هدى محمد
01/25/2009, 05:01 AM
http://www.alimbaratur.com/All_Pages/Tawaheen_Stuff/Tawaheen_149_A.jpg تاريخ الثقافة الروسية..
ومتاعب المبدعين مع الأنظمة الاستبدادية
في 16 صفحة من الصور الفوتوغرافية تتوسط كتاب سولومون فولكوف، (الكورس السحري: تاريخ الثقافة الروسية من تولستوي إلى سولجنتسين)، يصوَّر الكاتبان الأيقونيان المذكوران في العنوان على نحوٍ مناسب. و هما يبدوان متماثلين بشكلٍ لافت للنظر. فألكسندر سولجنتسين و ليو تولستوي، بلحيتيهما الشعثاوين الطويلتين، يتَّسمان بهيئة من الجدية الروسية الدخيلة الوقور. «و كلما تغيرت الأشياء، ظلاّ على حالهما نفسها، كما يبدو أنهما يعربان عنه (حتى إذا كان معظم تلك الصور خالياً من اللحى). و كما هي الحال في أوجه الحياة الروسية الأخرى، فإن للثقافة استمرارية و تميّزاً ثابتين، مطروقين لكن من دون تجزئةً بالتطورات السياسية، و حتى بأحداث القرن العشرين الكارثية.
و يجسّد الاثنان، تولستوي و سولجنتسين، الخصال الروسية أساساً لنبي، عابث مقدس و منشق على النظام القائم. و قد يُدهش البعضَ أن يعلم أن تولستوي الموقّر، الذي كان كونتاً و عاش في عزبة ريفية، كان مثيراً للمشاكل. ففي عام 1902، انتقد بشدة حكم القلة autocracy في رسالة إلى القيصر نفسه، داعياً إيّاه بـ « شكل مطلق من الحكم... لا يمكن تأييده، كما هي الحال اليوم، إلا عن طريق العنف. و كتب في حينه، أنه كان قد حُرِم آنذاك من قبل الكنيسة الأرذوكسية الروسية و أُدين باعتباره « عدو الكنيسة، و عدو كل الحكومة، و عدو النظام المدني. و كما هي الحال مع الكتّاب الروس اللاحقين، نشر كتباً في الغرب تجنباً للرقابة. و مثل سولجنتسين، أقام له وجوداً محكمَ الصد.إن روسيا بلد تشكل الثقافة فيه أمراً مهماً، أو في الأقل هكذا ترى نفسها. و هذا أحد الأسباب التي جعلت سولجنتسين يشكو مرَّ الشكوى من تسلل كل ما هو أمريكي إلى داخل الحياة الروسية في كتابه (إعادة بناء روسيا) المنشور في عام 1990. و الأكثر في هذا الإطار، أن هذا هو السبب في أن القادة السوفييت قد أولوا اهتماماً شديداً كهذا للثقافة. و أقروا بإمكانيتها في تعزيز أو إضعاف قبضتهم على السلطة و سعوا إلى جني المنافع بينما يخمدون أية سلبيات محتملة.
و فولكوف، الذي بدأ ظهوره في أواخر السبعينيات باعتباره الوسيلة التي جعلت العالم يتعرف على مذكرات الموسيقار دميتري شوستاكوفِتش المشكوك فيها، و الذي كتب أيضاً كتاب التاريخ الثقافي لسانت بيترسبيرغ، يقدم هنا روايةً فاتنة عن الطبيعة المجدولة للثقافة و السياسة في روسيا القرن العشرين. و في عرضٍ هائل منه لسعة المعرفة الانتقائية المتوفرة لديه، فإن فولكوف الروسي المولد، الذي عاش في نيو يورك منذ عام 1976، يعالج هنا أوسع مجال ثقافي، كتّاب، و مؤلفين موسيقيين، و رسامين، و فنانين بصريين آخرين، و صانعي أفلام، و مديري فرق موسيقية، و ممثلين، و ناشرين ــ و كل واحد منهم بقصة تُروى، و قصة سياسية داخلها في الغالب.
