هدى محمد
11/12/2008, 12:51 AM
الصوفية في شعر صلاح عبد الصبور
من مظاهر الشعر العربي الحديث نزوعه نحو التصوف، وقد يكون ذلك ملاذًا يلوذ به الشاعر من أزمات اجتماعية وسياسية يعانيها، وقد يكون بحثاً عن عالم أكثر صفاءً ونقاء - عالم روحاني فيه تجليات وحدس، تتلاشى فيه المادية والغرائز السلبية. وإذا كان التصوف في مرحلة ما خروجًا عن السائد، وفيه من الرفض والتضحية وإنكار الذات، وفيه من مقومات الحب والوجد، فإن الشعر الحديث كان منطلِقًا في بداياته - خاصة - نحو التعبير عن بعض ما تعبر عنه الصوفية، وكانت الدعوة إليه أولاً من خلال النظرة إلى الفكرة والإيحاءات، ينحو غالبًا إلى الجوهر، ويتخلى عن العرض، كما بدا أنه يصبو إلى الحق
و الحقيقة، والجمال والكمال.
من هنا كانت الصوفية والحداثة الشعرية تبحثان عن غايات مشتركة، منها هذه الدعوة إلى الصفاء والنقاء، ومنها تلك الشفافية في القول غير المباشر، وهذا المثول بين يدي الكلمة، فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية، وذلك للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاماتهم كل بمجاهدته الخاصة به، وبذوقه، وباتصاله وبانفصاله، بل إن التكرار وهو من مميزات الشعر الحديث سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم.
الشاعر والصوفي كان لكل منهما معاناته وقلقه وبحثه المتواصل عن العدل وعن الحقيقة، ولكل منهما تأمله ومكابدته واغترابه ووحدته، وترقبه للحظة الإلهام أو التجلي. بل هناك من رأى أن أهل الفن كأهل الطريق، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة.... لكن الشاعر" يتعمق الوجود كما يتعمقه الصوفي، وهنا يلتقيان. وربما سمي المفكر والفيلسوف صوفيًا بهذا المعنى أيضًا، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة، فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين هو متصوف بهذا المعنى " [1]
وقد أشار إحسان عباس إلى أن " الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر
(المعاصر)، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم، والتراجع في الحياة السياسية،.... كما أن هناك قسطًا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة. ثم إن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهريًا ليعيش آلامه – التي هي نفس آلام المجتمع بوجد مأساوي" [2].
*
الصوفية معلم بارز في شعر عبد الصبور [3]،
وثقافته الصوفية برزت في بواكير أشعاره بدءًا من ديوانه الناس في بلادي، ثم تطورت. وكانت ذروة ذلك أن أصدر مسرحية مأساة الحلاج، وخلع على هذه الشخصية الصوفية - الحلاج (858-922 م) التزامًا، فجعل من الصوفية التي عرف بأنها ضمن دوائر السكونية- أي التي لا تشارك في قضايا المجتمع- صوفيةً متحركة تتمرد على التقشف والكبت والجوع والقهر والظلم، وبعبارة أخرى – تقاوم الشر. وهذه الصوفية التي أكثر عبد الصبور من تناولها - ربما كانت نتيجة حتمية لتساؤلاته الكثيرة وتأملاته في زمنه" الجريح" [4].
ابتدأ الشاعر عالمه الشعري وقد صاحبته الإشارات الصوفية، فلا تكاد تجد قصيدة إلا وفيها إشعاعات صوفية يتعلق تعليلها بالمتلقي وقراءته [5].
نعاين هذه الملامح الأولى للصوفية في ديوانه الأول الناس في بلادي، ومنها:
بالأمس في نومي رأيت الشيخ
محيي الدين
مجذوبَ حارتي العجوز
وكان في حياته يعاين الإله
تصوري ويجتلي سناه
وقال لي ".... ونسهر المساء
مسافرين في حديقة الصفاء...
.....
ويعقد الوجدُ اللسانَ.... من يبُح يضِل
....."
وقال لي [6]
وصوته العميق كالنغم.
