محمد حسين بزي
11/12/2008, 12:47 PM
المواجهة بين (إسرائيل) وحزب الله.. رؤية من الميدان
قدمت هذه المطالعة خلال مؤتمر "المقاومة خيار أم ضرورة" الذي انعقد بنقابة الصحفيين في القاهرة بتاريخ 17/9/2006م.
بقلم: محمد حسين بزي
(الجزء الأول)
بسم الله الرحمن الرحيم
سيداتي .. سادتي..
... لقد وفوا بالوعد الصادق. فالحمد الله والشكر له على ما وفق من نصر وجهاد وعز، ببركة جباههم _وجهادهم_ لن يبقى قيد في زند أسمر في سجون الاحتلال... إن القيام بعملية أسر جنديين إسرائيليين هو من حقنا الطبيعي وهذا هو الطريق المنطقي والوحيد للقيام بمبادلة الأسرى اللبنانيين، ولا نية لحزب الله لتصعيد الأوضاع وأخذ المنطقة إلى الحرب... ولا قوة في هذا العالم تستطيع أن تعيد هذين الأسيرين إلى ديارهما المغتصبة، وأفق الخيار العسكري لاستعادتهما أفق معدوم... ومن يظن أنه يستطيع أن يستعيدهما بغير تبادل فهو واهم.. واهم...واهم.
أما إذا اختار العدو هذا المسار فنحن مستعدون وعليه أن يتوقع المفاجآت وسننتصر حتماً...!
هذا ما قاله سماحة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بكل شفافية وصدق وثبات.
لهذا السبب وفي هذا الإطار حدّد " السيّد " بدقة عملية 12 يوليو /تموز 2006 ولأنّه، أمين عام " حزب الله " الصادق، الشفاف، لم يخف عن الرأي العام اللبناني والعربي والدولي أن المقاومة تتهيأ منذ أن تحرر الجنوب في العام 2000 إلى حين تدق فيه ساعة الثأر الإسرائيلية واليوم الذي تُفرض فيه الحرب على لبنان ثأراَ لاندحارها المذل في أيار عام 2000.
لكن أية حرب كان يخفيها هذا العدو، حرب إلغاء؟ حرب إبادة؟ لقد كانت حربَ بعثرة الخرائط، وتقطيع أوصالها, بل تدمير، التاريخ والجغرافيا...
إن هذه الحرب الإسرائيلية العدوانية التدميرية الإرهابية التي شنّتها ما يسمى بدولة " إسرائيل " على لبنان ليست ردة فعل أو عملية انتقامية أو ردعية، إنما هي حربٌ مخططةٌ مُبيّتةٌ كان من المفترض أن تبدأ في أواخر أيام شهر رمضان المبارك, لكن هذه اللحظة المناسبة بالنسبة للإسرائيلي ضاعت مع الأحلام الأميركية.
فمشاريع ومخططات وأهداف وأطماع الكيان الصهيوني تاريخية وإستراتيجية، لذلك لم تأت هذه الحرب، لتكون الأخيرة, وهي لم تكن الأولى, لكنها كانت الأخطر على الإطلاق.
فالهدف أصبح أشمل وأوسع والطامحين أضحوا كُثُر, وحرب إسرائيل لم تُحدد امتدادا لقواعد وقوانين "هرتزل" بل أنها " حلم " محافظين جدد، حلم أميركي في منطقة تسقط فيها الأحلام وتتحطم فيها الأوهام.
12 يوليو / تموز حرب إسرائيلية سادسة وحرب أميركية أولى بامتياز، لتحقيق " شرق أوسط جديد " هذا الشرق الأوسط الذي جاءت كوندوليزا رايس، لتعلن عن بداية مخاضه من على جثث الأطفال، ورائحة الموت، وغبار الدمار! لقد قالت الحقيقة ومشت، لكن كيف؟ غادرت مهزومة، يائسة وبالطبع متفاجئة لكن تركت وراءها الكثير الكثير.