و لفترة من الوقت بعد ثورة عام 1917، تعايش الفنانون الطليعيون ــ الثوريون بطبيعتهم ــ على نحوٍ طيب مع نظام الحكم البلشفي في زواج مصلحة. لكن فلاديمير لينين وجد أن لا قيمة لهم في توفير طريق خارج الصعوبات الاقتصادية التي غمرت البلد، و من ذلك الحين فصاعداً فإن القصة هي قصة تقليل ثابت من حرية الفنانين، لتبلغ الأوج بافتتاحية البرافدا الشهيرة لجوزيف ستالين « اللخبطة بدلاً من الموسيقى، و هي هجوم على أوبرا شوستاكوفِتش « السيدة ماكبث من مقاطعة متسِنك « التي لم تترك شكاً في أن الثقافة صارت آنذاك بحقّ تحت إبهام الدولة. و يبرز الكاتب مكسيم غوركي باعتباره الشخصية الثقافية الرئيسة التي أعارت نفسها لنظام لينين و ستالين. و كان يعتقد بشكل واضح بأن باستطاعته أنسَنة ستالين و قام بطلبات لا تعد و لاتحصى لمساعدة فنانين آخرين.
و يكتب فولكوف قائلاً إن ستالين (الذي كانت لديه، للسخرية، أرفع الأذواق الثقافية بين كل الرجال الذين حكموا روسيا خلال العهد السوفييتي) لم يستطع أن يقرر أبداً ما إذا كانت الجزرة أم العصا تعمل أفضل في التعامل مع النخبة الإبداعية. لكن هذا ليس بالوصف العادل للعملية التي يشرحها فولكوف نفسه. فقد كان ستالين يعرف أنه بحاجة لاستخدام هذه أو تلك حسبما تتطلبه الأحوال، و تعامله المتكافيء مع الموسيقار شوستاكوفِتش مثال على هذا. و كان نيكيتا خروشوف، و بالرغم من « الدفء « الذي يتَّسم به حكمه، كان يتخذ طريقةً متعرجة مماثلة، فنراه يسمح بنشر رواية سولجنتسين، (يوم في حياة إبفان دينيسوفِتش)، من ناحية، و يقف حائلاً دون فنان في أصعب الفترات من ناحية أخرى.
و أحد أوجه الكتاب اللا فتة للانتباه طابعه الحيادي في التعامل مع الفظائع السوفييتية. بل أن عنوان الكتاب، ( الكورس السحري )، ذاته، المأخوذ من وصف الشاعرة آنا أخماتوفا لدائرة من الشعراء الشباب المحيطين بها في الستينيات، لا يتناغم إلا بالكاد مع المعاناة التي عاشها الفنانون المبدعون آنذاك. و كانت الأمور أسوأ تحت حكم ستالين بالطبع، لكن الواحد كان يمكن أن ينزل في السجن لخطاٍ فني من زمن القياصرة إلى عهد بريجنيف، في الأقل. و يذكر فولكوف في المقطع الأول من المقدمة أن كتابه يغطي فترة « الحروب العالمية، و الثورات المتشنجة، و الرعب العديم الرحمة، لكنه و يغض الطرف بعدها عن الانتهاك الأخلاقي لصالح التحليل البارد، باحثاً في الغالب عن اسس منطقية وراء سلوك الدولة الشنيع. و على أية حال، فإن مراكمة الوقائع المجمَّعة أمر أكثر من كافٍ للدفع عن البيت بالسخام المنتشر. و انتحار بعض أروع شعراء ذلك العهد يوفر مثالاً قوياً : سيرجي يسينين، شاعر « الفلاح الجديد، في عام 1925، فلاديمير مايَكوفسكي، الذي كان، كسوفييتي جيد، قد أدان انتحار يسينين و مع هذا قتل نفسه على كل حال، في عام 1930، و المعذَّبة مارينا تسَفيتيفا، في عام 1941. و قد قالت الأمبراطورة ماريا فيودوروفنا للشاعر يسينين إن شعره « جميل لكنه حزين جداً، و هو ما ردَّ عليه بقوله : و هكذ هي حال روسيا كلها.
