محمد حسين بزي
11/12/2008, 01:09 PM
المواجهة بين (إسرائيل) وحزب الله.. رؤية من الميدان -الجزء الرابع والأخير-.
قدمت هذه المطالعة خلال مؤتمر "المقاومة خيار أم ضرورة" الذي انعقد بنقابة الصحفيين في القاهرة بتاريخ 17/9/2006م.
بقلم: محمد حسين بزي
سيداتي .. سادتي.. ننتقل معكم
لمواجهات الميدان برواية المقاومين أنفسهم:
لقد أربكت إستراتيجية حزب الله (إسرائيل) وأسقطت عقيدتها العسكرية، فهؤلاء المقاومون عاشوا ثلاثة وثلاثين يوماً على الجبهة الأمامية يتناولون الشوكولا والكاجو ليتزودوا بالطاقة اللازمة، ومن نوى منهم الصيام ليوم واحد، وجد نفسه مستمراً فيه لليوم الثالث.
لقد كان يمر الموت من أمامهم وهم يضحكون. لم يكن ينتظرون فقط تقدم العدو بل أحياناً كثيرة كانوا يفاجئونه بهجوم صاعق ومدمر؛ وهذا ما حصل مع قوات نخبة النخبة في " لواء غولاني "، حيث كانت المواجهات تدور على بعد عشرين متراً أو أقل.
وينقل المقاومون وقائع كثيرة جداً تدل على جُبن وارتباك الجيش الإسرائيلي خاصة الاحتياط منه. فيروي جواد: أنه عندما كان يُصاب الجندي الإسرائيلي على أرض المعركة, تدب النخوة في أصدقائه الجنود فيسارعون إلى نجدته ونقله خارج المعركة؛ هروباً من المقاومين,فكان يكفي أن يُصاب أي جندي بشكل طفيف حتى ينسحب أحياناً من دون سلاحه وكثيراً من الأوقات من دون حذائه أيضا.ً
يتابع جواد:
أما بالنسبة لنا الأمر مغاير تماماً، فـ " مهدي " الذي أصيب على الجبهة بيده اليسرى تابع القتال بيد واحدة ثم أصيب بقدمه، وبقي هناك حتى استشهد، هذا مما حدث في عيتا الشعب.. ولكلٍ من هؤلاء المقاومين رواية لا تنسى...
أما مثلث بنت جبيل - مارون الراس – عيناتا، فإنه مثلث وقف عنده التاريخ، ولن يمضي بسهولة كما مضى منه الجنود الصهاينة مهرولين تاركين عويلهم يروي حكاية تلك اللحظات.
مارون الراس رفعت رأس الأمة بامتياز، الملاحم فيها كانت تتكرر في كل ساعة، على أيدي مقاومين لا يتجاوز عديدهم عدد أصابع اليد الواحدة أحياناً، فكانت المعركة الشرسة التي أوقعت اثنا عشر جندياً قتيلاً من وحدة في لواء غولاني.
لقد اخترق المقاومون هذه الوحدة وشتّتوها إلى مجموعتين، بحيث اعتقدت أن كل واحدة منها تواجه مجموعة من المقاومين.
نعم، في مارون الراس كانت لحظات الرعب التي ما زال حتى اليوم يرويها الجنود الصهاينة. ففي أحد كروم هذه القرية مثلاً، ردم الصهاينة قطعاً متناثرة لدبابة ميركافا مدمرة، مع بعض الذخائر، وأرض المعركة ما تزال تشهد على بقايا هزائمهم.
أما في بنت جبيل، فكانت (الأرض الملعونّة) كما سماها الصهاينة، حيث شهد فيها " جنود النخبة " ما لم تنجح سينما هوليوود في فبركته، حيث كانت دبابات الميركافا تسلية المقاومين، فالضربة الأولى كانت تأتي في مقدمة القافلة والثانية في نهايتها، أما ما بين المقدمة والنهاية كان صلب الموضوع بالفعل، بحيث كان يختار المقاوم الهدف الأول والثاني والثالث...
