هدى محمد
11/12/2008, 03:44 AM
طه حسين في عيون زوجته الفرنسية
دفعت المؤامرات ضد طه حسين زوجته للعودة إلى فرنسا لبعض الوقت * حرض طلابه على «العض» على التاريخ الإغريقي لتنوير عقولهم
القاهرة.. اواخر شهر اكتوبر (تشرين الاول) 1973، الجيش المصري يجتاز قناة السويس ويرفع العلم في صحراء سيناء، وانظار العرب من المحيط الى الخليج مصوبة الى جبهات القتال الثلاث: المصرية والسورية والاردنية وقلوبهم تخفق بشدة في انتظار ما سوف تسفر عنه الحرب الجديدة ضد اسرائيل. ظهر يوم السبت 27 اكتوبر 1973، اصيب د. طه حسين عميد الادب العربي والذي كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى خمسين عاما، بوعكة في بيته في «راستان» ولما جاء الطبيب لفحصه، زالت النوبة وعاد صاحب «الأيام» الى حالته الطبيعية. وعندئذ وصلت من الامم المتحدة بنيويورك برقية تعلن فوزه بجائزة حقوق الانسان، غير انه لم يسعد كثيرا بتلك البرقية. وباشارة من يده تعرفها جيدا زوجته الفرنسية السيدة سوزان، علق على ذلك قائلا: «واية اهمية لذلك؟».
في الليل، بعد ان غادر الطبيب وسكرتيره الخاص قال لزوجته وهو يستعيد ذكريات السنوات العسيرة التي عاشها مناضلا من اجل افكاره ضد الظلامية والتزمت: «اية حماقة؟! هل يمكن ان نجعل من الاعمى قائد سفينة؟!».
صبيحة يوم الأحد 28 أكتوبر (تشرين الاول) من العام المذكور، شرب د. طه حسين، بصعوبة كبيرة شيئا من الحليب، ثم لفظ انفاسه، وفي ما بعد كتبت زوجته تقول واصفة مشاعرها في تلك اللحظة العصيبة: «جلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وان كنت هادئة هدوءا غريبا ما اكثر ما اكنت اتخيل هذه اللحظة الصعبة، كنا معا وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن ابكي ـ فقد جاءت الدموع بعد ذلك ـ ولم يكن احد يعرف بعد بالذي حدث. كان الواحد منا مثل الاخر مجهولا ومتوحدا، كما كنا في بداية طريقنا».
* خلال حياته المديدة (83 عاما) وعقب رحيله، كتب عن د. طه حسين وعن افكاره وطروحاته ومواقفه الكثيرة، غير ان ما كتبته عنه زوجته الفرنسية السيدة سوزان والذي نقل الى العربية بشكل بديع وحمل عنوان «معك» هو في نظري اروع وافضل وثيقة لا عن حياته الشخصية وافكاره وآرائه، فحسب، انما عن الحياة الثقافية والسياسية في مصر على مدى اكثر من خمسين عاما. وكان طه حسين طالبا في فرنسا لما تعرف على زوجته الفرنسية. وكان ذلك يوم 12 مايو (ايار) 1915، في مدينة «مونبلييه» وكانت هي مصحوبة بأمها، ولم تكن قد تحدثت مطلقا الى اعمى. اثر ذلك اللقاء الاول، اخذت تكرر من زياراتها له خصوصا لما ذهب الى باريس في العام التالي لمتابعة دراسته. وذات يوم صرحت برغبتها في الزواج منه فصعقت العائلة واخذ جميع افرادها يصيحون فيها غاضبين: «كيف؟ من اجنبي؟ واعمى؟ وفوق ذلك كله مسلم؟»، غير ان الفتاة كانت قد اختارت، ولم تكن ترغب البتة في التراجع عن اختيارها. وجاءها العون من عم لها كان قسا، فقد قال لها بعد ان تنزه مع طه حسين مدة ساعتين في حقول «البرينه»: «بوسعك ان تنفذي ما عزمت عليه.. لا تخافي. بصحبة هذا الرجل يستطيع المرء ان يحلق بالحوار ما استطاع الى ذلك سبيلا، انه سيتجاوزك باستمرار». وفي ما بعد سوف تكتشف السيدة سوزان ان عمها القس الطيب كان على حق. لذا سوف تظل تكن له اعجابا كبيرا طوال حياتها. فقد كتب لأمها يقول عند وفاته: «كان مثلنا ودليلنا ومحل اعجابنا. كان يجعل كل شيء جميلا، وكان يجعل كل شيء نبيلا. لقد كانت الحياة تغدو بصحبته فجأة حياة ارفع واخصب».
