ابراهيم عبد المعطى داود
11/14/2008, 11:35 AM
************************************
محاضرة لعميد الصحافة الأستاذ / محمد حسنين هيكل
[COLOR="SeaGreen"][I][B]حضرات السيدات والسادة
يسعدنى ويشرفنى أن تتفضلوا بدعوتى كأول متحدث فى المحاضرة التذكارية بكلية الصحافة التى أسس لها هذا التوافق بين جامعة " أوكسفورد " ووكالة "رويترز" .
إن هذا التوافق بين جامعة عريقة "أوكسفورد" ووكالة أنباء شهيرة "رويترز" يصعب أن تكون لقاء مصادفات إذا دققنا فى أسبابه وتمثلنا نتائجه . ومن وجهة نظر عملية وعلمية كذلك- فإن الصحافة على تنوع وسائلها وأدواتها لديها ثلاث طرق اقتراب واضحة إلى وظيفتها الحيوية فى مجتمعات الحرية والتقدم , أول طرق الأقتراب : أن تكون الصحافة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية خطوطا مفتوحة تنقل القرار السياسى على إختلاف مجالاته داخلية وخارجية أقتصادية وإجتماعية -استراتيجية وعسكرية من مواقع صنعه إلى أوسع دوائر المواطنة التى يهمها شأنه بحيث يتأكد الحق العام فى العلم به , وتتوافر إمكانية التعرف على موجباته , والإستعداد لأثاره وتكاليفه , والإطمئنان إلى اتساقه مع الإرادة العامة فى الوطن وخارجه ولكى يظل تحت المتابعة الدستورية والقانونية ويصبح الرأي العام قادرا على ممارسة مسئولية الرقابة عليه والقدرة على إعادة توجيهه ديمقراطيا إذا لزم .
طريق الإقتراب الثانى أن تكون وسائل الصحافة وأدواتها خطوطا مفتوحة أيضا -مابين مجالات الفكر والعلم والفن من مراكز حيويتها , سواء فى الجامعات أو المعاهد ومراكز البحث أو مسارح العرض والأداء وأشكالها المتعددة فى التعبير - إلى جمهور واسع له الحق أن يرى ويستوعب ويستمتع .
وطريق الإقتراب الثالث : أن تبذل نفس الوسائل والأدوات قصارى جهدها كى تنقل وتستثير أنفع وأرفع حوار بين القرار السياسى وشئونه الجارية وقضاياه وإهتماماته - وبين الأفكار وقدرتها على تخصيب الفعل الإنسانى وتوليده لكى يجمع الحوار مابين الفعل والفكر , ويؤكد القيمة ويحفز إرادة إنسانية ذكية وقوية - وهنا فإن التوافق بين الجامعة العريقة ووكالة الأنباء الشهيرة يصبح مرغوبا فيه ومطلوبا .
إن طرق الإقتراب الثلاثة كما وصفتها لاتحقق مطلوبها بهذه البساطة التى وصفتها . فالواقع العملى اكثر تعقيدا لأن مراكز صنع القرار لاتمارس فعلها فى الفضاء المثالى المفترض ., وإنما تمارسه تحت سطوة صراعات تاريخية كبرى ومصالح يتعارض بعضها مع بعض , والكثير منها غائر فى زمانه أو جامح فى مقاصده أو عنيف فى ممارساته , وفى ظل هذه الأحوال فإن القرار السياسى تحكمه – بالقطع – عوامل غير مثالية !
وبالتوازى فإن مجالات صنع الأفكار ومنجزات العلوم وتجليات الفنون لاتطرح مالديها فى ذات الفضاء المثالى المفترض , وإنما تتأثر هذه المجالات فى مجمل نشاطها بضغوط يناسبها أن تضرب علها تزيح أو تحجب علها تحتكر وهنا تبرز عوائق تعرقل المثال الحر للقيمة والقدوة .
يلى ذلك أن قنوات الأتصال التى تمثلها الصحافة لاتمارس دورها فى نقل الأخبار والأفكار وصوت وصدى الحوار على خطوط مستقيمة سالكة ومطهرة , وإنما تتعرض قنواتها المفتوحة على الطرق الطويلة لأنواع ودرجات من التدخل والتحيز تمليها الصراعات والضغوط والمصالح وحتى الأهواء والأمزجة .