في هذه المدينة المباركة.. في بنت جبيل عاصمة المقاومة والتحرير شهادات ميدان لمقاومين:
فهذا حسين وهو أحد أبطال المواجهات الملحمية المباشرة يقول: كان أحد ضباط العدو ينذرنا بالاستسلام عبر مكبرات للصوت، قائلاً، ما نريده منكم هو إلقاء السلاح والمشي أمامنا، لديكم ثلاث ساعات فقط وإلاّ سترون مشهداً لن تنسوه إذا بقيتم أحياء؟ وبالفعل بعد مرور الوقت الذي حدّده الضابط الصهيوني كانت الصواريخ تنهمر من كل حدب وصوب، وفي إحدى المرات استمر قصف الطائرات ثلاثة أيام متواصلة دون توقف. فالتصميم الإسرائيلي على إبادة المقاومة كان كبيراً جداً إلاّ أن المفاجآت كانت دائماً حاضرة، وحاضرة جداً.
يتابع حسين:
دارت المعركة وجهاً لوجه ومن بيت لأخر، وأحياناً داخل البيت الواحد من غرفة لغرفة، واستمرت سبع ساعات دون أي توقف، استشهد ثلاثة مقاومين، وقتل للصهاينة ستة عشر جندياً وجرح ما يربو على الخمسين، وما بقي من فلولهم فرّ منسحباً بالطوافات تحت غطاء جويّ كثيف من نيران طوافات أخرى.
كان هذا على تخوم تلة مسعود، التلة المشرفة على مدينة بنت جبيل.
أما في مدرسة الإشراق الواقعة على مثلث بنت جبيل – عيناتا – صف الهوا, فكانت حكاية أخرى جرت أحداثها في 27 يوليو/تموز 2006، يقول أبو أحمد: حاول الصهاينة أن يحتلوا مدرسة الإشراق عبر قوات الكوموندس ولم يفلحوا. كنا متواجدين حولها تقدم العدو فاصطدمنا معه وجهاً لوجه.
ففرت المجموعة المهاجمة متكبدة أكثر من عشرين إصابة بين قتيل وجريح.
وبعد أربع ساعات حاول العدو التقدم عبر كرم زيتون مجاور، لكن رجال الله كانوا بانتظاره.
وهنا وقعت ملحمة أخرى من ملاحم العزّ، وخلاصتها؛ في الرعب قد سيطر على الجنود الصهاينة، حتى اعتقدوا أننا منهم، وبدؤوا ينادون علينا من خلف أشجار الزيتون " إيغوز إيغوز " لأنهم تفاجئوا بثباتنا في المنطقة بعد انتهاء المعركة الأولى.
ودارت معركة شرسة من الساعة الثالثة فجراً إلى الساعة الحادية عشر قبل الظهر، أسفرت عن قتل تسعة جنود صهاينة وجرح أكثر من ثلاثين، والعتاد الذي غنمه المقاومون شاهد على فداحة خسائرهم.
وعلى أطراف بنت جبيل قصة ميدان من نوع آخر ستخلد التاريخ التي وقعت فيه, وخلاصتها؛ مصطفى، الذي خرج من منزله للصهاينة وحيداً فريداً، واشتبك معهم لستة ساعات متتالية، ساعة يرمي برشاشه وأخرى بقذائفه الصاروخية، وعندما يقترب منه العدو، كان يلقي عليهم القنابل اليدوية.
مصطفى سيداتي .. سادتي .. كان سرية عسكرية بما تعني الكلمة ؛ فقد قتل لوحده اثنا عشر صهيونياً. بعد أن هدأت المعركة قليلاً أخذ مصطفى نفساً عميقاً ليلاحظ في الأثناء أن بعض عناصر العدو قد اختبئوا وراء حائط، فتتبعهم واشتبك معهم، وحيداً أيضاُ، إلا أنه أصيب إصابة مباشرة، فزحف لشجرة تين مجاورة، واتخذ منها ساتراً، وعاود هجومه من جديد، وعلى جزع شجرة التين لفظ مصطفى أخر أنفاسه، وقضى شهيداً، وحيدا كما أراد.
مصطفى هذا، كان قبل أسبوع من استشهاده قد أصاب طائرة أباتشي في سماء بنت جبيل، لتسقط الطائرة في فلسطين المحتلة، ويعترف العدو بذلك.