و بالرغم من أن تفاصيل علاقة الفنان بالدولة تشكل رنيناً ثابتاً، فإن الكتاب يقدم في الواقع مسحاً لتاريخ روسيا الثقافي الحديث الذي يعدُ به عنوانه، و لو أن على فولكوف القيام بشيء من الانتقال البارع لإقحام مثل هذا العدد الكبيرمن الشخصيات الثقافية داخل نصٍّ سردي من أقل من 300 صفحة فقط. فنحن نواجه رمزيين، و أوجيّين acmeists، و أوروبيين آسيويين، مستقبليين، محافظين، حداثويين، و واقعيين. و للضرورة، كانت مناقشات فولكوف لهذه الحركات و لنتاج الفنانين موجزة. فنحن نعلم أن الأوجيّين كانوا يسعون إلى « الاتيان بالوضوح الجميل قبالة ضبابيات الرمزية الشعرية. و مع هذا فإن انتباهنا في الغالب محوَّل عن نتاج الشخص إلى مصيره. فالشاعر نيكولاي غَميليوف، الذي أسس الحركة الأوجيّة مع أخماتوفا و أوسيب مانديلستام، قد أُعدم في عام 1921 لتأييده انتفاضةً مضادة للسوفييت. و قد استخدم نفسه، كما يقول فولكوف، « كخنزير غيني بشري (حيوان تجارب) ليرى إن كان النظام السوفييتي سيسمح للشخصيات الثقافية البارزة بدرجة معينة من الحرية الفكرية.
و من المحتَّم أن صقل الكتاب المثير للإعجاب يمكن أن يؤدي إلى إغفال بعض الأمور ذات العلاقة بالموضوع. فعلى سبيل المثال، يرى فولكوف أن قبول نيكولاي ريمسكي ـ كورساكوف غير المتوقع للحداثة الموسيقية في أوبراه « كاشتشي الخالد « كان إيماءة سياسية في أعقاب فصله من معهد سانت بيتريسبيرغ الموسيقي لانحيازه إلى جانب الطلبة الذين كانت لهم علاقة بمأساة الأحد الدامي عام 1905. و كان يمكن أن بشرح فولكوف أيضاَ كيف تعمل العناصر الحداثوية على نحوٍ دراماتيكي في الأوبرا عن طريق المساعدة في التعريف بالساحر كاشتشي بكلمات أخرى، أن ريمسكي ـ كورساكوف قد تحوّل إلى إسلوب موسيقي لم يكن يحبه من أجل تصوير رجل الأوبرا السيئ. و على العموم، فإن الكتاب يحظى بالترحيب، و يستحق فولكوف الاستحسان لتأليفه كتاباً زاخراً بالمادة الغنية و مقروءاً في وقتٍ واحد.
ترجمة: عادل العامل
التأليف: سولومون فولكوف
ومتاعب المبدعين مع الأنظمة الاستبدادية
في 16 صفحة من الصور الفوتوغرافية تتوسط كتاب سولومون فولكوف، (الكورس السحري: تاريخ الثقافة الروسية من تولستوي إلى سولجنتسين)، يصوَّر الكاتبان الأيقونيان المذكوران في العنوان على نحوٍ مناسب. و هما يبدوان متماثلين بشكلٍ لافت للنظر. فألكسندر سولجنتسين و ليو تولستوي، بلحيتيهما الشعثاوين الطويلتين، يتَّسمان بهيئة من الجدية الروسية الدخيلة الوقور. «و كلما تغيرت الأشياء، ظلاّ على حالهما نفسها، كما يبدو أنهما يعربان عنه (حتى إذا كان معظم تلك الصور خالياً من اللحى). و كما هي الحال في أوجه الحياة الروسية الأخرى، فإن للثقافة استمرارية و تميّزاً ثابتين، مطروقين لكن من دون تجزئةً بالتطورات السياسية، و حتى بأحداث القرن العشرين الكارثية.
و يجسّد الاثنان، تولستوي و سولجنتسين، الخصال الروسية أساساً لنبي، عابث مقدس و منشق على النظام القائم. و قد يُدهش البعضَ أن يعلم أن تولستوي الموقّر، الذي كان كونتاً و عاش في عزبة ريفية، كان مثيراً للمشاكل. ففي عام 1902، انتقد بشدة حكم القلة autocracy في رسالة إلى القيصر نفسه، داعياً إيّاه بـ « شكل مطلق من الحكم... لا يمكن تأييده، كما هي الحال اليوم، إلا عن طريق العنف. و كتب في حينه، أنه كان قد حُرِم آنذاك من قبل الكنيسة الأرذوكسية الروسية و أُدين باعتباره « عدو الكنيسة، و عدو كل الحكومة، و عدو النظام المدني. و كما هي الحال مع الكتّاب الروس اللاحقين، نشر كتباً في الغرب تجنباً للرقابة. و مثل سولجنتسين، أقام له وجوداً محكمَ الصد.إن روسيا بلد تشكل الثقافة فيه أمراً مهماً، أو في الأقل هكذا ترى نفسها. و هذا أحد الأسباب التي جعلت سولجنتسين يشكو مرَّ الشكوى من تسلل كل ما هو أمريكي إلى داخل الحياة الروسية في كتابه (إعادة بناء روسيا) المنشور في عام 1990. و الأكثر في هذا الإطار، أن هذا هو السبب في أن القادة السوفييت قد أولوا اهتماماً شديداً كهذا للثقافة. و أقروا بإمكانيتها في تعزيز أو إضعاف قبضتهم على السلطة و سعوا إلى جني المنافع بينما يخمدون أية سلبيات محتملة.