حضرات السيدات والسادة
اننى سعيد بهذه الفرصة التى أتحتموها لى كى أتحدث أمامكم فى هذه المناسبة التى توافقت فيها جامعة عريقة مع وكالة أنباء شهيرة على لقاء يسهم فى دعم كفاءة الأعلام من حيث إعداده وتأهيله لأداء دوره دون عوائق بين القرار والأفكار والحوار , وبحيث يتحمل هذا الأعلام مسئوليته فى أزمنة متغيرة .
إننا نتحدث كثيرا عن عالم واحد , لكن مثل هذا الحديث فيه قدر من المبالغة أو ربما التمنى فقد نكون فى حكم الجغرافيا عالما واحدا , لكننا فى حكم التاريخ عالمان : شمال وجنوب , وليس يجدى أن نتأدب ونجامل فى الحقيقة , وكذلك ليس يجدى أن نكتفى بالنظر إلى النخب المتعولمة فى الجنوب وننسى الكتل الهائلة من البشر وراءها – بل بعيدا عنها –
إن هنا ك عالمين : شمال وجنوب , والفجوة بين الإثنين واسعة وخطرة وهى تزداد إتساعا وخطرا إذ تلتبس الحقائق وتتداخل الهواجس بين المثالى المفترض وبين الواقع العملى المعقد عند صناع القرار والأفكار , وعندما تتلكأ قنوات النقل والتدفق الحر , وتتلوى مرات وتنسد مرات وتصبح الفجوة هوة والهوة هاوية وتتحول الرسالة لغما فى حرف أو قنبلة فى رسم !
حضرات السيدات والساده
إذا كانت دعوتكم مبعث سعادة وشرف لى , فهى فى ذات اللحظة مسئولية تدعونى أن أتحدث معكم بصراحة وأمانة أزعم أنها قد تكون مقبولة منى وربما مغفورة .
ذلك أننى رجل من عالم الجنوب يدرك هموم عالمه لأنه يعيش واقعها , وهو يتحدث إلى عالم الشمال ويحسب أنه يستطيع فهمه , بظن أن الظروف أتاحت له أن يعيش مهنة الصحافة فى الجنوب والشمال معا فقد كتب فى العالم العربى وعنه , ومارس فى الجريدة والكتاب والتلفزيون هناك , ثم أن الظروف منحته فرصة أن يمارس هنا كذلك وإنطلاقا من هذا البلد بالتحديد , حيث قامت صحف ودوريات بريطانية عديدة مثل " "التايمز" و"الجارديان " والإندبندنت " و"والأبزرفر" بنشر مقالاته وأحاديثه . ثم إن مؤسسات نشر عريقة قامت بإصدار الطبعات الأصلية من كتبه فظهرت كاملة فى المكتبات لطالبيها , ثم نشرت على فصول مسلسلة حملتها صحف كبرى مثل " الصنداى تلجراف " و"الصنداى تايمز " إلى جانب مقالات وأحاديث وغيرها وكل ذلك أخذ عمله إلى لغات كثيرة وصلت به واسعا وبعيدا .
حضرات السيدات والسادة
قلت أن إنتمائى لعالم الجنوب يجعلنى مدركا لهمومه ومشاكله وقلت إننى زائر للشمال يظن أو يتوهم أنه يتفهم هذا العالم ومحركاته , وقلت أن المسافة بين العالمين واسعة وتزداد إتساعا , وأسمح لنفسى بالقول ومن هذه الحافة بين العالمين بأننا نحتاج الآن وبسرعة إلى جسور لعبور هذه المسافة وإلا تصادمت الكتل ووقعت انفجارات مهولة تسقط مثل الكواكب التى يختل مدارها فى ثقوب سوداء فى مجاهل الفضاء وبعض ذلك وارد واحتملاته تتزايد إن لم نبذل جهدا وأول الجهد أن نتصارح مهما كانت المصارحة مزعجة !
دعونى أبدأ وأقول بتعميم إجمالى أن عالمنا فى الجنوب يشعر بأن القرار الصادر من مراكز القوة الدولية _ كما يصل إلية _ يصدمه بقسوة لايبدو أنها تأبه وتهتم وبإصرار على العنف لايبدو أنه يخشى أو يتحرج ثم أن صوت الحوار لايدعوه إلى مشاركة لأن القرار فى معظم الأحيان ينقض عليه بغتة ودهما .
