هشام أيوب موسى
04/07/2009, 05:33 PM
http://www.al7akaia.com/forums/image.php?u=507&dateline=1237989573
الأخ الشاعر صــــلاح أبو لاوي
////////////////////////////////////////
بين ظلي وبيني ..... هذا هو عنوان القصيدة الذي يترك مساحة للتفكير بين ظل الجسد والجسد ، وحيث أن هذا الظل يكبر ويصغر حسب بقعة الضوء المسلطة عليه وحسب إنكسار الأنحراف .. وهنا من هذا العنوان فأن مساحة التفكير في هذا البين تختلف من وقت الى وقت ومن زمن الى زمن ومن إنسان الى إنسان وفي هذا العنوان نجد الشاعر يخبرنا بأنه كائن أنفرادي منفصل عن محيطه الأجتماعي الا ما يحدث في منطقة الظل ضمن وجود أفتراضي للعقل والخيال في هذه المنطقة الرمادية .
أول الميتين أنا
آخر الميتين أنا
وهنا في بداية القصيدة يخبرنا الشاعر بأنه أول الميتين أنا وآخر الميتين أنا ، فهذان البيتين يأتيان ضمن فلسفة الشاعر وعلاقته بالموت وهنا تعبير مجازي يؤكد فيه الشاعر على التضحية والفداء في سبيل القضية ويؤكد هنا على أول وعلى آخر في بداية البيت ولم يذكر مثلاً :
أنا أول الميتين
أنا آخر الميتين
لأن كلمة أنا في البداية تبعد المتلقي عن وضوح المقصد ونشعر بالآنا مفخمة ولكن أتت أنا في نهاية البيت للتخفيف من حدة الآنا وتأكيد من الشاعر على التضحية بنفسه وأنه سيكون الأول والآخر أذا طلب منه ذلك أو كان في موقف فلن يكون الا كما أراد في هذه الآبيات الشعرية .
وهنا نتذكر الشاعر الشهيد الفلسطيني عبد الرحيم محمود حين قال :
سأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى راحَتِي وأُلْقِي بها في مَهاوِي الرَّدَى
فإما حياةٌ تَسُـُّر الصَّـديْــــقَ وإمَّـا مَمـاتٌ يَغِيْـظُ العِــــــدا
ونتابع مع شاعرنا الكبير صلاح أبو لاوي حيث يقول :
بين ظلي وبيني
سماء
رمال
أغان
طفولة عرس مضى موهنا
وبين هذا الظل والمساحة المكشوفة وهنا نجد الأتساع في الذاكرة سماء ، رمال ، أغان وهي تعبر هنا عن سماء الوطن ، رمال شاطىء الوطن ، وأغان الوطن التي تغنيها كروم العنب وأشجار الزيتون والبرتقال وتغردها العصافير .. ومعها ذكريات الطفولة التي شبهها الشاعر بعرس سريع موهن يمضي في زفة أسطورية جميلة ، لا نذكر من الطفولة سوى ومضات أو فلاشات في هذه المساحة الرمادية بين ظلي وبيني .
وأيضاً في هذه المساحة تعبر قوافل الشهداء المخضبة بلونها الأحمر وشهقات شهداء وهي ترفع علامة النصر على الطائرات وتمثلها أضلاع الأطفال والشهداء الذين قتللتهم بصواريخها وقنابلها وتعلمهم أن من يطلب الموت توهب له الحياة فمن الموت فتحوا نافذة للعصافير الصغيرة بأن يكونوا بهذا الرصاص الذي نقلهم من حالة الى حالة روحانية فيخلص الرصاص هذا الجسد الندي من الأثقال الأرضية الى رسل الى الله ( فهولاء الأطفال هم شهداء في السماء ) وهنا نجد صور شعرية عميقة في المعنى والمغزى ونتابع مع الشاعر :
حيث السماء لنا
ولنا الأنبياء
أي ان السماء هي من تتلقى هذه الأرواح النقية الطاهرة الصاعدة .. وفي الأرض لنا كل الأنبياء لأنهم يدعوا الى الله وحده وديانة التوحيد فكل الأنبياء حسب الشرع هم مسلمون أي أسلموا قلوبهم الى الله .