وتم زواج المصري المسلم البصير من الفتاة الفرنسية المسيحية يوم 19 اغسطس (آب) 1917 بينما كانت باريس تعج بالجنود العائدين من جبهات القتال. وفي خريف 1919 سافر الزوجان الى مصر ليبدآ حياة اخرى هناك، حياة كانت فيها الكثير من الصعوبات والعراقيل، خصوصا في البداية.
في تلك الفترة كانت مصر تعيش غليانا سياسيا تبدى بصورة واضحة في ثورة 1919 ضد الاحتلال الانجليزي وكان الوطنيون يواجهون القمع والملاحقات والسجون. ولم يكن طه حسين مجهولا تماما في بلاده. فقبل سفره الى فرنسا، كان معروفا في الاوساط الجامعية من خلال الاطروحة التي اعدها عن ابي العلاء المعري. اما في الاوساط الصحافية فكان اسمه قد لمع بعد ان نشر مقالات في صحيفة «الجريدة» التي كان يديرها لطفي السيد وفي صحف اخرى مثل «العلم» و«السفور». وعندما عاد عين استاذا في الجامعة. ومنذ البداية اخذ يعمل بحماس وجد، باعثا في التعليم روحا جديدة، محرضا طلابه على «العض» على التاريخ الاغريقي، اذ انه كان يرى في ذلك تنويرا لعقول الشباب وثورة على المناهج التربوية التقليدية التي تكتفي بتدريس الفقه والادب العربي القديم. ولم يلبث هذا الاسلوب الجديد الذي جاء به صاحب «في الشعر الجاهلي» ان اغاظ الكثيرين من الاساتذة، ومن الشخصيات السياسية والدينية فشرعوا يحيكون المؤامرات الدنيئة ضده بهدف لجم حماسه الفياض وافساد مشروعه التدريسي.
وبسبب المشاكل المادية الحادة التي اخذت تتراكم على العائلة الصغيرة، خصوصا بعد ان اصبح لها طفلان، بنت تدعى امينة وولد يدعى مؤنس، اضطرت السيدة سوزان الى العودة الى فرنسا. وعلى مدى الاشهر التي ظلت فيها هناك، كانت تتبادل الرسائل يوميا مع زوجها البعيد. وكان كل واحد منهما يتحدث الى الآخر بدقة عن تفاصيل حياته اليومية. وفي واحدة من رسائله، كتب طه حسين يقول لزوجته: «هل اعمل؟ ولكن كيف اعمل بدون صوتك الذي يشجعني وينصحني، بدون حضورك الذي يقويني؟ ولمن استطيع ان ابوح بما في نفسي بحرية؟». وفي نفس الرسالة، يضيف قائلا: «لقد استيقظت على ظلمة لا تطاق. وكان لا بد ان اكتب لك لكي تتبدد هذه الظلمة. اترين كيف انك ضيائي حاضرة كنت ام غائبة؟» وفي رسالة اخرى يكتب لها قائلا: «كان افلاطون يفكر اننا اذ نتحاب فإننا لا نفعل سوى ان نعيد صنع ما افسده عارض ما. عندما تنفصل نفسان عن بعضيهما، تبحث كل منهما عن الاخرى، وعندما يتواجدان ويتعارفان، فإنهما لا يعودان كائنين وانما كائن واحد. انني اؤمن بذلك تماما».
وعندما تعود السيدة سوزان الى مصر، تجد زوجها لا يزال غارقا في المشاكل المادية والنفسية الناتجة بالخصوص عن تلك الحروب السرية والعلنية التي كان يشنها ضده اعداؤه داخل الجامعة وخارجها.
