مشاهدة النسخة كاملة : من غسان إلى غادة ،، رسائل
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:03 AM
http://www.neelwafurat.com/images/lb/abookstore/covers/normal/30/30292.gif
رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان
تعريف الناشر لكتاب رسائل غسان إلى غادة:
رسائل الحب التقليدية هي (خطابات غرام) لا أكثر.
ولكن رسائل غسان كنفاني لـ غادة السمان خطابات "إنسانية" تختلط فيها
الصداقة العميقة بـ لغة العصر وأوجاع الزمن. تختلط فيها الصداقة بـ القضايا.
ولهذا جاءت رسائل غسان وثيقة "عشق عاقل" إن صحت العبارة. وعندما تنشر
غادة السمان خطابات غسان لها موثقة بـ صورة هذه الرسائل، فهي تريد أن تقول
لنا أن غسان، المناضل العنيد، يحمل بين جنبيه قلب شاعر أراد الكثيرون أن يشوّهوا
صورته كما شوّهوا صور المناضلين من أجل القضية ويخلعوا عليهم صفات الإرهابيين
وقطاع الطرق. بيد أن غسان كان نمطاً آخر من الناس. كان الحب الخاص والعام يملأ
شرايين قلبه؛ ولهذا فـ كتاب غادة السمان يضم هذه الخطابات التي تصفع النظرة
التقليدية لـ المناضل.
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:08 AM
http://www.raya.com/mritems/images/2006/7/8/2_161103_1_209.jpg
ما كتبته غادة السمان في مقدمة الكتاب:
نعم .. كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني .. وكان له وجه طفل وجسد عجوز ..
عينان من عسل وغمازة جذلة لـ طفل مشاكس هارب من مدرسة الببغاوات،
وجسد نحيل هش كـ المركب المنخور عليه أن يعالجه بـ إبر الأنسولين كي لا
يتهاوى فجأة تحت ضربات مرض السكري .. هدية الطفولة لـ صبي حرم من
وطنه دون ذنب .. لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التقليدية: قامة
فارعة .. صوت جهوري زجاجي .. لا مبالاة بـ النساء " إلا آخر عدة النضال" لأنه
كان بـ بساطة بطلاً حقيقياً .. والأبطال الحقيقيون يشبهون الرجال العاديين رقةً
وحزناً .. غير العادي في غسان كان تلك الروح المتحدية .. النار الداخلية المشتعلة
المصرة على مقاومة كل شيئ .. وانتزاع الحياة من بين منقار رخ القدر .. نار من
شجاعة تتحدى كل شيئ حتى الموت ..
نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني جسده المهترئ بالنقرس لا يرسمه جيداً ولا يعبر عنه .. لكن حرفه يفعل ذلك باتقان .. وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزمن استعيده حياً .. ويطلع من حروفه كما يطلع الجني من القمقم حاراً ومرحاً صوته الريح .. يقرع باب ذاكرتي ويدخل بأصابعه المصفرة بالنيكوتين وأوراقه وإبرة أنسولينه وصخبه المرح .. ويجرني من يدي لنتسكع معاً تحت المطر .. ونجلس في المقاهي مع الأصدقاء .. ونتبادل الموت والحياة والفرح بلا أقنعة، والرسائل ايضاً ..
نعم كان ثمة رجل اسمه غسان كنفاني التصق بعيني زمناً كدمعة نقية .. وانتصب فوق افقي كقوس قزح ..
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:21 AM
http://www.nablustv.net/Uploads/Image/EKFJKS.jpg
رسالة غير مؤرخة- لعلها أول رسالة سطرها لـ غادة
أعرف أن الكثيرين كتبوا إليك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة
الأشياء خصوصا إذا كانت تُعاش..وتُحس وتُنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي
عشناها في الأسبوعين الماضيين...ورغم ذلك، فـ حين أمسكت هذه الورقة لـ أكتب
كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته
وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل كـ الأقدار التي
صنعتنا: إنني أحبك.
الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بـ أقسى
ما يمكن لـ رجل مثلي أن يمر فيه ، وبدت لي تعاساتي كلها مجرد معبر مزيف لـ هذه
التعاسة التي ذقتها في لحظة كـ بريق النصل في اللحم الكفيف...