بين ظلي وبيني
ذئابٌ تجوب براري دمَيْ
كلـّما شبَّ حُلـْمٌ على ضفّةِ الجُرْح ِ
هبّتْ لتنْهَشَ مِنْ جوعِها حُلمَنا
آه ِ غزة ُ
ماذا تبقى لنا
حين تمْطِرُنا الطائرات ُ
فتقْطعُ بين الرّجا
كفّنا
والسّماءْ
قيْلَ للموتِ كـُنْ
فأقامَ علينا
وأوْكلَ ذئبَ عنايتهِ لحْمَنا
أوّلُ الميتين أنا
آخرُ الميتين أنا
نعود هنا الى هذه المساحة الرمادية التي يرسمها لنا الشاعر بكل عناية وكأننا في مشاهد سينمائية متتالية من الأستشهاد ومن أن يفتح الأطفال صدورهم للرصاص المنهمر كي يكونوا عصافير الأرض الى الله وأن يختاروا الشهداء رصاصات الأختراق ليصعدوا الى السماء في موكب ملائكي ، وهنا في هذه الأبيات يخبرنا الشاعر عن الذئاب وهم هنا رمز الى اليهود المحتلين الذين تغلغلوا في الوطن والأوطان ، وأن هذه الذئاب دخلت في مجرى الدم للوطن ودخلت الى داخل وجدان الأمة وقبضت على أقتصاديات الدول من النيل الى الفرات وهنا يبرز الشاعر عن مدى تغلغل هذه الذئاب في نفوس الناس بأنه كلما كان هناك حلم جميل بالوحدة أو بالأنتصار او بالعودة حتى وان كان هذا الحلم يولد مجروح ذليل فأن هذه الذئاب المسعورة تقوم من جوعها لتنهش هذا الحلم وتحوله الى سراب .. ويفيق الشاعر هنا على هذا الجرح النازف :
آه غزة
وهنا بيت القصيد ( آه غزة ) ويقول الشاعر بصيغة الأستفهام ماذا تبقى لنا من هذه الأرض من هذا الشعب حين تمطرنا الطائرات بالصواريخ والأسلحة الفتاكة وأطنان من المتفجرات .. فينقطع الرجاء من بين كفنا والسماء تخبر ( غزة ) بأن الموت مقيم غير مغادر هذه الأرض المباركة ، وهناك كان الذئب اليهودي الذي توكل بهذا اللحم على نار الصواريخ ونار القهر .
ونتابع مع الشاعر في هذه الأبيات الشعرية الراقية ونعود الى هذه المساحة الرمادية بين ظلي وبيني فهناك الآن طيور تحلق صاعدة ورعشات متتالية لضوء بعيد يزحف نحونا وهنا صور شعرية بليغة :
بين ظلي وبيني
طيورٌ تُحلـّق ُ صاعدة ً ،
رَعَشاتٌ لضوءٍ بعيد ٍ
معاول ُ
أشباح ُ تعلن مملكة ً في الظلام ِ
أصابعُ تحْفِرُ في صمتها قبرَنا
أيّها الصّاعدونَ
أعيدوا الحياة إليّ
فإنّ دَمَي فرّ مني
إلى جهةٍ في الضّباب ِ
وبابٍ يقودُ لبابٍ
لبابٍ
لباب ِ
كأنّ المسافة َ أبعد ُ من طعنةٍ كبـّلتْ خطونا
وينادي الشاعر ( أيها الصاعدون ) الى السماء أيها الشهداء الأطهار ( أعيدوا الحياة لي ) لأني الآن وبعد ما رأيت ونظرت وسمعت وشاهدت ( فأن دمي فر عني ) ( الى جهة في الضباب ) (وباب يقود لباب ) ربما الى ألف باب " وكأن المسافة أبعد من طعنة كبلت خطونا " تصوير في حركات متسارعة عن مشاهد متلاحقة من أرض غزة وسماء غزة .
