المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مثاقفة مع ناقد: أهكذا تورد الإبل في النقد الأدبي الحديث؟


إبتسام إبراهيم تريسي
03/07/2009, 04:20 PM
هذه المقالة للكاتب الساخر السوري خطيب بدلة ، نشرت في ملحق الثورة الثقافي .
كاتب المقال ـ والمكتوب عنه ـ من أصدقائي .!
لكنّي حتماً لا أشكّ بمصداقية المقال وكاتبه .
مثاقفة مع ناقد: أهكذا تورد الإبل في النقد الأدبي الحديث؟

ملحق ثقافي
3/3/2009م
خطيب بدلة
عن دار نون 4 بحلب صدرت مجموعة قصصية جديدة، هي الخامسة للكاتب إياد جميل محفوظ، تحمل عنوان “إيقاعات الروح المنسية”،
وفي مطلعها ثمة مقدمة كتبها الدكتور نضال الصالح مذيلة بلقبين مهنيين له، هما: مدرس النقد الأدبي الحديث بجامعة حلب، نائب عميد كلية الآداب الثانية للشؤون العلمية بإدلب.‏
حينما قرأت هذه المقدمة وجدتُ فيها- بحسي النقدي والأدبي الذي اكتسبته خلال السنين الطويلة التي مارست فيها الكتابة الأدبية والصحفية- مشكلات تحتاج إلى إعادة نظر من قبل الدكتور الصالح،.. مشكلات تبدو غريبة جداً، بل وشاذة، سيما وأنها تصدر عن ناقد أكاديمي مختص بالنقد عامة، وبنقد القصة القصيرة خاصة.‏‏
تبدأ المقدمة على النحو الآتي، حرفياً:‏‏‏
(منذ أخلصتُ للنقد،..)‏‏‏‏
وهي عبارة تشير صراحة إلى أن د. الصالح يباشر أي عمل نقدي انطلاقاً من مرآة ذاته الشخصية، وهي- في الوقت نفسه- عبارة ملتبسة تعني أحد أمرين:‏‏‏‏
‏‏‏‏
الأول، أن في داخل الدكتور نضال الصالح مواهبَ وأصواتاً أدبية وفنية ونقدية كثيرة، وقد وجد، بالتمحيص، أن “النقد” هو أقوى هذه الأصوات لديه، فاستجاب له، وقواه، وطوره، وأخلص له.‏‏‏‏
الأمر الثاني، هو أن كل الذين يشتغلون في النقد، عداه، أناس غير مخلصين للنقد، إن لم أقل إنهم يخونونه!‏‏‏‏
نتابع ما يقوله د. الصالح:‏‏‏‏
(منذ أخلصت للنقد، وثمة حذر شاسع لدي نحو ما يمكن الاصطلاح عليه بكتابة ما بعد الثلاثين، أو الأربعين، أو الخمسين.. أي نصوص أولئك القادمين إلى حقل الكتابة في وقت متأخر نسبياً من أعمارهم..).‏‏‏‏
ولمناقشة هذه الفكرة يمكنني أن أتوقف عند ثلاث مسائل:‏‏‏‏
الأولى أن كلمة (حذر) لا تتفق في المعنى والنعت مع كلمة (شاسع) التي تطلق على الأراضي الزراعية، والفيافي، والبوادي، والصحارى، والقفار..‏‏‏‏
والثانية أن هذه القاعدة، أعني قاعدة الارتياب من الكتاب الذين يمارسون الكتابة متأخرين، لها استثناءات، وخروقات معروفة في التاريخ، وأخبار تتحدث عن أناس نبغوا في وقت متأخر من أعمارهم، كالنابغة الذبياني، وعبد الرحمن منيف، وإيزابيل الليندي، وإبراهيم صموئيل، وجميل سلوم شقير. فماذا يقول فيهم ناقدنا الحصيف؟‏‏‏‏
المسألة الثالثة، وهي الأهم، يمكن اختصارها بأن النقد (الحديث) إنما هو نقد ديمقراطي، وموضوعي، بدليل أن المدرسة البنيوية تطالب النقاد بالنظر إلى مكونات النص وأنساقه الداخلية دون التوقف عند مؤلفه، بل تقول، على لسان عبقريها رولان بارت، بـ “موت المؤلف”، دون أن تتعب نفسها في معرفة كم يبلغ عمره، أو وزنه، أو طوله، وإن كان متزوجاً أو عزباً، أو كان كادحاً أو رجل أعمال.‏‏‏‏