لقد ألحقت هذه الحرب الأميركية بالآلة الإسرائيلية في أخر إحصاء 1200 شهيد و4000 جريح, مجازر جماعية أبيدت فيها عائلات بكاملها عن قصد متعمد. فكيف لتكنولوجيا متطورة أن لا تفرق ما بين العسكري والمدني؟ فضلاَ عن أنها لم تحق أياَ من أهدافها المعلنة، والتي ما برحت تتراجع بفضل صمود المقاومين.
فلم يبق أمام العدو إلا ارتكاب المجازر؛ معتقداَ أنه بهذا الإرهاب يستطيع أن يوجد شرخاً بين المقاومة وأهلها، فحصل عكس ما أراد، ليزداد العدو غياً؛ والمقاومة تزداد صمود.
سيداتي ..سادتي..
هناك في قانا 60 شهيداً بينهم 27 طفلاً تتراوح أعمارهم ما بين السبع والثماني سنين، كانوا لم يولدوا في مجزرة قانا الأولى، عليهم أن يروا قانا الثانية ويناموا في تاريخها دون أن يستيقظوا. لقد كان معظمهم يحتمي بحضن والدته, ولم يعلموا أن العناق لا يحمي من الاختناق، لقد كان من الصعب جداً خلال عملية انتشال الجثث تفريق هؤلاء الأطفال عن أمهاتهن فالأموات يلتصقون ببعضهم متحدّين فراق الحياة.
أما في صريفا فكان 45 شهيداً, لم تسمح الطائرات المتطورة من الوصول إليها وانتشال الجثث التي تحلّلت في شمس أغسطس/آب ونيران الصواريخ. القرية بعيدة عن خط التماس فلماذا ؟ كان أطفال صريفا استسلموا للنعاس ليلاً ولم يروا الفجر بعد ذلك، ربما كان عويل من بقي حيّاً أزعج نومهم لكن تَطَايُر الغبار والركام سدّ أنفاسهم. وإلى أن نجح المسعفون في نهاية الحرب من انتشال بقايا الجثث كان بعض الآباء والأقارب يبيتون لياليهم قرب الركام وينادون ولا من مُجيب.
وهنا مروحين.. التي أعطاها العدو الأمان إذا ما انسحب أهلها، فإذا ما هموا بالرحيل سقط منهم 28 شهيداً وهم في طريقهم إلى المغادرة؛ بعد أن رفضت قوات الأمم المتحدة استقبالهم، وبالطبع حجاب فاطمة وعباءة خديجة واللعبة الصغيرة، لن تخفيا صاروخ خيبر، أو رعد أو الكتيوشا.
وهنا الدوير الجزرة المشهودة أمام كاميرات الدنيا ؛ عائلة بأكملها من آل عكاش , ثمانية أطفال مع الأم والأب, مع آذان الفجر , كان موعد الشهادة.
وهنا الغازية التي دفعت بثلاثين شهيداً من أبنائها وزبقين 18 شهيداً ودير قانون النهر 33 شهيداً.
وفي الجهة الأخرى هذا البقاع الذي دفع 33 شهيداً في القاع القرية الوادعة الآمنة، قرية البساتين، عمال القاع كانوا يقطفون التفاح فعزّ على الصهاينة براءة التفاح، فقصفوهم بقنابل بوش الذكية.
والجمالية ( نسبة ل آل جمال الدين ) قدمت 16 شهيداً، والنبي شيت الآبية مثلها.
وهنا الشياح الذي سقط فيه خمسون شهيداً، حيث وقف لأسبوع شقيق إحدى الضحايا ينتظر إخراج جثة شقيقته الحامل، وهنا الرويس التي احتضنت من الشهداء أربعين في مجمع الحسن السكني.
نعم إنها القليل القليل من المجازر، ولو بقينا سنوات وسنوات لما استطعنا نقل الوقائع، فهي تتعدى القلم والورقة... والحروف والكلمات.
أما الأضرار المادية فالجميع أصبح يعرف حجمها، لقد كانوا يخافون حتى من الحجر, فدمروا كل الجسور في الجسور تقريباً.