يشعر عالمنا فى الجنوب كذلك أن دنيا الأفكار والعلوم والفنون _ كما تضىء أمامه من بعيد _ ليست مقبلة عليه أو مرحبة به كما يأمل ويتمنى . ثم أن صوت الحوار يصل إلى الجنوب _ إذا وصل _ مثقلا بشوائب من التحيز بل والعدوانية .
وهنا وفى هذا السياق فإننى أستأذن أن أطرح أمامكم ثلاث ملاحظات آمل أن توضع فى إعتباركم راجيا ألا يعتبر القول فيها نوعا من الشكوى أو عارضا من هواجس عقد نفسية لدى القائلين بها , وإذا بدا ظاهر هذه الملاحظات بعيدا عن الموضوع فإننى آمل فى صبركم لعله يتضح أنها قريبة منه إن لم تكن فى صميمه .
أول الملاحظات : أننا لسنا أمام صراع حضارات متعددة متعارضة يمكن أن تتصادم أو تتصالح لأن شواهد التطور التاريخى تومىء إلينا بأننا حضارة إنسانية واحدة صب فيها الجميع ما ذاد مندهم أوقات الفيض وسحب منها الجميع مالزمهم أوقات الجفاف وساعدوا كل فى زمانه على ملأ خزان هائل للحضارة الإنسانية أصبح شراكة طبيعية ورصيدا جماعيا متاحا بالحق لمن يريد ويستطيع .
ومن المفيد هنا أن نتذكر أنه مع إتساع الأرض وإتصال التاريخ فإن جميع الشعوب والأمم قدمت ماراكمته من ثقافات البيئة والمعرفة والتجربة ,- وعن طريق الإنتقال الحر للمنافع –إضافات سخية ومستمرة وتلقائية إلى المشترك البشرى الجامع وذلك ماأحدث حالة التأمل والفلسفة بحثا عن الحق والحقيقة _ حالة كشف العقل حين تعرف الناس فى الفجر الإنسانى على ملكات التصور وتوصلوا إلى سر الحرف فى الأبجدية وسحر الرقم فى العدد _ حالة التبيه إلى معجزة الزراعة حالة صناعة الأدوات والمعدات _ حالة فنون المعمار – حالة فتح الطريق وإستئناس وسائل المواصلات – حالة صنع السفن وركوب البحار – حالة النظر فى الفلك ومسارات النجوم إلى آخره .
فى هذه الحالات وغيرها فإن الثقافات الطالعة فى كل مكان شقت جداول وينابيع محلية فاضت على جوارها عندما تبين هذا الجوار نفعها ثم إلتفت هذه الجداول والينابيع لتكون مايمكن أن نسميه مجمع ثقافات أو أحواض حضاريه بعضها يكاد يكون مرسوما محددا كخط بالقلم ومثاله الأظهر حوض البحر الأبيض –ثم أن الأحواض الحضارية فى كل إقليم من أقاليم الدنيا امتلأت وفاضت وتمددت وإتصلت بحيث بسطت محيطا واسعا لحضارة إنسانية قابلة للإنتشار , قادرة على العطاء , عابرة للزمان والمكان .
