المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعرة الجزائرية ربيعة الجلطي


هدى محمد
03/03/2009, 05:03 AM
الشاعرة الجزائرية ربيعة الجلطي:
قصيدة النثر إخلاص للعصر!

عندما تلقي ربيعة جلطي قصائدها ينثال الشعر أغنية في تفاصيل الأبجدية تتعرى الصورة من وقع القوافي وتهرب من بحور الخليل لتصنع بحرها الذي لم يجدف فيه ربان قبلها شاعرة تتميز بحساسيتها العالية تجاه الحياة واللغة والآخر أخلصت لذاتها وعصرها فكتبت قصيدة النثر التي تشرع أبواب التجديد باتجاه الأفق. قصيدة لا تكتفي بالتقاط التفاصيل الصغيرة لليومي والمعاش بل فاجأتنا في مهرجان الشعر العربي الرابع في الرقة حين ألقت قصيدة ملحمية بعنوان 'نشيج الغرانيق' هي ملحمة الشبان الجزائريين الهاربين باتجاه البحر في عمليات الهجرة غير الشرعية إلى حلم غالبا ما ينتهي بالموت تقول:

رقراقا أعرفه ، دمي / سأهربه / سأحلله بمبسملات الماء / حلالاً خالداً على الحيتان / و على نجمة أغرس أطرافها في الماء / تسلم على أمي كل مساء.

غواية الهجرة أم غواية الموت قد تتساوى الخيارات حين يكون المعبر الوحيد في فضاء الوطن:

... الأزرق الفضي غواية الفردوس / الأزرق الهيولي يسرج أهواله/ الأزرق النائم في النار / والمتنكر في أنثى/ والهارب من الغرق/ والمذوب من جهنم / الأزرق أمامي / الحائط ورائي.

إنها دراما العصر الأكثر تراجيدية:

... يأخذون من كل حلم زوجين / ومن الصبر صبرين / وأغنيتين في فانوس / وما تتلهى به الحيتان / فالأرض قبر مفتوح / والبحر سر مفضوح.

في هذه المقاطع كما في العنوان إحالة إلى المخزون المقدس في الثقافة العربية والإسلامية من خلال قصة الغرانيق أو قصة الطوفان وسفينة نوح الذي حمل من كل حي زوجين إحالة تثير ظلال الحكاية لكنها توقظ فينا حسّ الريبة والفجيعة بآن معا وتتركنا معلقين كالغرانيق الأولى على حواف الزبد مابين اليقين أو عدمه.

كذلك ألقت علينا قصيدة 'أوجاع شجرة أكاسيا' وقصيدة جميلة أخرى بعنوان 'جلساء' فكان حوارا مطولا استكملناه عبر الإنترنيت ضمن الوقت المستقطع ما بين رحلات ربيعة العديدة :

هدى محمد
03/03/2009, 05:04 AM
تسافرين باستمرار، وتعودين إلى الجزائر ..ماذا تعني هذه العودة لك؟

أصابتني دوخة السفر منذ الصغر، ليس هناك أبلغ من قول الرسول الكريم 'السفر قطعة من عذاب'. لم أتعود على ترك الناس والأمكنة ببساطة، كل سفر يؤذيني رؤية الحقائب أمام الباب تؤذيني يتردد هذا الإحساس في شعري:

'ولدت على ظهر فرس

ومازال يوجعني الرحيل..'.

للسفر أوجاعه، ولكن للسفر كنوزه التي ترقى بالإنسان إلى مصاف الإنسانية والنبل. إننا نتعلم من كل سفر أن جوهر الإنسان واحد. وأن ما يفرق بيننا مجرد أوهام ومصالح تافهة. ليس سرا إن أفضيت بأن السفر ينضجنا كثيرا وكأننا عشنا حيوات عدة. كل عظماء الشعر والأدب والفلسفة والفكر كانوا على أسفار مستمرة ومثمرة.

