المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : // أنتــــقم لــــطفولتي //


اسكندر شمعون
02/18/2009, 03:27 AM
من ديوان / طــفلة مـن الشرق /
.........................................


اهـــــــــــــداء
................
إلى ابنتي ديلما
التي تدعوني إلى مائدة فرحها الطفولي..
تهرع إليَّ
تقودني إلى عالمها المحاصر بإعاقتها الدائمة
ومفرداتها البدائية ..
نتحول إلى جوقة
نتحد بحنان الدمع
ثم تغادرني غاضبة
تحبو ...
تصرخ ..
تبكــــــــي .
تقرع أبواب الذاكرة ...ولا تدخل .

// أنتــــقم لــــطفولتي //
" تسحب شعرها ,وتبعج عينيها بإبهامها لعدم قدرتها على البكاء ,يتأرجح راسها مرددة اسماً عودت شفتيها على لفظه (( غريب ..غريب.. غريب..غريب ....))
...............................

// أنتــــقم لــــطفولتي //
الشتاء يصفق ابواب المدينة مبكراً هذه السنة , ويتسلل بارداً عبر لسعاته الموجعة إلى تحت معاطف البيوت اللبنية الحانية خجلاً من تواضعها المعتاد .
الجميع يسرع ليحتمي بالمدفأة .. .. وحده واقف حافي القدمين ..ينتظر فوق الرصيف المبتل ,أثنى ركبتيه ,ألصقهما بصدره ليتكور داخل محمية جلدية طرية ,ليستر عورته ,علها تحافظ على الحرارة الباقية في جلبابه المرقع ذي المنافذ الكثيرة .
يعاتب بنظراته الزبائن المنتظرين في الصالون الدافىء ,وهم يضحكون على حركات يمثلها الحلاق المرح ,بلا مقدمات تتغير ملامحه البشوشة إلى قسوة غاضبة ,يخترق بصره الواجهة الزجاجية ,تتبدل الصورة في المشاهدة المؤلمة ,تتكرر الأحداث .
طفولته العارية تسوطه عاريا.. يقضمها باسنانه المتسخة ..يركلها بحذائه المهترىء ,كيانه ثورة متمردة داخل قميص ممزق ... يبدل الوقت مكانه .. الشرخ يعاود نشاطه ..يتلعثم به ,يفرزه بقايا فوق شفتيه يمسحها بكمه .. كل هذه الحالات دفعت بالحلاق أن يخرج مندفعاً نحو الطفل ..جلس مثله ,ربت بهدوء على عظام كتفه النافرة (جفل).. التقت العيون الحالمة ..تحاور بالرموز ..وجه طفولي بريء ... أمل مصحوب بخيال وهمي ..
ــ ماذا تفعل هنا ؟
ـ أنتظر والدي
ــ أين هو ؟
ـ إنه ذاك الذي يضحك في الصالون
تحرك الحلاق مهزوزاً ,رمق الرجل ..تنفس الصعداء ليهديء أعصابه المتوترة .. أن يكبح جماح غضبه ..روحه الخصبة تحسسه بما يجري ..ذهنه اليقظ اجتمع ليحاكم الموقف اللاإنساني !..
ــ ما هذا !..
ـ نقود ,لتشتري كسوة لجسده ونعلاً لقدميه .
ــ هل تراني فقيراً ؟أم ..متسولاً أستجدي منك ,عندي نقود والحمد لله .
ـ النقود لا قيمة لها ! . ما دمت لا تعرف كيف تستخدمها .النقود عندك لشراء الدخان الفاخر ,وتحتمي بفروة أصلية غالية الثمن .أين ذهب بك إحساسك وشعورك تجاه ابنك الذي لا ذنب له ؟ . سوى أنك أنجبته قطعة بالية لترميه إلى الشارع مثل هذه الحياة المزيفة مثلك !.
ـ أكيد أنك مجنون !.. أنا هنا للحلاقة .لا تحاسبني على تصرفاتي .حر بما أفعل .أدخن ما أشتهي .ألبس .
رفعه بقوة ودفعه للشارع .أغلق الباب بوجهه ,,كاد الزجاج أن يتكسر .. الزبائن يحملقون بأعين ساخرة ,يلومون الحلاق غريب على فعلته , كل المدينة تعرف بأن رجال الريف علمتهم الطبيعة القساوة والأنانية حتى من أقرب الناس إليهم .
مهما حاولنا أن نتبع أثار الماضي لنسقطها حاضراً يتعلق وجع الغربة المهاجرة على مدار استمراريتنا ,ومهما سبقنا بعلمنا الزمن , لا يمكن أن نغير شروق الشمس كل صباح . الروتين حالة اجتماعية مريضة تتكرر مع كل الناس.
غريب واحد منهم فتح صالونه قبل كل المحلات ,اسمه غريب .. وغريب في طبعه ,يخلق مشكلة في الليل ينساها في النهار ,وبالعكس يستهزىء منها ويعلق عليها.
وبإحساس مرهف ووعي صادق ,لا يعكر مزاجه شيء ,ينظف الكراسي ,يغسل البلاط,يغني مع آلة التسجيل ,يرقص بوجه المرآة .
بعد استراحة قصيرة جلب شاشاً طبياً ولف يده المجروحة .
ــ صباح الخير أيها البطل المجروح ...أكيد كنت سكراناً
ـ طبعاً طبعاً ..ألا تعرف من أكون ؟ أنا الحلاق غريب ..السكران الزعران .طبعاً طبعاً ,وماذا بعد يا جانــو..كسرت النافذة كه كه كه ....كه ...
ــ لماذا يا غريب كل هذه التصرفات الجنونية ؟ واجه الحياة على حقيقتها ..
ـ ماذا قلت ؟ في هذا الصباح الباكر , فلسفة .. له يا رجل تعرف أننا شبيهان في داخل مجتمع مريض ..اذهب وابحث لك عن كتاب مخمور ,وأنا اسكر عندما تقرأه .هاهاهاها ....محمود ..حسن عمرو..انتظر !.

