المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دعوة للجميع ...أديب كل شهر


ابراهيم عبد المعطى داود
02/20/2009, 10:29 AM
الأحباء الكرام
تحية عاطرة
في اثناء انهماكي فى القراءة في نصوص المنتدى وفي المنتديات الأخرى
لاحظت اننى مثلا لاأعلم أسماء كُتًاب كبار من باقى الدول العربية اللهم الا
المشهورين منهم ..ولما كانت المنتديات تعج بالأدباء من جميع أقطار الوطن
العربي فقد فكًرت ..لماذا لا نعرض كاتبا وأديبا من كل بلد لمدة شهر كامل مثلا
نتعرف عليه من قرب ..نقرأ سويا كلماته ونمر على حياته الثقافية بسرعة وهذا
أدعى الى توثيق الصلة بالثقافة العربية وتعميق جذور الانتماء بين ابناء الوطن
مارأيكم أيها الكرام ...؟
سأبدأ بالمفكر والأديب والكاتب المصري / توفيق الحكيم
فى انتظار آرائكم
وتقبلوا جميعا أسمى آيات الود والاحترام .
ابراهيم عبد المعطى داود

ناهدة حجازي
02/21/2009, 12:25 PM
ابراهيم عبد المعطي ،،


بـ رأيي فكرة رائعة وأفضل من نقل المواضيع

ونشرها هنا دون المشاركة بها ،، أو حتى المرور عليها

وفكرتك قد تجعل كل عضو يزيد ولو معلومة صغيرة لا يعرفها باقي الأعضاء


بـ انتظار طرحك


تحيتي ،،

هشام أيوب موسى
02/21/2009, 02:09 PM
على بركة الله اخي .


مع الاحترام

هشام

ابراهيم عبد المعطى داود
02/21/2009, 09:03 PM
نبذة مختصرة عنه

ولد توفيق الحكيم بالاسكندرية سنة 1878 من أب مصري كان يشتغل في سلك القضاء وأم تركية لها طبع صارم وذات كبرياء واعتداد بأصلها الارستقراطي. ولما بلغ سن السابعة ألحقه أبوه بمدرسة حكومية ولما أتم تعلمه الابتدائي اتجه نحو القاهرة ليواصل تعلمه الثانوي ولقد أتاح له هذا البعد عن عائلته شيئا من الحرية فأخذ يعنى بنواحي لم يتيسر له العناية بها إلى جانب أمه كالموسيقى والتمثيل ولقد وجد تردده على فرقة جورج أبيض ما يرضي حاسته الفنية لانجذب إلى المسرح.

وبعد حصوله على الباكالوريا التحق بكلية الحقوق نزولا عند رغبة والده الذي كان يود أن يراه قاضيا كبيرا أو محاميا شهيرا.

وفي هذه الفترة اهتم بالتأليف المسرحي فكتب محاولاته الأولى من المسرح مثل مسرحية "الضيف الثقيل" و"المرأة الجديدة" وغيرهما إلا أن ابويه كانا له بالمرصاد فلما رأياه يخالط الطبقة الفنية قررا إرسالة إلى باريس لنيل شهادة الدكتوراه.

لقد وجد في باريس ما يشفي غليله من الناحية الفنية والجمالية فزار المتاحف وارتاد المسارح والسينما. وهكذا نرى الحكيم يترك دراسته من أجل إرضاء ميوله الفنية والأدبية.

وفي سنة 1928 عاد توفيق الحكيم إلى مصر ليواجه حياة عملية مضنية فانضم إلى سلك القضاء ليعمل وكيلا للنائب العام في المحاكم المختلطة بالاسكندرية ثم في المحاكم الأهلية.

وفي سنة 1934 انتقل الحكيم من السلك القضائي ليعمل مديرا للتحقيقات بوزارة المعارف ثم مديرا لمصلحة الارشاد الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية.

استقال توفيق الحكيم من الوظيفة العمومية سنة 1934 ليعمل في جريدة "أخبار اليوم" التي نشر بها سلسلة من مسرحياته وظل يعمل في هذه الصحيفة حتى عاد من جديد إلى الوظيفة فعين مديرا لدا الكتب الوطنية سنة 1951 وعندما أنشئ المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب عين فيه عضوا متفرغا وفي سنة 1959 قصد باريس ليمثل بلاده بمنظمة اليونسكو لكن فترة إقامته هناك لم تدم طويلا إذ فضل العودة إلى القاهرة في أوائل سنة 1960 ليستأنف وظيفته السابقة بالمجلس الأغلى للفنون والآداب ولقد منحته الحكومة المصرية اكبر وسام وهو "قلادة الجمهورية" تقديرا لما بذله من جهد من أجل الرقي بالفن والأدب وغزارة إنتاجه كما منح جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1961.

ومن مؤلفاته
نذكر أهل الكهف - شهرزاد - براكسا - صلاة الملائكة - بيجماليون - اللص - الصفقة - السلطان الحائر - الطعام لكل فم - بنك القلق - راهب بين النساء.
ومن كلماته الخالدة :