الآن أحسها ، هذه الكلمة التي وسخوها ، كما قلت لي والتي شعرت بـ أن علي أن
أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري.
إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه – ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا –
ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت.
أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق
شرفتك إلى شرائح متطاولة...
أحسها وأنا أتذكر أنني لم أنم أيضا ليلة أمس، وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق
على شرفة بيتي أنني – أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أُجلد –
أبكي بحرقة بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي ، بملوحة البحار كلها وبغربة
كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء ...وتساءلت: أكان نشيجاً هذا الذي
أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل؟
لا..أنت تعرفين أنني رجل لا أنسى وأنا أعْرَفُ منك بـ الجحيم الذي يطوق حياتي من
كل جانب ، وبالجنة التي لا أستطيع أن أكرهها ، وبالحريق الذي يشتعل في عروقي ،
وبالصخرة التي كتب علي ّ أن أجرها وتجرني إلى حيث لا يدري أحد ...وأنا أعرف منك
أيضاً بـ أنها حياتي أنا ، وأنها تنسرب من بين أصابعي أنا ، وبأن حبك يستحق أن يعيش
الإنسان له ، وهو جزيرة لا يستطيع المنفيّ في موج المحيط الشاسع أن يمر بها دون أن.
ورغم ذلك فأنا أعرف منك أيضاً بـ أنني أحبك إلى حد أستطيع أن أغيب فيه ، بـ الصورة التي
تشائين ، إذا كنت تعتقدين أن هذا الغياب سيجعلك أكثر سعادة ، وبأنه سيغير شيئاً من
حقيقة الأشياء.
أهذا ما أردت أن أقوله لك حين أمسكت الورقة؟ لست أدري..ولكن صدقيني يا غادة
أنني تعذبت خلال الأيام الماضية عذاباً أشك في أن أحدا يستطيع احتماله ، كنت أجلد
من الخارج ومن الداخل دونما رحمة وبدت لي حياتي كلها تافهة ، واستعجالاً لا مبرر له،
وأن الله إنما وضعني بـ المصادفة في المكان الخطأ لأنه فشل في أن يجعل عذابه
الطويل الممض وغير العادل لـ هذا الجسد، الذي أحتقر فيه قدرته غير البشرية على
الصلابة، ينحني ويموت...
إن قصتنا لا تكتب ، وسأحتقر نفسي لو حاولت ذات يوم أن أفعل ، لقد كان شهراً
كـ الإعصار الذي لا يُفهم ، كـ المطر، كـ النار، كـ الأرض المحروثة التي أعبدها إلى
حد الجنون وكنت فخورا بك إلى حد لمت نفسي ذات ليلة حين قلت بيني وبين ذاتي
أنك درعي في وجه الناس والأشياء وضعفي ، وكنت أعرف في أعماقي أنني لا
أستحقك ليس لأنني لا أستطيع أن أعطيك حبات عينيّ ولكن لأنني لن أستطيع
الاحتفاظ بك إلى الأبد .
وكان هذا فقط ما يعذبني ...إنني أعرفك إنسانة رائعة ، وذات عقل لا يصدق
وبوسعك أن تعرفي ما أقصد: لا يا غادة لم تكن الغيرة من الآخرين.....كنت أحسك
أكبر منهم بما لا يقاس ، و لم أكن أخشى منهم أن يأخذوا منك قلامة ظفرك .
لا يا غادة ....لم يكن إلا ذلك الشعور الكئيب الذي لم يكن لـ يغادرني ، مثل ذبابة
أطبق عليها صدري ، بأنك لا محالة ستقولين ذات يوم ما قلتِه هذه الليلة.
إن الشروق يذهلني ، رغم الستارة التي تحوله إلى شرائح وتذكرني بـ ألوف
الحواجز التي تجعل من المستقبل - أمامي – مجرد شرائح....وأشعر بـ صفاء لا
مثيل له مثل صفاء النهاية ورغم ذلك فأنا أريد أن أظل معك ، لا أريد أن تغيب عني
عيناك اللتان أعطتاني ما عجز كل شيء انتزعته في هذا العالم من إعطائي .
