خليف محفوظ
04/13/2009, 11:24 PM
الفصل العاشر
طال التشرد نوارة ، جال الدمع في عينيها وهي تروي لي خبر الإعذار الذي وصلها من الجهات المسؤولة يطالبونها فيه بإخلاء الفيلة في غضون أجل أقصاه شهر .
قالت إنها لم تفاجأ ، بل كانت تتوقع هذا منذ انقطعت عنها أخباره ، و إنها رائحة التصفيات تطفو على السطح ، وقد أعدت للأمر عدته فاكترت شقة من غرفتين في حي شعبي تضع في إحداهما كتبها و أرشيفها وفي الأخرى سريرها و مكتبها .
كان جمالها وهي حزينة قد أخذ إيقاعا آخر ، إيقاع الغروب في قلبي ، إيقاع العصافير تخفق في الأفق . و كنت أصغي إليها آسفا .
ولم تطاوعني نفسي أن أسألها عن حاجتي وهي على تلك الحال ، لكنها تجاوزت ذاتها في نبل و قالت مبتسمة :
-لا شك أنك تنتظر مني الجديد .
-نعم ، و إن كنت أعلم أنه يكاد يكون محالا .
زمت شفتيها فانعقد ما بين عينيها و قالت :
-لا شيء محال .
وسكتت ، ثم أضافت في لهجة يتجاذبها اليأس و الأمل :
-بقي باب لم نطرقه حتى الآن ، أرشيف الثورة ، سنبحث عن أسماء المجاهدين الذين كانوا يأوون إلى مغارة جبل الزيتونة في أواخر الثورة ، فإذا كانت أمك مجاهدة – وذلك شبه يقين عندي – وعثرنا على أحد من هؤلاء المجاهدين سهل علينا الأمر كثيرا .
وبدت لي نوارة للحظة أنها ساذجة و بريئة ، كأنها طفلة ، ثم قلت لنفسي :إن براءتها و سذاجتها هي التي حفظت جمالها بعد أن ولى شبابها .
-فيم تفكر ؟
-أفكر في هذا الأرشيف ، هل تجدين فيه ما يجيب عن سؤالي ؟ أشك أنهم يسمعون بجبل الزيتونة و مغارته .
-قد نجد وقد لا نجد ، ولكن لا شيء يمنعنا من البحث ، اترك الأمر لي ، سأفلي كل الأرشيفات .
تركت نوارة لعزمها و نبلها وخرجت إلى الثكنة ، فقد صارت لنا مهام تدخل خارج الثكنة ، لا سيما بعد تناهي أخبار عن نشاط جماعة سرية تتخذ من الجبال مواقع تدريب شبه عسكري لعناصرها .
********************************************
و لبعة الغميضة في الهاتف طوحتني بعيدا .
أدرت الرقم في ساعة من السأم و الملل فجاء الصوت رقراقا :
- ألو نعم ...
- هل أحمد في الدار ؟
- لا ، خرج منذ ساعة.
صوت عذب ، مغناج قليلا و أغن ، فيه نعومة الأنثى الغضة .
و أسرعت أنظر إلى كفي أطمئن على الرقم الذي سجلته قبل أن أدير السماعة .
- من أنت حتى أخبره حين يعود ؟
- و متى يعود ؟
- لا أعلم ، أقول له من ؟
-صديق من أصدقائه .
و رحت أتنصت .
- آلو ...
لم أجبها ، وضعت السماعة ، قرأت رقمها في كفي ، غمرتني غبطة وهمية ، وضعت يدي في جيبي و رحت أجوب الشوارع أصفر و صوتها الأغن يترقرق في سمعي مرحا .
************************************************
في الغد كررت النداء .
- آلو ...
- مساء الخير ، هل عاد أحمد ؟
- صوت البارحة ؟
و تضاحكت
- نعم .
- من أنت ؟
- ألا يمكننا أن نتحدث من غير أن يسأل بعضنا الآخر من أنت ؟
و أحدثت طقطقة علك في أذني ، فرقعة عذبة .
- أمممم ، إذن أنت لا تريد أخي أحمد ؟
- وهل أنت أخته ؟
- ولكن من أنت ؟
احتد صوتها قليلا ، و لسبب ما تخيلت شعرها يهفو على وجهي .
- لا أعرف .
و تضاحكت لعوبا
- وهل هناك من لا يعرف نفسه ؟
- كثير ، و أنا منهم .
- أنا أخبرك من أنت ؟ أنت مجنون .
و فرقعت العلك في أذني .
- فعلا أنا من اليوم مجنونك .
- أهاه ، وهكذا من غير أن تراني ؟!
- رأيتك بأذني .
- إذن صفني كيف تراني بأذنك .
- سأفعل ، و اسمعي :
- كلي آذان صاغية .
- لك شقشقة العصافير ، و خفة النسيم ، لك ضحكة الورد أشرقت عليه الشمس ، لك عذوبة القشدة على رصيف مقهى القصول الأربعة .
وغرغرت طروبا :
- أنت فلتة .
- ... ...
صمتت أقلب قولها في ذهني ، ما معنى أن يكون المرء فلتة ؟
- هل أغضبتك ؟
-لا ينبغي لي أن أغضب معك .
وعادت لهجتها تحتد
- إذا كنت تصر على ألا تعرف بنفسك فقل على الأقل ماذا تريد ؟
- أريد نبعا ... عصفورا ... فراشة ... زهرة ... أريد غرغرة وليد لا تنتهي ... أريد شمسا لا تغيب ...
وكتمت ضحكتها فتسربت إلي موشوشة كما يهب النسيم ، فتخيلت أمواج عطرها تتدفق علي فاسترخيت على شاطئها سعيدا منتشيا .
وقطعت الخط ، و لم تنقطع ضحكتها المكتومة تتردد في سمعي .
