المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تداعيات صورة أدبية


خليف محفوظ
03/24/2009, 02:28 AM
في مطالعاتي الأدبية وقفت على صورة أدبية تكررت بشكل حرفي أثار حيرتي عند كل من الأديب الأمريكي " جون شطاين بك " في روايته الشهيرة " عناقيد الغضب " ، وعند الأديب السوري " زكريا تامر " في قصته " ثلج آخر الليل " من مجموعته " ربيع الرماد " .
الصورة تتعلق بوصف الهيئة التي كانت عليها اليدان عند أحد شخوص الرواية و القصة . فرحت كلما صادفت صورة قريبة لها وقفت عندها متأملا زاوية التناول .
نبدأ بصورة اليدين عند شخصية الأم في رواية" عناقيد الغضب " :
man baissa les yeux et regarda ses mains qui gisaient dans son giron comme deux amants epuises " P318 Stienbeck Les raisins de la colereقرأت الرواية مترجمة من الإنجليزية إلى الفرنسية ، أي : " أطرقت أمي و نظرت إلى يديها الممددتين في حجرها كعاشقين منهكين " الصورة نفسها تتكرر في قصة " ثلج آخر الليل " حين يصف الكاتب جلسة العائلة مساء واجمة تحت صاعقة خبر هروب البنت من البيت ، يتعلق الوصف بوالد يوسف : " ... بينما جلس والده صامتا ، ترن الكآبة على وجهه المتغضن ، ويلتمع في عينيه سخط خفي ، ويداه مرتميتان بوجوم على ركبتيه كصديقين متعبين عجوزين ..."إن صورة اليدين عند شطاين بك و زكريا تامر طبق الأصل ، لكن أيهما الأصل و أيهما المستنسخ ؟ أم تراه توارد الخواطر ، أو كما تقول العرب قديما " وقد تقع الحافر على الحافر " في إشارة إلى إمكانية تتطابق الأفكار و الصور بين الأدباء من غير علم مسبق بينهما بموضوع كل منهما مشبهين العملية بفارس سلك طريقا ثم سلك فارس آخر نفس الطريق و بالصدفة وقع حافر الفارس الثاني في نفس موقع حافر الفارس الأول من غير قصد مادام الطريق أي السياق واحدا .
طبعا الصورة الأصل عند الروائي شطاين بك ، فالرواية كتبت عام 1940حين كان عمر القاص زكريا تامر تسع سنوات .
أنا أستبعد فرضية "وقوع الحافر على الحافر"هذه ، و أميل إلى تأثير المخزون القرائي في الكتابة ، فالأديب يمر في قراءاته بصور عديدة ، تعجبه بعضها و تترسب في أعماقه ، ثم يوظفها في نصوص لاحقة وفي غالب الأحيان بصورة آلية غير واعية .
في حين هذه الصورة " هيئة اليدين " عند أديب آخر تختلف تماما .
لنقرأ مثلا هذا المقطع لمحمود درويش من قصيدته الشهيرة " جندي يحلم بالزنابق البيضاء "
" ... كخيمة هوى على الحصى ومات
كانت ذرعاه
ممدودتين مثل جدولين يابسين"
صورة الذراعين كانت عميقة التعبير ، شبههما الشاعر بجدولين يابسين لأن الذي سقط تحت رصاص الجندي كان مزارعا بسيطا ، وما جدوى الزرع بلاجداول متدفقة ، أي : بلا سواعد تفلح الأرض ؟؟؟
في نص أدبي آخر نجد لليدين وصفا جميلا يذهب بهما بعيدا عن دلالات الصور السابقة .
لنقرأ هذا الوصف ليدي البطل في رواية أمين معلوف " موانئ الشرق " : " استلطفت أيضا يديه اللتين تحومان بلا هوادة و تدوران دون انقطاع أو تتعانقان طويلتين و رقيقتين يخال النظر إليهما أنهما لم تمارسا عملا قط ، وأن صاحبهما لم يعرف بعد ما الجدوى منهما " اليدان هنا تحيلان إلى معاني البطالة و الضياع و التشرد و الافتقاد إلى الدف ء ، انظر إلى حركات الفراغ و العناق فيهما ...
اليدان نفساهما للبطل نفسه في الرواية نفسها مع النهاية حين يلتقي " عصيان " زوجته بعد فراق سنين طويلة تتحولان إلى جناحي عصفور " ... وارتفعت ذراعاه أيضا ببطء كجناحي عصفور لم يحلق منذ فترة طويلة ..." والعصفور هنا هو البطل نفسه " عصيان " الذي حبس في المصحة النفسية زمنا طويلا .خلاصة القول إن تطابق صورة اليدين عند كل من شطاين بك و زكريا تامر أمر لفت انتباهي حد الدهشة ، فالأصل في التعبير الأدبي و الفني الاختلاف لا الاتفاق كما رأينا ذلك عند محمود درويش و أمين معلوف ، هذا الاختلاف هو الذي يصنع خصوصية الأديب و الفنان على خلاف الأمر في العلم ، ففي العلم القوانين كامنة في الطبيعة تنتظر من يكشف عنها ، فإذا لم يكشف عنها هذا العالم كشف عنها ذاك العالم ، أما في الأدب فلا يبدع الصورة إلا صاحبها ، ولو لم يكتب أبو العلاء " رسالة الغفران " لما كتبها أحد غيره .

ناهدة حجازي
03/25/2009, 10:53 AM
..
..



خليفة محفوظ ،،


أرجح هنا مسألة المخزون القرائي ،، فلا أظن أن اي

كاتب يرغب بأن يكون نسخة مكررة عن غيره ،،


أشكر لك هذا الطرح المفيد ،،


دمت ،،


..
..

خليف محفوظ
03/27/2009, 01:46 AM
شكرا الأديبة ناهدة حجازي على حضورك الجميل ، أوافقك الظن ، أنا أيضا أميل إلى عامل تأثير القراءة هنا
والأديب زكريا تامر من رواد القصة القصيرة في الأدب العربي ، و أنا شخصيا شديد الإعجاب بأسلوبه القصصي .
تحيتي و تقديري .

إبتسام إبراهيم تريسي
03/31/2009, 11:41 PM
تحياتي
الأمر لا يقتصر على زكريا تامر ...
كلنا نستخدم المخزون القرائي ، كنحلة تأخذ من حقل الزهور وتصنع عسلاً . أعتقد أنّ موضوع تشابه الأفكار والصور وحتّى بعض العبارات أمرٌ وارد ، ولا يسيء لكاتب له وجوده وأهميته .
مودة .

ريما إبراهيم فائق
04/04/2009, 06:16 PM
كما قالت أستاذتنا ابتسام ، لا أظن أن هذه الصور تعود إلى المخزون القرائي فقط ، و الذي يظهر لدى كل كاتب ، فتوارد الخواطر و الأفكار يتكرر كثيرا ، و أنا أرى أن لكل صورة خاصيتها المميزة لها .
شكرا لك ، فقد أعجبتني الصور كثيرا .
دمت بخير .