في أعماله الأخيرة استمرارًا وتطويرًا، ففي مقدمته لقصيدة " البحث عن وردة الصقيع" [33]،

يستشهد بـ (موتو) أو تعليقة القصيدة بقول ابن عربي (1075-1148م)، وكأنه يريد أن يؤكد لنا منهجه هو في كتابة الشعر:

" ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنازلات الروحية والمناسبات العلوية جريًا على طريقتنا المثلى".

وفي قصيدة "ذكرى الدرويش عُبادة " الذي كان ظلا قلقًا مجنونًا ، كان واختفى، نجد معالم الصوفي الحائر:

كان كثيرًا ما يحلم

حتى تصبح رؤياه أشباحًا مرتبكه

أو أشكالاً مشتبكه

......

أو أصواتًا متداغمة لا تُفهم

أسأل أحيانًا

هل كان يرى ما لا نبصر

أم يعلم ما لا نعلم

أم كان يحس بأن خيول الزمن العاتي

خلف خطانا تتقدم؟! [34]

وقطعًا فهنا نلمح الفرق بين عبادة وبين الشيخ محيي الدين أول صوفي يبرز في شعر عبد الصبور؛ فالأول كان علامة الحيرة، بينما الثاني كان علامة الصفاء. وكان الحلاج رمزًا للتضحية من أجل العدل، بدأ رحلته بالكلمة، وأنهاها بالموت.

وبين ظلال الصفاء والحيرة تظل صوفية عبد الصبور صوفية إيجابية بناءة وملتزمة، صوفية تأتّت بعد معاناة وحزن، أو كما سبق وأن قلنا بعد تأمل. وهذه الصوفية كما تجلت في مسرحية

مأساة الحلاج قد أضفت بعدًا جديدًا على الصوفية، أو قل تفسيرًا جديدًا لمواقف وحالات ومقامات، فجعل الوجد متحركًا يقاوم الشر، وجعل البطل يُقبل على صلبه تضحية وبطولة وكأنه المسيح فيي العقيدة المسيحية، فلا يتراجع عن كلماته، وتبدأ حياته بالكلمة وتنتهي بالموت

هدى محمد
11/12/2008, 12:52 AM
المراجع:

عبد الصبور، صلاح. الناس في بلادي. (ط2). القاهرة: دار المعرفة، 1962.
عبد الصبور، صلاح. شجر الليل. القاهرة: دار الوطن العربي، 1972.
عبد الصبور، صلاح. ديوان صلاح عبد الصبور. (جزءان). بيروت: دار العودة، 1977.
عبد الصبور، صلاح. مأساة الحلاج. بيروت: دار الآداب، 1969.
عبد الصبور، صلاح. حياتي في الشعر. بيروت: دار العودة، 1969.

المصادر:

خشبة، سامي. شخصيات من أدب المقاومة. بيروت: دار الآداب، 1970.
عباس، إحسان. اتجاهات الشعر العربي المعاصر. الكويت: عالم المعرفة ، 1978.
فاضل، جهاد. قضايا الشعر الحديث. بيروت: دار الشروق، 1984.
منصور، إبراهيم. الشعر والتصوف. القاهرة: دار الأمين، 1999.
مواسي، فاروق. صلاح عبد الصبور شاعرًا مجددًا، معهد التطبيق. جامعة حيفا، 1979.
عدد مجلة الأفق - (القدس) أكتوبر 1965.
* مواقع على الشبكة ذكرت لدى الاستشهاد بها.

---------------------------------------------

[1] - منصور، إبراهيم: الشعر والتصوف، ص 146.

[2] - عباس، إحسان: اتجاهات الشعر العربي المعاصر، ص 208، ويجد الناقد مظاهر التصوف في اثنتي عشرة ناحية، منها الحزن، الإحساس بالغربة، اتحاد الشاعر بالرموز المثقلة بالتضحية، الظمأ النفسي لمعانقة الواقع..... وتحتاج هذه النقاط التي سردها الناقد إلى وقفة أطول، ودراسة متأنية - الأمر الذي لم يستوف حقه.

[3] - ولد في الزقازيق في مصر سنة 1931. أصدر عددًا من المجموعات الشعرية والكتابات النقدية، وبرز لديه المسرح الشعري. كان يتجه أولاً نحو الماركسية، ثم تأثر بالفلسفة الوجودية، وبعد ذلك أخذ يتجاوب مع التجربة الصوفية. توفي سنة 1981 في القاهرة.