ببساطة لأني أحبك. وأحبك كثيراً يا غادة، وسيُدَمرُ الكثير مني إن أفقدك، وأنا
أعرف أن غبار الأيام سيترسب على الجرح ولكنني أعرف بنفس المقدار أنه سيكون
مثل جروح جسدي: تلتهب كلما هبت عليها الريح .
أنا لا أريد منك شيئاً وحين تتحدثين عن توزيع الانتصارات يتبادر إلى ذهني أن كل
انتصارات العالم إنما وزِعَت من فوق جثث رجال ماتوا في سبيلها
أنا لا أريد منك شيئاً ، ولا أريد- بنفس المقدار- أبداً أبداً أن أفقدك.
إن المسافة التي ستسافرينها لن تحجبك عني ، لقد بنينا أشياء كثيرة معا ً لا
يمكن ، بعد، أن تغيّبها المسافات ولا أن تهدمها القطيعة لأنها بنيت على أساس
من الصدق لا يتطرق إليه التزعزع.
ولا أريد أن أفقد ( الناس) الذين لا يستحقون أن يكونوا وقود هذا الصدام المروّع مع
الحقائق التي نعيشها...ولكن إذا كان هذا ما تريدينه فـ قولي لي أن أغيب أنا . ظلي
هنا أنت فـ أنا الذي تعودت أن أحمل حقيبتي الصغيرة وأمضي ...
ولكنني هذه المرة سـ أمضي وأنا أعرف أنني أحبك، وسأظل أنزف كلما هبت الريح
على الأشياء العزيزة التي بنيناها معاً..
غسان
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:29 AM
http://www.islamonline.net/arabic/arts/2004/05/images/pic03.jpg
رسالة غير مؤرخة ، ولكن سياق الكلام فيها يدل على أنها كتبت في
القاهرة أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)وقبل 29/11/1966 بيوم أو اثنين
عزيزتي غادة..
مرهق إلى أقصى حد : ولكنك أمامي ، هذه الصورة الرائعة التي تذكرني بـ أشياء
كثيرة عيناك وشفتاك وملامح التحفز التي تعمل في بدني مثلما تعمل ضربة على
عظم الساق ، حين يبدأ الألم في التراجع . سعادة الألم التي لا نظير لها . أفتقدك
يا جهنم ، يا سماء، يا بحر. أفتقدك إلى حد الجنون . إلى حد أضع صورتك أمام عيني
وأنا أحبس نفسي هنا كي أراك .
ما زلت أنفض عن بذلتي رذاذ الصوف الأصفر الداكن. وأمس رأيت كرات صغيرة
منها على كتفي فتركتها هناك. لها طعم نادر كالبهار ....إنها تبتعث الدموع إلى عيني
أيتها الشقية. الدموع وأنا أعرف أنني لا أستحقك: فحين أغلقت الباب وتركتني أمضي
عرفت ، عرفت كثيراً أية سعادة أفتقد إذ لا أكون معك. لقد تبقت كرات صغيرة من الصوف
الأصفر على بذلتي ، تتشبث بي مثلما أنا بك ، وسافرت بها إلى هنا مثلما يفعل أي
عاشق صغير قادم من الريف لأول مرة.
لن أنسى. كلا. فأنا ببساطة أقول لك: لم أعرف أحدا في حياتي مثلك، أبداً أبداً . لم
أقترب من أحد كما اقتربت منك أبداً أبداً ولذلك لن أنساك، لا...إنك شيء نادر في
حياتي. بدأت معك ويبدو لي أنني سأنتهي معك.
سأكتب لك أطول وأكثر...لقد أجلوا المؤتمر إلى 30 ولكنهم سيسفروننا غداً ، الأحد
إلى غزة كي نشترك بمآتم التقسيم. يا للهول. ويبدو أنه لن يكون بوسعي أن أعود
للقاهرة قبل الرابع . وسأكون في بيروت يوم 6 كانون الأول على أبعد تعديل...إلا إذا
فررت من المؤتمر وأتيتك عدْواً..