وأزالوا معالم الضاحية الجنوبية وقطعوا أوصال الوطن، علّ يصيب الاختناق هؤلاء الذين يقاومون "الجيش الذي لا يُهزم" ... وهزم.
لقد أسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد، هيبة الجيش الإسرائيلي، فذهب الأوّل في مهب الريح، وأصبح الثاني محط انتقاد وحتى السخرية.
لقد اعترف المجتمع الصهيوني بالهزيمة، وهشاشة دولته في كل الميادين ومنذ الأيام الأولى للعدوان وكذلك نقلت الصحف العبريّة حقيقة الوضع. فعاموس هرئيل قال في هآرتس: أن الاستنتاج السائد من البحث في الإختلالات هو أن حزب الله لا يذّلنا فقط، بل ينتصر.
أما ران بيرتس في معاريف الصادرة في الخمس من الشهر الحالي، فيلخص المشهد الأخير بالقول: انتصرنا. بالضربة القاضية، أو بالنقاط، أو بالحيل الإعلامية؛ يبدو أنه يمكن الاختيار.
ويتابع قائلاً: تزعم الحكومة وطالبوا خيرها ورئيس الأركان أننا انتصرنا! بيد أنه في الطريق تُنسى تعريفات النصر، التي أعطيت في أثناء الحرب وبعدها. هل ننتصر عندما " يذكر نصر الله اسم عمير بيرتس "، أو عندما يتم القضاء على عدد من منصات إطلاق الصواريخ في بيروت ( كما اعتقد رئيس الأركان )؟ أو أن رئيس الحكومة كان على حق عندما قال، " ألاّ يستطيع البتة تهديد هذا الشعب بإطلاق الصواريخ عليه". وربما يكون النصر هو فقط " بمضاءلة قدرة حزب الله على إطلاق الكتيوشا "؟ لكنه فشل حتى بهذا، لأن عدد صواريخ الكاتيوشا لم يتضاءل حتى وقف إطلاق النار ولو بصاروخٍ واحد.
يتابع ران بيريتس:
وماذا عن نشر القوات الدولية، " الإنجاز التاريخي "، الذي رآه اولمرت في البدء " عنواناً جيداً، لكن تجربتنا تُبين أنه لا يقف من وراء ذلك شيء "؟ أو ربما إعلانه منذ بدء الحرب أن " النصر " هو أن نحرز " انجازات مثيرة لا نظير لها، وربما لم يسبقها مثيل لها ". على سبيل المثال
زعمه، الذي دُحض فوراً، هو " أن بنية حزب الله قد دُمرت تماماً في أعقاب عمليات الجيش الإسرائيلي "؟
أو هل نكتفي بالمعيار الجديد: نصر الله ما يزال في الملجأ، في حين يتجول اولمرت حُراً ويقرر من يهبط في لبنان؛ لكن التعريف مؤسف قليلاً، في ضوء حقيقة إننا انتصرنا بحسب هذا المعيار منذ أول أيام الحرب، قبل نحو من 150 قتيلاً آخرين، وأربعة آلاف صاروخ كاتيوشا وأكثر من مليون مواطن لاجئين أو في الملاجئ.
يتابع: هل ربما نكون قد انتصرنا لأننا " جُننا " بمجرد خروجنا إلى الحرب، وأصبنا أعداءنا بالدهشة؟ هذا الزعم مضحك بتجاهله النتائج، لكن لا ريب في أن قادتنا قد جُن جنونهم عندما خرجوا إلى الحرب بغير تفكير وتخطيط، وأنشئوا سلسلة لا معنى لها، متوالية من الأعمال التي لا هدف لها وإرسال المقاتلين إلى المعركة بلا تنسيق، وبلا معدات، وبلا طعام وبلا مهمات محددة. وفي النهاية، ربما تكون القيادة انتصرت بأن أضعفت الجبهة الداخلية، عندما سلمتها إلى رحمة السماء، والروابط والأسخياء؟.
يوجد حل للمعضلة. إن انعطافة " انتصرنا " بأثر رجعي تُنسي شيئاً أساسياً وهو: أهداف الخروج إلى الحرب، كما أعلن عنها اولمرت في الكنيست، وفي الأساس إعادة المختطفين وإخراج حزب الله من الجنوب.