الجزائر بالنسبة لي شجرتي التي أرجع إليها بعد كل سفر قريب أو بعيد في الوطن العربي، أو دول أوروبا، أو آسيا، أو أمريكا.

منذ أسبوعين، وبعد سورية والصين وباريس، كان سفري إلى فنزويلا استجابة لدعوتها لي، كانت تجربة القراءة أمام جمهور فنزويلا مفاجأة ..في أمسية شعر أمام أكثر من ألف شخص، قرأت إلى جانب الشاعر الفنزويللي الكبير المرشح لجائزة نوبل غستافو برييرا، والشاعر المناضل الجنوب إفريقي بريتن بريتنباخ، ولينتن جونسن..قرأت أشعاري بالعربية ثم بالإسبانية، فإذا بالقاعة تهتز استحسانا وتطالب بإصرار منقطع النظير أن أقرأ المزيد من أشعاري المترجمة إلى الإسبانية. وعلقت الصحافة بكثير من البشرى أنه لأول مرة يحدث هذا. وطلب مني المسؤول الأول في مونتي أفيلا أن أعود لملاقاة الجمهور في فنزويلا وأن ينشر لي بعضا من أشعاري هناك، وبدأ المشروع.

شعب فنزويلا متذوق فطن للشعر. وكما علق الشاعر بريتنباخ: كنا نعرف أن فنزويلا بلد الشعر وجئنا فقط لنتأكد.

هذه التجارب تعمق إحساسك بالنبض الإنساني للشعر، وأنه يظل حتى في عالم فاقد الأخلاق والحس، عالم غارق في لذة المال والجنس والحروب، يظل الشعر العمود الفقري الذي يلملم جسد الإنسانية المتهالك ويوقظ فيه شعلة الروح.

كيف تنظرين إلى المرحلة الشامية في تجربتك؟

لم يكن المشرق عالما عجائبيا بالنسبة لي، كنت أعرفه من خلال قراءاتي وزيارات بعض المثقفين والشعراء مثل الشاعر العراقي عبد الوهاب ألبياتي، والشاعر الكبير نزار قباني الذي زارنا في جامعة وهران وحين رآني لأول وهلة أدخل باب قاعة الاستقبال قبل الأمسية ـ ولم يكن قد رآني من قبل ـ خاطب الذين كانوا يحيطون به قائلا: إنها شاعرة.

نلت الماجستير والدكتوراه بدرجة الامتياز من جامعة دمشق العريقة، ولكن زهوي الحقيقي ليس هذا، بل اللقاءات الجميلة والثمينة التي جمعتني بكتاب كبار وأدباء، من شعراء وقصاصين وروائيين ومثقفين وفلاسفة.. قرأت لهم، ثم عرفتهم عن قرب، كيف يعيشون، و كيف يفكرون خارج أغلفة الكتب.

المرحلة الشامية كما تسميها، جعلتني أفتح فتحا جديدا، إذ دعيت لإقامة أمسيات عديدة في دمشق، وفي العديد من المدن والمحافظات، إلى جانب أهم الشعراء العرب المعاصرين.

هدى محمد
03/03/2009, 05:05 AM
في اتجاهك صوب قصيدة النثر تجلت شحنات من التفرد على السائد، بل تفجيراته اللغوية والثقافية وحتى السياسية؟

قصيدة النثر اختياري السيد، لم تفرضه علي العادة، كما لم يفرض علي الانسياق السهل والانزلاق في مزاريب القصيدة التقليدية المجلجلة العائدة، والتي يسخر لها الدولار، والإعلام الموجه الثقيل، على الرغم من الضعف البادي عليها، وكأنما ينفخ في مومياء .

هل يعقل أن يكون المتنبي الرائع بين ظهرانينا، فيقبل الركاكة؟

لو كان جرير بيننا يسوق الـ44 ، ويحمل آخر صرعة حاسوب، وهاتفا نقالا وكل 'المصائب' الإلكترونية الجميلة، لكان صادقا مع نفسه وغيره وعصره ولكتب قصيدة مختلفة، قد تكون قصيدة نثرية وقد لا تكون، ولكنها حتما لن تكون قصيدة موميائية..