وفي السادس عشر من رجب، قصة ميدان لشهيد حيّ، حيث كان مجاهدان من المقاومة الإسلامية في أحد المنازل على تخوم بنت جبيل، وقد بدأت القذائف تنهال على المنزل، مما استدعى انسحابهما إلى منزل أخر.
وما أن دخلا حتى سقطت قذيفة على سلالم المنزل؛ فاستشهد أحدهما وجرح الآخر.
انسحب المقاوم الجريح وبدأت دبابة الميركافا تلاحقه بالقذائف.
تصوروا قذائف الميركافا تطارد شخصاً واحداً.
عندها احتمى المقاوم بحائط شبه مهدوم، فقام الطيران الصهيوني بثلاثة غارات وهمية، حتى يبرز من مكانه، لكنه بقي خلف الحائط ينزف، وبعد أن سنحت له فرصة.. انسحب إلى قبوٍ مجاور وبقي هناك لمدة ثلاثة أيام دون طعام وشراب.
وبالمصادفة جاء أحد المقاومين ليجده على أخر رمق، فسحبه إلى مكان آمن، وبعدها عاش شهيداً شاهداً على هذه المقاومة وذلك العدوان.
هذا نذرٌ قليلٌ من ملاحم الميدان، وفي منطقةٍ واحدة فقط، أما لو أردنا التحدث عما جرى في بلدة الخيام مثلاً,أو مركبا والعديسة والناقورة وكل قرى المواجهة؛ ومجزرة دبابات الميركافا في وادي السلوقي، فإننا قد نحتاج لمجلداتٍ ومجلدات، وأقول لكم بصدق وشفافية أن الذي جرى في محاور المواجهات مع العدو لا يقل أهميةً وصخباً وثباتاً عن الذي بينتَه في ما تقدم.
سيداتي .. سادتي..
اليوم ها هم رجال الله.. عاد بعضهم إلى حياته المدنية الطبيعية. فالمقاومون هم أطباء، مهندسون، جامعيون، طلاب معاهد رسم وتكنولوجيا وموسيقى، والكثير ممن استشهدوا حائزون على شهادات عالية. فمنهم من كان يحمل الدكتوراه، ومنهم من يحمل إجازة في الصيدلة، ومنهم المحامي، ومنهم الفلاح، والكادح إلى ربه كدحا، وكلهم في المقاومة كانوا سواء.
المقاومة ليست مجرد مقاومة عسكرية، إن اليد التي كانت تضغط على الزناد هي يد الإيمان والثقافة والعمل والكرامة والشرف والإباء والعزّة.
هي يد الوعد الصادق في وجه كل من يحاول تدنيس الأرض، وتدمير الحضارة ومصادرة الفكر، وتغيير المعالم... والقيم.
أننا نعيش اليوم على إصرار النهوض، وبناء الحجر، نحن نعيش اليوم الأفراح التي تقام في منزل الشهيد، حيث نقدم الحلوى، عروسه التي لم تزف إليه.
نحن نعيش اليوم في انتظار مولودٍ لم يكتب له مشاهدة والده البطل.
نعيش اليوم وسط طفل يرسم ملامح أبٍ يستريح بين أزهار الجنّة، وبكاء متواضع لأمٍ تفتخر بعشق فلذة كبدها للشهادة... وكلنا ننتظر!
نعم لقد تحققت المفاجآت وتمخض النصر، من رحم الإيمان والعزيمة ، لكن الأعداء ما زالوا يتربصون بلبنان والمنطقة، فالأميركيون لن يقبلوا بهذه الهزيمة، والإسرائيليون يدرسون حلولاً للصواريخ المضادة للدبابات وللكتيوشا ولتحركات المقاومة الميدانية، وليس هناك أوضح مما قاله " اولمرت " إذ قال: يجب أن نضمن أن الأمور ستكون في المرة القادمة أفضل بكثير!
ونرد عليه بقول ربنا القدير :
بسم الله الرحمن الرحيم
وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرا
سيداتي... سادتي... ألا تعتقدون معي أنه يجب علينا التوقف أمام واقعٍ عايشناه جميعاً ولامسناه زماناً ومكاناً, ألا وهو: أن هذه المقاومة ومنذ انطلاقتها في العام 1982 لم تهزم في أي معركة مع العدو، لم تهزم قط ؛ وإلى الآن، من حقنا أن نتأمل؛ وقد يكون من واجبنا أيضاً.
