المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقالات الرماد


زينب الحافظ
11/10/2008, 03:32 PM
قصة قصيرة

نقالات من رماد



سعدي عباس العبد

قاص عراقي



جلستْ أمي بجانبي على السرير فانتشرت رائحة المسك نفاذا ،علقت في ذرات الهواء ،وأفعمت انفاسي ،تطلعت الشمس الضحى المفروشة على وجهي الأصفر ،فنهضت لأسدل الستارة على النافذة المشرعة على فيوضات الشمس ،ولما استدرت لمحت حبات من الدمع عالقه في رموشها وخديها ،مازالت تلتمع برغم اختفاءالشمس ،وتنهمر على فمها المزموم فتشع شفتاها فارقب يدها كيف تمسح على شعري المنقوع بالعرق وعلى جبيني المبتل ،فانذعر ،لما اراها تهبط زاحفة الى خاصرتي ،تتحسس الفقاعات المنتفحة المحتلة مساحة متورمة من خاصرتي ،فاسمع صوت يخرج من بدني ،مترع بالوجع، كأنه يتدفق من الأورام فترتفع يد أمي وتنزل على يد في أطباقة حميمة ،ويعود الهواء يخفق في صدري ،ولم ينقطع مجرى الألم ،فاسمع نحيبا خافتا فارهف السماعي ،فاكتشف جهشات مدوية ،تتردد في رأسي كأنها تأتي من أخر الدنيا !ضاغطة على حنجرتي وخاصرتي واحلامي وخوفي ،وعندما ارفع رأسي ،تلوح امي ،تتموج في ضباب ينتشر بتؤده ،فابصرها من وراء الرذاذ الفضي المحلق في الفراغ ،تتلاشى ببطء ،فيخفق قلبي بشدة ، فاسمع صوتها يأتي غائما ..بدت نبراته مشوشة في السماعي ،فتشرد عيناي "يمينة ويسرة"تجوسان في الضباب،انصت لحفيف يطوف في الفضاء ،يتدفق من بقايا عاصفة ،فتلوح في ذاكرتي ذيول الغبار التي لفت خاصرتي بحبل من نثار حديد ناتئ،فرأتني أنفصل عن الأرض والملعب والكرة ،واحلق بعيدا في وشيش العصف ،ولم اعد ارى سوى ملامح غامضة من اللاعبين يرفعون رؤوسهم المدماه في الفضاء الدامي ،والكرة تحلق في فراغات دامية انفصلت عن اقدامنا أو قدمي للابد ! كنت ما ازال اتوغل في عاصفة من الغبار الحديدي لما سمعت صراخا ممدودا يتصاعد في فضاء الملعب ، ويرج بدني ، وهو يعلو ، يشق له ممرات وعرة في الفضاء المكتظ باللغط ، كان الزحام على اشده ، عندما انفلقت العبوة الثانية في ارض الملعب ،. . ، في المستشفى ارتجف قلبي بشدة ، وتسمر ناظري عند الفراغ الذي كانت تشغله ساقي "اليمين " ، التي لم ار اثرا لها ، " لقد نسيتها في الملعب!! فازداد وجيب قلبي وتضاعفت اوجاعي، فانا لم اعتد على ترك ساقي !! التي لمحتها عبر غيمة من غبار صدئ تحلق مثل عامود من دخان يتصاعد من الحافات البعيدة للملعب ومن التراب والأجساد المتفحمة ، المحمولة على نقلات من رماد تجرها ذيول من نار تتمايل وهي ترتطم بخطوط غبارية ناتئة تنفث رائحة سخام ورماد يهمي على وجهي ، فيغمره برفيف من لهب يحدث شروخا في خاصرتي ، فيلتمع في عيني وهج ينسل من التراب ، فاضطرب ، واجدني مشدودا الى السياخ محمية تتأجج في المدى المشرع على " عمودي حراسة المرمى.نشيج امي ما زال يتردد في السماعي ، وانا ما زلت اعلق ساقي على جدار من البكاء ، والذكريات والخوف ، ولا اعرف ماذا سيحدث في الغد ، فالامس القريب الدامي ، صار شبحا ، يهدد السنين القادمة بمزيد من الشقاء ، ولا اعرف كيف سامشي على ارصفة الالام السود ، فانا لم ار نفسي من قبل الا بساقين ، اما الان فانا ارقد على سجادة طويلة مطرزة بخطوات الماضي .. لمعت عينا امي ، فاندلق شلال من الحنين ، نفذ الى اعماقي المقهورة وانا ما زلت افكر ، كيف سأهيئ ساقي اليتيمة للأحتفاء بالشوارع ، واللحاق باللحظات الغبارية من نافذة ايامي المتسارعة فالمسافة التي تفصلني عن الماضي الجميل ، ما زالت قريبة ، ملحة ضاغطة ، لدنه في ذاكرتي ، تلاحقني برغبة هائجة لم تولد بعد! فاشعر اني لم اعد املك ما يشدني للحياة .. فلم اجد منفذا سوى الذكريات كانت امي ماتزال ملتمة على جانب السرير ، عندما وجدتني احلق في سماء غامضة يسيل منها نور اخضر يندلق من نجوم ، تشع من بعيد ، فاراني مغمورا بضوء باهر ، احلق بجناح لا يعينني على الطيران، لمحت بقعا من الدم المتمجد تلتمع في شعاع النجوم . و كلما يعلو صوتي اجد اترابي يتوغلون في مديات خضراء ، فاجدني مشدودا اليهم بحبل من نور ، فارتفع كأني اطفو على بساط من الريح يخفق في الجهات ، فارفع بصري نحو جهة بعيده ، فتلوح لي أمي من بعيد ، وهي تتلاشى ببطء في ظلام ولم اعد ارى غير ملائكة يحلقون في فضاء الملعب تدفقت رائحة الدخان مشوبة برائحة اجساد تحترق حالما وجدتني اصحو من شرودي على اثر صرخة مذعورة هبت من وراء النافذة وقبل ان المح أمي تجري سمعت صوت ((أخي)) يتردد في ارجاء البيت فعلمت أن جارنا الذي خرج بساق واحده ((مثلي )) من حادثة تفجير الملعب .... مات..