"يا صاح أنت تابعي
فقم معي
ردْ مشرعي [7]
ولماذا هذا اللجوء إلى الشيخ؟
ذلك لأن قلبه كسير وجسمه مغلل، فلا بد له من أن يعود إلى الصفاء إلى الحب:
بل كلنا صغار....
الحبيب وحده هو الكبير. [8]
وفي ديوان أقول لكم ينكر في قصيدته (القديس) [9]
أباطيل فلسفة أفلاطون وماركس وأرسطو، وأصحاب نظرية الحلول والسوفسطائيين وفيثاغورس، ويرى أن الحب الإلهي هو مصدر الكون، وهو يقول:
ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم و الأمواه و الأزهار موسيقى
"رأيت الله في قلبي "
ساعتها:
شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس
شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه [10]
كذلك كان الشاعر يصف الصوفي في قصيدته (الكلمات) - ذلك الذي يطوف في الأرض أو يسكن خلوته:
حديثي محض ألفاظ ولا أملك إلاها [11]
وفي ديوان أحلام الفارس القديم يكتب لنا الشاعر عن مذكرات الصوفي بشر الحافي (867-841م) . وفي هذه المذكرات نعرف أن سبب سقوط الإنسان هو فقدان الإيمان. وهو الذي خلق جيلاً من الشياطين مكان بني آدم فيقول:
"حين فقدنا الرضا
بما يريد القضا
لم تنزل الأمطار
لم تورق الأشجار
لم تلمع الأثمار..
...........
حين فقدنا هدأة الجنبِ
على فراش الرضا الرحبِ
نام على الوسائد
شيطان بغض فاسدِ
معانقي، شريك مضجعي، كأنما
قرونه على يدي
حين فقدنا جوهر اليقين
تشوهت أجنَّة الحبالى في البطون..
.......... جيل من الشياطين
جيل من الشياطين"
إذن نحن – في نظر الراوي الشاعر - افتقدنا رضانا بقضاء الله، فتشوهت حياتنا ، وأصبحنا بعد أن أخذ الشعر ينمو في مغاور العيون ، جيلاً من الشياطين. .. ويمضي الشاعر قائلاً على لسان بشر :
تعالى الله هذا الكون موبوء ولا برء
ولو ينصفنا الرحمن عجّل نحونا بالموت... [12]
قرأ صلاح قصة بشر الحافي بعد أن مال إلى التصوف، فبِشر - كما يذكر الشاعر: "مشى يومًا في السوق، فأفزعه الناس، فخلع نعليه، ووضعهما تحت إبطيه، وانطلق يجري في الرمضاء، فلم يدركه أحد، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائتين " [13].
وقد ذكر الشاعر في مقابلة معه أنه اطلع على القصة في كتاب طبقات الأولياء للشعراني (1492-1565)، فرأى فيها قصته هو نفسه "عندما يتصور أن الحياة أصعب من التصور" [14]
فالكون لا يصلحه شيء.
تعالى الله هذا الكون لا يصلحه شيء
فأين الموت أين الموت أين الموت؟ - [15]
يسأل بشر شيخه بسام الدين عن نهاية ما هم فيه من معاناة، فيجيبه الأخير.....
يا بشر أصبر
دنيانا أجمل مما تذكر
ها أنت ترى الدنيا في قمة وجدك
لا تبصر إلا الأنقاض السوداء
ثم ما يلبث أن يسأل شيخه:
أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ [16]
فيجيبه بسام الدين:
سيهل على الدنيا ركبه.
وقد توقف الباحث إبراهيم منصور على دراسة مستفيضة لهذه القصيدة "مذكرات الصوفي بشر الحافي، وذكر أنها" مقسمة إلى خمسة مقاطع، نسمع صوت بشر وحده في المقاطع الأربعة الأولى، وفي المقطع الخامس نسمع صوتين: هما صوت بشر، وصوت شيخه بسام الدين. في المقطع الأول يشكو بشر من الجدب والإمحال، وهو جدب روحي بالطبع برغم أنه يعبر عنه بما يعني أنه جدب في الطبيعة:
لم تنزل الأمطار
لم تورق الأشجار
لم تلمع الأثمار
وهو يرى أن هذا الجدب نتيجة للجدب الروحي....، [17]
وفي المقطعين الثاني والثالث دعوة للصمت... وينتهي المقطع الرابع أيضًا بتأكيد طلب الموت يأسًا.....