يتابع د. الصالح قائلاً:‏‏‏‏
بالحذر نفسه استقبلتُ ظهور إياد جميل محفوظ المباغت والسريع في المشهد القصصي السوري.‏‏‏‏
وبعد أن يشير إلى أن “إياد” هو رجل أعمال ناجح في الإمارات، وأنه أصدر أربع مجموعات قصصية قبل هذه، وأنه أحدث جائزة باسم والده المربي جميل محفوظ، ينتقل إلى رشق الناس الآخرين (الآخرين هنا تعني كل من هم غير د. نضال الصالح) بالاتهامات المبطنة التي تصل إلى حدود التسخيف. فيقول:‏‏‏‏
وفيما بعد، قراءتي للمقدمات التي تصدرت تلك المجموعات، ولما يصطلح عليه بكلمة الغلاف في كل مجموعة، والتي ينتمي الأغلب الأعم منها إلى حقل الكتابات الاحتفالية التي يمكن أن تقول كل شيء سوى ما يعني النصوص نفسها، انتهيتُ (د. نضال الصالح يكثر من استخدام تاء الفاعل المشكولة بالضم كما ترون) إلى أن “إياد” يُحسن صناعة حضور لنفسه، كما يحسن إحاطة نفسه وكتاباته بجمهور واسع نسبياً من الكتاب والنقاد والإعلاميين المستعدين (للتصفيق) له ولكتاباته دائماً.‏‏‏‏
ملاحظة: القوسان اللذان يحيطان بكلمة (للتصفيق) من عندي، وليس من لدن الناقد الصالح.‏‏‏‏
إن القارىء المتوسط الذكاء - فما بالك بالقارىء الفهيم؟!- سيتوصل من خلال هذا الكلام إلى أن “إياد محفوظ” المستريح مادياً بسبب شغله في الإمارات، يحمل هدايا وأعطيات، وربما يدفع أموالاً بالسر، إلى الكتاب والنقاد والإعلاميين المستعدين (للتصفيق) له ولكتاباته دائماً. (هل يوجد تفسير آخر؟)‏‏‏‏
ولئلا يبقى كلام د. الصالح في إطار (التبطين)، وهو تبطين غير بارع بالطبع، دعوني أذكر لكم أسماء الذين وضعوا مقدمات أو “كلمات غلاف” لمجموعات إياد محفوظ الأربع السابقة، الذين يتهمهم الناقد بالتصفيق غير المجاني لإياد محفوظ، وهم، على سبيل الحصر: خطيب بدلة، د. سمر روحي الفيصل، د. عبد الرحمن دركزلي، د. رياض نعسان آغا، وليد إخلاصي!‏‏‏‏
يتابع د. الصالح استخداماته المتعددة للأفعال التي يتحدث بها عن نفسه باعتباره (حاجة لا تتكرر في المشهد النقدي العربي) مغدقاً الاتهامات على أصدقاء إياد محفوظ ومحبيه من الأدباء والنقاد، متهماً إياهم، على نحو غير مباشر، بأن لديهم فوائض إبداعية لا يعرفون كيف يصرفونها، فاهتدوا أخيراً إلى (صناعة) هذا الكاتب، ثم تصديره إلى الوسط الأدبي بكثير من الاحتفالية. فيقول:‏‏‏‏
ولم أكد أنتهي من قراءة آخر نص من نصوص مجموعاته الأربع، حتى تورمت (لاحظوا الجرس الموسيقي العذب الموجود في كلمة: تورمت!) أسئلة كثيرة لدي حول صلة النسب التي تربط تلك النصوص بكاتب واحد أحياناً، أو تلك التي تربط النص الواحد بكاتب واحد أحياناً ثانية.‏‏‏‏
ويضيف: لكأن النصوص إنتاج غير كاتب، بل لكأن كل نص أشلاء نصوص، أي أنه نتاج كتاب متعددين، أو (أصابع)- القوسان من عندي- متعددة.‏‏‏‏
هنا، وبعد صفحتين اثنتين من هذه المقدمة الغرائبية، يشعر الناقد د. الصالح، أن قلمه زل، وكتب حوالي خمس وعشرين كلمة عن صاحب المجموعة المقدم لها، وأنه نسي الحديث عن نفسه! فعاد يقول على الفور، ومن دون تلكؤ:‏‏‏‏