وهنا نعود الى الصاعدين الى السماء الشهداء الأبرار فكم نحن في خجل وألم لأننا لم نكن معكم في ساحة الموت .. فأذا وصلتم الى السماء أهيلوا علينا النجوم أرجمونا بالشهب والنيازك حتى يغفر الله لنا ، ولا نستحق حتى أن تنظروا خلفكم ألينا لأننا نحن العرب نحن المسلمين نحن التاريخ لسنا هنا هربنا وراء الفضائيات ننتظر صعودكم الى السماء.. وترجمونا بالغزي والعار لهذا التقاعس وهذا الأستسلام ، ونعود الى المساحة الرمادية بين ظلي وبيني حيث هناك البلاد والحدود والعواصم وأقبية السلطة والبساطير لأنتزاع الأسماء والأماكن حتى الخلاخيل التي تزين القدم وحكايات الجدات عن الطفولة مطلوب أن تنزعها تلك الأقبية وان تصبح بلا ذاكرة .
وحتى وشم ( الخارطة ) الذي كان الشباب يضعونها في أعالي الذراع لتبقى مغروسة في ذاكرتهم وحلم العودة الذي رضعناه حتى ظن الواحد منا بأن نهاية الحلم قريبة وأن النصر آت وأن المفاتيح التي نحملها سوف تفتح لنا أبواب القدس وغزة ورام الله ويافا وحيفا وفي مرحلة هذا الحلم يخترق صوت الأم لتكون هناك عملية أرتحال تشبه أرتحال العصافير الى عشها فنسافر مع صوت الأم الى الذكريات الى بساتين البرتقال الى يافا وشوارعها يافا الشاطىء يافا المراكب والصيادين ويافا الفجر ، والمنشدين ( يهتفون " سنرجع يوماً الى حينا " ) الى ارضنا الى شجرنا الى الحجارة الى التراب .
ولكن كيف أخبر أمي التي رحلت وصوت النوارس يخرج من صوتها " أن بيتا بنته بحبات لؤلؤها " لم يعد بيتنا لم يعد ملكنا حتى الارض والسماء والشجر لم تعد ملكنا لم يعد لنا .
ونعود الى المساحة الرمادية :
أبي
وهو ما زال في قبرهِ واقفا ً
في انتظار البِشارة ِ
كيف أعود إليه وأقرأ فاتحةً لمْ تعدْ فتحنا
هلْ أقول هُزمنا
أقول انتصرنا
أقول له النيل ضاع َ
وضاع الفرات ُ
وصارتْ (نواكِشْط ُ)في آخر الحُلـْم ِ
للقابعين َعلى روحِنا سَكـَنا
كيف أقرأ فاتحة ً كذِبا ً
والشواهدُ من حولهِ كتَبَتْ إثـْمَنا
كيف أخْبِرُه أننا حين نمشي
- إذا ما مشينا -
نسيرُ إلى ضدّنا
أولُ الميتينَ أنا
آخرُ الميتينَ أنا
وهنا في هذه الأبيات صوراً شعرية واضحة ضمن سرد شعري جميل لا يحتاج الى تأويل أو قراءة لما بين الأسطر فكل حرف هنا رسالة للمتلقي .. ونعود من جديد الى المساحة بين ظلي وبيني حيث يقول الشاعر :
بين ظلي وبيني
سؤال ٌ
وعاصفة ٌ قلعَتْ في الطريقِ خياما ً
سلام ٌ علينا
وإنّ السّلامَ انتظارُ وصولِ الرصاصةِ قلبَ المفاوض ِ
مِنْ تحتِ طاولةِ الحُكَمَاءْ
سلامٌ علينا
وإنّ السّلامَ بروقٌ تُعِدّ مخالبها لاقتناصِ الأجنةِ من رَحِمِ الإشتهاءْ
سلام علينا
وإنّ السّلامَ التفافٌ على ما تقولُ النوارسُ للبحر ِ كلَ مساءْ
وهوَ حينَ يكونُ فَمَا ً واحدا ً
مَقعَدا ً واحدا ً
فهوَ مَدْرَسَة ٌ في تَعلـُّم ِ أنْسنَةِ الانحناء ْ
سلامٌ علينا
نموتُ ونحيا
ونجهلُ هلْ نحن نحن ُ
وهلْ خانت الأرضُ حتى نصيرَ على رَمْلِها غيرَنا