حين قرأ أحمد بهاء الدين حديثك لي خطفه، بل أجبرني على التعاقد معه لأكتب له
مواضيع مماثلة ......قال لي وهو يهز رأسه: أخيراً أيها العفريت وجدت من يُسكت
شراستك. سينشر الموضوع في (المصور) التي علمت أنها توزع في كل البلاد
لعربية أعداداً هائلة وتحوز على ثقة الناس واحترامهم ... لكنني بالطبع لا أعرف متى
وزعت كتبك.تحدثت عنك كثيراً .فكرت بك.بك وحدك..وأنت لا تصدقين..وأنت حين
(أعذب نفسي في المساء) موجودة في الماي فير مع الناس والهواتف والضحك..
حاولي أن تكتبي لي: فندق سكارابيه شارع 26 يوليو .القاهرة فسيكون أحلى ما
يمكن أن يلقاني حين عودتي رسالة منك لأنني أعرف أنك لن تأتين..
آه.. يا عزيزة
غسان كنفاني
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:37 AM
http://www.al-akhbar.com/files/images/p12_20070707_pic1.full.jpg
كازينو الأندلس - غزة
ANDALUS CASINO-GAZA
فندق الأندلس - غزة
EL-ANDALUS HOTEL-GAZA
فندق قصر البحر – غزة ت 603
SEA PALACE HOTEL-GAZA TEL603
كازينو هويدي – غزة ت 352
HAWAIDICASINO GAZA TEL352
غزة في 29/11/1966 Gaza
غادة..
كل هذه العناوين المسجلة فوق، على ضخامتها ، ليست إلا أربع طاولات على
شاطئ البحر الحزين ، وأنا ، وأنت، في هذه القارورة الباردة من العزلة والضجر.
إنه الصباح، وليلة أمس لم أنم فقد كان الصداع يتسلق الوسادة كـ جيوش مهزومة
من النمل ، وعلى مائدة الفطور تساءلت: هل صحيح أنهم كلهم تافهون أم أن غيابك
فقط هو الذي يجعلهم يبدون هكذا؟ ثم جئنا جميعاً إلى هنا : أسماء كبيرة وصغيرة،
ولكنني تركت مقعدي بينهم وجئت أكتب في ناحية، ومن مكاني أستطيع أن أرى
مقعدي الفارغ في مكانه المناسب ، موجود بينهم أكثر مما كنت أنا.
إنني معروف هنا ، وأكاد أقول (محبوب) أكثر مما كنت أتوقع ، أكثر بكثير . وهذا شيء
في العادة ، يذلني، لأنني أعرف بأنه لن يتاح لي الوقت لأكون عند حسن ظن الناس ،
وأنني في كل الحالات سأعجز في أن أكون مثلما يتوقعون مني . طوال النهار والليل
أستقبل الناس ، وفي الدكاكين يكاد الباعة يعطونني ما أريد مجاناً وفي كل مكان
أذهب إليه أستقبل بحرارة تزيد شعوري ببرودة أطرافي ورأسي وقصر رحلتي إلى
هؤلاء الناس وإلى نفسي. إنني أشعر أكثر من أي وقت مضى أن كل قيمة كلماتي
كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لـ غياب السلاح وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال
الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه ، وذلك كله يشعرني بغربة
تشبه الموت وبسعادة المحتضر بعد طول إيمان وعذاب ، ولكن أيضا بذل من طراز صاعق
ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي..أنا لم أفقد صوابي بك بعد ،
ولذلك فأنا الذي أعرف كم أنت أذكى وأنبل وأجمل. لقد كنتِ في بدني طوال الوقت ،
في شفتي، في عيني وفي رأسي. كنتِ عذابي وشوقي والشيء الرائع الذي يتذكره
الإنسان كي يعيش ويعود...إن لي قدرة لم أعرف مثلها في حياتي على تصورك ورؤيتك..
وحين أرى منظراً أو أسمع كلمة وأعلق عليها بيني وبين نفسي أسمع جوابك في أذني ،
كـ أنك واقفة إلى جواري ويدك في يدي . أحياناً أسمعك تضحكين، وأحياناً أسمعك ترفضين
رأيي وأحياناً تسبقينني إلى التعليق ، وأنظر إلى عيون الواقفين أمامي لأرى إن كانوا قد
لمحوك معي، أتعاون معك على مواجهة كل شيء وأضع معك نصل الصدق الجارح على
رقابهم. إنني أحبك أيتها الشقية كما لم أعرف الحب في حياتي، ولست أذكر في حياتي
سعادة توازي تلك التي غسلتني من غبار وصدأ ثلاثين سنة ليلة تركت بيروت إلى هنا .