قال اولمرت عن ذلك " لن نكف عن عملياتنا "، ومع كل ذلك، وُقفت الحرب عندما تم انجاز شيء مخالف تماماً: قرار آخر عن الأمم المتحدة في شأن لبنان، قرار 1701.
من المفهوم ضمناً أنهم لم يكونوا ليعلنوا عن الحرب سلفاً من أجل قرار عن الأمم المتحدة. وإلى ذلك لم يتقبل اللبنانيون 1701، وتوصلوا إلى اتفاقات مع حزب الله على عدم نزع سلاحه، والسماح بحمل السلاح، وعدم الرقابة على الحدود السورية، وأشياء أخرى.
إذا كان الأمر كذلك، فأنه ليست التهريبات مستمرة فقط وقدرات إطلاق الكاتيوشا لم تتضرر، بل إن قرار الأمم المتحدة يُبقي حزب الله في جنوب لبنان والمختطفين في يديه. وفيما يتعلق بالمطالب الأصلية، الحديث عن فشل ذريع بإنجاز أهداف الحرب.
لا يجوز أن نوهم أنفسنا وأن نُدمن الحيل الإعلامية، والأكاذيب وتحليلات الوضع التي تحاول إنقاذ اولمرت، وبيرتس وحلوتس، وفي ضمن ذلك الحيلة الإعلامية المناوبة وفحواها أن طلب تحمل المسؤولية الحقيقية والاستقالة يساوي " قطع الأعناق ".
ويختم ران بيريتس: إن الفشل في إحراز أهداف الحرب مدوٍّ بصوت قوي جداً؛ لن ينقذ أيضاً كبار المستشارين وخبراء الحيل الإعلامية المُحكمين. أجل أنهم يملكون القدرة والرغبة في تأجيل الصدمة، ولكن الحقيقة التاريخية البسيطة تواجههم.
_يتبع الجزء الثاني_
والحمد لله الذي نصر عبده
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قدمت هذه المطالعة خلال مؤتمر "المقاومة خيار أم ضرورة" الذي انعقد بنقابة الصحفيين في القاهرة بتاريخ 17/9/2006م.
بقلم: محمد حسين بزي
(الجزء الأول)
بسم الله الرحمن الرحيم
سيداتي .. سادتي..
... لقد وفوا بالوعد الصادق. فالحمد الله والشكر له على ما وفق من نصر وجهاد وعز، ببركة جباههم _وجهادهم_ لن يبقى قيد في زند أسمر في سجون الاحتلال... إن القيام بعملية أسر جنديين إسرائيليين هو من حقنا الطبيعي وهذا هو الطريق المنطقي والوحيد للقيام بمبادلة الأسرى اللبنانيين، ولا نية لحزب الله لتصعيد الأوضاع وأخذ المنطقة إلى الحرب... ولا قوة في هذا العالم تستطيع أن تعيد هذين الأسيرين إلى ديارهما المغتصبة، وأفق الخيار العسكري لاستعادتهما أفق معدوم... ومن يظن أنه يستطيع أن يستعيدهما بغير تبادل فهو واهم.. واهم...واهم.
أما إذا اختار العدو هذا المسار فنحن مستعدون وعليه أن يتوقع المفاجآت وسننتصر حتماً...!
هذا ما قاله سماحة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله بكل شفافية وصدق وثبات.
لهذا السبب وفي هذا الإطار حدّد " السيّد " بدقة عملية 12 يوليو /تموز 2006 ولأنّه، أمين عام " حزب الله " الصادق، الشفاف، لم يخف عن الرأي العام اللبناني والعربي والدولي أن المقاومة تتهيأ منذ أن تحرر الجنوب في العام 2000 إلى حين تدق فيه ساعة الثأر الإسرائيلية واليوم الذي تُفرض فيه الحرب على لبنان ثأراَ لاندحارها المذل في أيار عام 2000.