محمود الحاج محمد
11/11/2008, 01:04 AM
رائعٌ مانقلتًَ لنا

لكَ الودّ هنا

..

غفران طحّان
11/11/2008, 01:14 AM
زينب
كفراشة فرح أنت
تتقنين نثر الجمال
مودتي لروحك
دومي بجمالك

زينب الحافظ
11/12/2008, 07:58 PM
لكما الود محمود الحاج وغفران العزيزة

أعجبتني فنقلتها

محبتي

ناهدة حجازي
11/13/2008, 04:29 PM
واقع مؤلم يا زينب

وجروح لا تندمل أبدا ،،


قصة واقعية بكل تفاصيلها ،،

شوهت قراءتها قليلا الأخطاء الاملائية ،،

لكنها ما أفقدتها جمالها ،،


تحيتي لك ،،

عماد تريسي
11/13/2008, 07:58 PM
أما آن لحكايات الوجع أن تلملم بقاياها !!!!

كأنَّ دورة الحياة لا تفتأ ملآى بالضجيج فقط .....


المتألقة زينب

شكراً يليق بهذه الذائقة المختارة

مودتي

عبدالوهاب موسى
12/03/2008, 07:53 PM
دام نقلك البهى
وجمال حرفك الذكى
ولك كل الود.

زينب الحافظ
12/04/2008, 01:18 AM
سلام من الله

أشكركم أيُّها الأدباء الكرام

لمروركم وأشادتكم بنقلي


الأخت الأديبة ناهدة حجازي
الأخ الأديب عماد تريسي
الأخ الأديب عبد الوهاب موسى

زينب الحافظ