المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ظِلالُ الرَّصَاصِ


محمد سامي البوهي
11/16/2008, 04:44 PM
ظِلالُ الرَّصَاصِ




سَقَطَتْ أبْوابُ الجَامِعةِ الحَديِّديةِ تَحْتَ الأقْدامِ ، السّيلُ يَتدفقُ بالهُتافاتِ ، ولافِتاتِ الشعارات ، الشّوارعُ تَنصبُ شُطآنَها أمامَ أمواجِ الحريةِ ، تَناغَمتْ الأصواتُ المحتدمة بأغوارِ الصّمتِ ، المرأةَ تُخالطُها الفتاةُ ، الشّيخُ يَنسجمُ مع الطّفلِ الصّغيرِ ، الأعناقُ تحملُ غليانَ الشبابِ ، يُلوحون بقبضاتِ الغضبِ الممشوق منْ الأعماقِ "يا حرية فينك فينك .... بينا وبينك " ، الجّموعُ المتدفقةُ تلتقطُ الفُتاتَ الُمتناثرَ منْ لُحومِ البُؤسِ ... تتضخمُ ... في طريقِها نحو العرينِ منْ بين غاباتِ البيوتِ ، اليومُ ستجلبُ لنفسِها حياةً جديدةً، أو ستُكفنُ في قبورِ الخبزِ المُتصلبِ .... تُواصلُ التّقدم...

هَطلتْ غِيومُ البنادقِ بالرصاصاتِ العمياءِ فوقَ رؤوسِهم ، تُزاحمُ لِحومَ الأجْسادِ ، يأتي التّساقطُ تباعاً وسطَ صرخاتِ النِّساءِ ، الفوضى تندسُ بين التماسكِ ، الأحذيةِ ... الحقائبِ ... الكتبِ تُخالطها الدماءُ ، عِصّي الجنودِ تحاصرُ الهُتافاتِ "هه.. هه.. يا حرية فيـ هه.. هه ـنــك ... آآآه" ، ظِلالُ الرَّصاصِ تَحومُ حولَ البقايا ، تنجذبُ أنحاؤهم المتفرقةِ نحو كومةِ الحياة ِ، يَخوضُون وحلَ الدماءِ المعجونةِ بترابِ الطريقِ ، العرينُ يقتربُ من الطموحِ المنشود و.......... التساقطُ مُستمرٌ .

الأعدادُ ترتفعُ بسلةِ الموتِ ، امتلأتْ معدةُ الترابِ بالدماءِ ؛ فطفتْ جثثُ الشهداءِ تقبضُ على لافتاتِ الشعارات ، تتمسكُ أفواهُهم بأطرافِ الهُتافاتِ ، والناجُون يسبحون لقتلِ المسافاتِ المتبقية للوصولِ ، تتخيرُ الأغلالُ رقابَ بعضهم ؛ تأكلُ منْ الفلولِ الباقيةِ ، منظومةٌ لا تخمد إلا بذوبانِ الرؤوس ، جنودٌ وبنادق...رصاصاتٌ وعِصِّي... أصفادٌ وعربات ، لايهمُ أي شيء ، المهم تأمين العرين ، لمْ يعدْ سوى خمسةٍ منْ الرجالِ ، البحرُ يرتفعُ بأحْشَاءِ الحَقائبِ ، والبطونِ الخاويةِ ، اقتربَ منْ أنفاسِهم ، نأتْ عَنهم ظلالُ الرصاصِ ، اختفتْ أنصافُ أنوفِهم ، لمْ يعدْ سوى أربعةٍ من الرجالِ ... ثلاثةِ رجال... اثنين ... بقى رجلٌ واحدٌ ، وأخيراً أمامَ العرينِ ... تمسكَ بالأسوارِ للنجاةِ منْ الغرقِ ، آلافُ الظلالِ تنطلقُ ... آلافُ الرصاصاتِ تنطلق .... غرقَ في بحرِ الترابِ ، وبقيتْ يَدُه مُعلقة ...

زينب الحافظ
11/16/2008, 05:49 PM
أستاذي الفاضل القاصّ محمد سامي / وهذا ما حدث فعلا ً العام الماضي في مجزرة في بغداد

أبدعت في التصوير

كوثر الصافي
11/16/2008, 10:25 PM
.
.