لكن أية حرب كان يخفيها هذا العدو، حرب إلغاء؟ حرب إبادة؟ لقد كانت حربَ بعثرة الخرائط، وتقطيع أوصالها, بل تدمير، التاريخ والجغرافيا...
إن هذه الحرب الإسرائيلية العدوانية التدميرية الإرهابية التي شنّتها ما يسمى بدولة " إسرائيل " على لبنان ليست ردة فعل أو عملية انتقامية أو ردعية، إنما هي حربٌ مخططةٌ مُبيّتةٌ كان من المفترض أن تبدأ في أواخر أيام شهر رمضان المبارك, لكن هذه اللحظة المناسبة بالنسبة للإسرائيلي ضاعت مع الأحلام الأميركية.
فمشاريع ومخططات وأهداف وأطماع الكيان الصهيوني تاريخية وإستراتيجية، لذلك لم تأت هذه الحرب، لتكون الأخيرة, وهي لم تكن الأولى, لكنها كانت الأخطر على الإطلاق.
فالهدف أصبح أشمل وأوسع والطامحين أضحوا كُثُر, وحرب إسرائيل لم تُحدد امتدادا لقواعد وقوانين "هرتزل" بل أنها " حلم " محافظين جدد، حلم أميركي في منطقة تسقط فيها الأحلام وتتحطم فيها الأوهام.
12 يوليو / تموز حرب إسرائيلية سادسة وحرب أميركية أولى بامتياز، لتحقيق " شرق أوسط جديد " هذا الشرق الأوسط الذي جاءت كوندوليزا رايس، لتعلن عن بداية مخاضه من على جثث الأطفال، ورائحة الموت، وغبار الدمار! لقد قالت الحقيقة ومشت، لكن كيف؟ غادرت مهزومة، يائسة وبالطبع متفاجئة لكن تركت وراءها الكثير الكثير.
لقد ألحقت هذه الحرب الأميركية بالآلة الإسرائيلية في أخر إحصاء 1200 شهيد و4000 جريح, مجازر جماعية أبيدت فيها عائلات بكاملها عن قصد متعمد. فكيف لتكنولوجيا متطورة أن لا تفرق ما بين العسكري والمدني؟ فضلاَ عن أنها لم تحق أياَ من أهدافها المعلنة، والتي ما برحت تتراجع بفضل صمود المقاومين.
فلم يبق أمام العدو إلا ارتكاب المجازر؛ معتقداَ أنه بهذا الإرهاب يستطيع أن يوجد شرخاً بين المقاومة وأهلها، فحصل عكس ما أراد، ليزداد العدو غياً؛ والمقاومة تزداد صمود.
سيداتي ..سادتي..
هناك في قانا 60 شهيداً بينهم 27 طفلاً تتراوح أعمارهم ما بين السبع والثماني سنين، كانوا لم يولدوا في مجزرة قانا الأولى، عليهم أن يروا قانا الثانية ويناموا في تاريخها دون أن يستيقظوا. لقد كان معظمهم يحتمي بحضن والدته, ولم يعلموا أن العناق لا يحمي من الاختناق، لقد كان من الصعب جداً خلال عملية انتشال الجثث تفريق هؤلاء الأطفال عن أمهاتهن فالأموات يلتصقون ببعضهم متحدّين فراق الحياة.
أما في صريفا فكان 45 شهيداً, لم تسمح الطائرات المتطورة من الوصول إليها وانتشال الجثث التي تحلّلت في شمس أغسطس/آب ونيران الصواريخ. القرية بعيدة عن خط التماس فلماذا ؟ كان أطفال صريفا استسلموا للنعاس ليلاً ولم يروا الفجر بعد ذلك، ربما كان عويل من بقي حيّاً أزعج نومهم لكن تَطَايُر الغبار والركام سدّ أنفاسهم. وإلى أن نجح المسعفون في نهاية الحرب من انتشال بقايا الجثث كان بعض الآباء والأقارب يبيتون لياليهم قرب الركام وينادون ولا من مُجيب.
