ريما إبراهيم فائق
11/15/2008, 02:16 PM
- أستلقي على هذا السرير الأبيض المخيف ، و أنتظر ، كل ما أذكره أنها كانت تصيح في وجهي ، تشتمني ، تشير بأصبعها ، تهزأ بي ، و تصيح أكثر و أكثر ، و أنا أقف صامتة و الدمع الحارق يأكل مقلتي ، فأبتلعه ، و أصمت ، كل ما فكرت به أنني أريد العودة إلى أطفالي الآن ، لأجمعهم بين يدي و أبكي طويلا ...
أعرف أن صغيرهم سيمسح دمعتي مذهولا ، و كبيرهم سيصيح غاضبا ليعرف سبب بكائي ، و لكنها لا تستطيع أن تصمت لتظل تصيح و تشتم و الأخريات ينظرن إلى برعب ، و الانكسار يغطي ملامحهن ، و أنا أتماسك ، أتماسك أكثر حتى ...
أفقد الذاكرة بين غضبها و السرير الأبيض هذا .
- يضع الطبيب الصامت يده فوق صدري ، يجسه ، يرتد إلى صورة الأشعة ، يتفحصها ، يقلب الثاني الملف المعلق على حافة السرير ، يختلس النظر إلى وجهي الأصفر يدير ظهره و يتمتم بشيء ما للممرضة الواقفة أمام الستارة ، و الثالث يطرح علي الأسئلة بلا توقف ، يصر على أن أتذكر إحساسي الأول بالتعب و أحدد موعده .... الغرفة تصفر من حولي ، تتغير ألوانها للبياض ... فأغفو قليلا .
يجلس طفلاي التوأم بين يديّ الصامتتين ، يحدق أحدهما بي :
- ماما ... لماذا لا تحركين يدك؟
- حبيبي إنها تؤلمني .
يدير الآخر رأسي إليه يقبلني سريعا :
-ماما ، بابا لم يحضّر لي شطيرة هذا الصباح .
أبتسم :
-حبيبي بابا متعب .... هل اشتريت واحدة ؟
-نعم .
يجلس الآخران عند قدمي يحدق بي أكبرهما بيأس و غضب، يصرّ على ألا يحدثني أبدا.
يقف زوجي قرابة رأسي، يلمس وجنتي برعب، يقبض على يدي الصماء دون أن أنتبه إليه، يصمت، يحاول أن يسمع كل كلمة أقولها... تفرّ من عينه دمعة مسرعة، يخفيها و يخرج إلى الممر الطويل.
-تجتمع الوجوه من حولي ، تربط إحداهن شالي جيدا ، تسحب إحداهن الغطاء حتى صدري ، يبتسمن ، يحدثنني طويلا ، أبتسم ، أحادثهن طويلا ، و جسدي النائم لا يفعل شيئا .... يودعنني ... و يدي النائمة أيضا لا تفعل شيئا .
-أشتاق كأس ماء الآن ، أنظر إليه بطرف عيني لأرى حافته بعيدة عني ، أبكي ، أنتظر ممرضة تمرّ قريبا ... يعلو صوتي المرتج قليلا.... أنادي أي مار .... أبكي أكثر ، أغمض عيني على ظمأ و أنام .
-أستيقظ صباحا على صوت ممرضات ، إحداهن تدس في يدي إبرة طويلة ، تراقب الأخرى النبض ممسكة برسغي ، تضرب أخرى ركبتي ، و أنا أقف في مكان ما خارج جسدي لأراقب .
-أمي تقبلني فجأة، أختي تلمني بين يديها، زوجي يقف عند حافة السرير، تهتز شفتا أمي صعودا و نزولا، تشهق و تشهق و تنوح بصمت، أختي تقبل يدي، تقبل رأسي، أنا هنا أدرك أنهما أتيتا من مسافة بعيدة جدا :
-متى جئتما ؟
-الليلة يا عزيزتي.
-اطمئني يا أمي أنا بخير .