ابراهيم عبد المعطى داود
02/21/2009, 09:04 PM
إن الحب قصة لا يجب أن تنتهى ..إن الحب مسألة رياضية لم تحل ..إن جوهر الحب مثل جوهر الوجود لابد أن يكون فيه ذلك الذى يسمونه "المجهول" أو
"المطلق" ..إن حمى الحب عندى هى نوع من حمى المعرفة واستكشاف المجهول والجري وراء المطلق ..ماذا يكون حال الوجود لو أن الله قذف فى وجوهنا نحن الآدميين بتلك المعرفة أو ذلك المطلق الذى نقضى حياتنا نجرى وراءه ..؟ لا أستطيع تصور الحياة حينئذ ..انها ولا شك لو بقيت بعد ذلك
لصارت شيئا خاليا من كل جمال وفكر وعاطفة ..فكل ما نسميه جمالا وفكرا
وشعورا ليس إلا قبسات النور التى تخرج أثناء جهادنا وكدنا وجرينا خلف
المطلق والمجهول .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/21/2009, 09:07 PM
لاتعنينى حكاية الكاتب ..بل يعنينى فنه وسر صناعته وطريقة اسلوبه فى البناء
وخلق الأشخاص ونسج الجو واحداث التأثير ..إنى أعيد قراءة الفصل الواحد
بل الصفحة الواحدة مرات .. لكم أعدت قراءة موليير لا لشىء غير دراسة
طريقته فى تقديم الأشخاص ورسم شخصياتهم ..تلك الطريقة التى تختلف
فى كل رواية من رواياته .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/21/2009, 09:10 PM
لقد غرقت فى آداب الأمم كلها وفلسفاتها وفنونها ..ولم أكن أسمح لنفسي بأن أجهل
فرعا من فروع المعرفة لأني كنت أعتقد أن الأديب يجب أن يكون موسوعيا لذلك
بذلت جهدى في أن أحيط بأبرز ماأنتجته العبقرية الانسانية حتى العلوم أردت أن ألم
الماما بأهم نتائجها ..ففي الهندسة حاولت فهم هندسة "نيومان" المعارضة لهندسة
"اقلديوس" التقليدية ..والرياضة أردت فهم مراميها العليا فى مؤلفات "بوانكاريه"
والطبيعة والفلك بدأتهما باسحق نيوتن حتى بلغت نظرية اينشتين التى قرأت فيها وحدها
نحو خمسة كتب ..وفي علم الحياة قرأت بعض كتب "داروين" ..وفي علم النفس
بدأت بكتب "جورج توماس" وانتهيت الى أكثر ماكتب عن نظرية "فرويد"
حتى علوم الكهرباء حاولت فهم ماأستطيع فهمه من نظريات "فاراداي"
أما قراءتى فى القصص فهي أعجب شىء فعلته .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/22/2009, 09:33 PM
إن التحصيل فى ذاته للثقافة والتكوين هو لذتى الكبرى الآن ..إنما الذى يخيفنى هو الامتحان ..لقد تحقق لدى اليوم إنى لاأصلح بطبعى للتقدم
إلى أى امتحان .. ذلك أن الامتحان يريد منى عكس ماأريد أنا من القراءة
إنى أقرأ لأنسى والامتحان يريد منى أن أقرأ لأتذكر ..إنى أقرأ لأهضم
ماقرأت أى أن أحلل مواد قراءتى الى عناصر تنساب فى كيانى الواعى
وغير الواعى أما الأمتحان فيريد منى أن احتفظ له بهذه المواد صلبة
إنى أشعر وأنا أقرأ حتى مقرر الدكتوراه فى القانون أن مواده قد تفككت
واختلطت بمواد اخرى لقراءات اخرى لاعلاقة لها بالقانون كما تختلط فى المعدة المواد الغذائية بعضها ببعض وإذ الناتج من هذه المواد المختلطة
هو عصير ثقافي يسرى فى دمى المعنوى فأحس وكأن وزنى الفكرى
قد ازداد وكأن قدرتى على تحمل التأمل المثمر قد نمت ..أما المواد الغذائية
ذاتها فقط فقد هضمت أى نسيت والامتحان يريد منى أن أوقف عملية الهضم حتى يتحقق الممتحن من وجود المواد صلبة داخل المعدة الذهنية
لاأريد بذلك أن أعيب نظام بنيتى الفكرية ..إنى سريع الهضم إلى حد قد يعد مرضا فى نظر الممتحن فمادمت قد تناولت الغذاء واحس حرارة الدم القوى تفور فى رأسى فلماذا أدع الناس يفحصون مافى معدتى .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/23/2009, 11:23 PM
الادب الانجليزي هو أدب المغامرات ..مغامرات بأوسع معانيها وأجملها
وأشرفها ..فأعمال "والتررالى وسكوت ودانيال "هي مغامرات بحرية
وأعمال "ديكنز" و"جالسورنى" هى مغامرات اجتماعية وأعمال
"شكسبير" و"بيرون" مغامرات نفسية انسيانية وأعمال "مالكوني"
و"كارليل" مغامرات تاريخية واعمال "ويلز" و"برناردشو" مغامرات ذهنية ..إن الأدب الانجليزي مهما تشرحه تجد روحه وجوهره فى كلمة المغامرة ..لعل هذه الجزيرة المنعزلة التى طبعت نفوس اهلها بهذا الطابع الغريب :حب السفر عبر البحار بحثا عن المجهول ..بحار الأرض ..أو بحار المجتمع ..أو بحار الماضي .. أو بحار النفس ..أو بحار العقل .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/23/2009, 11:24 PM
الأدب الفرنسي هو أدب الشكل فى جماله الساحر ..أدب المحادثات اللبقة
النبيلة ..أدب التفكير الرائق الهادىء ..أدب التعبير الرائع والمنطق البارع
أدب الصيحة الفرنسية القائلة :أن باريس هي عاصمة الكون .

ابراهيم عبد المعطى داود
02/27/2009, 10:14 PM
إن التحصيل فى ذاته للثقافة والتكوين هو لذتى الكبرى الآن ..إنما الذى يخيفنى هو الامتحان ..لقد تحقق لدى اليوم إنى لاأصلح بطبعى للتقدم
إلى أى امتحان .. ذلك أن الامتحان يريد منى عكس ماأريد أنا من القراءة
إنى أقرأ لأنسى والامتحان يريد منى أن أقرأ لأتذكر ..إنى أقرأ لأهضم
ماقرأت أى أن أحلل مواد قراءتى الى عناصر تنساب فى كيانى الواعى
وغير الواعى أما الأمتحان فيريد منى أن احتفظ له بهذه المواد صلبة
إنى أشعر وأنا أقرأ حتى مقرر الدكتوراه فى القانون أن مواده قد تفككت
واختلطت بمواد اخرى لقراءات اخرى لاعلاقة لها بالقانون كما تختلط فى المعدة المواد الغذائية بعضها ببعض وإذ الناتج من هذه المواد المختلطة
هو عصير ثقافي يسرى فى دمى المعنوى فأحس وكأن وزنى الفكرى
قد ازداد وكأن قدرتى على تحمل التأمل المثمر قد نمت ..أما المواد الغذائية
ذاتها فقط فقد هضمت أى نسيت والامتحان يريد منى أن أوقف عملية الهضم حتى يتحقق الممتحن من وجود المواد صلبة داخل المعدة الذهنية
لاأريد بذلك أن أعيب نظام بنيتى الفكرية ..إنى سريع الهضم إلى حد قد يعد مرضا فى نظر الممتحن فمادمت قد تناولت الغذاء واحس حرارة الدم القوى تفور فى رأسى فلماذا أدع الناس يفحصون مافى معدتى .
********************

ابراهيم عبد المعطى داود
03/01/2009, 10:18 PM
إن اولئك الذين علمونا اللغة العربية فى المدارس الابتدائية والثانوية كانو
يجهلون لا معنى اللغة العربية وحدها بل معنى اللغة على الاطلاق ..انك لن
تجد مستنيرا فى مصر لا يقول لك أن اللغة العربية للأسف قاصرة عن
التعبير فى شتى ضروب العلوم والفلسفة والفكر العالي ..بل منهم من يقول
أنها ليست لغة تفكير انما هي لغة بهرج وتنميق ..لماذا ؟ السبب بسيط
هو أن النمازج التى وضعت فى أيدينا ونحن صغار للبلاغة فى اللغة
العربية كانت كتبا غثة المعنى ..متكلفة المبنى .. لو كتب بها شخص
اليوم لأثار سخرية الناس ..نعم .. انهم يعلموننا فى المدرسة لغة إذا
استعملناها فى الحياة ضحك منها الناس ..! منذا يستطيع بعد انتهاء
دراسته أن يكتب رسالة على نمط "عبد الحميد الكاتب " أومقالا أو
بحثا أو تقريرا على طريقة "الحريري" دون أن يتعرض لسخرية
الساخرين ..؟ ليس من اليسير أن اطلعك على هذا الأسلوب ولكنى
أقول انه اسلوب يستخدم اللغة استخدام الجواري للعود فى مجالس
الأنس ..اسلوب غايته قبل كل شىء أن يبهر السمع النائم ويطرب
الأذن المسترخية ..لست أدرى أيجوز أن نجعل لغة من اللغات
وسيلة لهو وأداة براعة كفنون المغنيين وألعاب الحواة .. أم أن
اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة ..؟