والحمد لله الذي نصر عبده
قدمت هذه المطالعة خلال مؤتمر "المقاومة خيار أم ضرورة" الذي انعقد بنقابة الصحفيين في القاهرة بتاريخ 17/9/2006م.
بقلم: محمد حسين بزي
سيداتي .. سادتي.. ننتقل معكم
لمواجهات الميدان برواية المقاومين أنفسهم:
لقد أربكت إستراتيجية حزب الله (إسرائيل) وأسقطت عقيدتها العسكرية، فهؤلاء المقاومون عاشوا ثلاثة وثلاثين يوماً على الجبهة الأمامية يتناولون الشوكولا والكاجو ليتزودوا بالطاقة اللازمة، ومن نوى منهم الصيام ليوم واحد، وجد نفسه مستمراً فيه لليوم الثالث.
لقد كان يمر الموت من أمامهم وهم يضحكون. لم يكن ينتظرون فقط تقدم العدو بل أحياناً كثيرة كانوا يفاجئونه بهجوم صاعق ومدمر؛ وهذا ما حصل مع قوات نخبة النخبة في " لواء غولاني "، حيث كانت المواجهات تدور على بعد عشرين متراً أو أقل.
وينقل المقاومون وقائع كثيرة جداً تدل على جُبن وارتباك الجيش الإسرائيلي خاصة الاحتياط منه. فيروي جواد: أنه عندما كان يُصاب الجندي الإسرائيلي على أرض المعركة, تدب النخوة في أصدقائه الجنود فيسارعون إلى نجدته ونقله خارج المعركة؛ هروباً من المقاومين,فكان يكفي أن يُصاب أي جندي بشكل طفيف حتى ينسحب أحياناً من دون سلاحه وكثيراً من الأوقات من دون حذائه أيضا.ً
يتابع جواد:
أما بالنسبة لنا الأمر مغاير تماماً، فـ " مهدي " الذي أصيب على الجبهة بيده اليسرى تابع القتال بيد واحدة ثم أصيب بقدمه، وبقي هناك حتى استشهد، هذا مما حدث في عيتا الشعب.. ولكلٍ من هؤلاء المقاومين رواية لا تنسى...
أما مثلث بنت جبيل - مارون الراس – عيناتا، فإنه مثلث وقف عنده التاريخ، ولن يمضي بسهولة كما مضى منه الجنود الصهاينة مهرولين تاركين عويلهم يروي حكاية تلك اللحظات.
مارون الراس رفعت رأس الأمة بامتياز، الملاحم فيها كانت تتكرر في كل ساعة، على أيدي مقاومين لا يتجاوز عديدهم عدد أصابع اليد الواحدة أحياناً، فكانت المعركة الشرسة التي أوقعت اثنا عشر جندياً قتيلاً من وحدة في لواء غولاني.
لقد اخترق المقاومون هذه الوحدة وشتّتوها إلى مجموعتين، بحيث اعتقدت أن كل واحدة منها تواجه مجموعة من المقاومين.
نعم، في مارون الراس كانت لحظات الرعب التي ما زال حتى اليوم يرويها الجنود الصهاينة. ففي أحد كروم هذه القرية مثلاً، ردم الصهاينة قطعاً متناثرة لدبابة ميركافا مدمرة، مع بعض الذخائر، وأرض المعركة ما تزال تشهد على بقايا هزائمهم.
أما في بنت جبيل، فكانت (الأرض الملعونّة) كما سماها الصهاينة، حيث شهد فيها " جنود النخبة " ما لم تنجح سينما هوليوود في فبركته، حيث كانت دبابات الميركافا تسلية المقاومين، فالضربة الأولى كانت تأتي في مقدمة القافلة والثانية في نهايتها، أما ما بين المقدمة والنهاية كان صلب الموضوع بالفعل، بحيث كان يختار المقاوم الهدف الأول والثاني والثالث...