أيها الصّاعدونَ
اقرأوا سورة الفتح ِ
لا تنظروا خلفكم ْ
نحنُ لسنا هنا
نحنُ لسنا هنا
وفي هذه الأبيات الشعرية الأخيرة يؤكد الشاعر على ان السلام هو خيار خاسر لأن الطرف المعتدي يريد الأرض خالية من السكان أي ان الرصاص كفيل بهم وبأنهاء هذه القضية وأن سلامهم هو الرصاص الذي يطلق صباح مساء على عملية السلام ونحن نظن بأننا حكماء كي نطلب منهم سلاماً او وقف رصاصهم او صواريخهم وهنا صور شعرية بديعة وعديدة من الشاعر ويمكن مشاهدتها بكل سهولة .. ويملك الشاعر حق التعجب من الارض فهل الارض خائنة حتى من كانوا فوقها ( شعب فلسطين ) فتقبل على رملها وترابها شعب آخر أتى من خلف الموج فهل من الممكن ان يكون ماحدث هو خيانة من الارض لنا .. سؤال محير يطرحه الشاعر على المتلقي .
ويعود الشاعر الى مخاطبة الشهداء الصاعدين الى العلياء بأن يقرأوا سورة الفتح وأن لا ينظروا خلفهم فنحن لسنا هنا .. فنحن لسنا هنا بل في مكان آخر في الظل الرمادي الذي نلجأ اليه ونهرب فيه .
سمات القصيدة الفنية والفكرة العامة والعواطف :
1) برزت عاطفة الوطنية وحب الوطن وصدق الأنتماء في كثير من المقاطع حيث التواصل المنشود عبر صوت الأم والحديث عن الذكريات وهنا أشارة من الشاعر الى رمز الطمأنينة والاستقرار قبل أن تأتي الذئاب الى المكان وتحيله الى ركام من الذكريات .
2)برزت عاطفة الحنين الى الماضي والذكريات وهو يصور لنا الهروب من الواقع الأليم الذي نعيشه في هذا الزمن .
3) عمق الصورة الشعرية والتناغم بين الكلمة والمكان .
4) تضاف هذه القصيدة الى قصائد المقاومة لما تحمل من سمات تدافع عن الوطن وتعزز من دور الشهادة في سبيل الحق والدفاع عن الارض ولما تحمله من لغة شعرية رصينة وقوية البنيان .
5) أعتماد الشاعر على الأيحاء والرمز في الكثير من الأبيات ونجدها تجليات روحية ونفسية للشاعر ضمن عالم قلق حافل بالمفارقات المروعة بين الذئاب اليهود وبين أهل فلسطين الصامدين وبين قيد الروح في الجسد والحرية التي تطلبها بالسفر الى السماء محلقة مثل العصافير المتجهة بروحها الى الله ، خيال واسع ، تقارب الأشياء في القصيدة وتلامسها من حياة الناس وان الشاعر هنا أبرز طاقة لغوية فريدة أستخدمها في بناء القصيدة وصقلها ، وأيضاً أن المفردات ذات دلالات تعبر عن الأمتداد الوجداني والروحي للشاعر وتعطي هذه المفردات صورة عن المنحنى النفسي الذي يمتلكه في ذاته .
الوقوف على الأبعاد الحسية المتشكلة من ارض الواقع من حيث الظلم والحرب والطائرات والأستشهاد .
أن هذه القصيدة بما تحمله من لغة مجازية وصور توليدية تجسد أحساس الشاعر بذاته وما حوله والرغبة العارمة للشاعر والشعوب العربية في تحطيم القيد وأختراق الحدود ونجدة الأهل في غزة وفي فلسطين وتعبر بصورة متجانسة عن الحزن العميق في قلب الشاعر وعن الشعور بالأحباط الذي نلمس أثره في نهاية القصيدة.