وعلى إمتداد عملية التفاعل بين الثقافات وهى تتدفق من مواقعها الأولية وأحواضها الأوسع إلى المحيط الكبير . وما بين الصب والسحب من الرصيد المشترك من الحضارة الإنسانية فإن الحوض الحضارى للبحر الأبيض تحركت عليه تيارات تبدوا وكأنها خريطة مناخية حية موصولة بين معابد وقصور بابل ومنف إلى أروقة وأعمدة أثينا . إلى مكتبة الأسكندرية إلى دار الحكمة فى بغداد إلى دمشق إلى قرطبة ثم عبر صقلية نحو جنوب أوربا إلى ايطاليا ثم إلى الشمال نحو المانيا وفرنسا وبريطانيا ثم يتجه الخط عابرا الأطلسى إلى امريكا ينفذ إلى الشاطىءفى إتجاه الباسفيك ليعود فيطل على شرق آسيا فإذا الحيوية المتجددة لفيض البحر الأبيض عبر الأطلنطى تجتاز المحيط الهادى لكى تلتقى هناك بالحوض العميق للحضارة الصينية . لقد تصادف هذا الصيف أننى وقفت أمام مكتبة الأسكندرية التى أعيد بنائها ثم كنت بعد أيام عند سفح " الأكروبول " ثم صعدت سلم كنيسة القديس بطرس فى الفاتيكان ثم تجولت متأملا معالم النهضة ومقتنيات القصور فى " فلورنسا " ثم مشيت فوق جسور فينسيا نحو ميدان القديس مرقص وعند هذه المواقع ومشاهدتها فقد ملأت خواطرى عبارة كتبها الأستاذ أمين متحف المتروبوليتان فى نيويورك قال فيها " أن حوض البحر الأبيض المتوسط حدود سائلة " وذلك وصف دقيق لحركة الثقافات فى صنع أحواض حضارية ثم فيضان هذه الأحواض لتصبح محيطا حضاريا عالميا وإنسانيا واحدا . وربما إذا عدنا لحظة إلى مجال السياسة لنذكر أن هذا المحيط الإنسانى ينسب _ ولو من باب المجاز _ فى كل عصر إلى القوة الغالبة فيه فهو فرعونى فى عصر , إغريقى فى عصر ثان , رومانى فى عصر ثالث , مسيحى فى عصر رابع , اسلأمى فى عصر خامس , أوربى فى عصر سادس , أمريكى فى هذه اللحظة العابرزمانها . فهذه اللغة الرئيسية نطقت يونانية لحظة , لاتينية لحظة أخرى , عربية بعد ذلك , ثم فرنسية أو إنجليزية فى هذا الزمان وقد تصبح نبرة أخرى غدا أو بعد غدا.
وعلى تقلب العصور فإن غلبة القوة لايصح أن تنسينا شراكة الرصيد الإنسانى لمحيط الحضارة فوق أى أمبراطورية أو لغة
[COLOR="Red"][SIZE="5"][I][B] انتهى الجزء الأول ..
والى اللقاء مع الجزء الثانى ان شاء الله
محاضرة لعميد الصحافة الأستاذ / محمد حسنين هيكل
[COLOR="SeaGreen"][I][B]حضرات السيدات والسادة
يسعدنى ويشرفنى أن تتفضلوا بدعوتى كأول متحدث فى المحاضرة التذكارية بكلية الصحافة التى أسس لها هذا التوافق بين جامعة " أوكسفورد " ووكالة "رويترز" .
إن هذا التوافق بين جامعة عريقة "أوكسفورد" ووكالة أنباء شهيرة "رويترز" يصعب أن تكون لقاء مصادفات إذا دققنا فى أسبابه وتمثلنا نتائجه . ومن وجهة نظر عملية وعلمية كذلك- فإن الصحافة على تنوع وسائلها وأدواتها لديها ثلاث طرق اقتراب واضحة إلى وظيفتها الحيوية فى مجتمعات الحرية والتقدم , أول طرق الأقتراب : أن تكون الصحافة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية خطوطا مفتوحة تنقل القرار السياسى على إختلاف مجالاته داخلية وخارجية أقتصادية وإجتماعية -استراتيجية وعسكرية من مواقع صنعه إلى أوسع دوائر المواطنة التى يهمها شأنه بحيث يتأكد الحق العام فى العلم به , وتتوافر إمكانية التعرف على موجباته , والإستعداد لأثاره وتكاليفه , والإطمئنان إلى اتساقه مع الإرادة العامة فى الوطن وخارجه ولكى يظل تحت المتابعة الدستورية والقانونية ويصبح الرأي العام قادرا على ممارسة مسئولية الرقابة عليه والقدرة على إعادة توجيهه ديمقراطيا إذا لزم .
طريق الإقتراب الثانى أن تكون وسائل الصحافة وأدواتها خطوطا مفتوحة أيضا -مابين مجالات الفكر والعلم والفن من مراكز حيويتها , سواء فى الجامعات أو المعاهد ومراكز البحث أو مسارح العرض والأداء وأشكالها المتعددة فى التعبير - إلى جمهور واسع له الحق أن يرى ويستوعب ويستمتع .