-نعم يا حبيبتي .
تمسح بطرف منديلها دموعا هاربة .... تنسحب وراء الستارة ، أطفالي يركضون في الممر ... تزعق في صغيرهم و تضمه.
-تجلس أمي عن يميني و يجلس زوجي ممسكا بيدي عن يساري ، تجلس أختي جامعة أطفالي حولها ، المضيفة تأتي و تروح لتسألني عن أي حاجة لي ، زوجي يتمعن في وجهي طويلا ، أمي تضع رأسي على كتفها و تنوح بصمت ، أعرف الآن أنني سأبقى معلقة في السماء حين يهبطون هم إلى أرض المطار .
-يركض بي زوجي عبر أرض المطار، يلاقيني جمع كبير لم أتخيله قط من الأهل و الجيران ، يجتمعون حولي يصطفون لتقبيلي ، يعبرون عن فرحهم بلقائي و حزنهم لمرضي ، ابنة عمي تضمني طويلا و تقبلني و تمرغ دموعها في خدي و تربت على رأسي . خالتي تلف حول رقبتها طفلها الجديد ، تقبلني و تمسح عن وجهي آثار دموعهم و تهمس باسم الله في أذني و ترجع إلى الوراء و تبكي .
-منذ سنتين لم أر أرض الوطن... الملامح ذاتها لم تتغير ، و جوه الناس كما تركتها آخر مرة ، الشوارع ، المحلات ، المدارس ، الخربشات نفسها على الأسوار ، منزلي ... الدرج الذي صعدته بثوبي الأبيض أوّل مرة .
-يحملني زوجي إلى الشقة ، يلحقه أطفالي و الدهشة تغمرهم ، يركضون في أنحاء المكان باحثين عن أشيائهم ، يضعني على سرير عرسي القديم ، يدثرني ، تقبلني أمي ، يسقيني شربة ماء ، تفتح أختي الستارة لتدخل الشمس بلا استحياء ، تفك أمي الشال عن رأسي ، يقف زوجي أمام الباب .... يشهق خفية ، الشمس تغمر الغرفة ... أصابعي جليد ، الشمس تداعب جفنيّ تسحب الضوء من داخلي ، تعانقه ، تأخذني معها .... أشهق فرحا .... و يشهق الجميع في العتمة .
أعرف أن صغيرهم سيمسح دمعتي مذهولا ، و كبيرهم سيصيح غاضبا ليعرف سبب بكائي ، و لكنها لا تستطيع أن تصمت لتظل تصيح و تشتم و الأخريات ينظرن إلى برعب ، و الانكسار يغطي ملامحهن ، و أنا أتماسك ، أتماسك أكثر حتى ...
أفقد الذاكرة بين غضبها و السرير الأبيض هذا .
- يضع الطبيب الصامت يده فوق صدري ، يجسه ، يرتد إلى صورة الأشعة ، يتفحصها ، يقلب الثاني الملف المعلق على حافة السرير ، يختلس النظر إلى وجهي الأصفر يدير ظهره و يتمتم بشيء ما للممرضة الواقفة أمام الستارة ، و الثالث يطرح علي الأسئلة بلا توقف ، يصر على أن أتذكر إحساسي الأول بالتعب و أحدد موعده .... الغرفة تصفر من حولي ، تتغير ألوانها للبياض ... فأغفو قليلا .
يجلس طفلاي التوأم بين يديّ الصامتتين ، يحدق أحدهما بي :
- ماما ... لماذا لا تحركين يدك؟
- حبيبي إنها تؤلمني .
يدير الآخر رأسي إليه يقبلني سريعا :
-ماما ، بابا لم يحضّر لي شطيرة هذا الصباح .
أبتسم :
-حبيبي بابا متعب .... هل اشتريت واحدة ؟
-نعم .
يجلس الآخران عند قدمي يحدق بي أكبرهما بيأس و غضب، يصرّ على ألا يحدثني أبدا.