ابراهيم عبد المعطى داود
03/01/2009, 10:21 PM
إن التكلف أبرز عيوب النص ..
كان "جويو" يقول :
"إن الرشاقة هو فن الرقص فى إداء الحركة الجثمانية العسيرة دون تكلف
يشعرك بما بذل فيها من مجهود "
تلك اولى خصائص الأسلوب السليم فى كل فن .. حتى الحاوي الماهر هو
ذلك الذى يخفي عن الأعين مهارته ويحدث الأعاجيب فى جو من البساطة
والبراءة .. لعل الكاتب الوحيد الذى ضربوه للطلاب مثلا فصدقوا هو "ابن
المقفع" فى ترجمته لكليلة ودمنة ..هذا الكاتب تصنًع فى اسلوبه هو الآخر
ولكن بخفة ومهارة .. وطلاه وجمله ولكن بذوق وكياسة فلم يبد عليه سماجة
التكلف ولا ثقل الصناعة ..انه ذلك الحاوي البارع أو تلك الحسناء الذكية
التى تطلي وجهها بالأصباغ ثم تمسح أثرها الصارخ فتظهر وكأن نضارتها
نضارة الأصل والفطرة ..إن بن المقفع يجهد فى اسلوبه ليخفي أثر الجهد
انه تلك الراقصة الرائعة التى تخفي حركاتها العسيرة فلا تبدوا لنا منها الا
تموجات رشيقة .. هذا الكاتب على كل حال مثل طيب للصناعة فى الكتابة

ابراهيم عبد المعطى داود
03/02/2009, 11:20 PM
إنك إذا أردت أن تعرف حقا جلال اللغة فى بساطتها وسيرها قدما نحو الغرض
فاقرأها عند الفلاسفة والمؤرخين العرب ..اولئك عندهم حقيقة مايقولون ..فهم
لا يضيعون أوقاتهم وأوقاتنا فى العبث اللفظى والطلاء السطحى ..انما يحدثوننا
فى شئون فكرية واجتماعية واخلاقية ودينية فى لغة سهلة لا لعب فيها ولا لهو
ولا ادعاء .. إنى لأدهش كيف أن مؤلفين مثل بن خلدون والطبرى وابن رشد
والغزالي لم يعرضوا علينا فى دراستنا للأدب العربي بالمدارس ..؟
كيف نعرف لغة بدون أن نطالع فلاسفتها ومؤرخيها ..؟ أنستطيع معرفة
الفكر اللآتينى دون أن نقرأ لفلاسفته ..؟ لو أنه عرض علينا صفحة واحدة
مع شرحها لكل فليسوف بارز ومؤرخ مشهور من فلاسفة العرب ومؤرخيهم
لتغير رأي أكثر المستنيرين عندنا فى اللغة العربية .. أو ليس بهذه اللغة
نقل بن رشد وابن سينا أعمق آراء فلاسفة الأغريق إلى أوروبا المتعطشة
للمعرفة ..ففي فرنسا مامن كتاب مدرسي صغر أو كبر إلا ويذكر فيه نماذج
من اسلوب "مونتاني" الفلسفي واسلوب "روسو" الاجتماعي و"بوسويه"
الديني و"فولتير" التاريخي ..بل حتى اسلوب "موليير " الفكاهي ..ذلك
أن المدارس الفرنسية أدركت أن تدريس اللغة يجب أن يشمل كل نواحي
التعبير بها ..أما قصر تعليمها على نماذج البلاغة اللفظية الجوفاء فهو
امتهان لكرامة اللغة وانتقاص من قدرتها على الأداء .

ابراهيم عبد المعطى داود
03/07/2009, 11:58 PM
كل كاتب عربي بسيط الأسلوب ..نافع لنا في الحياة يقصونه عنا اقصاءً بحجة أنه
غير بليغ ويأتون الينا بالكاتب الذى لاينفع فى حياتنا إلا نموذجا لإثارة السخرية ..
حتى الشعر وهو مفخرة اللغة العربية ..الشعر الذى كان يجب أن نرى فيه نفوسنا
المتفتحة ...ماذا انتجوا لنا منه ..؟ قصائد المواعظ والحكم ..هنالك لك حقا نوع من
الموعظةيعرف الشاعر الحق كيف يلبسها ثوبا من الصور الحسية والذهنية ترفعها
الى مرتبة الفن العالي ..ولكن الفرز والتميير والتخيير فى هذا الباب يحتاج الى حاسة
فنية لا يملكها القائمون بهذا العمل ..حتى الشعر الموسيقي والشعر التصويري الذين
عرضوا علينا بعض نماذجه "فى اعمال البحتري وابن الرومي" لم يكن من خير آثارهما.. ليس كل شعر فنا عاليا لأنه يعظ أو يصور .. فالشعر الحق هو شىء أبعد
كثيرا من مجرد اصابة الأهداف الظاهرة أو تحقيق الأغراض المباشرة ..بل ربما انحط شعر فى عرف الفن العالي لأنه اقتصر على صياغة حكمة أو تصور منظر
أو احداث جرس ..انما الشعر الحق قد يتوسل بهذه الأشياء لبلوغ مآرب أسمى هو الارتفاع بالناس إلى سحب لاتبلغ ..والرحيل بهم إلى عوالم لاتنظر ..هو أن يريهم
من خلال كلماته البسيطة ووسائله البادية أشياء لم تكن بادية ولا طافية فى محيط ضمائرهم الواعية ..هو الاختصار ذلك السحر الذى يوسع ذاتية الناس فيرون أبعد مماترى عيونهم ..ويسمعون أكثر مما تسمع آذانهم ..وبعمق أعمق مما تعي عقولهم

ابراهيم عبد المعطى داود
03/10/2009, 09:43 PM
الأدب العربي ناقص التكوين والسبب في ذلك بسيط ..إذا تأملت الآداب القديمة كلها وجدت انها فد عاصرتها فنون اخرى ..خذ مثلا مصر القديمة والهند والاغريق والرومان ..لقد كانت المعابد العظيمة والتماثيل الرائعة خليقة أن يضارعها في قوة البناء ودقة التركيب وروعة الفن ..ولكن الذى حدث في تاريخ الأدب العربي كان غير ذلك ..لقد نشأت لغة نضرة زاهرة فى بيئة قحلاء وسط الصحراء ..لقد كان اقصى ماعاصره امرؤ القيس أو لبيد أوزهير
من مظاهر الفنون الأخرى تلك المسوخ والتهاويل لآلهة من الحجر أطلقوا عليها الهبل الكبير والهبل الصغير والغزى لاأحسب أحدا يحرؤ أن ينسبها الى الفن في قليل أو كثير أنه حقا لمن مفاخر اللغة العربية أن تبرز وحدها هذا
البروز بين الرمال كأنها اقحوان ..لعل الفضل في ذلك للشعر ..فالشعر زهر نبت فى الخلاء أما النثر فيحتاج نموه الى العمران ..لأكن جاء العمران بعد ذلك بظهور الاسلام وتكونت حضارة اسلامية واسعة الارجاء فإقيمت المساجد الجميلة على انقاض الهياكل القديمة وشيدت القصور وملئت بالبدائع والطرائف
وتقدمت الصنائع وازدهرت الفنون وابتلعت المدنيةالاسلامية في جوفها كثيرا من المدنيات ومع ذلك فالأدب العربي لم يحاول أن يزيد في قوالب نثره
أو أن يساير تلك الفنون المعاصرة حتى بدا للأجيال اللاحقة ذلك الفقر الظاهر

