المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الموت ضحكاً


محمد سامي البوهي
11/14/2008, 06:06 PM
http://photos-c.ak.fbcdn.net/photos-ak-snc1/v275/81/83/1252688806/n1252688806_35906_7801.jpg


الموت ضحكاً



عاش معي عشرة أشهر ، كان رجلاً لطيفاً ، أحببت مجالسته ليلا حيث يحلو السهر، نحتسي معا كؤوسا من الشراب المنكه بالنعناع ، والمسكر بطعم البرتقال ، ثم أبتلع بعض الأقراص البلاستيكية ، التي ترغم جسدي على ملاحقة الأجساد ، فتجعله يطير عبر الأزمنة ، والأمكنة ، فيحلق بخياشيم الأحرف ليتنفس من صلب الحياة ..
عندما أذكر للمختصين بأنني أستضيف هذا الرجل في رئتي اليسرى ، بالفص العلوي ، جوار القلب تماماً ، تتسع أحداقهم ، وتشرئب أعناقهم .. لأن الماثل أمامهم هو إنسان ميت لا محالة، فأعكف على لملمة نظرات الشفقة من أعينهم ،ثم أدهسها بحذائي ...

مازلت أذكر هذا الرجل الذي قابلت آهاته غرفتي بمستشفى (عين شمس التخصصي) عندما زارني ليلاً وربت على كتفي ، قائلاً لي بملء فمه ... (لا تخف ،ستعيش)،ثم تركني وانصرف دون أن ينبس بكلمة واحدة .. بكيته كثيراً عندما فوجئت بالصباح أن سريره كساه البياض..
في تلك الليلة ، كان المستشفى هادئاً إلا من فخامته التي بانت أمامي بكل تفاصيلها ، أرضية خشبية لامعة ، جدران نظيفة ، وسقف ممتليء بالمصابيح الصغيرة ، تلفاز متوهج بالزاوية البعيدة ، وزر يعتليني للاستدعاء الطارئ..
حاولت مقاومة الفراش للوقوف على قدمي ، لكن باءت كل محاولاتي بالفشل ، لم أيأس من منح جسدي وهم الحراك ، مددت يدي حيث انتهت الأنامل عند أطراف كتاب وضعه أخي على الطاولة جواري قبل رحيله ، كان كتاباً قد أهدته لي زميلتي (شذى) عندما أتت لزيارتي صباحاً ، تفحصت العنوان، فشعرت بسعادة غامرة، عندما اطمأننت أن قدرتي على القراءة مازالت بخير (أمريكا الضاحكة زمان - مصطفى أمين)، أعدت قراءة العنوان بصوت مسموع،مرات ومرات،ثم نظرت للوجوه (الكاريكتورية) الضاحكة المرسومة على الغلاف ،انفجرت ضحكاً ،فداهمني السعال..

تراءت أمامي أشكالٌ هلامية،لم أشعر بشيء بعدها،فقدت الأضواء المنتشرة بالسقف ، وبريق الأرضية الخشبية،ووهج التلفاز ووووو ...
عندما أفقت علمت أن ضيفي يكره الضحك ، لعنته .. و لعنت رئتي اليسرى .. و لعنت أمريكا وشذى ، ابتسمت الدكتورة (وفاء) للعناتي التي أعادتني للحياة...

طلبت من أخي (د. أيمن) دفتراً فارغاً ، وقلماً ،لكنه تهرب من طلبي، لا أعلم لمَ ؟؟، فسألت نفسي هل يكره ضيفي الأوراق والأقلام ؟، استفزني السؤال ،حتى أني صرخت في وجه أمي ليلاً ... بأن أفكاري تصارعني ، أريد ورقة وقلماً (ورقة وقلم يا عالم)،ربتت بيدها الحانية على صدري، وغابت عني ..
بالصباح ضغطت زر الاستدعاء الطارئ ،طلبت من الممرضة أن تزيح الستائر ،وتفتح النوافذ ، وتضيء الأنوار،وتشعل التلفاز ، وتحضر عمال النظافة لتلميع الأرضية،وتبديل الملاءات..
فقالت مستغربة : (طيب طيب ... على مهلك ..كل ده؟! )
السابعة مساءً..
عن يميني أبي ، وأخي ، وخالي ، وعن يساري أصدقائي ؛ نبيل ،ووليد ،وياسر ،تنحدر أعناقهم لركن التلفاز ،كانت المباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية ، والبداية مبشرة ،بهدف لصالح منتخبنا الوطني سجله اللاعب (أحمد حسن) في مرمى منتخب (جنوب إفريقيا ) ، كنت أتابع في شغف منتظراً النصر ، و من بين الصيحات ، والضحكات ، وأنباء الفرح ، تسربت آلامي ، لكن سرعان ما تناسيتها حينما اقشعر جسدي على وقع مراسم الفوز ، والأغاني الوطنية ..
التاسعة مساءً ..
انتهت الزيارة ...
رحلوا جميعاً ،وعاد الصمت ..
التقطت الكتاب بأطراف أناملي ، (أمريكا الضاحكة زمان)، بصوت مسموع كنت أردد ، وقعت عيني من جديد على صور الغلاف فابتلعت ضحكاتي ، أخذت أقلب الصفحات ، صفحة تلو الصفحة،لا جديد ، فأمريكا هي أمريكا ،شعرت بملل ،أخذت في عد المصابيح المنتشرة بسقف الغرفة ، توقفت لقضم أظافري، أخذت في عد المصابيح من جديد ، يبدو أني أخطأت العد ، لعنت المصابيح ، واعتذرت لأمريكا ، واعتذرت لرئتي اليسرى،وصديقتي (شذى) ، ثم حصرت الكتاب بين يدي ، تمعنت في الوجوه (الكاريكتورية) على الغلاف ، لم استطع التماسك ، انفجرت ضحكاً ، وأنا أضغط زر الاستدعاء الطارئ.