مرة سأله أحد الشيوخ:«لماذا تزوجت فرنسية؟ لو كنت حرا لشرعت قانونا يحظر على كل مصري ان يتزوج من اجنبية». وبسخرية لاذعة يرد عليه طه حسين قائلا: «ارجوك يا سيدي.. اشترع هذا القانون، فإني، استعجل الا استمع الى مثل هذا الكلام!» ويستأنف الشيخ المعمم الكلام قائلا: «لكني بعد كل شيء يا دكتور طه.. اود ان افهم الاسباب الحقيقة التي حملتك على الزواج من اجنبية فأنت مصري طيب ووطني طيب عظيم الذكاء، فكيف اقدمت على مثل هذا العمل؟» وهنا يقرر صاحب «قادة الفكر» ان يكون قاطعا في جوابه فيجيب الشيخ المعمم قائلا: «قابلت فتاة واحببتها فتزوجتها ولو لم افعل ذلك لبقيت أعزب او لتزوجت ـ نفاقا، بما انني احب امرأة اخرى ـ امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة!»
نحن الآن في عام 1926. طه حسين يعمل بجد وحماس كعادته دائما متحديا الآلام والاوجاع التي كان يسببها له اعداؤه الذين كانوا يتكاثرون يوما بعد يوم، وبالاضافة الى الدروس التي كان يلقيها في الجامعة، كان يكتب في العديد من الصحف مثل «مصر» و«السياسة» و«الاتحاد» وفي شهر مارس (اذار) من العام المذكور، اصدر كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي كان قد شرع في تأليفه ثلاثة اشهر قبل ذلك. وفي الحين انفجرت تلك العاصفة الهوجاء التي ستقوده الى المحاكم وستكون السبب في مصادرة الكتاب المذكور. وعن هذه الحادثة تكتب السيدة سوزان قائلة: «كان يعمل به (تقصد كتاب «في الشعر الجاهلي») في النهار ويحلم به في الليل مدفوعا بحماسة بلغت به درجة انه شرع فور انجازه بتأليف كتاب عن الديمقراطية، لكن ما حدث له ارهقه. ولم يكن يفهم هذه الاحكام البليدة وهذا التحيز الاخرق وهذا الحقد الحاسد وهذا الرياء وتلك البراعة التي نجحوا بها في تحريض اناس طيبين ضد انسان شريف وفي جره الى المحكمة بعد ان صادروا كتابه والحملات القاسية في الصحافة والشتائم والتهديد بالموت الذي كان وراء اقامة حراسة على مدخل بيتنا امام باب الحديقة خلال عدة اشهر. كل هذه الاحداث كانت تذهله وتستثير ضميره العلمي وتؤلمه كثيرا. وخلال هذه المحنة القاسية، ظل بعض الاصدقاء اوفياء لطه حسين ولم يبخلوا عليه بدعمهم المعنوي ولا بتضامنهم الصريح والواضح، بين هؤلاء لطفي السيد الذي تتحدث عنه السيدة سوزان بكل احترام ومحبة قائلة: «كان هذا الرجل ـ اي لطفي السيد ـ الذي كان دميما والذي كان وجهه المطبوع بآثار الجدري يشع ذكاء ساخرا يملك هيئة خارقة: كان كبير الجسم، نحيلا ومهذبا، كان كلامه اكثر بطئا، اذا جاز القول لي، من عينيه الحيتين. يتكلم ببطء وعلى وتيرة واحدة تقريبا (...) كنا حين نذهب لرؤيته، بعد عديد من السنوات، نجده متدثرا بل متلاشيا في قفطان واسع او اشهب او اسر، يكاد رأسه يختفي بين طيات لفة من الصوف: فقد كان سريع التأثر بالبرد. كان يجلس امام موقد النار، هادئا، يداه الدقيقتان تسبحان، كان يبدو لي صورة طبق الاصل من الفلاسفة والعلماء الاقدمين الذين تبنى حكمتهم دون اي انبهار».