يقف زوجي قرابة رأسي، يلمس وجنتي برعب، يقبض على يدي الصماء دون أن أنتبه إليه، يصمت، يحاول أن يسمع كل كلمة أقولها... تفرّ من عينه دمعة مسرعة، يخفيها و يخرج إلى الممر الطويل.
-تجتمع الوجوه من حولي ، تربط إحداهن شالي جيدا ، تسحب إحداهن الغطاء حتى صدري ، يبتسمن ، يحدثنني طويلا ، أبتسم ، أحادثهن طويلا ، و جسدي النائم لا يفعل شيئا .... يودعنني ... و يدي النائمة أيضا لا تفعل شيئا .
-أشتاق كأس ماء الآن ، أنظر إليه بطرف عيني لأرى حافته بعيدة عني ، أبكي ، أنتظر ممرضة تمرّ قريبا ... يعلو صوتي المرتج قليلا.... أنادي أي مار .... أبكي أكثر ، أغمض عيني على ظمأ و أنام .
-أستيقظ صباحا على صوت ممرضات ، إحداهن تدس في يدي إبرة طويلة ، تراقب الأخرى النبض ممسكة برسغي ، تضرب أخرى ركبتي ، و أنا أقف في مكان ما خارج جسدي لأراقب .
-أمي تقبلني فجأة، أختي تلمني بين يديها، زوجي يقف عند حافة السرير، تهتز شفتا أمي صعودا و نزولا، تشهق و تشهق و تنوح بصمت، أختي تقبل يدي، تقبل رأسي، أنا هنا أدرك أنهما أتيتا من مسافة بعيدة جدا :
-متى جئتما ؟
-الليلة يا عزيزتي.
-اطمئني يا أمي أنا بخير .
-نعم يا حبيبتي .
تمسح بطرف منديلها دموعا هاربة .... تنسحب وراء الستارة ، أطفالي يركضون في الممر ... تزعق في صغيرهم و تضمه.
-تجلس أمي عن يميني و يجلس زوجي ممسكا بيدي عن يساري ، تجلس أختي جامعة أطفالي حولها ، المضيفة تأتي و تروح لتسألني عن أي حاجة لي ، زوجي يتمعن في وجهي طويلا ، أمي تضع رأسي على كتفها و تنوح بصمت ، أعرف الآن أنني سأبقى معلقة في السماء حين يهبطون هم إلى أرض المطار .
-يركض بي زوجي عبر أرض المطار، يلاقيني جمع كبير لم أتخيله قط من الأهل و الجيران ، يجتمعون حولي يصطفون لتقبيلي ، يعبرون عن فرحهم بلقائي و حزنهم لمرضي ، ابنة عمي تضمني طويلا و تقبلني و تمرغ دموعها في خدي و تربت على رأسي . خالتي تلف حول رقبتها طفلها الجديد ، تقبلني و تمسح عن وجهي آثار دموعهم و تهمس باسم الله في أذني و ترجع إلى الوراء و تبكي .
-منذ سنتين لم أر أرض الوطن... الملامح ذاتها لم تتغير ، و جوه الناس كما تركتها آخر مرة ، الشوارع ، المحلات ، المدارس ، الخربشات نفسها على الأسوار ، منزلي ... الدرج الذي صعدته بثوبي الأبيض أوّل مرة .
-يحملني زوجي إلى الشقة ، يلحقه أطفالي و الدهشة تغمرهم ، يركضون في أنحاء المكان باحثين عن أشيائهم ، يضعني على سرير عرسي القديم ، يدثرني ، تقبلني أمي ، يسقيني شربة ماء ، تفتح أختي الستارة لتدخل الشمس بلا استحياء ، تفك أمي الشال عن رأسي ، يقف زوجي أمام الباب .... يشهق خفية ، الشمس تغمر الغرفة ... أصابعي جليد ، الشمس تداعب جفنيّ تسحب الضوء من داخلي ، تعانقه ، تأخذني معها .... أشهق فرحا .... و يشهق الجميع في العتمة .