أرجوك..دعيني معك. دعيني أراك.إنك تعنين بالنسبة لي أكثر بكثير مما أعني لك وأنا
أعرف ولكن ما العمل؟ إنني أعرف أن العالم ضدنا معاً ولكنني أعرف بأنه ضدنا بصورة
متساوية، فلماذا لا نقف معاً في وجهه؟ كفي عن تعذيبي فلا أنا ولا أنت نستحق أن
نسحق على هذه الصورة. أما أنا فقد أذلني الهروب بما فيه الكفاية ولست أريد ولا
أقبل الهروب بعد. سأظل، ولو وُضع أطلس الكون على كتفيّ، وراءك ومعك. ولن
يستطيع شيء في العالم أن يجعلني أفقدك فقد فقدت قبلك ، وسأفقد بعدك ،
كل شيء.
(إنني لا أستطيع أن أكرهك ولذلك فأنا أطلب حبك) ..أعطيك العالم إن أعطيتني
منه قبولك بي..فأنا، أيتها الشقية، أعرف أنني أحبك وأعرف أنني إذا فقدتك فقدت
أثمن ما لديّ ، وإلى الأبد..
سأكتب لك وأنا أعرف أنني قد أصل قبل رسالتي القادمة، فسأغادر القاهرة يوم
5 كانون وتأكدي : لا شيء يشوقني غيرك.
غسان كنفاني
ناهدة حجازي
11/14/2008, 12:42 AM
http://www.ghassankanafani.com/images/bpic.jpg
20/1/1967
عزيزتي غادة
صباح الخير..
ماذا تريدين أن أقول لك ؟ الآن وصلت إلى المكتب ، الساعة الثانية ظهراً ،
لم أنم أبداً حتى مثل هذه الساعة إلا أمس ودخلت مثلما أدخل كل صباح :
أسترق النظر إلى أكوام الرسائل والجرائد والطرود على الطاولة كأنني لا
أريد أن تلحظ الأشياء لهفتي وخيبتي. اليوم فقط كنت متيقناً أنني لن أجد
رسالة منك ، طوال الأيام الـ 17 الماضية كنت أنقب في كوم البريد مرة في
الصباح ومرة في المساء . اليوم فقط نفضت يدي من الأمر كله، ولكن الأقدار
تعرف كيف تواصل مزاحها . لقد كانت رسالتك فوق الكوم كله، وقالت لي:
صباح الخير ! أقول لك دمعتُ
منذ سافرتِ سافرت آني ، وإلى الآن ما تزال في دمشق وأنا وحدي سعيد
أحياناً ، غريب ٌ أحياناً وأكتب دائماً كل شيء إلا ما له قيمة ...حين كنتِ على
المطار كنت أعرف أن شيئاً رهيباً سيحدث بعد ساعات: غيابك وتركي للمحرر،
ولكنني لم أقل لك. كنتِ سعيدة ومستثارة بصورة لا مثيل لها وحين تركتك ذهبتُ
إلى البيت وقلت للمحرر أن كل شيء قد انتهى.
إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك. لأنني أكثر من ذلك ( تعبت من الوقوف)
بدونك.. ورغم ذلك فقد كان يخيل إلي ذات يوم إنك ستكونين بعيدة حقاً حين تسافرين.
ولقد آلمتني رسالتك. ضننت عليّ بكلمة حارة واحدة واستطعت أن تظلي أسبوعاً أو
أكثر دون أن أخطر على بالك، يا للخيبة! ورغم ذلك فها أنا أكتب لك: مع عاطف شربنا
نخبك تلك الليلة في الماي فير وتحدثنا عنك وأكلنا التسقية بصمت فيما كان صاحب
المطعم ينظر إلينا نظرته إلى شخصين أضاعا شيئاً.
متى سترجعين؟ متى ستكتبين لي حقاً؟ متى ستشعرين أنني أستحقك؟ إنني
انتظرت ، وأنتظر ، وأظل أقول لك : خذيني تحت عينيك..
غسان