ووفاء مني للحقيقة التي أدمنتُها (ملاحظة: من أعراض الإدمان الخرم والدوخة!) طوال حياتي، ودفعت بسببها، غيرَ نادم، أثماناً باهظة في علاقتي بالوسط الثقافي وبسواه، واستعديتُ علي، بسببها أيضاً، أشباه الكتاب وأدعياء الثقافة، ومن اصطلحتُ عليهم ذات يوم بأوثان الثقافة السورية..‏‏‏‏
ملاحظة: ليس لدي أي تعليق على القسم الأول من العبارة الأخيرة بوصفه خطابياً وإنشائياً أكثر من الحد المفهوم، وبه يريد الناقد أن يحارب أشخاصاً غير معروفين، وغير محددين،... ولكنني أرى أن اتهام بعض الكتاب السوريين بأنهم أوثان ينطوي على اتهام واضح للمتلقي السوري بأنه من عبدة الأوثان. فما هو معروف لدى النحاتين أن التمثال يبقى اسمه عملاً فنياً، حتى إذا تهيأ له من يعبده فإنه يتحول إلى صنم أو وثن!‏‏‏‏
في مطلع الصفحة الرابعة من المقدمة، يبدأ ناقدنا الحصيف بمناقضة نفسه، فيقول:‏‏‏‏
وفاء لذلك، ولسواه أيضاً (ما هو هذا السوى أيضاً؟) واستجابة لذلك النداء الخالب ( يا سلام على الخالب!) الذي أزعمُ الإخلاص له في كل ما كتبتُ، أعني الانطلاق من النص والعودة إليه، وقول ما فيه ومنه، لا من مرجع خارج عنه، أقصيت جانباً الحذر الذي أشرت إليه في بداية هذه المقدمة، وانطلقت في قراءة جديدة للمجموعات..‏‏‏‏
والآن: لا يظنن أحد من الأخوة القراء الأكارم، أن الناقد الدكتور نضال الصالح، بعد كل هذا الحذر الشاسع، واتهامنا بالتصفيق المأجور لإياد محفوظ، وعبادة الأوثان الثقافية الوهمية، بأنه لن يكون معجباً بتجربة إياد محفوظ القصصية. بل هو معجب بتجربته إلى أبعد الحدود.. ولكن يبدو أن الإعجاب حينما يصدر عن غير د. نضال الصالح يكون (مصنوعاً)، ومدفوع الثمن، ولا علاقة له بالنصوص، أما حينما يصدر عنه، فيمثل قمة النزاهة، والذكاء والألمعية!‏‏‏‏
يقول، حرفياً:‏‏‏‏
في هذه المجموعة الخامسة لإياد محفوظ إثنا عشر نصاً سردياً، تؤكد جميعاً، وبنسب متفاوتة قليلاً فيما بينها، بلوغها درجة من النضج الذي يكفي لانتمائها إلى فن القصة القصيرة، كما تؤكد، جميعاً أيضاً، تعبيرها عن حساسية رهيفة نحو قيم الحق والخير والجمال، ولا سيما حفاوتها بمؤرقات المرأة وهواجسها التي تمثل قاسماً مشتركاً بين الأغلب الأعم منها..‏‏‏‏
بصراحة أنا أغبط إياد محفوظ على هذا الإطراء النقدي الذي لا نحلم بمثله نحن الذين نكتب منذ ثلاثين سنة.‏‏‏‏
أذكركم أعزائي بما قاله الناقد د. الصالح في بداية مقدمته، وهو أن المقدمات، ما يصطلح عليه بكلمة الغلاف في كل مجموعة، ينتمي الأغلب الأعم منها إلى حقل الكتابات الاحتفالية التي يمكن أن تقول كل شيء سوى ما يعني النصوص نفسها.‏‏‏‏
وهو خصص أربع صفحات كاملة لكتابة غير احتفالية، ولكنها قالت (كل شيء سوى ما يعني النصوص نفسها).‏‏‏‏
أخيراً، ولست بحاجة لأؤكد بأنني صادق.. أقول: لقد كتبت ما كتبت على أمل يستفيد منه د. نضال الصالح في كتاباته النقدية القادمة، ويبتعد عن نافل القول والاستعراضات التي تفيد أحداً. وهو في المحصلة حر، وأنا قلت ما عندي.‏‏‏‏