وطريق الإقتراب الثالث : أن تبذل نفس الوسائل والأدوات قصارى جهدها كى تنقل وتستثير أنفع وأرفع حوار بين القرار السياسى وشئونه الجارية وقضاياه وإهتماماته - وبين الأفكار وقدرتها على تخصيب الفعل الإنسانى وتوليده لكى يجمع الحوار مابين الفعل والفكر , ويؤكد القيمة ويحفز إرادة إنسانية ذكية وقوية - وهنا فإن التوافق بين الجامعة العريقة ووكالة الأنباء الشهيرة يصبح مرغوبا فيه ومطلوبا .
إن طرق الإقتراب الثلاثة كما وصفتها لاتحقق مطلوبها بهذه البساطة التى وصفتها . فالواقع العملى اكثر تعقيدا لأن مراكز صنع القرار لاتمارس فعلها فى الفضاء المثالى المفترض ., وإنما تمارسه تحت سطوة صراعات تاريخية كبرى ومصالح يتعارض بعضها مع بعض , والكثير منها غائر فى زمانه أو جامح فى مقاصده أو عنيف فى ممارساته , وفى ظل هذه الأحوال فإن القرار السياسى تحكمه – بالقطع – عوامل غير مثالية !
وبالتوازى فإن مجالات صنع الأفكار ومنجزات العلوم وتجليات الفنون لاتطرح مالديها فى ذات الفضاء المثالى المفترض , وإنما تتأثر هذه المجالات فى مجمل نشاطها بضغوط يناسبها أن تضرب علها تزيح أو تحجب علها تحتكر وهنا تبرز عوائق تعرقل المثال الحر للقيمة والقدوة .
يلى ذلك أن قنوات الأتصال التى تمثلها الصحافة لاتمارس دورها فى نقل الأخبار والأفكار وصوت وصدى الحوار على خطوط مستقيمة سالكة ومطهرة , وإنما تتعرض قنواتها المفتوحة على الطرق الطويلة لأنواع ودرجات من التدخل والتحيز تمليها الصراعات والضغوط والمصالح وحتى الأهواء والأمزجة .
حضرات السيدات والسادة
اننى سعيد بهذه الفرصة التى أتحتموها لى كى أتحدث أمامكم فى هذه المناسبة التى توافقت فيها جامعة عريقة مع وكالة أنباء شهيرة على لقاء يسهم فى دعم كفاءة الأعلام من حيث إعداده وتأهيله لأداء دوره دون عوائق بين القرار والأفكار والحوار , وبحيث يتحمل هذا الأعلام مسئوليته فى أزمنة متغيرة .
إننا نتحدث كثيرا عن عالم واحد , لكن مثل هذا الحديث فيه قدر من المبالغة أو ربما التمنى فقد نكون فى حكم الجغرافيا عالما واحدا , لكننا فى حكم التاريخ عالمان : شمال وجنوب , وليس يجدى أن نتأدب ونجامل فى الحقيقة , وكذلك ليس يجدى أن نكتفى بالنظر إلى النخب المتعولمة فى الجنوب وننسى الكتل الهائلة من البشر وراءها – بل بعيدا عنها –
إن هنا ك عالمين : شمال وجنوب , والفجوة بين الإثنين واسعة وخطرة وهى تزداد إتساعا وخطرا إذ تلتبس الحقائق وتتداخل الهواجس بين المثالى المفترض وبين الواقع العملى المعقد عند صناع القرار والأفكار , وعندما تتلكأ قنوات النقل والتدفق الحر , وتتلوى مرات وتنسد مرات وتصبح الفجوة هوة والهوة هاوية وتتحول الرسالة لغما فى حرف أو قنبلة فى رسم !
حضرات السيدات والساده
إذا كانت دعوتكم مبعث سعادة وشرف لى , فهى فى ذات اللحظة مسئولية تدعونى أن أتحدث معكم بصراحة وأمانة أزعم أنها قد تكون مقبولة منى وربما مغفورة .