ابراهيم عبد المعطى داود
03/12/2009, 11:00 PM
والواقع أن الادب العربي الانشائي لايختال الأنظار الا في ثوبين معروفين
"الرسائل -والمقامات" والمقامات أعمال قصصية قصد بها سرد حكاية وتصوير أشخاص ولكن الاغراق في الوشي اللفظى والاحتفال بالوضع اللغوي صرف هم الكاتب عن التعمق في التحليل والافاضة في السرد والاجادة في البناء ..فالأدب العربي الانشائي قد عنى باللفظ أكثر مما يجب ولم يشأ أن ينزل عن تكلفه الذى يعتبره فصاحة وبلاغة ليصور مايجيش فى نفس الشعب من احساس ولا مايهيجه من خيال ..وهنا حدث أمر عجيب ..أن روح الشعب لاتقهر ..هذا الشعب فى عصور الحضارة الاسلامية المختلفة قد تعطش للون جديد من الادب غير لون البداوةالأولي ..لون من الأدب مستمد من احساسه هو بالحياة الجديدة المتطورة المتغيرة ..أدب جديد قائم على فن مشابه ومساير للفنون الزاهرة المعاصرة التى يراها بعينيه ويهيم فى مراميها فى خياله ..فلم يشأ أدباء الفصحى أن يمدواالناس بحاجتهم ..لجأ الناس الى أدباء من بينهم لايملكون أداة اللغة ولا جمال الشكل ولكن يملكون السليقة الفنية وروح الخلق
و وهنا ظهر الأدب الشعبي ..فما ظهور الأدب الشعبي الا علامة قصور أو تقصير عن الادب الرسمي أو صرخى احتجاج على جمود الفصحاء

ابراهيم عبد المعطى داود
03/13/2009, 08:28 PM
وهكذا ظهر القصص الشعبي فى صورة عنتره ومجنون ليلى وسارت الحضارة الاسلامية فسار معها الخيال الاجتماعي فإذا نحن أمام عمل فني
هو "الف ليله وليله " ثم نبت في كل شعب من شعوب الاسلام قصصه
الذى يطبعه بطابع عصره فكان فى مصر قصة "ابو ذيد الهلالي " و
"سيف بن ذى يزن " و"الظاهر بيبرس" ومن الغريب أنك إذا تأملت التصوير الفنى والبناء الروائي لهذا الأدب الشعبي وجدته من حيث الفن لااللغة هو السائر في الطريق الصحيح محازيا تلك الفنون الجديدة التى قامت بقيام الحضارة الجديدة .. فلقد كان من المستغرب حتى للباحث أن يرى حضارة اسلامية ذات فنون زاهرة وعلوم راقية ولا يجد في أدبها أثرا انشائيا مثل
"الشاهنامه" أو " الراماياته" أو "الالياذه" أو "كليله ودمنة" حتى كادت العقلية الاسلامية تتهم بعقمها ولكن الادب الشعبي الاسلامي صحح الوضع
أمام التاريخ العلمي وأثبت أن الحضارة الاسلامية سارت في مجراها الطبيعي
مع هذا الفارق وهو أنه في الحضارات الأخرى الهندية أو الفارسية أو الاغريقية كانت خاصة الشعراء والأدباء هم الخالقين لتلك الآثار ..أما حضارة
الأسلام فقد تخلى الخاصة عن بعض هذه المهمة لعامة أدباء الشعب وشعرائه
ووقفوا بعيدا عن كل تغيير أو ابتكار

ابراهيم عبد المعطى داود
03/16/2009, 10:40 PM
الواقع أن تباهى أدباء العربية بالثروة اللفظية والمهارة اللغوية كاد يقتل النثر العربي نفسه فلم ينقذه من هذا المصير غير طائفة الفلافسة وفقهاء الدين والمؤرخين ومن شابههم من الباحثين الجادين ..وإن مؤرخى الأدب أو روائه على الخصوص كان لهم أعظم الفضل فى تيسير اللغة العربية والباسها حلة نظرة دون التجاء الى التصنع الممجوج "الاغاني – العقد الفريد- نهاية الأرب – النوادر- البيان " على أننا بعد ذلك إذا طرحنا جانبا من أعمال مؤرخى الأدب ورواة اخباره على اهميتها وسلاسة لغتها واردنا أن نبحث عن فن أدبي لما وجدنا شيئا يضارع الأدب الشعبي فى الف ليله وليلة وعنتره ومجنون ليلى فهذه الآثار على الرغم من انعدام الروعة اللغوية بها وضياع الجانب الشكلي اللفظي قد استطاعت أن تؤثر بمجرد فنها ذلك أن القوة الخالقة فى روح الشعب لن تضل لحظة عن طريقها الى الخلق الفني ..ومع ذلك فقد ظل الأدب الشعبي حتى اليوم غير معترف به في تاريخ الأدب العربي بل أن أثرا خالدا مثل "الف ليله وليله"
اعترفت به اليوم كل أمم العالم ونقلت قصصه الى كل لغة ووضعت فى كل يد .. هذا الأثر الفني المشرف لم يعترف به أديب عربي اعترافا صريحا ..لقد انطوت قرون وما يزال هذا السد قائما كأنه سور الصين بين النثر العربي بسجعه وبلاغته المصطنعة وبين خيال الشعب ورغباته وآماله ..
ولو أن أدباء اللغة الفصحى هدموا هذا السد من قديم ونزلوا عن بعض جمودهم وسايروا تقدم الفنون فى زمانهم وعبروا عن مطالب عصرهم وشعبهم لكان الأدب العربي اليوم فى مقدمة الآداب العالمية فليس الروس هم أساتذة القصة ولا الانجليز ولا الفرنسيون ..بل نحن بما لدينا من قرآن عرف القصص ..وما خلقنا فى مجتمعنا من اشباه عنتره والف ليله وليله وما وضعنا فى لغتنا من مقامات تعد اساسا لفن الأقصوصة لأحق من يزعم بأننا أساتذة هذا الفن الروائي ..,لكن واسفاه .

ابراهيم عبد المعطى داود
03/17/2009, 12:11 AM
هم أولئك الجامدون الذين وقفوا حيث هم وتركوا لغيرهم تلك الكنوز يغترفون منها ..أن هذا السد الذى أسميه سدا بين الجامدين والمجددين أو هذا السد بين الأموات والأحياء كان دائما موجودا فى تاريخ كل لغة ..ألا تذكر دانتى وكيف حطم هذا السد يوم أصر أن يكتب "الكوميديا الآلهية "
لا بالآتينية لغة العلماء في عصره بل بالإيطاليه لغة الناس في زمانه ..سترال يوم أن وضع ملحمته الشعرية الرائعة "ميراى" بلغة الريف الفرنسي وهي لغة لم أستطع فهمها مما ألجأني ألى قراءة ملحمته فى ترجمتها الفرنسية المعاصرة ومع ذلك لم يحل لغة الريف دون تسنم ذلك الشاعر قمة المجد واعتباره من أكبر شعراء فرنسا والعالم لأن اللغة لم تكن يوما حائلا فى أوروبا دون تقدير الأثر الفني في ذاته أما هنا فهي حائل بمجرد الاقتراب منه كأنما هو شىء مزر لهذا لم نجد أديبا عربيا
جرؤ على النظر في آثرنا الشعبية الرائعة من حيث هي فن وخلق طارحا مسألة لغتها جانبا متغاضيا عما في هذه اللغة من اسفاف وقصور وعدم كفاية ..لقد رضي الفضلاء أن ينضروا في تاريخ الجبرتي وهو تقريبا باللغة العامية ولم يرضوا أن ينظروا فى الف ليلة وليلة وهي أسلم لغة في نظرى من كتاب الجبرتي ..لكن السبب عندهم : أن ذلك تاريخ وهذا أدب ..والأدب في عرفهم مرادف للغة ..فاللغة لدينا هي شبح الأدباء المخيف .