دفعت المؤامرات ضد طه حسين زوجته للعودة إلى فرنسا لبعض الوقت * حرض طلابه على «العض» على التاريخ الإغريقي لتنوير عقولهم
القاهرة.. اواخر شهر اكتوبر (تشرين الاول) 1973، الجيش المصري يجتاز قناة السويس ويرفع العلم في صحراء سيناء، وانظار العرب من المحيط الى الخليج مصوبة الى جبهات القتال الثلاث: المصرية والسورية والاردنية وقلوبهم تخفق بشدة في انتظار ما سوف تسفر عنه الحرب الجديدة ضد اسرائيل. ظهر يوم السبت 27 اكتوبر 1973، اصيب د. طه حسين عميد الادب العربي والذي كان قد ملأ الدنيا وشغل الناس على مدى خمسين عاما، بوعكة في بيته في «راستان» ولما جاء الطبيب لفحصه، زالت النوبة وعاد صاحب «الأيام» الى حالته الطبيعية. وعندئذ وصلت من الامم المتحدة بنيويورك برقية تعلن فوزه بجائزة حقوق الانسان، غير انه لم يسعد كثيرا بتلك البرقية. وباشارة من يده تعرفها جيدا زوجته الفرنسية السيدة سوزان، علق على ذلك قائلا: «واية اهمية لذلك؟».
في الليل، بعد ان غادر الطبيب وسكرتيره الخاص قال لزوجته وهو يستعيد ذكريات السنوات العسيرة التي عاشها مناضلا من اجل افكاره ضد الظلامية والتزمت: «اية حماقة؟! هل يمكن ان نجعل من الاعمى قائد سفينة؟!».
صبيحة يوم الأحد 28 أكتوبر (تشرين الاول) من العام المذكور، شرب د. طه حسين، بصعوبة كبيرة شيئا من الحليب، ثم لفظ انفاسه، وفي ما بعد كتبت زوجته تقول واصفة مشاعرها في تلك اللحظة العصيبة: «جلست قربه، مرهقة متبلدة الذهن وان كنت هادئة هدوءا غريبا ما اكثر ما اكنت اتخيل هذه اللحظة الصعبة، كنا معا وحيدين، متقاربين بشكل يفوق الوصف. ولم أكن ابكي ـ فقد جاءت الدموع بعد ذلك ـ ولم يكن احد يعرف بعد بالذي حدث. كان الواحد منا مثل الاخر مجهولا ومتوحدا، كما كنا في بداية طريقنا».
* خلال حياته المديدة (83 عاما) وعقب رحيله، كتب عن د. طه حسين وعن افكاره وطروحاته ومواقفه الكثيرة، غير ان ما كتبته عنه زوجته الفرنسية السيدة سوزان والذي نقل الى العربية بشكل بديع وحمل عنوان «معك» هو في نظري اروع وافضل وثيقة لا عن حياته الشخصية وافكاره وآرائه، فحسب، انما عن الحياة الثقافية والسياسية في مصر على مدى اكثر من خمسين عاما. وكان طه حسين طالبا في فرنسا لما تعرف على زوجته الفرنسية. وكان ذلك يوم 12 مايو (ايار) 1915، في مدينة «مونبلييه» وكانت هي مصحوبة بأمها، ولم تكن قد تحدثت مطلقا الى اعمى. اثر ذلك اللقاء الاول، اخذت تكرر من زياراتها له خصوصا لما ذهب الى باريس في العام التالي لمتابعة دراسته. وذات يوم صرحت برغبتها في الزواج منه فصعقت العائلة واخذ جميع افرادها يصيحون فيها غاضبين: «كيف؟ من اجنبي؟ واعمى؟ وفوق ذلك كله مسلم؟»، غير ان الفتاة كانت قد اختارت، ولم تكن ترغب البتة في التراجع عن اختيارها. وجاءها العون من عم لها كان قسا، فقد قال لها بعد ان تنزه مع طه حسين مدة ساعتين في حقول «البرينه»: «بوسعك ان تنفذي ما عزمت عليه.. لا تخافي. بصحبة هذا الرجل يستطيع المرء ان يحلق بالحوار ما استطاع الى ذلك سبيلا، انه سيتجاوزك باستمرار». وفي ما بعد سوف تكتشف السيدة سوزان ان عمها القس الطيب كان على حق. لذا سوف تظل تكن له اعجابا كبيرا طوال حياتها. فقد كتب لأمها يقول عند وفاته: «كان مثلنا ودليلنا ومحل اعجابنا. كان يجعل كل شيء جميلا، وكان يجعل كل شيء نبيلا. لقد كانت الحياة تغدو بصحبته فجأة حياة ارفع واخصب».