كوثر الصافي
11/14/2008, 10:21 PM
.
.

في أشدّ اللحظات وجعاً
يخرج منّا التوهّج على شكل وحشٍ جميل..
يشبه هذا النص الضاحك حتى الموت.

شكراً لروحك


/

منى حسن الحاج
11/16/2008, 12:33 PM
أن نموت ضاحكين خيرٌ من الموت كمدا..
أعجبني تفاؤل صاحبك ...
هكذا يكون الإبداع..
وهكذا يكون السرد الجميل المغلف برداء الواقعية وجمال الأسلوب..
أستاذي العزيز : الأديب: محمد سامي البوهي.. حياك الله وبياك
سعدت كثيرًا بقراءة هذا النص الجميل ..
أحيي قدرتك الرائعة على شد القارئ وعلى المحافظة على قوة السبك وجميل التصوير..
أشكر قلمك المبدع وسعيدة بالإنتماء لأرض أنت فيها..
لك مودتي وتقديري

محمد سامي البوهي
11/16/2008, 04:18 PM
.
.

في أشدّ اللحظات وجعاً
يخرج منّا التوهّج على شكل وحشٍ جميل..
يشبه هذا النص الضاحك حتى الموت.

شكراً لروحك


/

بل الشكر كل الشكر لروحك الطيبة

تحيتي لك

محمد سامي البوهي
11/17/2008, 12:08 PM
أن نموت ضاحكين خيرٌ من الموت كمدا..
أعجبني تفاؤل صاحبك ...
هكذا يكون الإبداع..
وهكذا يكون السرد الجميل المغلف برداء الواقعية وجمال الأسلوب..
أستاذي العزيز : الأديب: محمد سامي البوهي.. حياك الله وبياك
سعدت كثيرًا بقراءة هذا النص الجميل ..
أحيي قدرتك الرائعة على شد القارئ وعلى المحافظة على قوة السبك وجميل التصوير..
أشكر قلمك المبدع وسعيدة بالإنتماء لأرض أنت فيها..
لك مودتي وتقديري

منى حسن الحاج
مرحباً بك باول زيارة لصفحة أخيك
لكم أنا مدين لك بتشجيعك هذا
راقية انت
تحيتي

ليلى العيسى
11/17/2008, 09:20 PM
ما أود معرفتهْ هو مالذي كان يريدُ أن يكتبْ
هذا الذي داهمته الكتابةُ حين مرضْ ؟
و جلّ ما أخشاهُ أنه مات .. و كلّ حلمه في ورقةٍ يكتم فيها ضحكتهْ
و يكسبُ منها صحتهْ (ضيفه لا يحبّ الضحكْ)
الغَورُ يا صديقيّ في قصصك أمرٌ مرْهِقْ ،!

محمد سامي البوهي
11/19/2008, 06:03 PM
ما أود معرفتهْ هو مالذي كان يريدُ أن يكتبْ
هذا الذي داهمته الكتابةُ حين مرضْ ؟
و جلّ ما أخشاهُ أنه مات .. و كلّ حلمه في ورقةٍ يكتم فيها ضحكتهْ
و يكسبُ منها صحتهْ (ضيفه لا يحبّ الضحكْ)
الغَورُ يا صديقيّ في قصصك أمرٌ مرْهِقْ ،!

وأي إرهاق يا ليلى
إرهاق يحفه أمل المواصلة ..
أسف على البعثرة

أيهم سليمان
11/23/2008, 05:06 PM
جميل أن يكون الإنسان متفائلا حتى في أشد لحظاته عتمة

جميل يا محمد

قصصك تدخل السرور للنفس

دمت بهذا الإبداع

ود

محسن رشاد ابو بكر
11/24/2008, 04:34 AM
أيا كان ذلك الرجل اللطيف الذي تستضيفه في رئتك اليسرى (لا اعرف إن كان السل أو أي مرض آخر) فهو فعلا ألطف بكثير من داء القراءة والكتابة في مثل هذا الزمان ، إذن فليكن الموت ضاحكا دون أن ترهق نفسك بزر الاستدعاء الطارئ .. فلن ينقذك سوى العيش راقصا في زمن فيفي عبده

أستاذي الفاضل يحضرني هنا إحدى رباعيات الفنان الراحل صلاح جاهين

بلياتشو قال إيه بس فايدة فنونــــي ؟

و تلات وقق مساحيق بيلونونـــــــي

و الطبل و المزامير و كتر الجعـــــــير

إذا كان جنون زبوني زاد عن جنوني

عجبي !!!