ابراهيم عبد المعطى داود
03/17/2009, 09:13 PM
إن الله لم يخلقنى إنما هو الشيطان أراد أن يخلق طرازا جديدا
من الآدميين أو موديل من الانسان يضارب به الطراز الشائع
المعروف فجاء خلقه عجيب البناء غريب التركيب به أثر من
عبقرية الشيطان ولكن به نقصا ينم عن تخبط فى شئون الخلق
والابداع ومع ذلك على فرض أن الله هو الذى خلقنى لا الشيطان
فإنه كان لسوء حظى يضجر ويتبرم كلما جاءه جبريل بلوحي
المحفوظ ليعين فيه خطوات حياتي ..فقد كان يصرخ في وجه الملاك
الأمين قائلا " اذهب عنى الآن " فيقول جبريل خاشعا "لكن ياإله
السموات والأرض المدعو توفيق الحكيم ولد وشب ونما وكاد يدنو
من الثلاثين وهو لم يزل يدب على الأرض ويعيش فيها بالمصادفة
وكلما جئت اليك بلوحه لأجل التعيين .." فيسمع كأنالصوت العلوى
يصيح به "قلت لك اذهب عنى الآن ولا تشغلنى بهذا المخلوق .."
هكذا أعيش بغير مصير ..حياتي فيما يخيل الى هى فى يد المصادفة
والمصادفة غير قديرة على وضع حياة محبوكة الاطراف ..آه ..إن
حياتي مفككة كالقصة المفككة أو الهيكل المزعزع الأركان ..
أنا الذى لايحب فى الفن غير قوةالبناء وما يتبعه من قوة التركيز
وهذا هو سر عنايتى بالحوار التمثيلي فى الأدب ..إنى مهندس
أدبي هذا كل شىء من ذلك الطراز الذى يشيد معبدا عاريا بأعمدة
ضخمة متناسقة ولا شىء غير ذلك ..ماأشد حاجتى الى حياة قائمة
على أعمدة راسخة كالمعبد الجميل ..انى معبد يتصاعد من جوفه
لا بخور الايمان بل بخار الشك والقلق ..انى أتألم ألما لايراه أحد
إذ لايظهر على وجهى شىء غير هدوء الرضا ..هنالك دودة دائمة
الوخز ..رائعة النخر فى قلب هادىء المظهر رائع المنظر كالكمثرى
الذهبية ..هنالك قلوب يسكنها الألم كأنه عبادة ..حياتي سوى قارب ثمل
إنى الآن انتظر الشتاء لعله يأتي بجديد ..ولعل الله فى هذه المرة يلتفت
الى وجودى غير ضجر ولا متبرم فيعين طريق حياتي . اللهم إنى اعوذ بك من كل قول وفعل لايوافق دينك الحق
وصلى الله وسلم على المصطفى محمد

ابراهيم عبد المعطى داود
03/21/2009, 08:54 PM
إن التحصيل فى ذاته للثقافة والتكوين هو لذتى الكبرى الآن ..إنما الذى يخيفنى هو الامتحان ..لقد تحقق لدى اليوم إنى لاأصلح بطبعى للتقدم
إلى أى امتحان .. ذلك أن الامتحان يريد منى عكس ماأريد أنا من القراءة
إنى أقرأ لأنسى والامتحان يريد منى أن أقرأ لأتذكر ..إنى أقرأ لأهضم
ماقرأت أى أن أحلل مواد قراءتى الى عناصر تنساب فى كيانى الواعى
وغير الواعى أما الأمتحان فيريد منى أن احتفظ له بهذه المواد صلبة
إنى أشعر وأنا أقرأ حتى مقرر الدكتوراه فى القانون أن مواده قد تفككت
واختلطت بمواد اخرى لقراءات اخرى لاعلاقة لها بالقانون كما تختلط فى المعدة المواد الغذائية بعضها ببعض وإذ الناتج من هذه المواد المختلطة
هو عصير ثقافي يسرى فى دمى المعنوى فأحس وكأن وزنى الفكرى
قد ازداد وكأن قدرتى على تحمل التأمل المثمر قد نمت ..أما المواد الغذائية
ذاتها فقط فقد هضمت أى نسيت والامتحان يريد منى أن أوقف عملية الهضم حتى يتحقق الممتحن من وجود المواد صلبة داخل المعدة الذهنية
لاأريد بذلك أن أعيب نظام بنيتى الفكرية ..إنى سريع الهضم إلى حد قد يعد مرضا فى نظر الممتحن فمادمت قد تناولت الغذاء واحس حرارة الدم القوى تفور فى رأسى فلماذا أدع الناس يفحصون مافى معدتى .
********************

ابراهيم عبد المعطى داود
04/10/2009, 10:49 AM
كل تفكير العرب وكل فن العرب في لذة الحس والمادة ..لذة سريعة منهومة .. مختطفة اختطافا لأن كل شىء عند العرب سرعة ونهب واختطاف .. عند الاغريق حركة ..أى الحياة .. وعند العرب السرعة
أى اللذة .. كل شىء يحسونه –يعنى العرب- إلا عاطفة الاستقرار ..
كيف يعرفون الاستقرار وليس لهم أرض ولا ماضي ولا عمران ..؟
دولة أنشأتها الظروف ولم تنشئها الأرض .. وحيث لاأرض فلا استقرار
وحيث لااستقرار فلا تأمل .. وحيث لاتأمل فلا ميثولوجيا ولا خيال واسع
ولا تفكير عميق .. ولا احساس بالبناء .. ولهذا لم يعرف العرب البناء
سواء فى العمارة أو فى الأدب أو في النقد .. الاسلوب العربي فى العمارة
من أوهى أساليب العمارة التى عرفها الفن ..
وإذا عاش اليوم فإنما يعيش بالزخرف .

خليف محفوظ
07/01/2010, 09:49 PM
الأستاذ ابراهيم عبد المعطي داود تحية تقدير و احترام

شكرا لك هذا المجهود الطيب


تمتعت أيما متعة و استفدت أيما استفادة و أنا أجول في هذه الحقول المعرفية الخصبة .

في حضرة الفكر و الإبداع لا نملك إلا الشعور بهذه النشوة العميقة التي تحرك في الوجدان أسمى المشاعر .

تحية لقلمك الجميل .

تنبيه بسيط :

ورد في تعريف توفيق الحكيم أنه من مواليد 1878 و الواقع أنه من مواليد عام 1898

تحيتي و تقيديري

ابراهيم عبد المعطى داود
07/23/2010, 10:54 AM
في أول زيارة له لطبيب‏.‏ كان عمره ستين عاما‏,‏ لم يقترب من عيادة طبيب قبل هذا العمر‏,‏ ولم يزره الألم ولم يشعر باحتياجه لطبيب‏, ‏ قبل هذه المحطة الفارقة في عمره وعمر أي إنسان‏.