وتم زواج المصري المسلم البصير من الفتاة الفرنسية المسيحية يوم 19 اغسطس (آب) 1917 بينما كانت باريس تعج بالجنود العائدين من جبهات القتال. وفي خريف 1919 سافر الزوجان الى مصر ليبدآ حياة اخرى هناك، حياة كانت فيها الكثير من الصعوبات والعراقيل، خصوصا في البداية.
في تلك الفترة كانت مصر تعيش غليانا سياسيا تبدى بصورة واضحة في ثورة 1919 ضد الاحتلال الانجليزي وكان الوطنيون يواجهون القمع والملاحقات والسجون. ولم يكن طه حسين مجهولا تماما في بلاده. فقبل سفره الى فرنسا، كان معروفا في الاوساط الجامعية من خلال الاطروحة التي اعدها عن ابي العلاء المعري. اما في الاوساط الصحافية فكان اسمه قد لمع بعد ان نشر مقالات في صحيفة «الجريدة» التي كان يديرها لطفي السيد وفي صحف اخرى مثل «العلم» و«السفور». وعندما عاد عين استاذا في الجامعة. ومنذ البداية اخذ يعمل بحماس وجد، باعثا في التعليم روحا جديدة، محرضا طلابه على «العض» على التاريخ الاغريقي، اذ انه كان يرى في ذلك تنويرا لعقول الشباب وثورة على المناهج التربوية التقليدية التي تكتفي بتدريس الفقه والادب العربي القديم. ولم يلبث هذا الاسلوب الجديد الذي جاء به صاحب «في الشعر الجاهلي» ان اغاظ الكثيرين من الاساتذة، ومن الشخصيات السياسية والدينية فشرعوا يحيكون المؤامرات الدنيئة ضده بهدف لجم حماسه الفياض وافساد مشروعه التدريسي.
وبسبب المشاكل المادية الحادة التي اخذت تتراكم على العائلة الصغيرة، خصوصا بعد ان اصبح لها طفلان، بنت تدعى امينة وولد يدعى مؤنس، اضطرت السيدة سوزان الى العودة الى فرنسا. وعلى مدى الاشهر التي ظلت فيها هناك، كانت تتبادل الرسائل يوميا مع زوجها البعيد. وكان كل واحد منهما يتحدث الى الآخر بدقة عن تفاصيل حياته اليومية. وفي واحدة من رسائله، كتب طه حسين يقول لزوجته: «هل اعمل؟ ولكن كيف اعمل بدون صوتك الذي يشجعني وينصحني، بدون حضورك الذي يقويني؟ ولمن استطيع ان ابوح بما في نفسي بحرية؟». وفي نفس الرسالة، يضيف قائلا: «لقد استيقظت على ظلمة لا تطاق. وكان لا بد ان اكتب لك لكي تتبدد هذه الظلمة. اترين كيف انك ضيائي حاضرة كنت ام غائبة؟» وفي رسالة اخرى يكتب لها قائلا: «كان افلاطون يفكر اننا اذ نتحاب فإننا لا نفعل سوى ان نعيد صنع ما افسده عارض ما. عندما تنفصل نفسان عن بعضيهما، تبحث كل منهما عن الاخرى، وعندما يتواجدان ويتعارفان، فإنهما لا يعودان كائنين وانما كائن واحد. انني اؤمن بذلك تماما».
وعندما تعود السيدة سوزان الى مصر، تجد زوجها لا يزال غارقا في المشاكل المادية والنفسية الناتجة بالخصوص عن تلك الحروب السرية والعلنية التي كان يشنها ضده اعداؤه داخل الجامعة وخارجها.
