المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أتصمت العصافير؟ -23 -


خليف محفوظ
04/13/2009, 11:24 PM
الفصل العاشر
طال التشرد نوارة ، جال الدمع في عينيها وهي تروي لي خبر الإعذار الذي وصلها من الجهات المسؤولة يطالبونها فيه بإخلاء الفيلة في غضون أجل أقصاه شهر .
قالت إنها لم تفاجأ ، بل كانت تتوقع هذا منذ انقطعت عنها أخباره ، و إنها رائحة التصفيات تطفو على السطح ، وقد أعدت للأمر عدته فاكترت شقة من غرفتين في حي شعبي تضع في إحداهما كتبها و أرشيفها وفي الأخرى سريرها و مكتبها .
كان جمالها وهي حزينة قد أخذ إيقاعا آخر ، إيقاع الغروب في قلبي ، إيقاع العصافير تخفق في الأفق . و كنت أصغي إليها آسفا .
ولم تطاوعني نفسي أن أسألها عن حاجتي وهي على تلك الحال ، لكنها تجاوزت ذاتها في نبل و قالت مبتسمة :
-لا شك أنك تنتظر مني الجديد .
-نعم ، و إن كنت أعلم أنه يكاد يكون محالا .
زمت شفتيها فانعقد ما بين عينيها و قالت :
-لا شيء محال .
وسكتت ، ثم أضافت في لهجة يتجاذبها اليأس و الأمل :
-بقي باب لم نطرقه حتى الآن ، أرشيف الثورة ، سنبحث عن أسماء المجاهدين الذين كانوا يأوون إلى مغارة جبل الزيتونة في أواخر الثورة ، فإذا كانت أمك مجاهدة – وذلك شبه يقين عندي – وعثرنا على أحد من هؤلاء المجاهدين سهل علينا الأمر كثيرا .
وبدت لي نوارة للحظة أنها ساذجة و بريئة ، كأنها طفلة ، ثم قلت لنفسي :إن براءتها و سذاجتها هي التي حفظت جمالها بعد أن ولى شبابها .
-فيم تفكر ؟
-أفكر في هذا الأرشيف ، هل تجدين فيه ما يجيب عن سؤالي ؟ أشك أنهم يسمعون بجبل الزيتونة و مغارته .
-قد نجد وقد لا نجد ، ولكن لا شيء يمنعنا من البحث ، اترك الأمر لي ، سأفلي كل الأرشيفات .
تركت نوارة لعزمها و نبلها وخرجت إلى الثكنة ، فقد صارت لنا مهام تدخل خارج الثكنة ، لا سيما بعد تناهي أخبار عن نشاط جماعة سرية تتخذ من الجبال مواقع تدريب شبه عسكري لعناصرها .


********************************************

و لبعة الغميضة في الهاتف طوحتني بعيدا .
أدرت الرقم في ساعة من السأم و الملل فجاء الصوت رقراقا :
- ألو نعم ...
- هل أحمد في الدار ؟
- لا ، خرج منذ ساعة.
صوت عذب ، مغناج قليلا و أغن ، فيه نعومة الأنثى الغضة .
و أسرعت أنظر إلى كفي أطمئن على الرقم الذي سجلته قبل أن أدير السماعة .
- من أنت حتى أخبره حين يعود ؟
- و متى يعود ؟
- لا أعلم ، أقول له من ؟
-صديق من أصدقائه .
و رحت أتنصت .
- آلو ...
لم أجبها ، وضعت السماعة ، قرأت رقمها في كفي ، غمرتني غبطة وهمية ، وضعت يدي في جيبي و رحت أجوب الشوارع أصفر و صوتها الأغن يترقرق في سمعي مرحا .