إنه توفيق الحكيم برنارد شو العرب صاحب القول الطريف في هذا البلد الحكيم فيها كاتبا‏..‏ والكاتب فيها حكيما وكان يقصد بالحكيم الجراح المشهور الدكتور عبدالله الكاتب‏..‏
إنه نموذج نادر لا يتكرر من الإنسان الملتزم‏,‏ يحترم صحته ويطيع أوامر طبيبه‏,‏ وينفذ تعاطي الدواء بدقة‏,‏ كان من فريق المشائين محبي المشي متكئا علي عصاته الشهيرة وأعوامه الثمانين‏,‏ يقطع الطريق من منزله المطل علي نيل جاردن سيتي إلي مكتبه بجريدة الأهرام صباح كل يوم‏,‏ قاطعا قرابة أربعة كيلو مترات في شوارع الزمن الجميل النظيفة‏,‏ وهي الرياضة التي اصبحت الآن علي لسان كل طبيب‏.‏
سؤال حير طبيبه هل كان الحكيم بخيلا؟‏...‏ من مواقف متعددة لمس الطبيب الإجابة عن السؤال‏,‏ ولكن الأمر المؤكد انه كان العجوز الشاب صاحب الذاكرة المتوهجة‏,‏ وهو فوق سرير الرعاية المركزة حتي لفظ انفاسه في‏26‏ يوليو‏1987...‏ وتمر هذا الشهر ذكري مولده منذ‏112‏ عاما‏!‏ وقد كرمت الأهرام كاتبها الكبير وحملت أجمل قاعات الأهرام اسمه وهي قاعة مجهزة بأحدث تكنولوجيا العصر من الداتاشو ومخصصة للندوات اليومية والاسبوعية لكبار الساسة والأدباء والشعراء والمفكرين والعلماء‏.‏توفيق الحكيم مات شابا‏..‏
هكذا بدأ حديثه معي طبيبه الخاص الدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل‏,‏ أستاذ الأمراض الباطنة بكلية طب جامعة القاهرة‏,‏ في آخر حديث له قبل رحيله‏,‏ قال‏:‏ اذا كان كل الأدباء والكتاب ماتوا معمرين وهم في عز الشباب‏,‏ فإن توفيق الحكيم لحقهم‏..‏ إن توفيق الحكيم برنارد شو مصر‏,‏ مات شابا فعلا‏..‏ إنه أقل أفراد أسرته المعمرة عمرا‏,‏ لقد ماتت والدته وشقيقته عن عمر يناهز المائة عام‏,‏ وهو مات عن عمر يقترب من التسعين وان كنت أعتقد أنه قد يكون قد أخطأ في‏10‏ سنوات‏.‏
وتوفيق الحكيم يعتبر المثل والقدوة لكل الشباب‏..‏ لقد كان يعشق المشي والحركة‏,‏ لا يسهر‏..‏ ولم يقترب من الخمر عمره كله‏,‏ ولم يدخن سيجارة بالمعني الدقيق لها‏..‏ إنه كان دائم المرح‏,‏ لديه القدرة علي فصل الأحداث المؤسفة في حياته‏..‏ يقابل المصائب بمنتهي الهدوء‏,‏ يأكل ولا يشبع‏,‏ ولا يقترب من المسبك والمحمر والمقلي‏,‏ يعشق الأكل المسلوق والخضراوات والفواكه والزبادي وعسل النحل والجبن الأبيض والفول‏..‏ يكاد يكون نباتيا في طعامه‏,‏ لا يستخدم المنومات لكي ينام ولا يستخدم المهضمات لكي يهضم طعامه‏.‏
تعالوا معا نفتح دوسيه أوراق الحكيم الطبية‏..‏ ان توفيق الحكيم لم يزر الطبيب في حياته‏,‏ أول زيارة لطبيب كانت نداء لألم‏..‏ وكان عمره ستين عاما‏..‏ وكان قد أصيب بالانفلونزا‏,‏ وهنا كانت أول زيارة للحكيم لطبيب كانت للدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل سنة‏1958.‏
حينئذ كان الحكيم يعاني من معدة حساسة ورقيقة أكثر من اللازم‏..‏ صحته لم تحتمل الامتناع عن الطعام أو الشراب‏..‏ واذا تعاطي مضادات حيوية فإنه يعاني من اضطراب معوي أو نزلة معوية حادة مع هبوط في الدورة الدموية مع مضاعفات‏.‏
ويقول طبيبه‏..‏ إنه دقيق جدا في اتباع التعليمات‏,‏ لدرجة أنه يعتبرها إحدي قواعد اللغة العربية‏,‏ التي لا يجوز كسرها أو الخروج عن قواعدها‏,‏ إن رأيه أن تعليمات الطبيب ينبغي ألا تكون محل جدل أو مناقشة‏,‏ إنه ينفذ أوامر الطبيب بحرفية شديدة‏,‏ إنه يسأل عن كل كبيرة وصغيرة في الدواء وكيف ومتي يتناوله‏,‏ إنه مريض قلما يتكرر مثله‏,‏ انه يسأل متي يحصل علي الدواء‏,‏ وما نوعه‏,‏ وقبل أم بعد الأكل‏,‏ وما تأثيره‏..‏ والجرعة ما قدرها‏..‏ وماذا يحدث اذا أهمل أو لم يتذكر موعد الدواء‏..‏ هل يضاعف الجرعة‏..‏ وما الاحتمالات المترتبة علي هذا الدواء‏,‏ ويتابع مقادير العلاج بحرفية وبشدة‏,‏ فإذا هاجمته نزلة شعبية أو انفلونزا‏,‏ أو نزلة برد‏,‏ فإنه يتابع التعليمات في منتهي الشدة‏,‏ انه لا يتعاطي أي نوع من المكيفات‏,‏ مثل الشاي أو غيره‏,‏ انه يشرب في اليوم كله فنجان قهوة واحدا في مكتبه بجريدة الأهرام‏,‏ وفي شهور الصيف‏,‏ التي يقضيها في الكازينو الخاص به بترو في الاسكندرية‏,‏ يشرب القهوة مرة واحدة في اليوم أيضا‏.‏
لم يظهر الحكيم حزنه علي فقد ابنه إسماعيل وحيده الغالي وقد مات بسبب صفراء وتليف في الكبد‏,‏ وكان موسيقارا فنانا يقود فرقة موسيقية حديثة تعزف في الفنادق الكبري‏,‏ فعندما سمع بنبأ فقد وحيده تلقي النبأ في منتهي الشجاعة ولم يعلق‏..‏ وظل رابط الجأش لا يبدي أي مشاعر‏..‏ استطاع أن ينزل ستائر عنيفة من الكثافة تحجب حزنه الدفين عن الناس‏..‏ وظهرت هذه المشاعر عندما حلت الذكري السنوية الأولي لوفاة نجله‏,‏ فقد كانت هذه الذكري ضربة قوية في ظهره‏..‏ لقد أضرب عن الطعام‏..‏ وكرر اضرابه في كل مناسبة‏,‏ وكان يمتنع عن الطعام والشراب ويشعر بالزهد‏..‏ والاكتئاب‏,‏ ولكن الدكتور أحمد عبدالعزيز كان يهون من أحزانه ويقوي إيمانه بقضاء الله وقدره ولكن كانت هذه المشكلة تتكرر كل سنة‏,‏ وفي نفس وقت رحيل ابنه‏,‏ لقد زهد الحياة‏,‏ وأثرت علي نفسيته‏,‏ وشعر بأن وجوده غير مجد‏,‏ وأن ابنه ينبغي أن يعيش وهو الذي يموت وان من أقسي الأمور علي النفس أن يمشي الأب في جنازة ابنه‏..‏ انه مشهد لا يتمني أن يعيشه أو يراه أب في حياته‏.‏