في هذه المدينة المباركة.. في بنت جبيل عاصمة المقاومة والتحرير شهادات ميدان لمقاومين:
فهذا حسين وهو أحد أبطال المواجهات الملحمية المباشرة يقول: كان أحد ضباط العدو ينذرنا بالاستسلام عبر مكبرات للصوت، قائلاً، ما نريده منكم هو إلقاء السلاح والمشي أمامنا، لديكم ثلاث ساعات فقط وإلاّ سترون مشهداً لن تنسوه إذا بقيتم أحياء؟ وبالفعل بعد مرور الوقت الذي حدّده الضابط الصهيوني كانت الصواريخ تنهمر من كل حدب وصوب، وفي إحدى المرات استمر قصف الطائرات ثلاثة أيام متواصلة دون توقف. فالتصميم الإسرائيلي على إبادة المقاومة كان كبيراً جداً إلاّ أن المفاجآت كانت دائماً حاضرة، وحاضرة جداً.
يتابع حسين:
دارت المعركة وجهاً لوجه ومن بيت لأخر، وأحياناً داخل البيت الواحد من غرفة لغرفة، واستمرت سبع ساعات دون أي توقف، استشهد ثلاثة مقاومين، وقتل للصهاينة ستة عشر جندياً وجرح ما يربو على الخمسين، وما بقي من فلولهم فرّ منسحباً بالطوافات تحت غطاء جويّ كثيف من نيران طوافات أخرى.
كان هذا على تخوم تلة مسعود، التلة المشرفة على مدينة بنت جبيل.
أما في مدرسة الإشراق الواقعة على مثلث بنت جبيل – عيناتا – صف الهوا, فكانت حكاية أخرى جرت أحداثها في 27 يوليو/تموز 2006، يقول أبو أحمد: حاول الصهاينة أن يحتلوا مدرسة الإشراق عبر قوات الكوموندس ولم يفلحوا. كنا متواجدين حولها تقدم العدو فاصطدمنا معه وجهاً لوجه.
ففرت المجموعة المهاجمة متكبدة أكثر من عشرين إصابة بين قتيل وجريح.
وبعد أربع ساعات حاول العدو التقدم عبر كرم زيتون مجاور، لكن رجال الله كانوا بانتظاره.
وهنا وقعت ملحمة أخرى من ملاحم العزّ، وخلاصتها؛ في الرعب قد سيطر على الجنود الصهاينة، حتى اعتقدوا أننا منهم، وبدؤوا ينادون علينا من خلف أشجار الزيتون " إيغوز إيغوز " لأنهم تفاجئوا بثباتنا في المنطقة بعد انتهاء المعركة الأولى.
ودارت معركة شرسة من الساعة الثالثة فجراً إلى الساعة الحادية عشر قبل الظهر، أسفرت عن قتل تسعة جنود صهاينة وجرح أكثر من ثلاثين، والعتاد الذي غنمه المقاومون شاهد على فداحة خسائرهم.
وعلى أطراف بنت جبيل قصة ميدان من نوع آخر ستخلد التاريخ التي وقعت فيه, وخلاصتها؛ مصطفى، الذي خرج من منزله للصهاينة وحيداً فريداً، واشتبك معهم لستة ساعات متتالية، ساعة يرمي برشاشه وأخرى بقذائفه الصاروخية، وعندما يقترب منه العدو، كان يلقي عليهم القنابل اليدوية.
مصطفى سيداتي .. سادتي .. كان سرية عسكرية بما تعني الكلمة ؛ فقد قتل لوحده اثنا عشر صهيونياً. بعد أن هدأت المعركة قليلاً أخذ مصطفى نفساً عميقاً ليلاحظ في الأثناء أن بعض عناصر العدو قد اختبئوا وراء حائط، فتتبعهم واشتبك معهم، وحيداً أيضاُ، إلا أنه أصيب إصابة مباشرة، فزحف لشجرة تين مجاورة، واتخذ منها ساتراً، وعاود هجومه من جديد، وعلى جزع شجرة التين لفظ مصطفى أخر أنفاسه، وقضى شهيداً، وحيدا كما أراد.
مصطفى هذا، كان قبل أسبوع من استشهاده قد أصاب طائرة أباتشي في سماء بنت جبيل، لتسقط الطائرة في فلسطين المحتلة، ويعترف العدو بذلك.
وفي السادس عشر من رجب، قصة ميدان لشهيد حيّ، حيث كان مجاهدان من المقاومة الإسلامية في أحد المنازل على تخوم بنت جبيل، وقد بدأت القذائف تنهال على المنزل، مما استدعى انسحابهما إلى منزل أخر.
