المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمّيُّ البَصَر


شادي حلاق
05/06/2009, 05:05 PM
أمّيُّ البَصَر


في مكان ما منقسم إلى ثلاثة أقسام : قسمٌ جبالٌ وقسم صحراء ، وقسم بحر
في منتصف ذلك المكان التقى ثلاثة أشخاص وجلسوا متقابلين تقابلا مثلّثيّا
فقال الذّي يُقابل البحر : إنّي أرى أشياء عظيمة ، أرى شموسا إنّها تتحرّك وتتموّج
وقال الذي يقابل الصّحراء : لا بل إنّي أرى شمسا وأرى حدودها
وقال الذي يقابل الجبال : إنّي أرى أشياء جميلة لكنّها ليست شموسا وليست عظيمة
افترقوا بعدها على ذلك ، وبعدها حدث زلزال عظيم سوّى الجبال ركاما وخرابا
وبعد حين من الزّمن التقى ثلاثة أشخاص آخرين في نفس المكان وجلسوا نفس تلك الجلسة
فقال الذي يُقابل البحر : ها أنا أرى الشّموس أمامي ولقد أطلت النّظر فيها ورأيتها كيف تقيم علاقات مع بعضها البعض ـ علاقات حبّ ، وعلاقات حرب إنّي أراها في حالات عناق أحيانا ، وأحيانا أُخرى في حالات اختصام .
وقال الذي يقابل الصّحراء : ليس كذلك فإنّي أرى شمسا وليست بهذه العظمة التي أسمع عنها
وقال الذي يقابل الجبال بعد أن صارت ركاما : ماذا تقولون ؟! لا يوجد إلاّ الرّكام والخراب
ظلّ كلّ منهم على قوله حتّى افترقوا
وبعد حين من الزّمن حدث نفس الأمر فالتقى في نفس المكان ثلاثة أشخاص وجلسوا وقالوا ما قاله الذين من قبلهم إلاّ أنّ الذي يُقابل البحر كان معه منظارا يقرّب البعيد ويُري الأشياء بحجم أكبر ، وبعد أن نظر إلى البحر من خلال ذلك المنظار قال : الآن رأيت بوضوح إنّها شمسٌ واحدة عظيمة إنّما لم تكن واضحة بالنسبة للأوّلين وهذا لأنّهم لا يملكون منظارا فالتبس الأمر عليهم .
فردّ عليه الذي يقابل الصّحراء قائلا : إنّ كلامك هذا قاله الذين سبقوك وهم أجدادي إنّما ليست بالعظمة التي تتحدّث عنها.
ظلّ كلٌّ على قوله حتّى افترقوا
وبعد حين من الزّمن حدث نفس الأمر إلاّ أنّ الثّلاثة هؤلاء كلٌّ كان لديه منظارٌ
وكلّ نظر ، إلى ما يُقابله ، من خلال المنظار وكلٌّ صدّق جدّه والذي يقابل الصّحراء لم يعظّم تلك الشّمس التي رآها قائلا : إنّها شمس واحدة لكنّها ليست عظيمة
والذي يقابل الخراب ـ حيث كانت الجبال ـ قال : إنّي أرى شيئا عظيما نوعا ما متوحّدا منسجما إلاّ أنّه ليس شمسا . وبعدها اتّفقوا على أن يتبادلوا أماكنهم لينظر كلّ منهم من جهة الآخر :
وفعلوا ذلك ، وبعد أن انتهوا وعاد كلّ إلى حيث كان بدأت النقاشات هكذا :
فمنهم من قال : إنّها شمس واحدة عظيمة . ومنهم من قال : لا إنّها ليست شمسا لكنّها السّراب
ومنهم من قال : إنّها ليست شمسا لكنّها أضواء تشعّ من البحر
هكذا صار الحوار فكلّ يثبت قوله ويخطّئ الآخر ويفسّر ذلك حتّى افترقوا على ذلك
بعد حين من الزّمن أتى إلى ذلك المكان رجل أعمى البصر والسبب في أنّه أعمى أنّه يعيش الحياة بحواسه وقلبه لا بعينيه ،ليكتشفها ويراها حقيقة ولا يكترث إلى مظاهرها ولا يشغله أيّ شيء لذلك قضى حياته ممّا مضى مغلقا عينيه حتّى صار أعمى
وقد كان من قبل سمع بعضا ممّا قاله الأوّلون
أطال الجلوس في ذلك المكان وكان لا يرى شموسا ولا شمسا لكنّه كان يشعر بحرارة كبيرة وسطوع عظيم يأتيان من الأعلى
فرفع وجهه إلى حيث الحرارة والسطوع اللتين شعر بهما ، أي إلى السماء
فشعر آنذاك بحرارة كبيرة وبسطوع كبير
عندها ، وهو موجّه وجهه إلى حيث السطوع والحرارة ، قال :
لا شمس إلاّ الشّمس
.

*2006 م
*

إبتسام إبراهيم تريسي
05/06/2009, 06:16 PM
مرحباً شادي
أهلاً بك معنا في أوّل مشاركة في يحكى أنّ .
أمتعتني قصتك ...
لكن ، المقطع الذي بررت فيه سبب العمى ، لم أجده ضرورياً ، برز لي كحصاة ناعمة في طريق السرد .
كذلك الجملة "أي إلى الشمس" بإمكاننا أن نفهم ذلك من السياق .
شكراً على المتعة الكبيرة .
وشكراً لوجودك
باقة ود .

شادي حلاق
05/07/2009, 06:13 PM
أهلا أختي الكريمة ابتسام
وشكرا على لطفك
و بالنسبة لتبرير سبب العمى فلا بدّ منه
فعمىً عن عمى يختلف
أمّا بالنسبة لتلك الجملة (( أي إلى الشمس )) فأنت محقّة في ذلك وإنّي كنت حذفتها من قبل لكن ...
وهاقد حذفتها
شكرا لك ودمت بخير