أعرف أنه ليس من السهل أن تفتن المتلقي المعاصر وتأخذ بتلابيب أحاسيسه نحو عوالمك. أعرف أنه من السهل على الشاعر أن يستعمل البحور والقوافي فأذن المتلقي جاهزة. لكنني بما ورثت من شعر عربي غزير وجميل يمتد إلى مئات السنين، إلا أنني ابنة عصري، ولي مشاكسات في اللغة العربية الجميلة المتجددة المليئة بالمفاجآت.. ولي صوتي الشعري، قد تكون بعض حباله من حنجرة الشنفرى أو ابن الرومي أو المتنبي أو ابن زيدون وكم كبير هو الشرف.. ولكنني ربيعة أعيش في هذا العصر ولن أخونه بالهروب منه ماضيا، أو الهروب منه إلى الأمام. ولأنني شديدة الإعجاب بهؤلاء الشعراء الذين كتبوا بوفاء لأمور عصرهم باللغة العربية التي تطورت في ملعب خيل حبرهم، سأكون وفية مثلهم وأكتب بوفاء لأمور عصري، وبلغة عربية جميلة تشع الصحة من خدودها، ويشع الذكاء من عينيها.. قد يقرأ الناس في عصور آتية ما نعيشه في يومياتنا هذه، من تفاصيل تهمهم، كي يتجاوزوا أخطاءنا السياسية والاجتماعية واللغوية والجمالية والأخلاقية والبهلوانية.

قصيدة النثر غالبا تعنى بالتفاصيل الصغيرة ولكنها في شعرك تشف باستمرار عما هو عام؟

في رأيي أن قصيدة النثر على الرغم من استعمالها واستسهالها من لدن العديدين إلا أن سرجها السامق مازال عصيا على الفرسان وأن حصانها الجامح لا يترك من يمتطيه يفرح بمتعة النصر حتى يعيده لليابسة. أنت تقدم رأيا قطعيا نهائيا في طبيعة وكنه قصيدة النثر. هذا رأي أحترمه إلا أنني أرى أن قصيدة النثر رغم الضجيج القائم حولها ما تزال أرضا عذراء تنبت الزهر والدوح التفاصيل الصغيرة والهم العام.

هدى محمد
03/03/2009, 05:06 AM
يلاحظ رغم انتشار قصيدة النثر العربية إلا أنها ما زالت على الضد من النقد الأكاديمي تحديدا.

دعني أرتدي جبة الأكاديمي، وقبعة الأستاذة الجامعية، لأجيبك أنه من المستحيل أن يستطيع الأكاديمي المرتبط بالنظريات المتخشبة والآراء الثابتة المطمئنة والعادات التكرارية التي ذمها الجاحظ بصفتها صفة مزعجة في المعلمين. من المستحيل أن يعوّل المجتمع النقدي عليه في تقويم وتشذيب الذائقة الشعرية. الناقد بشكل عام والمعاصر على الخصوص، في رأيي، هو من يفترض فيه، بل يشترط فيه أن يكون أعمق ثقافة من المبدع نفسه، وأرقى ذوقا منه، وأكثر حضارة منه، وأفهم منه في زواج الألوان ونفورها وأسماء الطيور النادرة وألقاب الورد، مسافرا في الكتب، وفي الجغرافيا، وأكثر إدراكا للعالم وشؤونه منه، حرا طليقا في تفكيره ومبدعا في أفكاره واقتراباته وتحليلاته، عارفا بميكانزمات اللغة في حركيتها الدائمة وعدم ثباتها على حال، مؤمنا، أن في استقرارها أوتقديسها فناءها.