وهذه القصيدة تبدو وكأنها مقدمة لظهور الحلاج ومذهب الخير المطلق، فالصوفية في هذه الشخصية تصلح لتفسيرات الوثبات الوجدانية. [18]
إن البطل في مأساة الحلاج يتحمل أعباء المسؤولية حتى في ساعة الخطر المحدق، يقول مخاطبًا الشبلي:
لا، إني أشرح لك
لم يختار الرحمن شخوصاً من خلقه
ليفرق فيهم أقباسا من نوره
هذا.. ليكونوا ميزان الكون المعتل
ويفيضوا نور الله على فقراء القلب
وكما لا ينقص نور الله إذا فاض على أهل النعمة
لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض على الفقراء [19]
وفي مكان آخر:
الحلاج: هبنا جانبنا الدنيا
ما نصنع عندئذ بالشر؟!
الشبلي: الشر
ماذا تعني بالشر؟
الحلاج: فقر الفقراء
جوع الجوعى............
........
والمسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي.....
ورجال ونساء قد فقدوا الحريه
........
الشر استولى على ملكوت الله
حدثني كيف أغض العين عن الدنيا؟! [20]
استقى صلاح مسرحيته من التاريخ [21]،
.
من مظاهر الشعر العربي الحديث نزوعه نحو التصوف، وقد يكون ذلك ملاذًا يلوذ به الشاعر من أزمات اجتماعية وسياسية يعانيها، وقد يكون بحثاً عن عالم أكثر صفاءً ونقاء - عالم روحاني فيه تجليات وحدس، تتلاشى فيه المادية والغرائز السلبية. وإذا كان التصوف في مرحلة ما خروجًا عن السائد، وفيه من الرفض والتضحية وإنكار الذات، وفيه من مقومات الحب والوجد، فإن الشعر الحديث كان منطلِقًا في بداياته - خاصة - نحو التعبير عن بعض ما تعبر عنه الصوفية، وكانت الدعوة إليه أولاً من خلال النظرة إلى الفكرة والإيحاءات، ينحو غالبًا إلى الجوهر، ويتخلى عن العرض، كما بدا أنه يصبو إلى الحق
و الحقيقة، والجمال والكمال.
من هنا كانت الصوفية والحداثة الشعرية تبحثان عن غايات مشتركة، منها هذه الدعوة إلى الصفاء والنقاء، ومنها تلك الشفافية في القول غير المباشر، وهذا المثول بين يدي الكلمة، فالمتصوفة والشعراء استعملوا اللغة الشعرية الإيحائية، وذلك للتعبير عن تجاربهم وأحوالهم ومقاماتهم كل بمجاهدته الخاصة به، وبذوقه، وباتصاله وبانفصاله، بل إن التكرار وهو من مميزات الشعر الحديث سمة لازمة في أوراد الصوفية وأذكارهم.
الشاعر والصوفي كان لكل منهما معاناته وقلقه وبحثه المتواصل عن العدل وعن الحقيقة، ولكل منهما تأمله ومكابدته واغترابه ووحدته، وترقبه للحظة الإلهام أو التجلي. بل هناك من رأى أن أهل الفن كأهل الطريق، وفي كليهما معاناة داخلية وصراع مع الذات للوصول إلى عمق التجربة.... لكن الشاعر" يتعمق الوجود كما يتعمقه الصوفي، وهنا يلتقيان. وربما سمي المفكر والفيلسوف صوفيًا بهذا المعنى أيضًا، بمعنى أن الصوفية إذا كانت هي عمق التجربة، فكل صاحب تجربة ورؤية عميقة في الفن والحياة والدين هو متصوف بهذا المعنى " [1]
وقد أشار إحسان عباس إلى أن " الاتجاه الصوفي أبرز من سائر الاتجاهات في هذا الشعر
(المعاصر)، ولعل ذلك راجع إلى طول عملية التقدم، والتراجع في الحياة السياسية،.... كما أن هناك قسطًا من التصوف يربط بين الاتجاهات الثورية المتقدمة. ثم إن هذا الميدان خير ميدان تتفتح فيه ذاتية الشاعر وفرديته، فهو ينفصل عن المجتمع ظاهريًا ليعيش آلامه – التي هي نفس آلام المجتمع بوجد مأساوي" [2].