************************************************


في الغد كررت النداء .
- آلو ...
- مساء الخير ، هل عاد أحمد ؟
- صوت البارحة ؟
و تضاحكت
- نعم .
- من أنت ؟
- ألا يمكننا أن نتحدث من غير أن يسأل بعضنا الآخر من أنت ؟
و أحدثت طقطقة علك في أذني ، فرقعة عذبة .
- أمممم ، إذن أنت لا تريد أخي أحمد ؟
- وهل أنت أخته ؟
- ولكن من أنت ؟
احتد صوتها قليلا ، و لسبب ما تخيلت شعرها يهفو على وجهي .
- لا أعرف .
و تضاحكت لعوبا
- وهل هناك من لا يعرف نفسه ؟
- كثير ، و أنا منهم .
- أنا أخبرك من أنت ؟ أنت مجنون .
و فرقعت العلك في أذني .
- فعلا أنا من اليوم مجنونك .
- أهاه ، وهكذا من غير أن تراني ؟!
- رأيتك بأذني .
- إذن صفني كيف تراني بأذنك .
- سأفعل ، و اسمعي :
- كلي آذان صاغية .
- لك شقشقة العصافير ، و خفة النسيم ، لك ضحكة الورد أشرقت عليه الشمس ، لك عذوبة القشدة على رصيف مقهى القصول الأربعة .
وغرغرت طروبا :
- أنت فلتة .
- ... ...
صمتت أقلب قولها في ذهني ، ما معنى أن يكون المرء فلتة ؟
- هل أغضبتك ؟
-لا ينبغي لي أن أغضب معك .
وعادت لهجتها تحتد
- إذا كنت تصر على ألا تعرف بنفسك فقل على الأقل ماذا تريد ؟
- أريد نبعا ... عصفورا ... فراشة ... زهرة ... أريد غرغرة وليد لا تنتهي ... أريد شمسا لا تغيب ...
وكتمت ضحكتها فتسربت إلي موشوشة كما يهب النسيم ، فتخيلت أمواج عطرها تتدفق علي فاسترخيت على شاطئها سعيدا منتشيا .
وقطعت الخط ، و لم تنقطع ضحكتها المكتومة تتردد في سمعي .

نقية معروف
04/14/2009, 12:41 AM
عطر المكان وروحه أنت يا سعد
أحجز المقعد الأول
أستاذي سأعود..!
لروحك حدائق من الورود
و ود ..انتظرني

خليف محفوظ
04/20/2009, 02:15 AM
[quote=نقية معروف;44761]
عطر المكان وروحه أنت يا سعد
أحجز المقعد الأول
أستاذي سأعود..!
لروحك حدائق من الورود
و ود ..انتظرني [/quote

سلاما جميلا يا قطر الندى

إذا كان سعد عطر المكان و روحه فأنت درة الحكايا كاتبة و قارئة

عميق تحيتي

فيصل دهموش
04/21/2009, 01:17 AM
جئتك يا سعد لألامس فيض روحك ..
حاملاً شوقي ..
لأراك تنبض بدرب الحياة
ها قد بدأت تتلّمسُ ملامحه
وبدأت أوصالك تسري في كلّ الإتجاهات


أهديكَ أستاذي لشاعرنا المفضل ..

يا طيرَ البرق أريد امرأة دفئاً فأنا دفء
جسداً كفئاً فأنا كفء
تعرقُ مثل مفاتيح الجنة بين يدي وآثامي
وأرى فيك بقايا العمر و أوهامي

دمت بكل الخير أستاذي الكريم
وياسمينة تعرش و روحك الوارفة
أحييك بأجمل ما يكون

خليف محفوظ
04/24/2009, 11:38 PM
فيصل الجميل

سلاما عميقا ، بقدر ما يحزنني ألا تقرأ سعد ، بقدر ما يسعدني أن أقف على أثر مرورك هنا . لقد ألفت توقيعك الجميل و الأبيات الرائعة لشاعرنا الأجمل .

أهديك هذه الأبيات للشريف الرضي :

ولقد مررت على ديارهم ... و طلولها بيد البلى نهب
فوقفت حتى ضج من لغب ... نضوي ، ولج بعذلي الركب
وتلفتت عيني ، فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب

يقال هو أول من جعل القلب يتلفت .

عميق تحيتي