و فولكوف، الذي بدأ ظهوره في أواخر السبعينيات باعتباره الوسيلة التي جعلت العالم يتعرف على مذكرات الموسيقار دميتري شوستاكوفِتش المشكوك فيها، و الذي كتب أيضاً كتاب التاريخ الثقافي لسانت بيترسبيرغ، يقدم هنا روايةً فاتنة عن الطبيعة المجدولة للثقافة و السياسة في روسيا القرن العشرين. و في عرضٍ هائل منه لسعة المعرفة الانتقائية المتوفرة لديه، فإن فولكوف الروسي المولد، الذي عاش في نيو يورك منذ عام 1976، يعالج هنا أوسع مجال ثقافي، كتّاب، و مؤلفين موسيقيين، و رسامين، و فنانين بصريين آخرين، و صانعي أفلام، و مديري فرق موسيقية، و ممثلين، و ناشرين ــ و كل واحد منهم بقصة تُروى، و قصة سياسية داخلها في الغالب.
و لفترة من الوقت بعد ثورة عام 1917، تعايش الفنانون الطليعيون ــ الثوريون بطبيعتهم ــ على نحوٍ طيب مع نظام الحكم البلشفي في زواج مصلحة. لكن فلاديمير لينين وجد أن لا قيمة لهم في توفير طريق خارج الصعوبات الاقتصادية التي غمرت البلد، و من ذلك الحين فصاعداً فإن القصة هي قصة تقليل ثابت من حرية الفنانين، لتبلغ الأوج بافتتاحية البرافدا الشهيرة لجوزيف ستالين « اللخبطة بدلاً من الموسيقى، و هي هجوم على أوبرا شوستاكوفِتش « السيدة ماكبث من مقاطعة متسِنك « التي لم تترك شكاً في أن الثقافة صارت آنذاك بحقّ تحت إبهام الدولة. و يبرز الكاتب مكسيم غوركي باعتباره الشخصية الثقافية الرئيسة التي أعارت نفسها لنظام لينين و ستالين. و كان يعتقد بشكل واضح بأن باستطاعته أنسَنة ستالين و قام بطلبات لا تعد و لاتحصى لمساعدة فنانين آخرين.
و يكتب فولكوف قائلاً إن ستالين (الذي كانت لديه، للسخرية، أرفع الأذواق الثقافية بين كل الرجال الذين حكموا روسيا خلال العهد السوفييتي) لم يستطع أن يقرر أبداً ما إذا كانت الجزرة أم العصا تعمل أفضل في التعامل مع النخبة الإبداعية. لكن هذا ليس بالوصف العادل للعملية التي يشرحها فولكوف نفسه. فقد كان ستالين يعرف أنه بحاجة لاستخدام هذه أو تلك حسبما تتطلبه الأحوال، و تعامله المتكافيء مع الموسيقار شوستاكوفِتش مثال على هذا. و كان نيكيتا خروشوف، و بالرغم من « الدفء « الذي يتَّسم به حكمه، كان يتخذ طريقةً متعرجة مماثلة، فنراه يسمح بنشر رواية سولجنتسين، (يوم في حياة إبفان دينيسوفِتش)، من ناحية، و يقف حائلاً دون فنان في أصعب الفترات من ناحية أخرى.