[4] - للشاعر ديوان أطلق عليه "تأملات في زمن جريح".
[5] - لا شك أن المتلقي قد يجد تناصات وإلماعات من الصوفية لا يفطن لها قارئ آخر، ولذا فمن العسير أن يحدد الباحث أو يحصر كل تناص وتناص.

[6] - لاحظ أن التعبير (وقال لي) يتكرر مئات المرات في كتاب النفري المواقف والمخاطبات.

[7] - عبد الصبور: ديوان صلاح عبد الصبور ج 1، ص 79-80.

[8] - ن. م، ص 80.

[9] - ن. م، ص 177.

[10] - ن. م

[11] - ن. م، ص 173.

[12] - ديوان صلاح عبد الصبور ج 1، ص 267.

[13] - ن. م، ص 261.

[14] - المناصرة، عز الدين: "مقابلة مع الشاعر عبد الصبور، مجلة الأفق الجديد، أكتوبر 1965، ص 11.

[15] - ديوان صلاح عبد الصبور ج 1، ص 267.

[16] - ن. م، ص 268.

[17] - منصور، إبراهيم: الشعر والتصوف ، ص 150.

[18] - عبد الصبور: حياتي في الشعر، ص 10.

[19] - ديوان صلاح عبد الصبور ج 1، ص 468.

[20] - عبد الصبور، صلاح: "مأساة الحلاج" - ديوان صلاح عبد الصبور ج1، ص 469 - 471. ومع ذلك فالشاعرأو الراوي يشير بإصبع الاتهام على الجمهور- على الناس الذين تلعب بهم السلطة، وهو لا يبرئهم: صَفُّونا.. صفّاً.. صفّاً / الأجهرُ صوتاً والأطول / وضعوه فى الصَّفِّ الأول / ذو الصوت الخافت والمتواني / وضعوه فى الصف الثاني / أعطوا كُلاً منا ديناراً من ذهب قاني / برَّاقا لم تلمسه كفٌ من قبل / قالوا: صيحوا.. زنديقٌ كافر / صحنا: زنديقٌ.. كافر / قالوا: صيحوا، فليُقتل إنَّا نحمل دمه فى رقبتنا / فليُقتل إنا نحمل دمه فى رقبتنا / قالوا: امضو فمضينا / الأجهرُ صوتاً والأطول / يمضى فى الصَّفِّ الأول / ذو الصوت الخافت والمتوانى / يمضى فى الصَّفِّ الثانى. ...ن . م ، ص 453 – 454.

[21] - يقول عبد الصبور أنه في هذه المسرحية وفق بين أمرين، أحدهما الشخصية التاريخية المعروفة.... الحلاج الصوفي الشاعر...، والأمر الآخر هو الفكرة المحورية التي أراد أن يكتبها على المسرح، وهي فكرة الالتزام، أو أزمة المثقف في الستينيات من القرن العشرين، ويضيف: " لقد جاوزت التاريخ بإرادتي، بل كنت أريد عرض الحاضر على الماضي " – من حديث للشاعر في كتاب جهاد فاضل: قضايا الشعر الحديث، ص 268. أما الحلاج فيرى الباحث علي الثويني أنه "قد اخترقت الروحانيات كيانه وأصبح فكراً متحركاً ناطقاً لا يعبأ بأي مصير غير ما أوصلته إليه قناعاته.وأنعكس ذلك جليًا في سلوكياته. وتناقل الناس كراماته وبلغوا فيها مثلما هو ديدن البشر،- بالرغم من وجود ما يقارب الأربعة آلاف صوفي غيره في بغداد. وتلمس بعض العامة كرمه وسخاءه مما يرده من كرماء القوم أو ما أسماه هو (دراهم القدرة) التي ترده من الغيب. فاجتمع حوله خلق كبير وآمن به صفوتهم ودهماؤهم، ويمكن أن يكون هذا بداية ما يبرر مناصبة بعض الشيوخ والفقهاء و"وعاظ السلاطين" العداء له بعد ذلك. وقد تزامن هذا مع مغازلاته السرية مع فرقة القرامطة التي اعتبروها (مارقة) و انتقاده اللاذع لفساد دوائر الدولة وتفشي الرشوة فيها". ويضيف الباحث: " لقد كان صوفيًا ثائرًا وربما استثنائيًا بما وسم به الصوفية من الدعة والخنوع و"الدعوى للسلطان بطول العمر". وتداخل لديه الإيمان مع الاحتكام إلى المعرفة والإصلاح الاجتماعي والسياسي للدولة وكان يبشر بفكرة الحكومة المثالية. فانبرى بعض أقطاب الدولة بمهاجمته، ثم إدانته بما ذهب إليه، ثم رميه في غياهب السجن". - انظر دراسته: الحلاج "بين خيال الشعروشطحات التصوف ومآرب الاستشراق": http://www.islamic-sufism.com/article.php?id=1577