مع الاحترام
هشام
العقبة 7/4/2009 الساعة 2:40
الأخ الشاعر صــــلاح أبو لاوي
////////////////////////////////////////
بين ظلي وبيني ..... هذا هو عنوان القصيدة الذي يترك مساحة للتفكير بين ظل الجسد والجسد ، وحيث أن هذا الظل يكبر ويصغر حسب بقعة الضوء المسلطة عليه وحسب إنكسار الأنحراف .. وهنا من هذا العنوان فأن مساحة التفكير في هذا البين تختلف من وقت الى وقت ومن زمن الى زمن ومن إنسان الى إنسان وفي هذا العنوان نجد الشاعر يخبرنا بأنه كائن أنفرادي منفصل عن محيطه الأجتماعي الا ما يحدث في منطقة الظل ضمن وجود أفتراضي للعقل والخيال في هذه المنطقة الرمادية .
أول الميتين أنا
آخر الميتين أنا
وهنا في بداية القصيدة يخبرنا الشاعر بأنه أول الميتين أنا وآخر الميتين أنا ، فهذان البيتين يأتيان ضمن فلسفة الشاعر وعلاقته بالموت وهنا تعبير مجازي يؤكد فيه الشاعر على التضحية والفداء في سبيل القضية ويؤكد هنا على أول وعلى آخر في بداية البيت ولم يذكر مثلاً :
أنا أول الميتين
أنا آخر الميتين
لأن كلمة أنا في البداية تبعد المتلقي عن وضوح المقصد ونشعر بالآنا مفخمة ولكن أتت أنا في نهاية البيت للتخفيف من حدة الآنا وتأكيد من الشاعر على التضحية بنفسه وأنه سيكون الأول والآخر أذا طلب منه ذلك أو كان في موقف فلن يكون الا كما أراد في هذه الآبيات الشعرية .
وهنا نتذكر الشاعر الشهيد الفلسطيني عبد الرحيم محمود حين قال :
سأَحْمِلُ رُوحِي عَلَى راحَتِي وأُلْقِي بها في مَهاوِي الرَّدَى
فإما حياةٌ تَسُـُّر الصَّـديْــــقَ وإمَّـا مَمـاتٌ يَغِيْـظُ العِــــــدا
ونتابع مع شاعرنا الكبير صلاح أبو لاوي حيث يقول :
بين ظلي وبيني
سماء
رمال
أغان
طفولة عرس مضى موهنا
وبين هذا الظل والمساحة المكشوفة وهنا نجد الأتساع في الذاكرة سماء ، رمال ، أغان وهي تعبر هنا عن سماء الوطن ، رمال شاطىء الوطن ، وأغان الوطن التي تغنيها كروم العنب وأشجار الزيتون والبرتقال وتغردها العصافير .. ومعها ذكريات الطفولة التي شبهها الشاعر بعرس سريع موهن يمضي في زفة أسطورية جميلة ، لا نذكر من الطفولة سوى ومضات أو فلاشات في هذه المساحة الرمادية بين ظلي وبيني .
وأيضاً في هذه المساحة تعبر قوافل الشهداء المخضبة بلونها الأحمر وشهقات شهداء وهي ترفع علامة النصر على الطائرات وتمثلها أضلاع الأطفال والشهداء الذين قتللتهم بصواريخها وقنابلها وتعلمهم أن من يطلب الموت توهب له الحياة فمن الموت فتحوا نافذة للعصافير الصغيرة بأن يكونوا بهذا الرصاص الذي نقلهم من حالة الى حالة روحانية فيخلص الرصاص هذا الجسد الندي من الأثقال الأرضية الى رسل الى الله ( فهولاء الأطفال هم شهداء في السماء ) وهنا نجد صور شعرية عميقة في المعنى والمغزى ونتابع مع الشاعر :
حيث السماء لنا
ولنا الأنبياء
أي ان السماء هي من تتلقى هذه الأرواح النقية الطاهرة الصاعدة .. وفي الأرض لنا كل الأنبياء لأنهم يدعوا الى الله وحده وديانة التوحيد فكل الأنبياء حسب الشرع هم مسلمون أي أسلموا قلوبهم الى الله .