وهنا مروحين.. التي أعطاها العدو الأمان إذا ما انسحب أهلها، فإذا ما هموا بالرحيل سقط منهم 28 شهيداً وهم في طريقهم إلى المغادرة؛ بعد أن رفضت قوات الأمم المتحدة استقبالهم، وبالطبع حجاب فاطمة وعباءة خديجة واللعبة الصغيرة، لن تخفيا صاروخ خيبر، أو رعد أو الكتيوشا.
وهنا الدوير الجزرة المشهودة أمام كاميرات الدنيا ؛ عائلة بأكملها من آل عكاش , ثمانية أطفال مع الأم والأب, مع آذان الفجر , كان موعد الشهادة.
وهنا الغازية التي دفعت بثلاثين شهيداً من أبنائها وزبقين 18 شهيداً ودير قانون النهر 33 شهيداً.
وفي الجهة الأخرى هذا البقاع الذي دفع 33 شهيداً في القاع القرية الوادعة الآمنة، قرية البساتين، عمال القاع كانوا يقطفون التفاح فعزّ على الصهاينة براءة التفاح، فقصفوهم بقنابل بوش الذكية.
والجمالية ( نسبة ل آل جمال الدين ) قدمت 16 شهيداً، والنبي شيت الآبية مثلها.
وهنا الشياح الذي سقط فيه خمسون شهيداً، حيث وقف لأسبوع شقيق إحدى الضحايا ينتظر إخراج جثة شقيقته الحامل، وهنا الرويس التي احتضنت من الشهداء أربعين في مجمع الحسن السكني.
نعم إنها القليل القليل من المجازر، ولو بقينا سنوات وسنوات لما استطعنا نقل الوقائع، فهي تتعدى القلم والورقة... والحروف والكلمات.
أما الأضرار المادية فالجميع أصبح يعرف حجمها، لقد كانوا يخافون حتى من الحجر, فدمروا كل الجسور في الجسور تقريباً.
وأزالوا معالم الضاحية الجنوبية وقطعوا أوصال الوطن، علّ يصيب الاختناق هؤلاء الذين يقاومون "الجيش الذي لا يُهزم" ... وهزم.
لقد أسقط مشروع الشرق الأوسط الجديد، هيبة الجيش الإسرائيلي، فذهب الأوّل في مهب الريح، وأصبح الثاني محط انتقاد وحتى السخرية.
لقد اعترف المجتمع الصهيوني بالهزيمة، وهشاشة دولته في كل الميادين ومنذ الأيام الأولى للعدوان وكذلك نقلت الصحف العبريّة حقيقة الوضع. فعاموس هرئيل قال في هآرتس: أن الاستنتاج السائد من البحث في الإختلالات هو أن حزب الله لا يذّلنا فقط، بل ينتصر.
أما ران بيرتس في معاريف الصادرة في الخمس من الشهر الحالي، فيلخص المشهد الأخير بالقول: انتصرنا. بالضربة القاضية، أو بالنقاط، أو بالحيل الإعلامية؛ يبدو أنه يمكن الاختيار.
ويتابع قائلاً: تزعم الحكومة وطالبوا خيرها ورئيس الأركان أننا انتصرنا! بيد أنه في الطريق تُنسى تعريفات النصر، التي أعطيت في أثناء الحرب وبعدها. هل ننتصر عندما " يذكر نصر الله اسم عمير بيرتس "، أو عندما يتم القضاء على عدد من منصات إطلاق الصواريخ في بيروت ( كما اعتقد رئيس الأركان )؟ أو أن رئيس الحكومة كان على حق عندما قال، " ألاّ يستطيع البتة تهديد هذا الشعب بإطلاق الصواريخ عليه". وربما يكون النصر هو فقط " بمضاءلة قدرة حزب الله على إطلاق الكتيوشا "؟ لكنه فشل حتى بهذا، لأن عدد صواريخ الكاتيوشا لم يتضاءل حتى وقف إطلاق النار ولو بصاروخٍ واحد.