[22] - عبد الصبور، صلاح: "مأساة الحلاج " - ديوان صلاح عبد الصبور ج1، ص 606-607

[23] - موقع الدكتوريوسف زيدان للتراث والمخطوطات: http://www.ziedan.com/research/tagalyat.asp

[24] - عبد الصبور، صلاح: "مأساة الحلاج" - ديوان صلاح عبد الصبور ج1، ص 544.

[25] - ن. م، ص 506.

[26] - عبد الصبور، صلاح: "مأساة الحلاج" - ديوان صلاح عبد الصبور ج1، ص 586.

[27] - ن. م، 467.

[28] - يتوقف إبراهيم منصور في كتابه الشعر والتصوف، ص 134 على رمز الجبل، ويسرد بداياته في القرآن ، ثم لدى العطار في منطق الطير، وصولاً إلى جبران خليل جبران. ويستقرئ استخدام (الجبل) في قصيدته " نزهة الجبل " – ديوان صلاح عبد الصبور ج1، ص 9-10.

[29] - خشبة، سامي: شخصيات من أدب المقاومة، ص 44. وللكلمة أهمية في المسرحية فالجزء الأول من المسرحية عنوانه (الكلمة)، فالكلمة هي المنطلق الذي سعى إليه الحلاج، وهي ما كان يتمني أن يبقى أثرًا وإرثًا، هي تهمته التي اتهم بها، وهي السلاح الذي سيقتله. هي النعمة وهي النقمة. أما السيف أو (الموت) فهو عنوان الجزء الثاني، وهو ما يسعى إليه ليكون فيه الخلاص – على غرار المسيح -، ولتكون فيه الحياة.

[30] - للتوسع انظر: منصور: إبراهيم - الشعر والتصوف، ص 157-159.

[31] - يقول عبد الصبور: "والواقع أن الصوفية هم أول من أشار إلى أن التجربة الروحية شبيهة بالرحلة، وهم الذين جعلوا من سعيهم وراء الحقيقة سفرًا مضنيًا مليئًا بالمفاجآت والمخاوف في طريق موحش طويل، قد ينتهي بسالكه إلى النهاية السعيدة إن وفق الله وأراد.

يقول أحدهم: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم، فإذا ظفروا بنفوسهم، فقد وصلوا". وتشير هذه الكلمة إلى غاية العمل الفني كما تشير إلى غاية التجربة الوجدانية، فليست غاية العمل الفني إلا الظفر بالنفس..." عبد الصبور ديوان صلاح عبد الصبور، ج 2، ص 24. [32] - عبد الصبور: حياتي في الشعر، ص 5، وما بعدها.

[33] - عبد الصبور: شجر الليل، ص 22.

[34] - ن. م، ص 102.



د. فاروق مواسي

د.مصطفى عراقي
06/08/2010, 11:37 AM
سلمت يدك يا أديبتنا القديرة

وأسمى التحيات لناقدنا الكبير الدكتور فاروق لهذه الدراسة العالية

أحمد حسن محمد
06/09/2010, 09:38 PM
نعم، يا أديبة الحكايا القديرة، كان مقالاً ممتازًا تحدث عن كثير من التفاصيل والعلاقات الأدبية التي عاصرت مرحلة مهمة من مراحل البعث والتحديث في شعرنا العربي، حين كانت الظروف تفرض على الشاعر أن يتلبس صفات معينة في مجتمع خرج من قبضة الاحتلال بعقليات يرثى لها..

كان مقالا رائعًا

شكرًا لك ولكاتبه

واحترامي