طال التشرد نوارة ، جال الدمع في عينيها وهي تروي لي خبر الإعذار الذي وصلها من الجهات المسؤولة يطالبونها فيه بإخلاء الفيلة في غضون أجل أقصاه شهر .
قالت إنها لم تفاجأ ، بل كانت تتوقع هذا منذ انقطعت عنها أخباره ، و إنها رائحة التصفيات تطفو على السطح ، وقد أعدت للأمر عدته فاكترت شقة من غرفتين في حي شعبي تضع في إحداهما كتبها و أرشيفها وفي الأخرى سريرها و مكتبها .
كان جمالها وهي حزينة قد أخذ إيقاعا آخر ، إيقاع الغروب في قلبي ، إيقاع العصافير تخفق في الأفق . و كنت أصغي إليها آسفا .
ولم تطاوعني نفسي أن أسألها عن حاجتي وهي على تلك الحال ، لكنها تجاوزت ذاتها في نبل و قالت مبتسمة :
-لا شك أنك تنتظر مني الجديد .
-نعم ، و إن كنت أعلم أنه يكاد يكون محالا .
زمت شفتيها فانعقد ما بين عينيها و قالت :
-لا شيء محال .
وسكتت ، ثم أضافت في لهجة يتجاذبها اليأس و الأمل :
-بقي باب لم نطرقه حتى الآن ، أرشيف الثورة ، سنبحث عن أسماء المجاهدين الذين كانوا يأوون إلى مغارة جبل الزيتونة في أواخر الثورة ، فإذا كانت أمك مجاهدة – وذلك شبه يقين عندي – وعثرنا على أحد من هؤلاء المجاهدين سهل علينا الأمر كثيرا .
وبدت لي نوارة للحظة أنها ساذجة و بريئة ، كأنها طفلة ، ثم قلت لنفسي :إن براءتها و سذاجتها هي التي حفظت جمالها بعد أن ولى شبابها .
-فيم تفكر ؟
-أفكر في هذا الأرشيف ، هل تجدين فيه ما يجيب عن سؤالي ؟ أشك أنهم يسمعون بجبل الزيتونة و مغارته .
-قد نجد وقد لا نجد ، ولكن لا شيء يمنعنا من البحث ، اترك الأمر لي ، سأفلي كل الأرشيفات .
تركت نوارة لعزمها و نبلها وخرجت إلى الثكنة ، فقد صارت لنا مهام تدخل خارج الثكنة ، لا سيما بعد تناهي أخبار عن نشاط جماعة سرية تتخذ من الجبال مواقع تدريب شبه عسكري لعناصرها .
********************************************
و لبعة الغميضة في الهاتف طوحتني بعيدا .
أدرت الرقم في ساعة من السأم و الملل فجاء الصوت رقراقا :
- ألو نعم ...
- هل أحمد في الدار ؟
- لا ، خرج منذ ساعة.
صوت عذب ، مغناج قليلا و أغن ، فيه نعومة الأنثى الغضة .
و أسرعت أنظر إلى كفي أطمئن على الرقم الذي سجلته قبل أن أدير السماعة .
- من أنت حتى أخبره حين يعود ؟
- و متى يعود ؟
- لا أعلم ، أقول له من ؟
-صديق من أصدقائه .
و رحت أتنصت .
- آلو ...
لم أجبها ، وضعت السماعة ، قرأت رقمها في كفي ، غمرتني غبطة وهمية ، وضعت يدي في جيبي و رحت أجوب الشوارع أصفر و صوتها الأغن يترقرق في سمعي مرحا .
************************************************
في الغد كررت النداء .
- آلو ...
- مساء الخير ، هل عاد أحمد ؟
- صوت البارحة ؟
و تضاحكت
- نعم .
- من أنت ؟
- ألا يمكننا أن نتحدث من غير أن يسأل بعضنا الآخر من أنت ؟
و أحدثت طقطقة علك في أذني ، فرقعة عذبة .
- أمممم ، إذن أنت لا تريد أخي أحمد ؟
- وهل أنت أخته ؟
- ولكن من أنت ؟
احتد صوتها قليلا ، و لسبب ما تخيلت شعرها يهفو على وجهي .
- لا أعرف .
و تضاحكت لعوبا
- وهل هناك من لا يعرف نفسه ؟
- كثير ، و أنا منهم .
- أنا أخبرك من أنت ؟ أنت مجنون .
و فرقعت العلك في أذني .
- فعلا أنا من اليوم مجنونك .
- أهاه ، وهكذا من غير أن تراني ؟!
- رأيتك بأذني .
- إذن صفني كيف تراني بأذنك .
- سأفعل ، و اسمعي :
- كلي آذان صاغية .
- لك شقشقة العصافير ، و خفة النسيم ، لك ضحكة الورد أشرقت عليه الشمس ، لك عذوبة القشدة على رصيف مقهى القصول الأربعة .
وغرغرت طروبا :
- أنت فلتة .
- ... ...
صمتت أقلب قولها في ذهني ، ما معنى أن يكون المرء فلتة ؟
- هل أغضبتك ؟
-لا ينبغي لي أن أغضب معك .
وعادت لهجتها تحتد
- إذا كنت تصر على ألا تعرف بنفسك فقل على الأقل ماذا تريد ؟
- أريد نبعا ... عصفورا ... فراشة ... زهرة ... أريد غرغرة وليد لا تنتهي ... أريد شمسا لا تغيب ...
وكتمت ضحكتها فتسربت إلي موشوشة كما يهب النسيم ، فتخيلت أمواج عطرها تتدفق علي فاسترخيت على شاطئها سعيدا منتشيا .
وقطعت الخط ، و لم تنقطع ضحكتها المكتومة تتردد في سمعي .