ذلك أننى رجل من عالم الجنوب يدرك هموم عالمه لأنه يعيش واقعها , وهو يتحدث إلى عالم الشمال ويحسب أنه يستطيع فهمه , بظن أن الظروف أتاحت له أن يعيش مهنة الصحافة فى الجنوب والشمال معا فقد كتب فى العالم العربى وعنه , ومارس فى الجريدة والكتاب والتلفزيون هناك , ثم أن الظروف منحته فرصة أن يمارس هنا كذلك وإنطلاقا من هذا البلد بالتحديد , حيث قامت صحف ودوريات بريطانية عديدة مثل " "التايمز" و"الجارديان " والإندبندنت " و"والأبزرفر" بنشر مقالاته وأحاديثه . ثم إن مؤسسات نشر عريقة قامت بإصدار الطبعات الأصلية من كتبه فظهرت كاملة فى المكتبات لطالبيها , ثم نشرت على فصول مسلسلة حملتها صحف كبرى مثل " الصنداى تلجراف " و"الصنداى تايمز " إلى جانب مقالات وأحاديث وغيرها وكل ذلك أخذ عمله إلى لغات كثيرة وصلت به واسعا وبعيدا .
حضرات السيدات والسادة
قلت أن إنتمائى لعالم الجنوب يجعلنى مدركا لهمومه ومشاكله وقلت إننى زائر للشمال يظن أو يتوهم أنه يتفهم هذا العالم ومحركاته , وقلت أن المسافة بين العالمين واسعة وتزداد إتساعا , وأسمح لنفسى بالقول ومن هذه الحافة بين العالمين بأننا نحتاج الآن وبسرعة إلى جسور لعبور هذه المسافة وإلا تصادمت الكتل ووقعت انفجارات مهولة تسقط مثل الكواكب التى يختل مدارها فى ثقوب سوداء فى مجاهل الفضاء وبعض ذلك وارد واحتملاته تتزايد إن لم نبذل جهدا وأول الجهد أن نتصارح مهما كانت المصارحة مزعجة !
دعونى أبدأ وأقول بتعميم إجمالى أن عالمنا فى الجنوب يشعر بأن القرار الصادر من مراكز القوة الدولية _ كما يصل إلية _ يصدمه بقسوة لايبدو أنها تأبه وتهتم وبإصرار على العنف لايبدو أنه يخشى أو يتحرج ثم أن صوت الحوار لايدعوه إلى مشاركة لأن القرار فى معظم الأحيان ينقض عليه بغتة ودهما .
يشعر عالمنا فى الجنوب كذلك أن دنيا الأفكار والعلوم والفنون _ كما تضىء أمامه من بعيد _ ليست مقبلة عليه أو مرحبة به كما يأمل ويتمنى . ثم أن صوت الحوار يصل إلى الجنوب _ إذا وصل _ مثقلا بشوائب من التحيز بل والعدوانية .
وهنا وفى هذا السياق فإننى أستأذن أن أطرح أمامكم ثلاث ملاحظات آمل أن توضع فى إعتباركم راجيا ألا يعتبر القول فيها نوعا من الشكوى أو عارضا من هواجس عقد نفسية لدى القائلين بها , وإذا بدا ظاهر هذه الملاحظات بعيدا عن الموضوع فإننى آمل فى صبركم لعله يتضح أنها قريبة منه إن لم تكن فى صميمه .
أول الملاحظات : أننا لسنا أمام صراع حضارات متعددة متعارضة يمكن أن تتصادم أو تتصالح لأن شواهد التطور التاريخى تومىء إلينا بأننا حضارة إنسانية واحدة صب فيها الجميع ما ذاد مندهم أوقات الفيض وسحب منها الجميع مالزمهم أوقات الجفاف وساعدوا كل فى زمانه على ملأ خزان هائل للحضارة الإنسانية أصبح شراكة طبيعية ورصيدا جماعيا متاحا بالحق لمن يريد ويستطيع .
ومن المفيد هنا أن نتذكر أنه مع إتساع الأرض وإتصال التاريخ فإن جميع الشعوب والأمم قدمت ماراكمته من ثقافات البيئة والمعرفة والتجربة ,- وعن طريق الإنتقال الحر للمنافع –إضافات سخية ومستمرة وتلقائية إلى المشترك البشرى الجامع وذلك ماأحدث حالة التأمل والفلسفة بحثا عن الحق والحقيقة _ حالة كشف العقل حين تعرف الناس فى الفجر الإنسانى على ملكات التصور وتوصلوا إلى سر الحرف فى الأبجدية وسحر الرقم فى العدد _ حالة التبيه إلى معجزة الزراعة حالة صناعة الأدوات والمعدات _ حالة فنون المعمار – حالة فتح الطريق وإستئناس وسائل المواصلات – حالة صنع السفن وركوب البحار – حالة النظر فى الفلك ومسارات النجوم إلى آخره .