الأديب المبدع / محمد سامي البوهي
قصتك تقطر ابداعا و تألقا .. دمت بخير
خالص الود والتحية
أبو بكـر

محمد سامي البوهي
11/24/2008, 12:39 PM
جميل أن يكون الإنسان متفائلا حتى في أشد لحظاته عتمة

جميل يا محمد

قصصك تدخل السرور للنفس

دمت بهذا الإبداع

ود

أخي العزيز
أيهم
اشتقنا لك
شكري وتقديري الدائم
محمد

محمد سامي البوهي
07/09/2009, 09:34 PM
أيا كان ذلك الرجل اللطيف الذي تستضيفه في رئتك اليسرى (لا اعرف إن كان السل أو أي مرض آخر) فهو فعلا ألطف بكثير من داء القراءة والكتابة في مثل هذا الزمان ، إذن فليكن الموت ضاحكا دون أن ترهق نفسك بزر الاستدعاء الطارئ .. فلن ينقذك سوى العيش راقصا في زمن فيفي عبده
أستاذي الفاضل يحضرني هنا إحدى رباعيات الفنان الراحل صلاح جاهين
بلياتشو قال إيه بس فايدة فنونــــي ؟
و تلات وقق مساحيق بيلونونـــــــي
و الطبل و المزامير و كتر الجعـــــــير
إذا كان جنون زبوني زاد عن جنوني
عجبي !!!
الأديب المبدع / محمد سامي البوهي
قصتك تقطر ابداعا و تألقا .. دمت بخير
خالص الود والتحية
أبو بكـر
أستاذي الأستاذ محسن
اعذر تقصيري هذا
وما كان الله ليقضي أمرا الا وكان مفعولا

الحمد لله على اي حال

اشكرك جل الشكر

تسنيم الحبيب
07/15/2009, 05:23 AM
السلام عليكم

الأديب الكريم
محمد سامي البوهي

الموت ضحكا من أجمل النصوص التي قرأتها ، فإضافة للفكرته الإنسانية الراقية هو نص ذو سرد ماتع يشد المتلقي حتى النهاية..
وهي سمة قلمكم.

دمتم بخير

محمد سامي البوهي
07/15/2009, 10:38 PM
أستاذة تسنيم
وكم أنا سعيد برأيك
وفي انتظار التحليل ...لا أنسى:mwalat9:
احترامي

ساره آل يحيى
07/15/2009, 11:56 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركَ أخي الكريم على هذه القصة الشيِّقة ..
و كأنَّ كلماتها جزءٌ مِنَ الحقيقة ..
تحياتــي

زينا نافذ
07/24/2009, 01:14 PM
لقاء آخر زاخر بك سيدي و بابجدياتك الانسانيه

سعيده بمروري هنا مبدع واكثر

محمد سامي البوهي
07/24/2010, 12:08 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركَ أخي الكريم على هذه القصة الشيِّقة ..
و كأنَّ كلماتها جزءٌ مِنَ الحقيقة ..
تحياتــي
أشكرك أختي سارة
مع امتناني

مصطفى سليمان
07/24/2010, 02:02 PM
استاذ/ محمد سامي البوهي

اعذرنى فلا اعرف كيف انقد القصه

ولكننى متذوق لها


لا يسعنى اى تعبير للانبهار
الا ان اقول بلغة اهل بلدك

الله الله


ابدعت يا استاذ


حملتنى فى حالة من التوهج

وحالة من الاندهاش


فشكرا جزيلا لك

وكنت سبقتك فى عين شمس التخصصى

وسئمت عد المصابيح

سارة مرتضى
07/24/2010, 02:10 PM
أديبنا البوهي
مكثت هنا طويلاً والإعجاب يرافقني
تقديري لما سطرته هنا باسلوب رشيق
رائع أنت !
مودتي وكن بخير

محمد سامي البوهي
07/24/2010, 03:06 PM
أستاذة زينا تحيتي وتقديري

محمد سامي البوهي
07/24/2010, 03:07 PM
استاذ/ محمد سامي البوهي
اعذرنى فلا اعرف كيف انقد القصه
ولكننى متذوق لها
لا يسعنى اى تعبير للانبهار
الا ان اقول بلغة اهل بلدك
الله الله
ابدعت يا استاذ
حملتنى فى حالة من التوهج
وحالة من الاندهاش
فشكرا جزيلا لك
وكنت سبقتك فى عين شمس التخصصى
وسئمت عد المصابيح
أستاذ مصطفى
شفاك الله وعفاك
سعيد جدا برأيك

محمد سامي البوهي
07/24/2010, 03:08 PM
أديبنا البوهي
مكثت هنا طويلاً والإعجاب يرافقني
تقديري لما سطرته هنا باسلوب رشيق
رائع أنت !
مودتي وكن بخير
أستاذة سارة أشكرك جداً
وأهلا بك ومرحباً ..