بين ظلي وبيني
ذئابٌ تجوب براري دمَيْ
كلـّما شبَّ حُلـْمٌ على ضفّةِ الجُرْح ِ
هبّتْ لتنْهَشَ مِنْ جوعِها حُلمَنا
آه ِ غزة ُ
ماذا تبقى لنا
حين تمْطِرُنا الطائرات ُ
فتقْطعُ بين الرّجا
كفّنا
والسّماءْ
قيْلَ للموتِ كـُنْ
فأقامَ علينا
وأوْكلَ ذئبَ عنايتهِ لحْمَنا
أوّلُ الميتين أنا
آخرُ الميتين أنا
نعود هنا الى هذه المساحة الرمادية التي يرسمها لنا الشاعر بكل عناية وكأننا في مشاهد سينمائية متتالية من الأستشهاد ومن أن يفتح الأطفال صدورهم للرصاص المنهمر كي يكونوا عصافير الأرض الى الله وأن يختاروا الشهداء رصاصات الأختراق ليصعدوا الى السماء في موكب ملائكي ، وهنا في هذه الأبيات يخبرنا الشاعر عن الذئاب وهم هنا رمز الى اليهود المحتلين الذين تغلغلوا في الوطن والأوطان ، وأن هذه الذئاب دخلت في مجرى الدم للوطن ودخلت الى داخل وجدان الأمة وقبضت على أقتصاديات الدول من النيل الى الفرات وهنا يبرز الشاعر عن مدى تغلغل هذه الذئاب في نفوس الناس بأنه كلما كان هناك حلم جميل بالوحدة أو بالأنتصار او بالعودة حتى وان كان هذا الحلم يولد مجروح ذليل فأن هذه الذئاب المسعورة تقوم من جوعها لتنهش هذا الحلم وتحوله الى سراب .. ويفيق الشاعر هنا على هذا الجرح النازف :
آه غزة
وهنا بيت القصيد ( آه غزة ) ويقول الشاعر بصيغة الأستفهام ماذا تبقى لنا من هذه الأرض من هذا الشعب حين تمطرنا الطائرات بالصواريخ والأسلحة الفتاكة وأطنان من المتفجرات .. فينقطع الرجاء من بين كفنا والسماء تخبر ( غزة ) بأن الموت مقيم غير مغادر هذه الأرض المباركة ، وهناك كان الذئب اليهودي الذي توكل بهذا اللحم على نار الصواريخ ونار القهر .
ونتابع مع الشاعر في هذه الأبيات الشعرية الراقية ونعود الى هذه المساحة الرمادية بين ظلي وبيني فهناك الآن طيور تحلق صاعدة ورعشات متتالية لضوء بعيد يزحف نحونا وهنا صور شعرية بليغة :
بين ظلي وبيني
طيورٌ تُحلـّق ُ صاعدة ً ،
رَعَشاتٌ لضوءٍ بعيد ٍ
معاول ُ
أشباح ُ تعلن مملكة ً في الظلام ِ
أصابعُ تحْفِرُ في صمتها قبرَنا
أيّها الصّاعدونَ
أعيدوا الحياة إليّ
فإنّ دَمَي فرّ مني
إلى جهةٍ في الضّباب ِ
وبابٍ يقودُ لبابٍ
لبابٍ
لباب ِ
كأنّ المسافة َ أبعد ُ من طعنةٍ كبـّلتْ خطونا
وينادي الشاعر ( أيها الصاعدون ) الى السماء أيها الشهداء الأطهار ( أعيدوا الحياة لي ) لأني الآن وبعد ما رأيت ونظرت وسمعت وشاهدت ( فأن دمي فر عني ) ( الى جهة في الضباب ) (وباب يقود لباب ) ربما الى ألف باب " وكأن المسافة أبعد من طعنة كبلت خطونا " تصوير في حركات متسارعة عن مشاهد متلاحقة من أرض غزة وسماء غزة .