وما أن دخلا حتى سقطت قذيفة على سلالم المنزل؛ فاستشهد أحدهما وجرح الآخر.
انسحب المقاوم الجريح وبدأت دبابة الميركافا تلاحقه بالقذائف.
تصوروا قذائف الميركافا تطارد شخصاً واحداً.
عندها احتمى المقاوم بحائط شبه مهدوم، فقام الطيران الصهيوني بثلاثة غارات وهمية، حتى يبرز من مكانه، لكنه بقي خلف الحائط ينزف، وبعد أن سنحت له فرصة.. انسحب إلى قبوٍ مجاور وبقي هناك لمدة ثلاثة أيام دون طعام وشراب.
وبالمصادفة جاء أحد المقاومين ليجده على أخر رمق، فسحبه إلى مكان آمن، وبعدها عاش شهيداً شاهداً على هذه المقاومة وذلك العدوان.
هذا نذرٌ قليلٌ من ملاحم الميدان، وفي منطقةٍ واحدة فقط، أما لو أردنا التحدث عما جرى في بلدة الخيام مثلاً,أو مركبا والعديسة والناقورة وكل قرى المواجهة؛ ومجزرة دبابات الميركافا في وادي السلوقي، فإننا قد نحتاج لمجلداتٍ ومجلدات، وأقول لكم بصدق وشفافية أن الذي جرى في محاور المواجهات مع العدو لا يقل أهميةً وصخباً وثباتاً عن الذي بينتَه في ما تقدم.
سيداتي .. سادتي..
اليوم ها هم رجال الله.. عاد بعضهم إلى حياته المدنية الطبيعية. فالمقاومون هم أطباء، مهندسون، جامعيون، طلاب معاهد رسم وتكنولوجيا وموسيقى، والكثير ممن استشهدوا حائزون على شهادات عالية. فمنهم من كان يحمل الدكتوراه، ومنهم من يحمل إجازة في الصيدلة، ومنهم المحامي، ومنهم الفلاح، والكادح إلى ربه كدحا، وكلهم في المقاومة كانوا سواء.
المقاومة ليست مجرد مقاومة عسكرية، إن اليد التي كانت تضغط على الزناد هي يد الإيمان والثقافة والعمل والكرامة والشرف والإباء والعزّة.
هي يد الوعد الصادق في وجه كل من يحاول تدنيس الأرض، وتدمير الحضارة ومصادرة الفكر، وتغيير المعالم... والقيم.
أننا نعيش اليوم على إصرار النهوض، وبناء الحجر، نحن نعيش اليوم الأفراح التي تقام في منزل الشهيد، حيث نقدم الحلوى، عروسه التي لم تزف إليه.
نحن نعيش اليوم في انتظار مولودٍ لم يكتب له مشاهدة والده البطل.
نعيش اليوم وسط طفل يرسم ملامح أبٍ يستريح بين أزهار الجنّة، وبكاء متواضع لأمٍ تفتخر بعشق فلذة كبدها للشهادة... وكلنا ننتظر!
نعم لقد تحققت المفاجآت وتمخض النصر، من رحم الإيمان والعزيمة ، لكن الأعداء ما زالوا يتربصون بلبنان والمنطقة، فالأميركيون لن يقبلوا بهذه الهزيمة، والإسرائيليون يدرسون حلولاً للصواريخ المضادة للدبابات وللكتيوشا ولتحركات المقاومة الميدانية، وليس هناك أوضح مما قاله " اولمرت " إذ قال: يجب أن نضمن أن الأمور ستكون في المرة القادمة أفضل بكثير!
ونرد عليه بقول ربنا القدير :
بسم الله الرحمن الرحيم
وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرا
سيداتي... سادتي... ألا تعتقدون معي أنه يجب علينا التوقف أمام واقعٍ عايشناه جميعاً ولامسناه زماناً ومكاناً, ألا وهو: أن هذه المقاومة ومنذ انطلاقتها في العام 1982 لم تهزم في أي معركة مع العدو، لم تهزم قط ؛ وإلى الآن، من حقنا أن نتأمل؛ وقد يكون من واجبنا أيضاً.
والحمد لله الذي نصر عبده