ويقول د‏.‏ أحمد عبدالعزيز إسماعيل‏,‏ طبيب توفيق الحكيم الخاص‏,‏ إنه لم يكن يتقاضي أجر الكشف الطبي من توفيق الحكيم لأنه يعرف أن توفيق الحكيم بخيل‏.‏
قلت له‏:‏ ما شواهدك علي هذا؟
ضحك وقال‏:‏ إن هناك حوارا ممتدا‏..‏ لقد كان حريصا في كل مرة أن يأتي فيها الي العيادة بأن يكون محتضنا أحد مؤلفاته‏,‏ وكان يهديني المؤلف ولسان حاله واهدائه يقول‏:‏ هذا مقابل الكشف الطبي المجاني‏..‏ وهي لغة صامتة يفهمها د‏.‏ أحمد‏.‏
وفي إحدي المرات‏..‏ عقب وفاة الرئيس جمال عبدالناصر صدر عن الحكيم تصريح بأنه سوف يتبرع بمبلغ‏50‏ جنيها مساهمة في حملة التبرعات لبناء تمثال لعبدالناصر‏,‏ ويشاء حظه العثر أن يذهب الي عيادة الدكتور أحمد عبدالعزيز إسماعيل في هذا اليوم‏..‏ وفعلا عرض شكواه من التعب الذي ألم به وتم الكشف الطبي عليه‏,‏ ولما كان د‏.‏أحمد عبدالعزيز اسماعيل‏,‏ ابن عبدالعزيز باشا إسماعيل‏,‏ أحد مؤسسي كلية طب جامعة القاهرة‏,‏ ويحمل أحد المدرجات اسمه‏,‏ يحب دائما أن يداعب الحكيم‏..‏ فإنه في أثناء الكشف الطبي عليه قال له‏:‏ يعني يا توفيق بك قرأت انك سوف تتبرع بمبلغ خمسين جنيها لإنشاء تمثال لعبدالناصر‏,‏ وحينئذ قال له توفيق الحكيم بسرعة وشجاعة‏:‏ يعني عاوزني أدفع لك الكشف الطبي؟ وضحك الاثنان طويلا علي سوء حظ الحكيم وسرعة البديهة والقفشة من د‏.‏ أحمد عبدالعزيز‏.‏
وفي إحدي المرات أراد د‏.‏ أحمد أن يزور الحكيم في مقهاه المشهور في الإسكندرية‏,‏ وعندما دخل الدكتور أحمد‏,‏ علي الحكيم في مقهاه‏..‏ صفق الحكيم للجرسون‏,‏ ولما استجاب له‏..‏ قال له الحكيم‏:‏ هات فنجان القهوة بتاعي هنا للطبيب؟ واندهش د‏.‏ أحمد من كرم توفيق الحكيم ومال عليه وسأله‏:‏ لماذا هذا التبذير؟‏!‏ ضحك الحكيم وقال له‏:‏ أصل صاحب القهوة تبرع لي بفنجان قهوة مجانا كل يوم‏..‏ وقد تنازلت اليوم عنه من أجلك يادكتور‏!!!‏ وضحك د‏.‏ أحمد من قلبه علي ذكاء الحكيم‏.‏
ويقول د‏.‏ أحمد‏:‏ انه في اليوم الذي يزورني فيه الحكيم مريضا في العيادة أحاول أن أضغط من مواعيدي مع المرضي‏,‏ ولا أقبل منهم سوي أصحاب الحالات الحرجة‏,‏ وبعد ذلك أغلق عيادتي لكي استمع إليه‏..‏ إنه ممتع الحديث وجذاب‏..‏ له قفشات ذكية‏..‏ وقد علمني الأدب وتعلم مني الطب‏,‏ وكانت ضحكته المشهورة تقول‏..‏ إن الحكيم كاتبا‏..‏ والكاتب حكيما‏!!‏
وكان يقصد بذلك المرحوم الدكتور عبدالله الكاتب رائد الجراحة في مصر‏..‏ وكان توفيق الحكيم رائد الكتاب في مصر‏.‏
قلت له‏:‏ اذا أردت أن تضع تقويما لكل عضو من أعضاء الحكيم في عمره‏,‏ الذي ينافس في صحته صحة الشباب‏:‏ فماذا تقول؟‏..‏
قال لي‏:‏ اسئلني أنت وأنا أجيب‏..‏
ما صحة مخ الحكيم؟ قال في يقظة الشباب‏....‏
قلت له‏..‏ ما الدوافع؟
قال لي حكاية طريفة‏,‏ فبينما كنت أقوم بالمرور علي الحكيم عندما كان في مركز الرعاية المركزة في قصر العيني‏..‏ دخلت عليه ذات صباح وكانت حالته حرجة وكنت خائفا عليه‏..‏ وكنت أمر عليه أكثر من مرة في اليوم لأطمئن علي الضغط والحرارة والنبض‏.‏
وفي ذات صباح دخلت عليه في الرعاية المركزة فوجدته في شبه غيبوبة ونائما‏,‏ ووجدت بجواره الممرضة التي ترعاه واسمها ربابة‏..‏ وكانت تتولي تحضير المحاليل التي يتعاطاها في ذراعه من الجلوكوز والأملاح لتعويضه عن الاضراب عن الطعام الذي اعتاد أن يفرضه علي نفسه بسبب حلول ذكري رحيل ابنه ووحيده إسماعيل‏..‏
قلت لها ياربابة‏:‏ كيف حال توفيق بك؟‏..‏ فردت قائلة‏:‏ كويس‏.‏
وأخذت أسأل عن كل أحواله‏..‏ النبض والحرارة والضغط ورسم القلب ورسم المخ والسوائل ودرجة الوعي‏.‏
وأردت أن أداعب الممرضة قبل مغادرتي المكان حتي تحرص علي متابعة صحة الحكيم‏..‏ فقلت لها بيت الشعر المشهور‏..‏
ربابة ربة البيت‏..‏ تخلط الخل بالزيت
وفجأة سمعت الحكيم من تحت الغطاء وهو يكمل باقي بيت الشعر وقال‏:‏
ولها سبع دجاجات‏..‏
وديك حسن الصوت
وضحكنا كلنا‏..‏ لأنه حاضر الذكاء‏..‏ منتبه دائما‏..‏ كان يود أن يسمع كل ملاحظاتي لربابة‏..‏ ويطمئن علي نفسه من خلال سؤالي‏!!‏
قلت له وماذا عن قلبه؟‏..‏ قال إن قلبه مريض ولكنه يتسع لكل الناس‏,‏ انه يحب الناس‏,‏ ويسعي الي الجمال بكل صوره‏..‏ انه ظريف‏,‏ وله تعليقات في غاية الذكاء‏.‏
ووزنه؟‏..‏ مثالي فقد كان‏58‏ كيلوجراما
وطوله؟‏..‏ مثالي بالنسبة لوزنه‏..‏
وشرايينه؟‏..‏ في حالة جيدة‏..‏ لم يصب في حياته بجلطة أو ذبحة‏..‏ في أي مكان في جسمه لأنه كان يحترم صحته تماما‏..‏
وأعصابه؟‏..‏ في حالة ممتازة جدا ويسيطر عليها بقدرة واقتدار‏..‏ ولكنها استسلمت وانهارت بعد وفاة نجله إسماعيل‏.‏