وهنا نعود الى الصاعدين الى السماء الشهداء الأبرار فكم نحن في خجل وألم لأننا لم نكن معكم في ساحة الموت .. فأذا وصلتم الى السماء أهيلوا علينا النجوم أرجمونا بالشهب والنيازك حتى يغفر الله لنا ، ولا نستحق حتى أن تنظروا خلفكم ألينا لأننا نحن العرب نحن المسلمين نحن التاريخ لسنا هنا هربنا وراء الفضائيات ننتظر صعودكم الى السماء.. وترجمونا بالغزي والعار لهذا التقاعس وهذا الأستسلام ، ونعود الى المساحة الرمادية بين ظلي وبيني حيث هناك البلاد والحدود والعواصم وأقبية السلطة والبساطير لأنتزاع الأسماء والأماكن حتى الخلاخيل التي تزين القدم وحكايات الجدات عن الطفولة مطلوب أن تنزعها تلك الأقبية وان تصبح بلا ذاكرة .
وحتى وشم ( الخارطة ) الذي كان الشباب يضعونها في أعالي الذراع لتبقى مغروسة في ذاكرتهم وحلم العودة الذي رضعناه حتى ظن الواحد منا بأن نهاية الحلم قريبة وأن النصر آت وأن المفاتيح التي نحملها سوف تفتح لنا أبواب القدس وغزة ورام الله ويافا وحيفا وفي مرحلة هذا الحلم يخترق صوت الأم لتكون هناك عملية أرتحال تشبه أرتحال العصافير الى عشها فنسافر مع صوت الأم الى الذكريات الى بساتين البرتقال الى يافا وشوارعها يافا الشاطىء يافا المراكب والصيادين ويافا الفجر ، والمنشدين ( يهتفون " سنرجع يوماً الى حينا " ) الى ارضنا الى شجرنا الى الحجارة الى التراب .
ولكن كيف أخبر أمي التي رحلت وصوت النوارس يخرج من صوتها " أن بيتا بنته بحبات لؤلؤها " لم يعد بيتنا لم يعد ملكنا حتى الارض والسماء والشجر لم تعد ملكنا لم يعد لنا .
ونعود الى المساحة الرمادية :
أبي
وهو ما زال في قبرهِ واقفا ً
في انتظار البِشارة ِ
كيف أعود إليه وأقرأ فاتحةً لمْ تعدْ فتحنا
هلْ أقول هُزمنا
أقول انتصرنا
أقول له النيل ضاع َ
وضاع الفرات ُ
وصارتْ (نواكِشْط ُ)في آخر الحُلـْم ِ
للقابعين َعلى روحِنا سَكـَنا
كيف أقرأ فاتحة ً كذِبا ً
والشواهدُ من حولهِ كتَبَتْ إثـْمَنا
كيف أخْبِرُه أننا حين نمشي
- إذا ما مشينا -
نسيرُ إلى ضدّنا
أولُ الميتينَ أنا
آخرُ الميتينَ أنا
وهنا في هذه الأبيات صوراً شعرية واضحة ضمن سرد شعري جميل لا يحتاج الى تأويل أو قراءة لما بين الأسطر فكل حرف هنا رسالة للمتلقي .. ونعود من جديد الى المساحة بين ظلي وبيني حيث يقول الشاعر :
بين ظلي وبيني
سؤال ٌ
وعاصفة ٌ قلعَتْ في الطريقِ خياما ً
سلام ٌ علينا
وإنّ السّلامَ انتظارُ وصولِ الرصاصةِ قلبَ المفاوض ِ
مِنْ تحتِ طاولةِ الحُكَمَاءْ
سلامٌ علينا
وإنّ السّلامَ بروقٌ تُعِدّ مخالبها لاقتناصِ الأجنةِ من رَحِمِ الإشتهاءْ
سلام علينا
وإنّ السّلامَ التفافٌ على ما تقولُ النوارسُ للبحر ِ كلَ مساءْ
وهوَ حينَ يكونُ فَمَا ً واحدا ً
مَقعَدا ً واحدا ً
فهوَ مَدْرَسَة ٌ في تَعلـُّم ِ أنْسنَةِ الانحناء ْ
سلامٌ علينا
نموتُ ونحيا
ونجهلُ هلْ نحن نحن ُ
وهلْ خانت الأرضُ حتى نصيرَ على رَمْلِها غيرَنا