يتابع ران بيريتس:
وماذا عن نشر القوات الدولية، " الإنجاز التاريخي "، الذي رآه اولمرت في البدء " عنواناً جيداً، لكن تجربتنا تُبين أنه لا يقف من وراء ذلك شيء "؟ أو ربما إعلانه منذ بدء الحرب أن " النصر " هو أن نحرز " انجازات مثيرة لا نظير لها، وربما لم يسبقها مثيل لها ". على سبيل المثال
زعمه، الذي دُحض فوراً، هو " أن بنية حزب الله قد دُمرت تماماً في أعقاب عمليات الجيش الإسرائيلي "؟
أو هل نكتفي بالمعيار الجديد: نصر الله ما يزال في الملجأ، في حين يتجول اولمرت حُراً ويقرر من يهبط في لبنان؛ لكن التعريف مؤسف قليلاً، في ضوء حقيقة إننا انتصرنا بحسب هذا المعيار منذ أول أيام الحرب، قبل نحو من 150 قتيلاً آخرين، وأربعة آلاف صاروخ كاتيوشا وأكثر من مليون مواطن لاجئين أو في الملاجئ.
يتابع: هل ربما نكون قد انتصرنا لأننا " جُننا " بمجرد خروجنا إلى الحرب، وأصبنا أعداءنا بالدهشة؟ هذا الزعم مضحك بتجاهله النتائج، لكن لا ريب في أن قادتنا قد جُن جنونهم عندما خرجوا إلى الحرب بغير تفكير وتخطيط، وأنشئوا سلسلة لا معنى لها، متوالية من الأعمال التي لا هدف لها وإرسال المقاتلين إلى المعركة بلا تنسيق، وبلا معدات، وبلا طعام وبلا مهمات محددة. وفي النهاية، ربما تكون القيادة انتصرت بأن أضعفت الجبهة الداخلية، عندما سلمتها إلى رحمة السماء، والروابط والأسخياء؟.
يوجد حل للمعضلة. إن انعطافة " انتصرنا " بأثر رجعي تُنسي شيئاً أساسياً وهو: أهداف الخروج إلى الحرب، كما أعلن عنها اولمرت في الكنيست، وفي الأساس إعادة المختطفين وإخراج حزب الله من الجنوب.
قال اولمرت عن ذلك " لن نكف عن عملياتنا "، ومع كل ذلك، وُقفت الحرب عندما تم انجاز شيء مخالف تماماً: قرار آخر عن الأمم المتحدة في شأن لبنان، قرار 1701.
من المفهوم ضمناً أنهم لم يكونوا ليعلنوا عن الحرب سلفاً من أجل قرار عن الأمم المتحدة. وإلى ذلك لم يتقبل اللبنانيون 1701، وتوصلوا إلى اتفاقات مع حزب الله على عدم نزع سلاحه، والسماح بحمل السلاح، وعدم الرقابة على الحدود السورية، وأشياء أخرى.
إذا كان الأمر كذلك، فأنه ليست التهريبات مستمرة فقط وقدرات إطلاق الكاتيوشا لم تتضرر، بل إن قرار الأمم المتحدة يُبقي حزب الله في جنوب لبنان والمختطفين في يديه. وفيما يتعلق بالمطالب الأصلية، الحديث عن فشل ذريع بإنجاز أهداف الحرب.
لا يجوز أن نوهم أنفسنا وأن نُدمن الحيل الإعلامية، والأكاذيب وتحليلات الوضع التي تحاول إنقاذ اولمرت، وبيرتس وحلوتس، وفي ضمن ذلك الحيلة الإعلامية المناوبة وفحواها أن طلب تحمل المسؤولية الحقيقية والاستقالة يساوي " قطع الأعناق ".
ويختم ران بيريتس: إن الفشل في إحراز أهداف الحرب مدوٍّ بصوت قوي جداً؛ لن ينقذ أيضاً كبار المستشارين وخبراء الحيل الإعلامية المُحكمين. أجل أنهم يملكون القدرة والرغبة في تأجيل الصدمة، ولكن الحقيقة التاريخية البسيطة تواجههم.
_يتبع الجزء الثاني_
والحمد لله الذي نصر عبده
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.