*
الصوفية معلم بارز في شعر عبد الصبور [3]،
وثقافته الصوفية برزت في بواكير أشعاره بدءًا من ديوانه الناس في بلادي، ثم تطورت. وكانت ذروة ذلك أن أصدر مسرحية مأساة الحلاج، وخلع على هذه الشخصية الصوفية - الحلاج (858-922 م) التزامًا، فجعل من الصوفية التي عرف بأنها ضمن دوائر السكونية- أي التي لا تشارك في قضايا المجتمع- صوفيةً متحركة تتمرد على التقشف والكبت والجوع والقهر والظلم، وبعبارة أخرى – تقاوم الشر. وهذه الصوفية التي أكثر عبد الصبور من تناولها - ربما كانت نتيجة حتمية لتساؤلاته الكثيرة وتأملاته في زمنه" الجريح" [4].
ابتدأ الشاعر عالمه الشعري وقد صاحبته الإشارات الصوفية، فلا تكاد تجد قصيدة إلا وفيها إشعاعات صوفية يتعلق تعليلها بالمتلقي وقراءته [5].
نعاين هذه الملامح الأولى للصوفية في ديوانه الأول الناس في بلادي، ومنها:
بالأمس في نومي رأيت الشيخ
محيي الدين
مجذوبَ حارتي العجوز
وكان في حياته يعاين الإله
تصوري ويجتلي سناه
وقال لي ".... ونسهر المساء
مسافرين في حديقة الصفاء...
.....
ويعقد الوجدُ اللسانَ.... من يبُح يضِل
....."
وقال لي [6]
وصوته العميق كالنغم.
"يا صاح أنت تابعي
فقم معي
ردْ مشرعي [7]
ولماذا هذا اللجوء إلى الشيخ؟
ذلك لأن قلبه كسير وجسمه مغلل، فلا بد له من أن يعود إلى الصفاء إلى الحب:
بل كلنا صغار....
الحبيب وحده هو الكبير. [8]
وفي ديوان أقول لكم ينكر في قصيدته (القديس) [9]
أباطيل فلسفة أفلاطون وماركس وأرسطو، وأصحاب نظرية الحلول والسوفسطائيين وفيثاغورس، ويرى أن الحب الإلهي هو مصدر الكون، وهو يقول:
ذات صباح
رأيت حقيقة الدنيا
سمعت النجم و الأمواه و الأزهار موسيقى
"رأيت الله في قلبي "
ساعتها:
شعرت بجسمي المحموم ينبض مثل قلب الشمس
شعرت بأنني امتلأت شعاب القلب بالحكمه [10]
كذلك كان الشاعر يصف الصوفي في قصيدته (الكلمات) - ذلك الذي يطوف في الأرض أو يسكن خلوته:
حديثي محض ألفاظ ولا أملك إلاها [11]
وفي ديوان أحلام الفارس القديم يكتب لنا الشاعر عن مذكرات الصوفي بشر الحافي (867-841م) . وفي هذه المذكرات نعرف أن سبب سقوط الإنسان هو فقدان الإيمان. وهو الذي خلق جيلاً من الشياطين مكان بني آدم فيقول:
"حين فقدنا الرضا
بما يريد القضا
لم تنزل الأمطار
لم تورق الأشجار
لم تلمع الأثمار..
...........
حين فقدنا هدأة الجنبِ
على فراش الرضا الرحبِ
نام على الوسائد
شيطان بغض فاسدِ
معانقي، شريك مضجعي، كأنما
قرونه على يدي
حين فقدنا جوهر اليقين
تشوهت أجنَّة الحبالى في البطون..