ليس يشفع لناقد الفن والأدب عموما والشعر خاصة حفظه الأعمى للنظريات النقدية العالمية، إن لم ينغمس كليا، ويتبلل بماء الشعر المقدس.. ألم يذهب الناقد الفرنسي الشهير 'تين' إلى أن: 'الناقد المبدع أديب سابق'. لا نقاد لدينا لأن كل شعراءنا وروائيينا وقصاصينا، يصرون رغم الداء والأعداء أنهم مبدعون ناجحون. ابحث معي عن ناقد فيه هذه الصفات الحضارية والموسوعية كلها وتعال نضبط رقاص ساعتنا الشعرية على صوته، وتعال نستمع إلى رأيه في خشوع في القصيدة العربية القديمة والحديثة والآتية لا ريب فيها.

تبدين ميولا نحو الاقتصاد في اللغة وكثافة الصورة..

حتى في الحديث العادي لا أحبذ التكرار والإطناب وتفسير الماء بالماء. جماليات ترتيب اللغة عندي لا تقل أهمية عن جماليات ترتيب الورد. لعلك وضعت إصبعك على موقع السر، إننا في عصر الاقتصاد. القصيدة ابنة ظروف تشبهها.. جيناتها من هؤلاء الذين يذهبون باكرا للعمل، إن وجد، 'يتشعبطون' بباب الحافلة المزدحمة نصف المفتوح، يقفون في طابور بائع الخبز قبل أن يسقط الليل، ويعودون وقد نام أهل الدار.. جيناتها من قيثارة تقلد ساعة الحائط في دقاتها، تقول له: نم يا حبيبي وغدا قص علي أحلامك باختصار..

المرأة تسكن أشعار ربيعة جلطي لكنها تدخل في التحولات التي تعيشها الشاعرة، وفي تحولات القصيدة أيضا؟

صدقت. كيف لي أن أتنصل من أنوثتي ..أرى الأشياء وأدركها وأتعامل معها من موقعي وكياني الإنساني : امرأة عاشقة أو معشوقة، أماً أختاً صديقةً..

قد اعمل من موقع آخر في تغيير ديباجة قانون الأسرة، مثلا، بما يضمن كرامة المرأة في المجتمع.. أما القصيدة فهي اشتهاء الخلود إنها فوق ذلك كله لها شروطها، ولها نار دائمة الاشتعال تضيء القفص الصدري منها.

دمشق 'القدس العربي' ـ من أنور بدر

هدى محمد
03/03/2009, 05:06 AM
جلساء

- ربيعة جلطي

تحت شرفتي

ليل..

يميل بأغصانه على الطرقات،

يمد أذرعا فوق المصابيح،

يدغدغ النجوم،

يراوغ الظلمة عن نفسها،

ويعصر خموره في أغنية..



تحت شرفتي،

مقعدان من حجر..

دونهما، أغلقا باب النعاس،

أشرعا سماءهما للسهر.

يضحكان،

حتى انفراج السرّة منهما

يتغامزان،

يتأففان،

يحوقلان،

يبسملان،

يوشوشان أسرار الجلساء،

وأمورا غريبة في البشر..

وأطراف الحديث،

يتجاذبان:



عن دلال البنات،

ومكر الذكور،

عن اقتصاد السوق،

عن دموع العشاق،

عن الديانات،

عن هول الحروب،

عن غلاء المهور،

عن الغربة،

عن أسرار العادة،

عن الدسائس،

عن الماكياج،

عن المظاهرات،



عن الجنون،

عن القنابل الذكية،

عن وباء التجاعيد،

عن طاولات الحوار المستدير،

عن الانتحار

عن الديمقراطية،

عن الفيزا،

عن التاريخ،

عن حبوب منع الحمل،

عن الجغرافيا،

عن الضجر،

عن إلى آخره،

عن إلى آخره،

وعن إلى آخره.



تحت شرفتي،

المقعدان اللئيمان،

المقعدان الحكيمان،

يفتحان باب النوم،

يتثاءبان،

والله الكريم يحمدان،

على أنهما من حجر.