مزحه‏..‏ لا يغادر تعليقاته‏..‏ انه يعلق بكل ذكاء علي كل شيء‏..‏ وفي احدي المرات سعي الدكتور أحمد الي أن يوصي احدي السيدات ذوات المراكز المحترمة‏..‏ أن تسعي دائما للسؤال عنه‏,‏ حتي لا يشعر بأي وحدة أو عزلة‏.‏
وفي حديث طـــويل بين الحــكيم وحـــكيمه‏..‏ قال له د‏.‏ أحمد‏:‏ لقد قابلت الدكتورة‏(‏ فلانة الفلانية‏)‏ وطلبت منها أن تكون دائمة السؤال عنك حتي تؤنس وحدتك‏..‏
وكان يتوقع الدكتور أحمد الشكر من الحكيم علي الاهتمام‏,‏ لكنه فوجيء بالحكيم يقول له‏..‏ هل أوصيتها علي؟‏..‏ انها ليست جميلة‏..‏ انها مأددة ويقصد أنها عجوز‏!!!‏
قلت له‏:‏ وما هي درجة نظره؟‏..‏ ممتازة‏..‏
وحركته؟ ضعيفة‏..‏ فقد كان دائم المشي نحو‏4‏ كيلومترات كل يوم من منزله المطل علي نيل جاردن سيتي الي مكتبه في جريدة الأهرام‏,‏ ولكن في الفترة الأخيرة عزف عن المشي لأن الشوارع ازدحمت‏,‏ وقد تسلقت السيارات الأرصفة‏,‏ ولم تسمح للمشاة بأن يتحركوا فوقها‏,‏ فقد كان يمارس هذه الهواية يوميا صيفا وشتاء في التاسعة من صباح كل يوم‏,‏ وقد استخدم العصا‏,‏ التي كان دائما يتكئ عليها وتؤنس وحدته وكان يستخدم البيريه التقليدي في الشتاء‏..‏ وهي سمات الحكيم‏..‏
قلت للدكتور أحمد عبدالعزيز‏:‏ هل صحيح الحكيم بخيل؟
قال لي‏:‏ لأ‏..‏ وآه
قلت كيف؟‏..‏ قال إنه كان يكلف ثروت أباظة بأن يكون وزيرا للمالية والمسئول عن الأدوية والدكتور أحمد عبدالعزيز وزيرا للصحة‏..‏ والمسئول عن صحته‏!‏
وسألوا توفيق الحكيم في احدي المرات‏..‏ في آخر عيد ميلاد له‏..‏ وقالوا له‏:‏ هل كنت تمارس الرياضة وانت في شبابك؟‏..‏
فقال توفيق الحكيم‏:‏ لأ أبدا لم أمارس الرياضة في حياتي مداعبا‏,‏ ولكن في السنوات الأخيرة مشيت كثيرا في جنازات أصدقائي الرياضيين‏.‏
وفي احدي المرات‏..‏ يحكي أن الصحفيين ورجال الإذاعة والتليفزيون‏..‏ ذهبوا الي أحد المعمرين لإجراء حديث معه عن سر احتفاظه بشبابه كل هذا العمر‏..‏ فقال لهم إنه لم يقرب الخمر في حياته كلها‏.‏
وفي أثناء إعداد الحديث‏,‏ سمعوا صخبا علي الباب وفزع كل الحاضرين‏,‏ وسألوه عن سبب هذا الضجيج فقال المعمر للصحفيين‏:‏ أبدا ان شقيقي الأكبر دائما يعود مخمورا آخر الليل ويحدث كل هذا الضجيج‏!!‏
‏***‏
إن توفيق الحكيم ظاهرة لن تتكرر‏..‏ انه كان يحتفظ باعتداله في كل شيء‏,‏ وكان لا يقترب من التدخين‏,‏ أو السهر‏,‏ أو الأكل الدسم‏,‏ وكان حريصا علي المشي والاعتدال في الحياة العامة‏,‏ انه نموذج للعجوز الشاب‏..‏ الذي يمكن اعتباره المثل والقدوة‏..‏ في الأدب والقصة في الصحة والشباب وفعلا مات شابا‏..‏
ومنذ غادر أديبنا الراحل توفيق الحكيم القاهرة في الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر في رحلته الأخيرة الي الخارج قاصدا باريس‏,‏ وراء فيلمه الأول والأخير‏,‏ الذي يحكي قصة حياته التي عاشها في كتابه عصفور من الشرق والذي عاش بداية حياته الأدبية والثقافية والفكرية في عاصمة النور لم يكن يشكو من أي آلام وكانت صحة شرايينه ممتازة في هذا العمر‏,‏ وكان المشرفون علي صحته في منتهي القلق علي صحته من برد باريس‏,‏ وجاء الاقتراح من يوسف فرانسيس ـ رحمه الله ـ كاتب القصة ومخرج فيلم عصفور الشرق الذي يحكي حياة الحكيم‏..‏ بأن يرافق توفيق الحكيم في أثناء الاقامة والتصوير طبيب يسهر علي صحته طوال الرحلة وطوال فترة الاقامة والتصوير الذي كان يستلزم التصوير الخارجي وفي الليل‏.‏ ولكن الحكيم رفض الفكرة‏,‏ وكانت وجهة نظره أن الطبيب المرافق سيسبب له المرض‏,‏ وفعلا عاش في باريس طوال الرحلة في حالة صحية جيدة‏,‏ يمشي ويؤدي أدواره‏..‏ ويتحدث الفرنسية مع أبطال الفيلم‏,‏ ويصحو مبكرا‏,‏ وينام مبكرا‏,‏ ويعشق أكل الأرانب البرية‏,‏ وكان يهوي التردد علي قديم الأماكن التي عاش فيها صباه وتعلم وعاش قصة حبه الشهيرة‏.‏
وعند عودته في شتاء مصر المميز‏,‏ أصابته الانفلونزا برغم أن القاهرة أدفأ من باريس‏,‏ ونقل الي مستشفي المقاولون العرب والذي كان يتابع حالة قلبه د‏.‏ محمد سيد الجندي أستاذ أمراض القلب في طب القاهرة‏,‏ وأجريت له كل الفحوص وكانت مطمئنة‏,‏ وبقي شهرا في المستشفي‏,‏ وعاد الي بيته بناء علي رغبته وقال إن رقاد السرير في المستشفي مرض ورقاد السرير مع المرضي في منزلي راحة‏!‏ وكان الحكيم عندما يسافر إلي فرنسا يزور طبيبه الفرنسي ليكشف عليه ويطمئنه الي صحته‏,‏ وقد أبدي الطبيب ملاحظة أن قلبه كبير ـ أي يعاني من تضخم ـ وتحرك في شمس باريس‏..‏ وكان ينعم بالتمشية‏..‏ وزار عبدالوهاب في أثناء اقامته بفندق الانتركونتيننتال‏,‏ وكان يخرج للتمشية خارج الفندق‏.‏
وعقب عودته الي مصر‏..‏ رغب في دخول مستشفي المقاولون مرة أخري‏..‏ ودخله وظل به‏8‏ أشهر‏..‏ وبالضرورة تحول جناحة الي صالون للفكر ومنتدي للمثقفين‏..‏ من كبار أدباء وشعراء ومثقفي مصر حتي رحل عنها في‏26‏ يوليو‏1987.‏