.......... جيل من الشياطين
جيل من الشياطين"
إذن نحن – في نظر الراوي الشاعر - افتقدنا رضانا بقضاء الله، فتشوهت حياتنا ، وأصبحنا بعد أن أخذ الشعر ينمو في مغاور العيون ، جيلاً من الشياطين. .. ويمضي الشاعر قائلاً على لسان بشر :
تعالى الله هذا الكون موبوء ولا برء
ولو ينصفنا الرحمن عجّل نحونا بالموت... [12]
قرأ صلاح قصة بشر الحافي بعد أن مال إلى التصوف، فبِشر - كما يذكر الشاعر: "مشى يومًا في السوق، فأفزعه الناس، فخلع نعليه، ووضعهما تحت إبطيه، وانطلق يجري في الرمضاء، فلم يدركه أحد، وكان ذلك سنة سبع وعشرين ومائتين " [13].
وقد ذكر الشاعر في مقابلة معه أنه اطلع على القصة في كتاب طبقات الأولياء للشعراني (1492-1565)، فرأى فيها قصته هو نفسه "عندما يتصور أن الحياة أصعب من التصور" [14]
فالكون لا يصلحه شيء.
تعالى الله هذا الكون لا يصلحه شيء
فأين الموت أين الموت أين الموت؟ - [15]
يسأل بشر شيخه بسام الدين عن نهاية ما هم فيه من معاناة، فيجيبه الأخير.....
يا بشر أصبر
دنيانا أجمل مما تذكر
ها أنت ترى الدنيا في قمة وجدك
لا تبصر إلا الأنقاض السوداء
ثم ما يلبث أن يسأل شيخه:
أين الإنسان؟ أين الإنسان؟ [16]
فيجيبه بسام الدين:
سيهل على الدنيا ركبه.
وقد توقف الباحث إبراهيم منصور على دراسة مستفيضة لهذه القصيدة "مذكرات الصوفي بشر الحافي، وذكر أنها" مقسمة إلى خمسة مقاطع، نسمع صوت بشر وحده في المقاطع الأربعة الأولى، وفي المقطع الخامس نسمع صوتين: هما صوت بشر، وصوت شيخه بسام الدين. في المقطع الأول يشكو بشر من الجدب والإمحال، وهو جدب روحي بالطبع برغم أنه يعبر عنه بما يعني أنه جدب في الطبيعة:
لم تنزل الأمطار
لم تورق الأشجار
لم تلمع الأثمار
وهو يرى أن هذا الجدب نتيجة للجدب الروحي....، [17]
وفي المقطعين الثاني والثالث دعوة للصمت... وينتهي المقطع الرابع أيضًا بتأكيد طلب الموت يأسًا.....
وهذه القصيدة تبدو وكأنها مقدمة لظهور الحلاج ومذهب الخير المطلق، فالصوفية في هذه الشخصية تصلح لتفسيرات الوثبات الوجدانية. [18]
إن البطل في مأساة الحلاج يتحمل أعباء المسؤولية حتى في ساعة الخطر المحدق، يقول مخاطبًا الشبلي:
لا، إني أشرح لك
لم يختار الرحمن شخوصاً من خلقه
ليفرق فيهم أقباسا من نوره
هذا.. ليكونوا ميزان الكون المعتل
ويفيضوا نور الله على فقراء القلب
وكما لا ينقص نور الله إذا فاض على أهل النعمة
لا ينقص نور الموهوبين إذا ما فاض على الفقراء [19]
وفي مكان آخر:
الحلاج: هبنا جانبنا الدنيا
ما نصنع عندئذ بالشر؟!
الشبلي: الشر
ماذا تعني بالشر؟
الحلاج: فقر الفقراء
جوع الجوعى............
........
والمسجونون المصفودون يسوقهمو شرطي.....
ورجال ونساء قد فقدوا الحريه
........
الشر استولى على ملكوت الله
حدثني كيف أغض العين عن الدنيا؟! [20]
استقى صلاح مسرحيته من التاريخ [21]،
.