قهقه جاره جانو على مقالبه المعروفةـ الغريبة المضحكةـ أوقف عربة الدواب ليأخذ دورة صباحية..ضربة قوية بالسوط على ظهر الحصان تركته يصهل جاراً العربة ذات إطارات السيارت وبسرعة غير طبيعية يجتاز شوارع حارته مع تحياته المعروفة .
ــ صباح الخير ابو حنا .. مروحة شباب " يقصد مرحبا ". خالة .. عمة .. ابتعدي لا يوجد مكابح !.
ترك كل المتواجدين في الشارع بين هرج ومرج ,هذا يتهمه باشياء سخيفة ..تلك بالجنون والله يساعد أهله على هذه الخلفة ..كل هذه الصفات المتفاوتة تنصهر ضمن الكم الحياتي المتأرجح ,فقط مجالس داخل البيوت وتجمعات
في الشوارع..نسأل عن فلان ..وفلان..نراقب بعضنا .نقيمها .نصنفها . عادات تقتل فينا الروح الصافية الطيبة .مجتمع يركب التقدم الحضاري على طائرة ورقية .
ــ عمى .. العمى العمى ..هووووووووووووش .
توقف الحصان لاهثاً متعباً ,قفز برشاقة واستقر فوق اٌسفلت ,وها هو يشكر صاحب العربة بطريقة كوميدية على هذا المشوار الجميل الممتع .
جلس على كرسي صغير مقابل الشمس الخفيفة ,بعد برهة جلبت والدته قهوته الصباحية المعتادة .أمسك بالفنجان ليشرب .توقفت يده في الهواء ..اقترب صوت خافت مموه يوشوش سمعه .يقترب ..يتوضح أكثر ..يضرب امتداداً .القوة العاملة في الجسم .التفت ببطء .




يتبع

ريمه الخاني
02/22/2009, 07:03 AM
نتابع معك
لك ودي

أيهم سليمان
02/24/2009, 03:11 AM
هذا النص يأخذك من مقعدك هذا لعالم آخر

اللغة التي تكتب بها يا اسكندر

و طريقتك في التصوير و السرد جعلتني .. أمقت الـ يتبع هذه قليلا

أكمل و نحن نتابعك

و قبلها أحييك و أرحب بك في الحكايا .. فأهلا و سهلا بك بيننا

ود

احمد العبيدي
02/25/2009, 08:51 PM
الاخ أسكندر
سرد جميل وتواصل محكم ، أشكرك كثيراً على هذه الروعة

أحمد

اسكندر شمعون
07/09/2010, 12:06 PM
نتابع معك
لك ودي

الأخت القديرة ريمه الخاني .
أشكر مرورك المتواضع والذي أعتز به
كرمك الله ، ورد عنك كل كيد ،
ولك تقديري وإكباري.

اسكندر شمعون
07/09/2010, 12:12 PM
هذا النص يأخذك من مقعدك هذا لعالم آخر
اللغة التي تكتب بها يا اسكندر
و طريقتك في التصوير و السرد جعلتني .. أمقت الـ يتبع هذه قليلا
أكمل و نحن نتابعك
و قبلها أحييك و أرحب بك في الحكايا .. فأهلا و سهلا بك بيننا
ود

بارك الله بك أخي الغالي وحفظك ذخراً
وشكرا لحسن فضلك وأدبك وحسن إخائك.
أتمنى ألا أراك إلا سامقاً يا صاحب الهمة العليا.
تقبل الود.

اسكندر شمعون
07/09/2010, 12:15 PM
الاخ أسكندر
سرد جميل وتواصل محكم ، أشكرك كثيراً على هذه الروعة
أحمد

أخي أحمد العبيدي
سعيد بمرورك الكريم وردك اللطيف فلك الشكر والعرفان.
تقبل الود عاطرا.