(تَناغَمتْ الأصواتُ المحتدمة بأغوارِ الصّمتِ ، المرأةَ تُخالطُها الفتاةُ ، الشّيخُ يَنسجمُ مع الطّفلِ الصّغيرِ ، الأعناقُ تحملُ غليانَ الشبابِ )

النصّ هنا شحنة انسانية التأمت فيها كلّ العروق لتشكّل جسدا واحدا يغضب يتمرّد يتشظى وفي النهاية يفرغ حمولته دماً معتّقا بنخوة الوطن الذي لا يرتضي لرجالاته الا الموت وقوفاً.

(بقى رجلٌ واحدٌ ، وأخيراً أمامَ العرينِ ... تمسكَ بالأسوارِ للنجاةِ منْ الغرقِ ، آلافُ الظلالِ تنطلقُ ... آلافُ الرصاصاتِ تنطلق .... غرقَ في بحرِ الترابِ ، وبقيتْ يَدُه مُعلقة ... )

بارك الله.

/

ريما إبراهيم فائق
11/16/2008, 11:05 PM
محمد :
تصوير بديع للحشد الغاضب ، صور متتابعة مؤثرة جدا .
نقلت إلينا المشهد كما لن تنقله صورة .
سلمت يمناك .

ثابت وسوف
11/16/2008, 11:15 PM
الأستاذ محمد سامي البوهي

كم تسعدني قراءة سطورك الوارفة بالإبداع...

تنقل لنا الصورة مجسمة .. وتفتح لنا أبعادا أخرى من الجمال في قلب الكلمات

شكرا لك.. مع الاحترام

يسري راغب
11/16/2008, 11:47 PM
صديقي العزيز

البهي محمد البوهي
تحياتي

كاني كنت هناك معكم
كاني في المظاهره ذاتها
تسللت خفية الى نصك
فاخذني معه
الى اعزاء لدي في حركة كفايه المصريه
سافرت الى حيث تقع نقابة الصحافيين
يهزني الموقف
واعيش القصة حكايه تتجسد واقع مؤلم
اكتشفتك الان
فزادت محبتي لك
ومودتي ياشريك المظاهره

هدى محمد
11/17/2008, 04:05 AM
عندما يمتزج الغضب ورفض الأسر ..


رفض الذل والخنوع ؛؛

تولد حرية قانية من رحم التراب ..


وتفوح في الأنحاء جذلات رفعة وإباء ..!!

**

القاص محمد سامي البوهي ..

صورة مبدعة متألقة الوصف ..

تحمل جمالاً من نوع آخر ..!!


وودي والياسمين

\

\

عماد تريسي
11/17/2008, 07:32 PM
و غداً تنبت من بذور الدماء النقية أصواتٌ أخرى
و حناجر و هِممٌ لا تمل الطريق نحو العرين

فالحرية لا تموت أبداً . . .

رائعٌ دائماً أستاذ محمد

مودتي

ليلى العيسى
11/17/2008, 08:35 PM
:(
سامحكَ الله يا محمّد
أوجعتني الصّور كثيرًا و الأخيرةُ ينفطِرُ القلبُ لرؤيتهَا
أقول "رؤيتها" لأني شاهدتها بعينِ حرفك
رائعٌ قصّك برغم الصّور الأليمة فيهْ
و "يا حرية فينك؟"

أيهم سليمان
11/23/2008, 04:44 PM
إلى الآن يا محمد الحرية مازالت محض كلام لا أكثر

أن تبحث عن الحرية

فمعناه أنك تحتاج لأكثر من جرعة موت

الصور في هذه القصة مؤلمة

و القصة ككل بديعة و بليغة

دمت مبدعا يا محمد

ود

دكتور/ محمد فؤاد منصور
12/01/2008, 06:08 PM
عزيزي محمد البوهي
تصوير بديع في نسيج لغوي مدهش . وإن كانت الكلمة الدارجة " فينك .." قد أفشت سر المكان ..ولولاها لقلت إن العمل يمكن تطبيقه على أي بلد عربي آخر .. أتذكر مقولة كنا ندرسها ونحن صغار " إن الحرية الحقيقية هي حرية رغيف الخبز " .. ومانراه اليوم من أوطان لاتوفر رغيف الخبز للمواطن إلا مغموساً بمعاناة تجعله يعود إلى حيث ينام كسيحاً لاحراك فيه ..يفسر لماذا قلت مثل هذه المظاهرات التي أبدعت تصويرها ولماذا تبدو المطالبة بالحرية ذاتها ترفاً لايقدر عليه سوى من امتلأت بطونهم .. قصة مثيرة للشجن بقلم غاية في الرشاقة .. تحياتي.