أيها الصّاعدونَ
اقرأوا سورة الفتح ِ
لا تنظروا خلفكم ْ
نحنُ لسنا هنا
نحنُ لسنا هنا
وفي هذه الأبيات الشعرية الأخيرة يؤكد الشاعر على ان السلام هو خيار خاسر لأن الطرف المعتدي يريد الأرض خالية من السكان أي ان الرصاص كفيل بهم وبأنهاء هذه القضية وأن سلامهم هو الرصاص الذي يطلق صباح مساء على عملية السلام ونحن نظن بأننا حكماء كي نطلب منهم سلاماً او وقف رصاصهم او صواريخهم وهنا صور شعرية بديعة وعديدة من الشاعر ويمكن مشاهدتها بكل سهولة .. ويملك الشاعر حق التعجب من الارض فهل الارض خائنة حتى من كانوا فوقها ( شعب فلسطين ) فتقبل على رملها وترابها شعب آخر أتى من خلف الموج فهل من الممكن ان يكون ماحدث هو خيانة من الارض لنا .. سؤال محير يطرحه الشاعر على المتلقي .
ويعود الشاعر الى مخاطبة الشهداء الصاعدين الى العلياء بأن يقرأوا سورة الفتح وأن لا ينظروا خلفهم فنحن لسنا هنا .. فنحن لسنا هنا بل في مكان آخر في الظل الرمادي الذي نلجأ اليه ونهرب فيه .
سمات القصيدة الفنية والفكرة العامة والعواطف :
1) برزت عاطفة الوطنية وحب الوطن وصدق الأنتماء في كثير من المقاطع حيث التواصل المنشود عبر صوت الأم والحديث عن الذكريات وهنا أشارة من الشاعر الى رمز الطمأنينة والاستقرار قبل أن تأتي الذئاب الى المكان وتحيله الى ركام من الذكريات .
2)برزت عاطفة الحنين الى الماضي والذكريات وهو يصور لنا الهروب من الواقع الأليم الذي نعيشه في هذا الزمن .
3) عمق الصورة الشعرية والتناغم بين الكلمة والمكان .
4) تضاف هذه القصيدة الى قصائد المقاومة لما تحمل من سمات تدافع عن الوطن وتعزز من دور الشهادة في سبيل الحق والدفاع عن الارض ولما تحمله من لغة شعرية رصينة وقوية البنيان .
5) أعتماد الشاعر على الأيحاء والرمز في الكثير من الأبيات ونجدها تجليات روحية ونفسية للشاعر ضمن عالم قلق حافل بالمفارقات المروعة بين الذئاب اليهود وبين أهل فلسطين الصامدين وبين قيد الروح في الجسد والحرية التي تطلبها بالسفر الى السماء محلقة مثل العصافير المتجهة بروحها الى الله ، خيال واسع ، تقارب الأشياء في القصيدة وتلامسها من حياة الناس وان الشاعر هنا أبرز طاقة لغوية فريدة أستخدمها في بناء القصيدة وصقلها ، وأيضاً أن المفردات ذات دلالات تعبر عن الأمتداد الوجداني والروحي للشاعر وتعطي هذه المفردات صورة عن المنحنى النفسي الذي يمتلكه في ذاته .
الوقوف على الأبعاد الحسية المتشكلة من ارض الواقع من حيث الظلم والحرب والطائرات والأستشهاد .
أن هذه القصيدة بما تحمله من لغة مجازية وصور توليدية تجسد أحساس الشاعر بذاته وما حوله والرغبة العارمة للشاعر والشعوب العربية في تحطيم القيد وأختراق الحدود ونجدة الأهل في غزة وفي فلسطين وتعبر بصورة متجانسة عن الحزن العميق في قلب الشاعر وعن الشعور بالأحباط الذي نلمس أثره في نهاية القصيدة.
مع الاحترام
هشام
العقبة 7/4/2009 الساعة 2:40