و أحد أوجه الكتاب اللا فتة للانتباه طابعه الحيادي في التعامل مع الفظائع السوفييتية. بل أن عنوان الكتاب، ( الكورس السحري )، ذاته، المأخوذ من وصف الشاعرة آنا أخماتوفا لدائرة من الشعراء الشباب المحيطين بها في الستينيات، لا يتناغم إلا بالكاد مع المعاناة التي عاشها الفنانون المبدعون آنذاك. و كانت الأمور أسوأ تحت حكم ستالين بالطبع، لكن الواحد كان يمكن أن ينزل في السجن لخطاٍ فني من زمن القياصرة إلى عهد بريجنيف، في الأقل. و يذكر فولكوف في المقطع الأول من المقدمة أن كتابه يغطي فترة « الحروب العالمية، و الثورات المتشنجة، و الرعب العديم الرحمة، لكنه و يغض الطرف بعدها عن الانتهاك الأخلاقي لصالح التحليل البارد، باحثاً في الغالب عن اسس منطقية وراء سلوك الدولة الشنيع. و على أية حال، فإن مراكمة الوقائع المجمَّعة أمر أكثر من كافٍ للدفع عن البيت بالسخام المنتشر. و انتحار بعض أروع شعراء ذلك العهد يوفر مثالاً قوياً : سيرجي يسينين، شاعر « الفلاح الجديد، في عام 1925، فلاديمير مايَكوفسكي، الذي كان، كسوفييتي جيد، قد أدان انتحار يسينين و مع هذا قتل نفسه على كل حال، في عام 1930، و المعذَّبة مارينا تسَفيتيفا، في عام 1941. و قد قالت الأمبراطورة ماريا فيودوروفنا للشاعر يسينين إن شعره « جميل لكنه حزين جداً، و هو ما ردَّ عليه بقوله : و هكذ هي حال روسيا كلها.
و بالرغم من أن تفاصيل علاقة الفنان بالدولة تشكل رنيناً ثابتاً، فإن الكتاب يقدم في الواقع مسحاً لتاريخ روسيا الثقافي الحديث الذي يعدُ به عنوانه، و لو أن على فولكوف القيام بشيء من الانتقال البارع لإقحام مثل هذا العدد الكبيرمن الشخصيات الثقافية داخل نصٍّ سردي من أقل من 300 صفحة فقط. فنحن نواجه رمزيين، و أوجيّين acmeists، و أوروبيين آسيويين، مستقبليين، محافظين، حداثويين، و واقعيين. و للضرورة، كانت مناقشات فولكوف لهذه الحركات و لنتاج الفنانين موجزة. فنحن نعلم أن الأوجيّين كانوا يسعون إلى « الاتيان بالوضوح الجميل قبالة ضبابيات الرمزية الشعرية. و مع هذا فإن انتباهنا في الغالب محوَّل عن نتاج الشخص إلى مصيره. فالشاعر نيكولاي غَميليوف، الذي أسس الحركة الأوجيّة مع أخماتوفا و أوسيب مانديلستام، قد أُعدم في عام 1921 لتأييده انتفاضةً مضادة للسوفييت. و قد استخدم نفسه، كما يقول فولكوف، « كخنزير غيني بشري (حيوان تجارب) ليرى إن كان النظام السوفييتي سيسمح للشخصيات الثقافية البارزة بدرجة معينة من الحرية الفكرية.
و من المحتَّم أن صقل الكتاب المثير للإعجاب يمكن أن يؤدي إلى إغفال بعض الأمور ذات العلاقة بالموضوع. فعلى سبيل المثال، يرى فولكوف أن قبول نيكولاي ريمسكي ـ كورساكوف غير المتوقع للحداثة الموسيقية في أوبراه « كاشتشي الخالد « كان إيماءة سياسية في أعقاب فصله من معهد سانت بيتريسبيرغ الموسيقي لانحيازه إلى جانب الطلبة الذين كانت لهم علاقة بمأساة الأحد الدامي عام 1905. و كان يمكن أن بشرح فولكوف أيضاَ كيف تعمل العناصر الحداثوية على نحوٍ دراماتيكي في الأوبرا عن طريق المساعدة في التعريف بالساحر كاشتشي بكلمات أخرى، أن ريمسكي ـ كورساكوف قد تحوّل إلى إسلوب موسيقي لم يكن يحبه من أجل تصوير رجل الأوبرا السيئ. و على العموم، فإن الكتاب يحظى بالترحيب، و يستحق فولكوف الاستحسان لتأليفه كتاباً زاخراً بالمادة الغنية و مقروءاً في وقتٍ واحد.
ترجمة: عادل العامل
التأليف: سولومون فولكوف