فى هذه الحالات وغيرها فإن الثقافات الطالعة فى كل مكان شقت جداول وينابيع محلية فاضت على جوارها عندما تبين هذا الجوار نفعها ثم إلتفت هذه الجداول والينابيع لتكون مايمكن أن نسميه مجمع ثقافات أو أحواض حضاريه بعضها يكاد يكون مرسوما محددا كخط بالقلم ومثاله الأظهر حوض البحر الأبيض –ثم أن الأحواض الحضارية فى كل إقليم من أقاليم الدنيا امتلأت وفاضت وتمددت وإتصلت بحيث بسطت محيطا واسعا لحضارة إنسانية قابلة للإنتشار , قادرة على العطاء , عابرة للزمان والمكان .
وعلى إمتداد عملية التفاعل بين الثقافات وهى تتدفق من مواقعها الأولية وأحواضها الأوسع إلى المحيط الكبير . وما بين الصب والسحب من الرصيد المشترك من الحضارة الإنسانية فإن الحوض الحضارى للبحر الأبيض تحركت عليه تيارات تبدوا وكأنها خريطة مناخية حية موصولة بين معابد وقصور بابل ومنف إلى أروقة وأعمدة أثينا . إلى مكتبة الأسكندرية إلى دار الحكمة فى بغداد إلى دمشق إلى قرطبة ثم عبر صقلية نحو جنوب أوربا إلى ايطاليا ثم إلى الشمال نحو المانيا وفرنسا وبريطانيا ثم يتجه الخط عابرا الأطلسى إلى امريكا ينفذ إلى الشاطىءفى إتجاه الباسفيك ليعود فيطل على شرق آسيا فإذا الحيوية المتجددة لفيض البحر الأبيض عبر الأطلنطى تجتاز المحيط الهادى لكى تلتقى هناك بالحوض العميق للحضارة الصينية . لقد تصادف هذا الصيف أننى وقفت أمام مكتبة الأسكندرية التى أعيد بنائها ثم كنت بعد أيام عند سفح " الأكروبول " ثم صعدت سلم كنيسة القديس بطرس فى الفاتيكان ثم تجولت متأملا معالم النهضة ومقتنيات القصور فى " فلورنسا " ثم مشيت فوق جسور فينسيا نحو ميدان القديس مرقص وعند هذه المواقع ومشاهدتها فقد ملأت خواطرى عبارة كتبها الأستاذ أمين متحف المتروبوليتان فى نيويورك قال فيها " أن حوض البحر الأبيض المتوسط حدود سائلة " وذلك وصف دقيق لحركة الثقافات فى صنع أحواض حضارية ثم فيضان هذه الأحواض لتصبح محيطا حضاريا عالميا وإنسانيا واحدا . وربما إذا عدنا لحظة إلى مجال السياسة لنذكر أن هذا المحيط الإنسانى ينسب _ ولو من باب المجاز _ فى كل عصر إلى القوة الغالبة فيه فهو فرعونى فى عصر , إغريقى فى عصر ثان , رومانى فى عصر ثالث , مسيحى فى عصر رابع , اسلأمى فى عصر خامس , أوربى فى عصر سادس , أمريكى فى هذه اللحظة العابرزمانها . فهذه اللغة الرئيسية نطقت يونانية لحظة , لاتينية لحظة أخرى , عربية بعد ذلك , ثم فرنسية أو إنجليزية فى هذا الزمان وقد تصبح نبرة أخرى غدا أو بعد غدا.
وعلى تقلب العصور فإن غلبة القوة لايصح أن تنسينا شراكة الرصيد الإنسانى لمحيط الحضارة فوق أى أمبراطورية أو لغة
[COLOR="Red"][SIZE="5"][I][B] انتهى الجزء الأول ..
والى اللقاء مع الجزء الثانى ان شاء الله