مرة سأله أحد الشيوخ:«لماذا تزوجت فرنسية؟ لو كنت حرا لشرعت قانونا يحظر على كل مصري ان يتزوج من اجنبية». وبسخرية لاذعة يرد عليه طه حسين قائلا: «ارجوك يا سيدي.. اشترع هذا القانون، فإني، استعجل الا استمع الى مثل هذا الكلام!» ويستأنف الشيخ المعمم الكلام قائلا: «لكني بعد كل شيء يا دكتور طه.. اود ان افهم الاسباب الحقيقة التي حملتك على الزواج من اجنبية فأنت مصري طيب ووطني طيب عظيم الذكاء، فكيف اقدمت على مثل هذا العمل؟» وهنا يقرر صاحب «قادة الفكر» ان يكون قاطعا في جوابه فيجيب الشيخ المعمم قائلا: «قابلت فتاة واحببتها فتزوجتها ولو لم افعل ذلك لبقيت أعزب او لتزوجت ـ نفاقا، بما انني احب امرأة اخرى ـ امرأة مصرية، وكنت سأجعل منها امرأة تعسة!»
نحن الآن في عام 1926. طه حسين يعمل بجد وحماس كعادته دائما متحديا الآلام والاوجاع التي كان يسببها له اعداؤه الذين كانوا يتكاثرون يوما بعد يوم، وبالاضافة الى الدروس التي كان يلقيها في الجامعة، كان يكتب في العديد من الصحف مثل «مصر» و«السياسة» و«الاتحاد» وفي شهر مارس (اذار) من العام المذكور، اصدر كتاب «في الشعر الجاهلي» الذي كان قد شرع في تأليفه ثلاثة اشهر قبل ذلك. وفي الحين انفجرت تلك العاصفة الهوجاء التي ستقوده الى المحاكم وستكون السبب في مصادرة الكتاب المذكور. وعن هذه الحادثة تكتب السيدة سوزان قائلة: «كان يعمل به (تقصد كتاب «في الشعر الجاهلي») في النهار ويحلم به في الليل مدفوعا بحماسة بلغت به درجة انه شرع فور انجازه بتأليف كتاب عن الديمقراطية، لكن ما حدث له ارهقه. ولم يكن يفهم هذه الاحكام البليدة وهذا التحيز الاخرق وهذا الحقد الحاسد وهذا الرياء وتلك البراعة التي نجحوا بها في تحريض اناس طيبين ضد انسان شريف وفي جره الى المحكمة بعد ان صادروا كتابه والحملات القاسية في الصحافة والشتائم والتهديد بالموت الذي كان وراء اقامة حراسة على مدخل بيتنا امام باب الحديقة خلال عدة اشهر. كل هذه الاحداث كانت تذهله وتستثير ضميره العلمي وتؤلمه كثيرا. وخلال هذه المحنة القاسية، ظل بعض الاصدقاء اوفياء لطه حسين ولم يبخلوا عليه بدعمهم المعنوي ولا بتضامنهم الصريح والواضح، بين هؤلاء لطفي السيد الذي تتحدث عنه السيدة سوزان بكل احترام ومحبة قائلة: «كان هذا الرجل ـ اي لطفي السيد ـ الذي كان دميما والذي كان وجهه المطبوع بآثار الجدري يشع ذكاء ساخرا يملك هيئة خارقة: كان كبير الجسم، نحيلا ومهذبا، كان كلامه اكثر بطئا، اذا جاز القول لي، من عينيه الحيتين. يتكلم ببطء وعلى وتيرة واحدة تقريبا (...) كنا حين نذهب لرؤيته، بعد عديد من السنوات، نجده متدثرا بل متلاشيا في قفطان واسع او اشهب او اسر، يكاد رأسه يختفي بين طيات لفة من الصوف: فقد كان سريع التأثر بالبرد. كان يجلس امام موقد النار، هادئا، يداه الدقيقتان تسبحان، كان يبدو لي صورة طبق الاصل من الفلاسفة والعلماء الاقدمين الذين تبنى حكمتهم دون اي انبهار».